|
الخميس:
06/03/2008
العدالة السياسية والديمقراطية الإجرائية
جان مارك فيري
ترجمة: د. عمر مهيبل
العدالة
السياسية والحقوق الأساسية
لكي نستجلي المعنى المتضمن داخل عبارة «العدالة السياسية»، فإنه سيكون من
الأفيد لنا الانطلاق من مفهوم أكثر اتساعاً للعدالة الاجتماعية.
فالعدالة الاجتماعية، ومهما يكن التصور الذي نملكه عنها، هي قبل كل شيء
طريقة معيّنة لضمان شروط عمل لائقة تراعي مقاييس السلامة، والنظافة،
والنزاهة الخلقية والمقدرة الجسدية. وبتعبير آخر، تسويغ الفكرة التي
نحملها في داخلنا عن الكرامة الإنسانية، وهي بعد ذلك طريقة معيّنة في
توزيع الثروة المنتجة اجتماعياً على أعضاء جماعة اجتماعية محددة، وكذا
تنظيم إعادة توزيع عام للثروات وفق ما يمكن أن نسميه التقسيم أو التوزيع
الثانوي، على الأقل في أفق النظام الحالي للدولة الاجتماعية. هذه الثروات،
وبما أنها ممولة عن طريق الاقتطاعات الإجبارية، فإنها تضاف إلى التوزيع
الذي تمت مباشرته عند بدء الإنتاج. وهي أيضاً طريقة معيّنة تضمن
للمتشاركين Societaires استفادة عادلة من الخدمات الاجتماعية، كالصحة،
التعليم، السكن، الدعم العائلي، مساعدة الأشخاص المعوقين، دعم المعوزين،
مراعاة العجزة والقصر، تأمين العمال ضد مخاطر حوادث العمل وكذا من مخاطر
تقليص المستخدمين الناجم عن الأحوال الاقتصادية الراكدة، أو عن برامج
إعادة الهيكلة (وهو ما نسميه اليوم باحتشام «البرامج الاجتماعية»)، وعن
البطالة الناجمة تحديداً عن إفلاس المؤسسات وما يتبع ذلك من إغلاق منهجي
لها... الخ.
لقد اتجهت أنظمتنا السياسية، وبخاصة في أوروبا الغربية، لتنظيم العدالة،
الأمن، والتضامن باستلهام أساس ما نسميه «الحقوق الاجتماعية»، والتي كنا
نسميها من قبل «الحقوق الاجتماعية»، والتي كنا نسميها من قبل «الحقوق
الديون» أو حقوق التصديق. وهذا يعني أن الأعضاء المكونين لمجتمع من
المجتمعات يصبحون بشكل من الأشكال بمثابة دائنين لدولتهم، وأن هذه الدولة
تصير ملزمة بأن تقدم لمشتركيها حدا معيناً من الخدمات المسماة «اجتماعية»
كمّا وكيفا، أي أن تضمن لكل واحد منهم قاعدة أساسية (في مجال الصحة،
والدخل، وبخاصة في مجال التعليم) حتى يتمكنوا من ممارسة حريتهم ممارسة
إيجابية. في هذا السياق إذن، يمكننا أن نعرف الدولة الاجتماعية، في
مناخاتنا على الأقل، بأنها النظام السياسي الذي عمل حتى الآن على تنظيم
صيغة معينة من العدالة، الأمن والتضامن على المستوى الوطني وفق المبدأ
الذي انبنت عليه تلك الحقوق الأساسية النوعية التي هي الحقوق الاجتماعية.
مع ذلك يمكننا أن نلفت الانتباه إلى تحفظين اثنين بخصوص هذا التعريف:
التحفظ الأول، لأنني تحدث عن «شكل معين» من العدالة، من السلامة ومن
التضامن. والتحفظ الثاني، لأنني أوضحت بطريقة لا لبس فيها أن الشكل
المعني هنا هو الشكل القائم حالياً على المستوى الوطني. وعليه، وانطلاقا
من هذه الاحتياطات أو التوضيحات، فإنه من المرغوب فيه أن تكتسي العدالة،
السلامة، والتضامن أشكالا وصيغا أخرى، أو دلالات منافسة لها فوق هذا وذاك
حضور حميمي في مجتمعاتنا، هذا من جهة، وأن تعمل الثقافة السياسية المشكلة
داخل مجتمع معيّن، بتحديد حس مشترك لا يكون بمثابة أساس نهائي Ultima
ratio لما يمكن أن يأخذ صفة العادل من جهة ثانية. مع ذلك، وتحديدا بالنظر
أو بدعم من هذين التحفظين أنوي في الوقت الراهن مباشرة أبحاثي حول مفهوم
العدالة السياسية.
الفقرة الأولى
الحقوق المدنية، الحقوق الاجتماعية، والحقوق السياسية
إذا ما وددنا التبسيط، فإننا سنجيز ما مؤداه أن تنظيم العدالة الاجتماعية
داخل نطاق دولتنا الوطنية، منظم بوساطة هذه الحقوق الأساسية النوعية التي
هي الحقوق الاجتماعية. بيد أن أنظمتنا السياسية مجبرة أيضاً على طلب
شرعية مكملة وذلك بالاستناد إلى حقوق أخرى، والتي بموجبها يصبح مفهوم
العدالة السياسية أكثر اتساعا من ذلك الخاص بالعدالة الاجتماعية؟ تقليديا،
يتعلق الأمر هنا بنمطين اثنين من الحقوق الأساسية:
الحقوق المدنية أو «الحقوق ـ الحريات» «Droits - Libertes» من جهة،
والحقوق السياسية أو «الحقوق – المشاركة(1)» «Droits - Participation» (أي
الحقوق المتعلقة بالمساهمة أو المشاركة) من جهة ثانية. إن الحقوق المدنية
الأساسية تعني فيما تعني الحريات المكرسة في بلداننا الديمقراطية ذات
الثقافة الليبرالية مثل حرية التعبير، حرية الانتماء إلى جمعيات، حرية
المؤسسة، حرية الحركة ذهابا وإيابا، وهي تعني كما حددها جون راولس John
Rawls(2) في كتابه نظرية العدالة Theorie de la justice «حرية الشخص
وحمايته من الضغوطات النفسية ومن الاعتداءات الجسدية، كما تعني حقّ
الملكية الشخصية وحقّ حمايته من التوقيف والاعتقال التعسفي»(3)، وبيّن أن
هذه التدابير الخاصة بالحقوق الأساسية، تختلف كما نلحظ، عن تلك الخاصة
بالحقوق الاجتماعية الأساسية كالحق في التأمينات الاجتماعية، في العمل،
وفي الحصول على حد أدنى من الدخل المضمون، وفي التربية.. إلخ. وهكذا، فإن
«الحقوق ـ الحريات»، بما هي حقوق مدنية أساسية، تهدف أساسا إلى حماية
الفرد من تجاوزات الأفراد الآخرين، وكذا حمايته من عنف النظام السياسي
للدولة وتعسفه. وهو أيضاً أحد الأسباب التي دفعتنا إلى بلورة تصور «سلبي
عن الحرية»(4). في حين نجد أن الأدبيات الماركسية عن «حرية صورية» خاصة
بالتصور الليبرالي «البرجوازي» للحق.
من هنا، وبموجب هذه النظرة، يصبح هدف العدالة ضمان الحرية في أفق نظام
حقوقي ينظم توافقية أو تركيبوية عامة، جامعة لكل الحريات الفردية، لكن
التي لا يمكن ممارستها فرديا إلا إذا توفر شرط ممارستها من قبل الجميع.
بمعنى آخر، إن العدالة تكمن في التوافق الذي بموجبه، كما كتب جون راولس،
نجد أن «الشخص ينبغي أن يتمتع بحق مساو للنظام الأكثر اتساعا للحريات
القاعدية المكفولة للجميع، والذي ينبغي أن يكون متوافقا مع النظام ذاته
الخاص بالآخرين»(5)، هذا ما نقصده عادة من عبارة «العدالة السياسية»،
بالرغم من أن هذا التنظيم الكلاسي الليبرالي التوجه، يفضل نمطا معيّنا من
الحقوق الأساسية هو نمط الحقوق المدنية أو الحقوق ـ الحريات في مقابل
الحقوق الاجتماعية، ولكن أيضاً في مقابل الحقوق السياسية بامتياز كحقوق
المشاركة التي يمكن أن نطلق عليها «حقوق المواطنة» «Droits de
citoyennete». وهنا نجد أن مفهوم المواطنة قد اتسع ليكتسب معنى المواطنة
الفعالة الموضوعية، والتي لا تختزل بالنسبة للفرد في مجرد الحصول على
حماية اجتماعية أو مدنية، حماية بالمعنى الشامل للكلمة.
على النقيض من ذلك، إنها تتمثل في ضرورة اكتساب حقّ المشاركة الفعالة في
صياغة القرارات والمعايير التي تهدف بخاصة إلى تنظيم مجمل الحياة
الجماعية. ومن بين الحقوق الأساسية المساوقة لهذا النوع من ممارسة الحرية
حصريا في المجال السياسي، نجد بالطبع حقّ الانتخاب، لذا، وبمقتضى وجهة
النظر هذه، فإن العدالة السياسية تسعى لأن تضمن لكل المواطنين، الذين
يقدّر بأنهم «مؤهلين» مدنيا، حقــّا مساوياً لتلك الصيغة غير المباشرة
للمشاركة السياسية ألا وهي الاقتراع الانتخابي. فعدالة من هذا القبيل
اليوم يمكن تحقيقها عن طريق الاقتراع العام. هذه في الواقع خطوة أولى فقط،
فإذا ما رغبنا، حاليا، في النظر إلى العدالة بما هي تقسيم عادل لإمكانية
مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات، وقبل هذا وذاك بما هي مشاركة في
المناقشات السياسية، فمن الواضح أن تحقيق ذلك يستوجب اليوم، فيما نرى،
صيغا أخرى للمشاركة الفعالة عدا تلك المتمثلة في القدرة على انتخاب
الممثلين، ومعاقبة من انتهت عهدتهم متى حلّ موعد الانتخابات الدورية
العامة منها أو المحلية. إننا نعلم، وبحسب الصورة المتوفرة، أن السلطة
غير محتكرة من قبل الدولة، وغير مرتكزة داخل مؤسساتها الدستورية (كالبرلمان،
والحكومة.. الخ). بل إنها مبثوثة عبر الهيئات المختلفة التي تقوم بتشكيل
منظومات وشبكات داخل منظومة المجتمعات البنكية، التقنية، الجامعية،
العسكرية، النقابية، الايديولوجية، الصناعية، البيروقراطية، والاعلامية..
وبموازاة هذا الكل، نجد أن النظام السياسي الشرعي، والدستوري، يوجد في
مفترق طرق بين القوى ومراكز النفوذ المنتظمة داخل هذه المنظومات.
إن الدولة الاجتماعية الحديثة، كما نعرفها، مضطرة للاكتفاء بلعب دور صار
منفعلا أكثر فأكثر. هذا الدور يتمثل في إحداث توافق بني المصالح المنتظمة
داخل مجموعات الضغط بطريقة السياسة في هذا المستوى منشغلة بتوضيح مقاييس
التحكم للجميع وبالقدر نفسه، وبشكل يمكننا من حمل المناقشة، وبالمرة
الأشكلة النقدية، إلى المجال العام. عند هذا الحد فقط، يمكننا أن نقول أن
أنموذج المواطنة، معطوفا على حقوق المشاركة يمكنه بداية التنفيذ الفعلي
لهذا النقاش الذي يفترض أن يكون مستوى التعقيدات الحالية.
إن مفهوم العدالة السياسية، كما نتصوره، لم يتخط مظهر العدالة الاجتماعية
فحسب، بل أنه انتشر بشكل مطرد اختزل معه مجمل ما يفيض عن مفهومه الواسع
إلى مجرد تقسيم عادل للحريات السلبية، حتى لا أقول إلى مجرد ملامسة لطيف
القوانين الأساسية: المدنية، الاجتماعية، والسياسية. فإذا ما كانت
مرجعيتنا هي السياق التاريخي والثقافي الذي نمت في أجوائه، في أوروبا،
والولايات المتحدة، المفاهيم سارية المفعول عن الحقوق الأساسية، فإننا
نجد أن مسألة العدالة تتلخص في البحث عن الطريق الأنجع لتطبيق عادل لهذه
القوانين، أي ضمان شروط تطبيقها اجتماعياً.
وعليه، وبموجب وجهة النظر هذه، يصير «عادلاً» كل مجتمع تمكن من احداث
توازن في ممارسة تنافسية لهذه الحقوق مختلفة الأنماط، وكذا من توزيعها
توزيعا عادلاً بين أفراده، مع العلم ـ وكما سنعود إلى ذلك ـ أنه لا يكفي
تعيين المنافع الرمزية القابلة للتقسيم وفق توازن معيّن. ولكن ينبغي أيضاً
معرفة ما هي هذه الشروط التي يصبح بمقتضاها هذا التقسيم «عادلاً» أو «منصفاً».
على أنني أود أن أضيف إلى هذا الاعتبار الأول، اعتبارات ثلاثة: الاعتبار
الاول ويتمحور حول إمكانية وجود حقوق أساسية، تكون هذه المرّة غير مدنية،
غير اجتماعية، غير سياسية، ولكن معنوية.
الاعتبار الثاني، ويتعلق بمعنى العدالة ذاته، وماذا نعني بكلمة «عدالة»
«Justice» و«إنصاف» «Equite» بمعزل عن نمط الحقوق الأساسية (المدنية،
الاجتماعية، السياسية، والمعنوية) التي شكلت مرجعيتنا دائماً أو تلك التي
نفضلها عن غيرها.
أما الاعتبار الثالث فيبحث في كيفية تعميق الاعتبار الثاني لجهة بلورة
تأمل حول الشروط المتعلقة بالجانب الإجرائي فقط، والتي إذا ما أخذت بمعزل
عن صيغ أو مبادئ الإنصاف المقترحة لبناء مجتمع عادل، فإنه يمكن اكتسابها
بطريقة شرعية. ولكن، وحتى يحين موعد ذلك، سأباشر تطويرا خالصا على مفهوم
الاجرائيانية «Proceduralisation» الهام، وذلك بالاستناد إلى المواجهة
التي وقعت بين مقاربات جون راولس ويورغن هابرماز.
الفقرة الثانية:
الحقوق المعنوية أو «الحقوق ـ الشخصية (الشخصانية)»
لقد جرت العادة في مجتمعاتنا أن تضم مدونة الحقوق الأساسية، التي يتوقف
عليها توازن العدالة، الحقوق المدنية، أو الحقوق ـ الحريات، الحقوق
الاجتماعية أو الحقوق ـ الديون، والحقوق السياسية أو الحقوق ـ المشاركة.
وهكذا، سنأخذ معنى «عدالة سياسة» وفق معطى موضوعي، كل هيئة أو نظام
للعدالة يظلل بطيفه على مجمل الحقوق الأساسية دون أن يكون مضطرا للتضحية
بأي مكون من مكوناتها. بالفعل، فإنّ أي نظام سياسي لا يضع في حسبانه مثلا
إلا الحقوق الاجتماعية، فإنه منطقيا، يكون قد اقترب من التصور الخاص
بالنظام المستبد، إن لم نقل الشمولي. وبتعبير آخر نقول: إنّ الدولة
الاجتماعية، وهي سمة بارزة في دولنا الحديثة التي تقوم بتنظيم العدالة
وفق مبدأ الحقوق الاجتماعية، لا توفر عبر هذه السمة أي ضمان كافٍ لبلوغ
الديمقراطية. هذا بالإضافة إلى غياب العناصر الأخرى منها ما هو مرتبط
بالحقوق ـ الحريات، ومنها ما هو مرتبط بحقوق ـ المشاركة، وهي الحقوق التي
ينبغي لدولتنا الحديثة أيضاً أن تباشر تنظيم العدالة وفقها، حتى يمكنها
التطلع إلى بلوغ مرتبة الدول الديمقراطية، فإذا ما قامت باستيفاء هذه
الشروط جميعها، إذ ذلك فقط، يمكنني الحديث عن عدالة سياسية.
وبما أنه من غير الأكيد الآن، أن تلبي المطالب الاجتماعية المنادية
بالعدالة السياسية اليوم، بالاعتماد على هذه الأبعاد الثلاثة ـ لذا سأقوم
بإدخال مظهر إضافي ينبغي أن يأخذ في الحسبان، مظهر رابع سأشير إليه باسم
«الحقوق المعنوية» «Droits Moraux» ما دمت لا أتوفر على مقابل أحسن منه.
إذن لنقل «حقوق معنوية» وليس حقوقاً سياسية، أو مدنية، أو اجتماعية بما
أن ما أقصده من هذا التعبير هو تلك الحقوق التي تظهر تعاطفا خاصا مع
الهموم المعنوية للشخص، ولهشاشة الهوية المتوجب عليه بلورتها اليوم داخل
وعبر التواصل الاجتماعي أساسا، وفي هذا المعنى تحديدا يمكننا الحديث مرّة
أخرى عن الحقوق ـ الشخصية أو الشخصانية.
أما من الناحية الفلولوجية(6) المحضة، وبخاصة ضمن هرمية الاشتقاق اللغوي
اللاتيني، فإن كلمة «شخص» «Persona» تعني بشكل أولي السحنة أو الوجه، ومن
ثمة صارت تحليل إلى مفهوم القناع بالاستناد إلى الأقنعة المستخدمة في
المواكب الجنائزية، أو تلك المستخدمة في المسرح، ذلك أن الممثل الموجود
على خشبة المسرح في مواجهة الجمهور يمكنه تقمص شخصية معينة، بمزاج غير
مزاجه، وذلك من خلال أفعال تجعلنا نعتقد وكأن الشخصية المسرحية الممثلة
تروي حكاياته هو. من هنا لا يمكننا أن نفترض بأن الشخصية الحقيقية شخصية
مقنعة ما دامت هي ذاتها، تقدم من تلقاء نفسها صورة عامة مضللة. إن الفكرة
المرتبطة بالمصطلح اللاتيني Persona وبمقابلها اليوناني Prosopon، تظهر
صراحة أن شخصية الشخص لا تتفتق إلا تحت الأضواء الكاشفة العمومية، فمجال
التظاهر هذا يبدو على الشاكلة التي تكونت وفقها فكرة المواطنة المتمدنة
قديما، إذ تمّ التفكير فيها بداية وفق نماذج مستلهمة من ساحات القتال،
وبعد ذلك من المسرح، ثمّ من الساحة العامة أو المجلس Forum أو من
الأغوارا Agora (7) بما هو الأفضل للتعبير والإفصاح عن الطبائع الإنسانية.
لذا، فإن المجال العام ليس مجالا مسرحويا لتظاهر فحسب، ولكنه أيضاً مجال
لإيتيقا المعرفة، إن لم أقل العرفان.
لقد ربط القدماء، كما نعلم، ربطاً وثيقاً بين الإيتيقا والسياسة، الأمر
الذي جعل حداثتنا تحتفظ بعلائق سرية مع النزعة الكلاسية أو الكلاسيانية
Classicisme(8). كما أنها أفردت ـ أي حداثتنا ـ للدعاية بالمعنى الأعمق
للكلمة، وللكلمة العمومية، و«للاستخدام العمومي للعقل»، كما يرى كانط،
وبالمرة لحرية التواصل والمواجهة بين الأفكار ضمن مجال عمومي معيّن، قيمة
إيتيقية وسياسية من الطراز الأول. إن أهمية التواصل العمومي، وكذا حرية
النشر ـ تحت أية صفة كانت ـ بغرض إيصال أفكارنا أو معلوماتنا للآخر
واستقبال مثيلاتها، هو من حسنات ثقافتنا السياسية. أضف إلى ذلك ظاهرة
مجتمعية لا تقل عمقاً عن سابقاتها، تصر على التمسك بالأنموذج المتبع
عندنا سواء فيما يخص التشريك أو فيما يخص الفردنة، وفي هذا المعنى بالذات،
كان الفليسوف الكندي شارل تايلور Charles Tayhor قد قام بتحديد سمة من
أهم سمات العصر الحديث. ففي محاولة الصغيرة عسر في الحداثة Le malaise de
la modernite كتب شارل تايلور «قبل العصر الحديث، لم نكن نتحدث عن «الهوية»
وعن «الاعتراف»، ليس لأن الناس لا يحوزون على ما نسميه هوية، أو لأنه لا
يهمهم اعتراف الآخرين بهم، بل لأن هذه الأمور لم تكن مصدر مشاكل، ومن ثمة
لم تكن لتصبح موضوع نقاش»(9)، ليردف قائلاً: «إن عرض صورة محقرة أو شائنة
عن الآخر يمكنها فعليا أن تشوه أو تخضع في حال تم توظيفها توظيفا داخليا»(10).
إن حرية التعبير، والحق في التواصل المرتبطة بها، وتحديدا في وقتنا
الراهن، يفضيان إلى إشكالية قضائية جديدة لم تطرق إلا قليلا. وهذا ما
يظهر في بعض التأملات المتأخرة حول «إيتيقا الصورة»(11)، أين تم طرح مشكل
ديانطولوجيا (أخلاقية) Deontologie معيّنة، أو حق الاعتراف بأولئك الذين
يقدمون، وبأعداد متزايدة، بإنتاج الصور أو بإعادة إنتاج التصريحات (أو
الأقوال) واحترامهم. ذلك أنه، وباسم حرية الصحافة، قد تحدث أشياء فظيعة.
وبحجة الحق في الحصول على المعلومة يمكننا التلاعب بسمعة الأشخاص الذين
حملتهم أقدارهم، لسبب أو لآخر، ليكونوا عرضة لأضواء المجال العالم
الإعلامي، أو تحت رحمة أقلام الصحافة المكتوبة. وعليه، فإن كل ما يمكن أن
نقوله هنا يبرز جرحا أخلاقيا شديد الوطأة بحيث أن القانون ساري المفعول
ذاته، في مجال الإعلام، لم يتمكن من ضمان توازن بين الأضرار التي يمكن أن
تتسبب فيها وسائل الإعلام الثقيلة، والتعويضات التي يتوجب عليها دفعها
للأشخاص الذين وقعوا ضحايا تعسفاتها. وفي الوقت الذي صار فيه الوصول إلى
وسائل الإعلام أمراً محورياً بالنسبة لهذا الشكل غير المباشر من المشاركة
السياسية، والمتمثلة في إمكانية التحدث إلى الجمهور، فإن تقسيم هذه
الإمكانية أو القدرة بين المواطنين وممثليهم يأخذ قيمة حاسمة من وجهة نظر
العدالة. على كل سأعود إلى هذه النقطة فيما بعد، لكن قبل ذلك أود التوقف
حول ما نعنيه اليوم إجمالا بكلمتي «عدالة» و«إنصاف».
الفقرة الثالثة
في البحث عن توازن في مجال العدالة
في الواقع لم أشر إلى حدّ الآن، إلا لتلك المدونة الحقوقية التي يمكن أن
تناط بها عملية توزيع «عادلة» لطيباتها الأولية الرمزية، والتي هي الحقوق
الأساسية حتى يمكننا الحديث عن توازن في مجال العدالة. لكن ما الذي نعنيه
بكلمة «عادل»؟ إذ كان يكفي مجرد ذكرنا لكلمة توزيع حتى تكون المواجهة بين
المبادئ المتناقضة قد بدأت، مثال ذلك تعارض المبدأ الذي يقول: «لكل حسب
قدراته» مع المبدأ القائل «لكل حسب متطلباته». ومن ذلك أيضاً، وفي سياق
آخر، التعارض القائم بين من يرددون أن المجتمع العادل هو أولاً وقبل كل
شيء مجتمع المساواة، وبين من يعتقدون أن القسمة الأولى للمجتمع العادل هي
الحرية، حتى ليمكننا أن نجعل من واقعه عدم توفر إجماع ضروري حول القيم
وتراتبيتها بمثابة «واقعة تعددية» تميز مجتمعاتنا.
ينطلق جون راولس مؤلف كتاب نظرية العدالة الشهير، من هذه الواقعة
التعددية تحديدا، للبحث عن ماهية المبادئ العامة، التي يمكن لأعضاء جماعة
سياسية، مهما تكن الاختلافات القائمة في وجهات نظرهم أو بين مصالحهم، من
أن يتفقوا حولها بغرض الاصلاح على معيارية معينة لبلوغ مجتمع عادل. إنه
يتحتم عليه البحث في المبادئ، كما يمكن لكل واحد الإقرار بها، دون أن
يكون مضطرا للتراجع عن قناعاته أو توجهاته الخاصة. فإذا كان بالإمكان بعث
قوانين توفر لكل منا أكبر قدر من الحرية للتعبير عن رغباته، ومن ثمة
السعي لتحقيق أهدافه، دون أن يؤثر ذلك على حرية الآخرين في التعبير عن
رغباتهم في سعيهم إلى تحقيق أهدافهم، فإنه لن يبقى هناك من داع لهذا
النظام لكي يقبل بتوافق يندرج ضمن سياق مطبوع بتعددية أكسيولوجية (أخلاقية)
ما فتئت تتنامى. ثم هل من الضروري أن ننتظر توافق المواطنين حول فكرة أن
الحرية الفردية هي القيمة الأولى، والتي أفضت إلى عبارة راولس «التوافق
أو الإجماع التعددي»«Consensus pluraliste» أو عبارته التوافق أو الإجماع
المتقطع (أو المجزأ) «Consensus par recoupement» (Overlepping
consensus).
والحال أنه يمكننا تمييز السمات الأساسية للاستراتيجية التصورية المتبعة
لاشتقاق مبادئ العدالة دونما حاجة إلى تحليل مضمون الصيغ المقترحة من قبل
جون راولس. إن الأمر هنا يتعلق بمسلك شكلي وتحليلي يبحث في كيفية بلوغ
وجهة نظر على درجة قصوى من التجرد والنزاهة، انطلاقا من المكاسب المحققة
في المجتمعات الليبرالية الديمقراطية، وأما المبدأ الحالي للدولة
الاجتماعية والقائل بترويض السوق دون تحطيم ميكانيزماته، فإنه لم يوضح
موضع تساؤل. وعليه، فإننا سنجير ضمنيا، الخطاطة سارية المفعول والتي
مؤداها: توزيع أول للدخل يتم وفق مقتضيات السوق، وتوزيع ثان بعد ذلك يتم
وفق ميكانيزمات إعادة توزيع الخسارة عن طريق الاقتطاعات وإعادة التعيين
عن طريق التحويلات. وبيّن أن توزيع الثاني هو الذي يشكل ركيزة الموازنات
الكبرى للدولة وللضمان الاجتماعي. هذا التوزيع يجد مبرره أو مشروعيته في
اعتبارات خاصة بالعدالة، فالهدف منه استشعار التباينات الكبيرة في توزيع
الثروة الاجتماعية واحتوائها، دون أن يغفل واقعة أن وجود بعض مظاهر
الاختلال إنما هي بمثابة حافز مشجع للإبداعية المجتمعاتية، إذ، وفي سبيل
بلوغ نمو شامل يمكن للأغنياء أن يتمتعوا ببعض المزايا، شريطة أن ينال من
طيباتها الفقراء أيضاً. هذه باختصار، هي الروح التي صاغ بموجبها جون
راولس القسم (ا) من مبدئه الثاني الذي يقول فيه: «ينبغي أن ترتب
التباينات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة [...] عقلانية تجعلنا نعتقد
أنها في صالح كل واحد منـّا» بما أن«النظام الاجتماعي ذاته لم يخلق
لإقامة آفاق أكثر ملاءمة لمن هم أوفر حضاً وحمايتها»(12).
على أن تفكيرا مليا في المسألة يوصلنا إلى أنه من المتعذر فرض مفهوم خالص
عن العدالة ببداهة، وعبر صيغة التوافق هذه، مع أن هذا القول لا يعني بأي
حال الانتقاص من شجاعة راولس الثورية، على العكس من ذلك، فإنني ألاحظ أن
مبدأه الثاني، هو قبل كل شيء، إعادة تشكيل لمعنى مشترك أعطي للوضع القائم.
مثال ذلك أنـّه لم يخطر على بالنا أن نضع موضع لتساؤل الفكرة التي مؤداها
أن الدخل الأولي ينتج بالأساس عن إثابة أو تثمين لعوامل الإنتاج، إذ يصعب
علينا تصوره بمعزل أو دونما رابط يذكر مع المساهمة المنتجة لكلّ منا، وأن
يتمتع كلّ واحد منـّا بدخل لا مشروط سواء كان غنيا أم فقيرا، عاطلاً عن
العمل أم عملاً، طالباً، متقاعدا، امرأة ماكثة بالبيت، صاحب بنك أم
مشرّدا. إنني أقول بأن مبادئ العدالة كما تصورها جون راولس هي أقل مواءمة
للعامل النامي(المتقدم)، بمعنى أنها متعارضة مع فكرة وجود «منحة شاملة»
بما هي «عربون مواطنة»(13). لكن، ولكي ندفع بهذه الفكرة قدما إلى الأمام
ضد اعتراضات الحس المشترك التي شعارها «هناك من يتقاضى أجراً، لكي لا
يفعل أي شيء»، لابدّ من إقامة نقاش مطول حول الافتراضات الإيتيقية
للاستمساك بالقيمة الايديولوجية للعمل ولصيغته المهيمنة: العمل المأجور
في منصب مقدم من قبل النظام.
إن منظر العدالة، وبشكل أساس، يجد نفسه هنا مضطرا لاتخاذ قرار، أو انحياز
نسبي لما ينبغي أن تكون عليه القيمة القاعدية لقيم مجتمع عادل، القيمة
التي ينبغي أن لا تعلوها قيمة أخرى. إذن، لم يحمل جون راولس على وصف
الحرية، بما هي قيمة أولى، انطلاقا مما يسميه «النظام المعجمي» (أو
القاموسي) Order lexical، أو نظام الأولويات الأكسولوجية. أو لم يعترف
لاحقاً أن مبادئ العدالة هذه لا يمكنها ادعاء الصلاحة، بما أنها غير
محايدة ثقافيا، بل على النقيض من ذلك، فإنه يفصح عن حالة من التوافق
الليبرالي ـ الديمقراطي الخفي تطبع مجتمعاتنا الغربية المعاصرة. إن قيمة
القوانين نابعة من كونها تمتلك إمكانية الاستناد إلى هذا «الحس المشترك
الديمقراطي ـ الليبرالي» الذي ما من شيء يؤكد أنه سيبقى مستقرا أو ثابتا.
والحال أن الحس المشترك لا تغلب عليه السمة التطورية فحسب، بل إنه دائما
ما يضمر عناصر دوغماتية. صحيح أن العدالة ستعمل على حماية من الانسياق
إلى العنف، لكن بين دوغماتية اليمين المحافظ، ودوغماتية اليسار الثورية،
ألا يوجد مكان لمقاربة مغايرة يكون مؤداها التساؤل حول ما إذا كان يتعين
على العدالة التركيز على ما هو أكثر جوهرية، أي التركيز على شروط تشكل
الحس المشترك ذاتها، والتي تعد بمثابة قاعدة التعبير عن توافق سياسي حول
مبادئ العدالة؟ وفي هذه الحالة، فإن نظرية العدالة لن تستند مباشرة ـ من
الآن فصاعدا ـ إلى قواعد التقسيم العادل للخيرات الاجتماعية الأولية وهو
أمر لا يخرج عن نطاق المألوف، بل إنها ستستند الآن، إلى الشروط الإجرائية
الخاصة بشكل توافق يفترض الحصول عليه بكل حرية، وضمن أقصى درجات المساواة
التساهمية الممكنة فيما يخص القواعد الخاصة بالتقسيم حتى لو تعلق الأمر
بمراجعة محتملة لها. وهذا يفضي بنا إلى اعتباري الثالث.
نحو إجرائيانية جديدة
تتلخص المقاربة الأخرى التي تحدثت عنها في فكرة إيتيقا إجراءوية للمناقشة.
فها هنا نحن لا نقوم بتحديد الإجراء العادل أو المنصف، ولكن تحديد شروط
القبول التي يمكن لها أن تكشف شرعيا عن المزاعم المعيارية للعدالة. ذلك
أن هابرماز مثلا حاول موقعة هذه الشروط في أفق مبدأ المناقشة، أو «المبدأ
د» ومنطوقه «وحدها المعايير التي يمكن لها أن تحوز رضى كلّ المعنيين بما
هم أطراف فعالة في حوار عملي معيّن، يمكنها زعم الصلاحة». هذا المبدأ
ينحدر أصلاً من مبدأ ينحو منحى شموليانيا، أو من «المبدأ ى» ومنطوقه: «فيما
يتعلق بالمعايير السليمة، فإن النتائج والأعراض الجانبية الناتجة وبطريقة
منتظرة، عن ملاحظة شاملة للمعيار قصد تلبية مصالح الجميع، ينبغي أن تقبل
من طرف الجميع عن طيب خاطر»(14).
إذن، هذا التصور يحملنا بشكل طبيعي إلى ربط مسألة العدالة بالتساؤل حول
الشروط الحقيقي للتواصل السياسي في مجتمعاتنا. أما من وجهة النظر
الإجرائية المتبعة هنا، فإن العدالة السياسية مرتبطة فعليا وأساسياً
بالإمكانات الممنوحة لكل واحد منا بوصفه مواطنا، ومن ثمة إسماع وجهات
نظره علنيا والدفاع عنها بقصد الوصول إلى نتائج عملية، ليس فيما يخص
الرأي العام فحسب، ولكن فيما يتعلق بالنشاط السياسي أيضا. وعليه، نقول إن
المجتمع العادل هو ذلك المجتمع الذي يلبي أفضل الشروط لمشاركة تكون في
مستوى تلك المناقشات العملية.
على أن الملاحظ هنا، هو أن العدالة السياسية تستند إلى مفهوم تواصلي
للحرية الجماعية، وهذا يدفعنا إلى القول في نهاية التحليل بأن العدالة هي
رهن بحرية توصل حقيقي، حيث يمكن لكل مواطن تسجيل موضوع للنقاش العلني في
جدول أعمال المفكرة السياسية، علما أن «وظيفة المفكرة» هذه، هي في الوقت
الراهن مصادرة من قبل الفاعلين المحوريين في مستوى النشاط السياسي،
والمتمثلين أساساً في رجال السياسة وصحافي وسائل الإعلام الثقيلة. إنهم
هم من يحدد، سواء كان ذلك مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، ما الذي يستحق
الدعاية السياسية، وما هو النظام الذي نتـّبعه في تبويب الأخبار التي
ينبغي أن تقدم، والتي قوم المختصون بالتعليق عليها. إن جمهرة المواطنين،
التي تشكل في أفق هذه الوظيفة، ما صار يعرف اليوم «بالجمهور» تلعب دورا
سلبيا فالرأي العام الذي يفترض فيهم تشكيله، بدأ يتشكل على نطاق واسع
داخل حدود فرز مسبق للمباحث ذات الاهتمام العمومي. إن الحرية الجماعية،
ومهما تكن درجاتها يحكم عليها بمدى مطواعية Plasticite الحدود التي، وضمن
سياق تاريخي، ثقافي ومؤسساتي معطى، تقوم بتحديد ما الذي في استطاعتنا
التعبير عنه بكل حرّية، أو بالأحرى ما الذي يستحسن مناقشته علانية، مع
ذلك لنتفق هنا: إن الحرّية الجماعية ليست هي ذاتها حرية الصحافة. ذلك
لنتفق هنا: إن الحرّية الجماعية ليست هي ذاتها حرية الصحافة. صحيح، أو
وجودها مرهون بوجود هذه الأخيرة، إلا أنها لا تتوافق تماماً مع السيادة
الخاصة بالصحافيين، مقدمي البرامج، المنشطين، المخرجين والمبرمجين،
وبالختصار مع كل أولئك الوسطاء المؤسساتيين الذين يتجهون اليوم قدما نحو
شرعنة ممارساتهم تحت وطأة اللذة ورغبة الجمهور.
وهكذا، فإن الفرز الذي تمّ في مستوى وسائل الإعلام طبقا لمقاييسها الخاصة
هي، يطرح في الوقت ذاته بالنسبة لديمقراطياتنا، مشكلة الحرية قياسا
باستقلالوية السلطة الإعلامية. هذه العناصر تبدو في الواقع أكثر راهنية
من تلك التي تعمل على تثبيت الرقابة الناجمة عن وصاية السلطات السياسية،
أو الضغوطات الممارسة من قبل السلطات الاقتصادية والاديولوجية وغيرها،
بالاستناد إلى حرية الصحافة. إن الفرز الخاص بوسائل الإعلام يقوم بحصر
المجال الموضوعاتي الممكن بطريقة تعسفية أكثر من اتباعه لمقاييس معيّنة،
من ذلك الضبابية التي تغشى هذا الشكل من الحرية الجماعية التي تتمظهر في
هذه السلطة التي نقوم من خلالها جماعياً بمناقشة بعض المواضيع علانية.
فالتحليل النقدي لهذه الحدود الملموسة للتواصل الاجتماعي والسياسي، يمكن
أن يفضي إلى إجراء يوحي بالصرامة وبالمطواعية، بمعنى آخر قد يفضي إلى
مراجعة محتملة فيما يخص العدالة، وهذا لا يمنع من أن يشكل كل منا فكرته
الخاصة عن المجتمع العادل. كما في مقدورنا أيضاً أن نقول أنه لا يوجد
نظام عادل، وإنه لا يمكن أن يوصف كذلك من قبل المهتمين، وذلك منذ اللحظة
التي طبق فيها، ذلك أن العدالة هنا تتعارض مع العنصر البنيوي لتواصل
محدود. لذا نجد أن مسألة العدالة السياسية وبمنأى عن القيم القاعدية
المستخدمة كسند بغرض استنباط معايير تقسيم عادلن تمر عبر تأمل أكثر
راديكالية حول الإجراء المقالي، البينذاتي، الذي يعد بمثابة الملاذ
الأخير الذي إما أن تجاز فيه هذه المضامين لمعيارية بطريقة شرعية أو
ترفض.
الهوامش
ـــــــ
(1) هذا التصنيف لحقوق المواطنة فيما يخص الحقوق المدنية والاجتماعية تم
افتراضه من قبل:
T. H Marshall, Citizenship and Social Class, Cambridge, 1950.
(2) راولس (جون): Rawles (John) (1905م -2002م) من أبرز مفكري الفكر
السياسي الليبرالي في أمريكا، حيث حاول عبر مؤلفاته المختلفة ترسيخ الأسس
التي انبنت عليها النظرية الليبرالية بأبعادها المختلفة مع تثمين الأبعاد
الإنسانية العميقة في النظرية الاشتراكية أيضا. فمن الليبرالية احتفظ
بمطلب الحرية الفردية وتنمية قدرات الإنسان الذاتية بعد صراع طويل مع
الكنيسة بشكل خاص، ومن الاشتراكية أبقى على جهودها من أجل بعث العدالة
والمساواة بين البشر. من أهم كتبه: العدالة والديمقراطية Justice et
democratie (1993 الترجمة الفرنسية)، الليبرالية السياسية Liberalisme
politique (1955 الترجمة الفرنسية)، نظرية العدالة Theorie de la
Justicate (1993 الترجمة الفرنسية)(المترجم).
(3) J. Rawls, Teorie de la justice, trad, Catherine audart, Paris, Ed.
Du seuil, 1987, P. 92.
(4) أنظر في هذا المعنى:
I. Berlin, Eloge de la liberte, trad., Carnaud et Lahana, Paris,
Calmann-Levy,1969.
(5) J. Rawls, P. 91.
(6) فلولوجيا: Philologie فقه اللغة.
(7) أغورا Agora: اسم ينطلق على الساحة العامة التي كانت مجالس السياسة
والنقاش في المدن الإغريقية تنعقد فيها، وصارت ترمز فيما بعد إلى كل ما
يتعلق بما هو عمومي.
(8) النزعة الكلاسية أو الكلاسيانية Classicisme: مشتقة من المصطلح
اللاتيني Classicus وتعني المواطنين من الدرجة الأولى (أو الأرستقراطيين
بالمصطلح العادي). وهي بهذا تعني كل ما هو نخبوي معرفيا، لغويا،
اجتماعيا، وسياسيا. وهي تستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الانضباط
Discipline، النظام L'ordre، والانتظام Regularite. وقد كان الملك
الفرنسي لويس الرابع عشر Louis XIV من المشجعين لهذه النزعة التي سادت في
عصره وبخاصة في المجال المسرح والشعر. من أهم ممثليها: راسين Racine،
مالارب Malherbe، وفوجيلاس Vaugeles، موليير Moliere، ومانطقة بور روايالPort
royal .
(9) Ch. Taylor, Le malaise de la modernite , Paris, Ed., du CERF,
Coll. "Humanite", 1994, P. 56.(Trad .Charlotte Melancon, lere ed. En
Francais sous le titre Grandeur et misere de la modernite,
Bibliotheque nationale du Quebec, Ed Bellarmin, 1992).
(10) Ch. Taylor, P. 58.
(11) Voir a ce sujet, L.Gross, J.S. Katz et J.Ruby (ed). Image Ethico,
The Moral Rights of Subjects in Photographs, Film and Television, New
York, Oxford university press. 1988.
(12) J. Rawls. P. 106.
(13) انظر بهذا الصدد:
J. M. Ferry, «La Troisieme Revolution» ainsi que Ph. Van Parhis, "Un
reve genereux",dans Le Monde des debats, n 8, mai 1993, p. 10, 11.
(14) J. Habermas, De l'ethique de la discussion, trad. Marc Hunyadi,
Paris, ed, du cerf, 1992, P. 17.
المصدر: كتاب «فلسفة التواصل»، 2006م، المركز الثقافي العربي ـ بيروت،
الدار العربية للعلوم ـ بيروت، منشورات الاختلاف ـ الجزائر.
|