الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاربعاء: 27/02/2008

 

العلم والخرافة والمجتمع

د. صلاح الجابري(*)
(خاص للمعهد)

سبقت الخرافة العلم والفلسفة معا في الوجود؛ بسبب كونها نزوعا سيكولوجيا لدى الفرد نحو إيجاد تفسيرات للظواهر الكونية والاجتماعية تخفف من قلقه تجاه الواقع وعتمة المستقبل. وإذا كانت الخرافة في عصر ما قبل الفلسفة والعلم عملية تفسيرية تمتلك تسويغا خاص من منظور فكرنا المعاصر، إلا أن وجودها وفاعليتها في العصر الراهن يكتسب معنى مختلفا، إذ تعبر عن عجز الإنسان في التماس تفسير معقول للظواهر الحياتية والكونية، على الرغم من أنها باقية بصفتها وسيلة للتخفيف من قلق الإنسان تجاه عتمة المستقبل، هكذا تتفشى الخرافة عندما تعجز العقلانية عن تنوير دروب المستقبل ويبدأ القلق يغطي على الحياة السويّة للإنسان. تثير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مشكلات متعددة، فالارتباط الحتمي بين مستوى الدخل ووفرة العمل، ومستوى التعليم، وطبيعة التفكير البشري، يجعل الخرافة المقابل للتفكير العلمي والعقلاني، فكلما كان الاقتصاد منتعشاً وكان العمل متوفراً وكان دخل الفرد يسمح له برسم أفق مستقبله القريب كلما استقر تكوينه النفسي، وازداد مستوى تعلُّمِهِ و تأهَّل لامتلاك وسائل التفكير العلمي، وعندما يحدث العكس فإنّ النتيجة الحتمية هي الوقوع في شرك الخرافات كمتنفَّس وحيد تجاه الواقع المقلق، وتجاه عتمة المستقبل.
المعنى المعجمي
جاءَ في لسانِ العَرَبِ أنَّ الخُرافةَ: الحديثُ المُسْتَمْلَحُ من الكَذِبِ، وقالوا حديثُ خُرافةَ، ذكر ابن الكلبي في قولِهم «حديث خُرافة» أنَّ خُرافةَ من بني عُذْرة أو من جُهَيْنَة، اختَطَفَتهُ الجنُّ ثم رجع إلى قومه فكان يُحدِّث بأحاديث مما رأى يَعْجَب منها الناس فكذَّبوه فجرى على ألسن الناس... وهذا التحليل للأصل اللغوي للخرافة لا يعدو كونه تفسيرا للخرافة عن طريق خرافة، وهو بعيد عن العقلانية. والأقرب إلى العقلانية هو أن تكون كلمة خرافة جاءت من الخروف أو الخراف وهي ذكور الأغنام، وهو تعبير عن فقدان العقل في الحيوان.
والخرف: فسادُ العقل من الكِبَر. وقد خَرِفَ الرجلُ بالكسر، يَخْرَفُ خَرَفاً فهو خَرِفٌ فَسَد عقلُه من الكِبَر، والأنثى خَرِفَة. وأخْرَفَه الهَرَم(1). وهذا المعنى أقرب إلى العقلانية، وهو المراد حقيقة من الخرافة.
ويبدو أن المعاجم الإسلامية لم تتناول الأسطورة بشكل كبير، فقد جاء في المنجد:
سَطَّر عليه: جاءه بأحاديث تشبه الأباطيل وزخرفها له.
والسُطُر: الأقاويل المنمقة المزخرفة.
والأسطورة: الحديث الذي لا اصل له.
ويقول القرآن الكريم: «إن هذا إلا أساطير الأولين» أي مما سطَّروا من أعاجيب أحاديثهم.
ويبدو أن الأسطورة خرافة دخلها التزويق والتنميق والزُخْرُف لكي تكون مؤثِّرة على النفس، فيتقبلها البشر بسهولة، والأهم من ذلك أنّ الأسطورة أكثر عمومية من الخرافة التي غالبا ما تأتي بصفتها حديثاً قصيراً يصف حدثا أو يروي واقعة معينة، في حين تشكل الأسطورة نسقا خاصا، وسياقا سرديا ينطوي على أحاديث متعددة، الأمر الذي يسمح لنا أن نتحدث من خلالها عن بنية أسطورية.
ولكن معنى الخرافة تجاوز الأصل المعجمي اللغوي، لتتحول إلى آلية خيالية يجنح نحوها خيال الإنسان لتفسير ما يدهشه ويثير تعجبه من الظواهر الكونية، وبما أن عمر العلم قصير جدا قياسا إلى عمر الإنسانية الطويل نسبيا، يصح القول أن الخرافة تمثل طفولة العقل البشري. وإذا تجاوزنا هذا الأصل التاريخي ودخلنا في العصر الحديث نجد أن المجتمعات المتخلفة التي تجهل التفكير العلمي تسود بينها الخرافة بشكل واسع وتحتل الموضع الذي كان يجب أن يشغله العلم، مثلما هو الأمر بالنسبة للمجتمعات ذات الطراز البدائي في عصرنا الراهن.
وكقاعدة تاريخية طردية نقول: تتحرك الأسطورة نحو المساحات الاجتماعية الخالية من العلم والتفكير العلمي، كما تتحرك الرياح نحو المنخفضات الجوية.
العلم
تفتقر المعاجم اللغوية العربية إلى تفسير للعلم أو تعريف دقيق له، والعلم الذي تتناوله المعاجم القديمة هو الإدراك، أي إدراك الأشياء في الذهن. فنجد الجرجاني يذكر تعريفا للعلم (الإدراك) بمعنيين:
العلم بالمعنى الأعم: هو انعكاس صورة الشيء في الذهن.
العلم بالمعنى الأخص: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
والمعنى الأعم يشمل التصور والتصديق، في حين يختص المعنى الثاني بالتصديقات اليقينية ذات الطابع البرهاني.
أما ما نريده نحن بالعلم فغير ذلك المعنى، إنما نريد التفكير العلمي، ولذلك يمكننا تعريف العلم بأنه: الدراسة المنهجية الدقيقة للظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية بغية الكشف عن القوانين والنظريات التي تفسر تلك الظواهر وتتحكم بها، والتي تمكن الإنسان من السيطرة على تلك الظواهر وتوجيهها لخدمة الإنسانية.
والفرق واضح بين المقصد من التعريفات السابقة للعلم بمعنى الإدراك، والتعريف الأخير للعلم بمعنى الطريقة الفكرية المنهجية التي تلتمس الأسباب الموضوعية للظواهر، من دون الانشغال بمستوى الجزم أو اليقين، فقد يعمل العلم بالدرجات الاحتمالية. لكن المهم أن التعريف الأخير يلزم الإنسان لكي يفكر تفكيرا علميا أن يكون ذا عقلية منهجية منظمة، وأن يلتمس الأسباب القريبة من الظواهر التي يمكن معرفتها عمليا لتؤدي خدمة تطبيقية مباشرة. وأن لا ينشغل كثيرا بالافتراضات النظرية، وإن كانت هذه ضرورية في مرحلة من مراحل البحث العلمي، لكنها خطوة قابلة للتجاوز إلى ما هو أهم منها وهو عملية الكشف العلمي. وينطوي التعريف ضمنا على إشارة إلى عدم الانشغال بالأسباب البعيدة التي لا يمكن أن تنالها الوسائل العلمية المتوفرة، ولكي لا يختلط البحث العلمي بالتأمل الفلسفي المجرد. فلتترك إذن الأسباب البعيدة ذات الطابع المجرد إلى الفلسفة، فهي الوحيدة التي تمتلك آليات نظرية يمكنها أن تتعامل معها، ومن ثم تزود البحث العلمي بمادة فكرية تميز بين ما هو ممكن العلم به وما هو غير ممكن، فالبحث الفلسفي هو الوحيد الذي يمكنه أن يزودنا بمستويات الإمكان)العملي، والعلمي، والمنطقي)، فالعلم معني بالإمكانين الأول والثاني، و تُعنى الفلسفة بالمستوى الثالث الذي هو، بالطبع، أكثر تجريدا وصعوبة، إذ تتعامل معه بمنطق نظري مجرد.
المنطق والخرافة
نقصد بالمنطق القواعد الفكرية التي نستنتج بوساطتها معرفة معينة من معرفة مسلَّمة مسبقاً. وهذا يعني إن المنطق يعمل على أساس معرفة مسبقة، ومن هنا فهو لا يمنع الخرافة. فالمنطق يأتي دوره بعد الكشف العلمي وليس قبله، بل قد يشكل عائقا أمام الكشف العلمي إذا التزم العالم بقواعده، لأن الكشف العلمي يحتاج إلى فاعلية الخيال، والمنطق يعيق الخيال، ويقال إن الكشف العلمي يخضع لعوامل نفسية أكثر من خضوعه لآليات منطقية، كما تدل على ذلك أغلب الاكتشافات العلمية. وحتى الملاحظات الأولية والاختبارات العلمية السابقة على الكشف العلمي هي أيضا تسبق الاستدلال المنطقي، ومن هنا فإن الاستدلال آلية تعمل على ضوء معطيات سابقة. ونستطيع أن نقول إن المنطق يعمل على خلق معرفة توليدية، أي متولدة عن معلومات سابقة، أو هو، في الحقيقة، يوسع المعرفة المكتشفة، وفي كل ذلك فهو نشاط فكري تاليا على الكشف العلمي.
لنأخذ بعض الأمثلة: قيل إن (رامنتجن) وهو أحد علماء الرياضيات الهنود، ادعى بأن آلهة (ناما كال) زارته في منامه وزودته بمجموعة من المعادلات الرياضية، وبعد أن استيقظ من نومه صاغ تلك المعادلات صياغة منطقية واشتق منها بعض المبرهنات، ومن هنا فنحن ملزمين بقبول تلك الكشوفات العلمية بناء على البراهين العلمية التي أقامها عليها والاشتقاقات التي اشتقها منها فيما بعد، وليس بناء على الخرافة التي فسَّر بها اصل تلك المعادلات. فلا يهمُّنا من أين جاءت تلك المعادلات من الآلهة أو الجن أو من عقله الباطن، بل يهمُّنا البراهين التي أقامها على صحة تلك المعادلات رياضياً. بالمثل لا تهمُّنا الحادثة التي أوحت لنيوتن بقانون الجاذبية بل يهمنا انسجام القانون مع المعطيات الفيزيائية وقدرته على تفسيرها، فعلى أساس هذا التسويغ الأخير نقبل القانون وليس على أساس حادثة سقوط التفاحة. فالذي يرفض القانون بناء على الادعاء الخرافي الذي أوحى به، كالذي يرفض نظرية النسبية لاينشتين لمجرد كون مكتشفها كان يهوديا. نخلص من ذلك إن المنطق لا يسبق الكشف العلمي، يل يعمل بعد الكشف لينظم المعلومات المكتشفة ويشتق منها مبرهنات أو معلومات جديدة.
وبما أن المنطق ليس آلية للكشف، فهو لا يمنع الخرافة، فالخرافة قد تحدث أو تصاغ مع وجود المنطق، فالذي صاغ الخرافة، أو قبلها في ذهنه ليس مجردا من المنطق، بل توجد آليات العمل المنطقي في كل عقل على الإطلاق. فالمنطق لا يمنع الساحرة من الطيران في الفضاء، ولا يمنع الطائر العملاق (امدوغود) من أن يكون سبب هطول المطر، ولا يمنع النار من أن لا تحرق من في داخلها...الخ. لكننا نجد أن العلم يمنع كل ذلك تماما. فالذي يفسر هطول المطر عن طريق خرافة امدوغود، أو الذي يدعي أنه يطير في الفضاء من دون أجنحة، ويدخل النار من دون أن تحرقه، لا نصفه بأنه ينقصه المنطق، إنما ينقصه التفسير العلمي، أو القدرة على التفكير العلمي. فالإنسان في كل تلك الادعاءات لا ينقض قاعدة من قواعد المنطق، لكنه من الواضح أنه ينقض قوانين العلم الواضحة. ففي الادعاء الأول يجهل قانون التبخر والتكاثف، وفي الادعاء الثاني ينقض قانون الجاذبية، وفي الثالث ينقض القانون الثالث من قوانين الثرموديناميكا الحرارية.
ضد الخرافة
العلم والتفكير العلمي هو البديل التاريخي للخرافة والتفكير الخرافي، لأن العلم يلتمس أسبابا طبيعية قريبة للظواهر والمشكلات التي تواجه الإنسان. يعلمنا العلم إن للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية أسبابا طبيعية خارجية أو ذاتية، وعلى الإنسان أن يبذل قصارى جهده لتشخيص تلك الأسباب، فالعلم هو البديل عن الخرافة و يمنع هذه الأخيرة من أن تتسرب إلى الوعي فتعيق رؤيته الموضوعية للواقع. ومن خصائص التفكير العلمي هي الآتي:
تفسير الظواهر والمشكلات بأسبابها القريبة
تحديد أكثر من عامل واحد (أي مجموعة عوامل) في تفسير الظواهر والمشكلات والوقائع.
حركية التفكير العلمي واتساع دائرته باستمرار، من خلال الترابط بين العلوم والمجالات العلمية للتشارك في تفسير الظواهر والمشكلات المستعصية، مثال على ذلك، العلاقة بين الأمراض والبيئة الخارجية الفيزيائية، مثل الدراسات التي أجراها بعض العلماء حول تأثير جسيمات الطاقة الواطئة، مثل تلك الصادرة من التلفزيون، والراديو، وافران الطاقة الدقيقة، على مرض الصرع. كذلك الدراسات التي أثبتت تأثير العوامل الاجتماعية والنفسية على حدوث الأمراض ذات الطابع البايولوجي المحض مثل الأورام والجلطات الدموية وتفجُّر الشرايين وحصى الكلى والتهاب الرئة، فهناك أدلة على أن جذور الأمراض البايولوجية تمتد إلى الحياة الاجتماعية وترجع إلى طبيعة الشخصية والسلوك، والعلاقات الاجتماعية، فالمظاهر الطبيعية للاضطرابات العضوية ما هي إلا نتاج الخبرة الاجتماعية والنفسية التي تعترض حياتنا اليومية، لذا فالمرض هو حالة العقل المؤثرة في المادة.
من الشائع إن هذه الأمراض لا تعالج نفسيا، وإنما تعالج عن طريق العقاقير الكيميائية عند الأطباء والصيادلة، ويقتصر استخدام التحليل النفسي على علاج الأمراض النفسية (العصابية)، التي تتصل بالجهاز العصبي الإرادي الذي يتأثر بدوره بالإيحاء الذي يمارسه الطبيب النفسي على المريض.
إن ثبوت المنشأ الاجتماعي والنفسي للأمراض العضوية يسلط الضوء على إمكانية تصور إسهام تعديل العوامل الاجتماعية والنفسية في تقليص نسبة الإصابة بتلك الأمراض، لكن من المؤكد إن معالجة تلك الأمراض لا يتم باستخدام التحليل النفسي.
وهذا الأمر يضيء لنا احتمال كون هذا المنشأ الاجتماعي والنفسي للأمراض العضوية يفسر لنا استجابة بعض تلك الأمراض البايولوجية، في حالات محدودة، لإيحاء المعالجين الروحيين(Healer) الذين تدرس قدراتهم، في بعض الأحيان، ضمن الظواهر الباراسيكولوجية، وهذا التفسير النفسي ـ اجتماعي لأصل المرض يعني استمرار توسع دائرة الكشف العلمي لتشمل مناطق محظورة ومحتكرة من قبل المشعوذين والدجالين.
نستنتج من ذلك ما يأتي
تؤدي الاختلالات النفسية والاجتماعية، في بعض الأحيان، إلى الإصابة ببعض الأمراض العضوية.
قد تحدث الاختلالات النفسية والاجتماعية بسبب التدهور الاقتصادي وتراجع دخل الفرد وتفشي البطالة، وقلة فرص العمل، وعدم وضوح المستقبل.
يؤدي التدهور الاقتصادي وقلة فرص العمل وعتمة المستقبل إلى قلة فرص التعليم والاستعاضة عن النقص الحاصل في الثقافة العلمية والفكرية إلى الخرافة والتفكير الأسطوري.
مثال: إن تفشي ظاهرة السحر لدى النساء يرتبط بأوقات عدم الاستقرار الاجتماعي. وعند المقارنة بالمجتمعات الأوربية يبدو أن الاعتقاد بالسحر كان ضعيفا في انجلترا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ولكن لماذا كان ذلك؟ يقول أنديسون وكوردن: إن العامل الأساسي لذلك هو أن النساء الإنجليزيات قد حصلن آنذاك على الدخل والثروة وأصبحن أكثر تعلما، وإن استسلامهن لسلطة الرجال عند الزواج قد تعرَّض إلى التحدي والمساءَلة، وهذا جعل النساء الإنجليزيات أقل تعرضا للظلم من النساء في أوربا(2).
الخرافة والتفكير الديني
في العصور الوسطى المسيحية ألغى القديس أوغسطين السببية الطبيعية، وفسح بذلك المجال للخرافات والأساطير لتحتل موقع العلم في الفكر المسيحي الوسيط، فقد عزيت جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية إلى أسباب غيبية. مثل هذا التفسير اللاسببي نجده لدى أكبر المذاهب الإسلامية وأوسعها انتشارا بين المسلمين وهو المذهب الأشعري. إذ ألغى هذا المذهب (بدافع التنزيه المطلق لله) السببية الطبيعية (الأفقية) ونسب الظواهر والأحداث والأفعال إلى أسباب غيبية، وقد نظَّر الإمام الغزالي لهذه الرؤية، فأنتج ذلك الخرافة وسمح للتفكير الخرافي أن يجد له موضعاً في الفكر الإسلامي. وشكل ذلك حيِّزاً مهما من اللاشعور المعرفي الذي ورثه الإنسان العربي، وغالبا ما يستحضر هذه الثقافة لتبرير بعض أفعاله التي يشعر بعدم معقوليتها، وهي تلك الأفعال التي تفرضها عليه الأزمات الحياتية المختلفة التي يتعرض إليها.
مقابل ذلك على الرغم من أننا نؤمن بالإصلاح الديني والاجتماعي الذي سيحدث في مستقبل البشرية على يد الإنسان الصالح، وتتملكنا الرغبة في المساهمة في ذلك الإصلاح، فضلا عن تصديقنا ببعض الروايات ذات المصدر الواقعي والمعقول، إلا إن الانزلاق إلى اللامعقول الخرافي الشعبي في تصوير الحدث، وأسطرة الثقافة التي تدور حوله، قد يحوِّل المعقول الذي يمكن أن يحتويه الحدث إلى لا معقول، وإحاطة هذا اللامعقول بأسوار التقديس الديني، فيتحول، بعد ذلك، إلى لا شعور معرفي يبرر التفكير الخرافي ويستبعد التفكير العلمي.
إن الخلط بين الخرافة والتفكير الديني في الوسط الثقافي والشعبي أساء كثيرا للثقافة الاجتماعية العامة، وأصابها بالشلل الذي عرقل حركتها التطورية، وأعاق عملية إصلاحها بسبب إحاطة الخرافة بالقداسة الدينية. وبسبب هذا اللاشعور الثقافي الخرافي ترى أن كل حادثة تاريخية من الصعب أن تقبل تاريخيا من دون أن تكون محاطة بنوع من الخرافة العجيبة التي تحرك وتراً نفسياً خفياً يشكل نمطا بدئيا بالمعنى اليونغي(3).
فإذا كان المجتمع العربي عموما والعراقي بشكل خاص قد ورث هذا اللاشعور الثقافي الخرافي، فمن المؤكد إن الأنماط الخرافية تظهر إلى الوجود وتجد تسويغها الذاتي حينما يصطدم الإنسان بمشكلات حياتية يعجز عن حلها. على سبيل المثال عندما تكون فرص العمل قليلة، ونسب الزواج منخفضة جدا، فضلا عن الضعف الشخصي تجاه مشاكل الحياة، يتجه الأفراد إلى العرّافات والدجالين لاستعادة التوازن النفسي المفقود، وللتخفيف من القلق الذي تسببه عتمة المستقبل.
العلاقات الاجتماعية المرضية في المجتمع العراقي
الأساليب التربوية الجديدة حاجة ملحة للمجتمع العراقي لتصحيح العلاقات الاجتماعية المرضية السائدة؛ فقد تربى الأفراد عبر عقود من السنين على ثقافتين وممارسة سلوكين هما: الاستبداد، والعبودية. فالاستبداد ثقافة تشربها المجتمع وتلقاها بطريقة مقصودة و غير مقصودة. والأخطر من ذلك إن معظم أفراد المجتمع العراقي قضى عقدا من السنين أو أكثر في خدمة المؤسسة العسكرية، وهي مؤسسة لا أخلاقية، وفاسدة، تعلم الفرد الطاعة العمياء، وإلغاء إرادته، تجاه من هم أعلى منه، وممارسة الاستبداد على الأدنى. ونتج عن ذلك علاقات اجتماعية تتصف بالخصائص الآتية:
كل فرد يمارس الاستبداد على من هو دون منه، ويمارس الطاعة العمياء تجاه من هو أعلى منه.
الطبقة الاجتماعية ذات المستوى الأعلى تمارس علاقات استبدادية تجاه الطبقات الأدنى، والأدنى تمارس الطاعة العمياء، والعبودية، والنفاق والتملُّق، في علاقاتها بالطبقات العليا المتسيِّدة في المجتمع.
تعد النساء الحلقة الأضعف في هذا التسيُّد الاجتماعي والصراع الطبقي والفردي، ففي اغلب الأحيان يَكُنَّ مسلوبات الإرادة، والكرامة أحيانا، وينظر إليهِنَّ غالبا كوسيلة لإشباع شَبَقيَّة الرجل، وهي تنفذ أوامر سيدها لتدفع الضرر عن نفسها، كما تفعل شهرزاد، في أساطير ألف ليلة وليلة، لدفع قرار ذبحها على يد الملك الجبار.
التخلف العلمي والثقافي هو الجو السائد الذي تنمو فيه تلك العلاقات الاجتماعية المشوَّهة.
الأسطورة والخرافة والشعوذة هي الممارسات السائدة في مجتمع تسوده تلك العلاقات المريضة، ويغيب فيه التفكير العلمي.
تتصف العلاقات المهنية بالنفاق والتملق، فالمدير يمارس الاستبداد على الأدنى منه، ويمارس الطاعة والنفاق والتملق تجاه الأعلى منه، وهكذا تتدرج العلاقات بتدرج المراتب، والنتيجة اختفاء المصداقية في العمل، واختفاء العمل الجاد المنتج، وذلك يعيق حركة النهوض العلمي والفكري. وللأسف فإن مقولة ابن خلدون: «فاز المتملّقون« لازالت تصدق على مجتمعنا بشكل تام حتى بعد زوال الدكتاتورية. والنتيجة الخطيرة التي تكمن في صحة هذه العبارة، هي أن يحتل الفرد مكانا لا يتلاءم مع مؤهلاته الشخصية والعلمية، سلبا أو إيجابا، فقد يحتل فرد ضعيف القدرات والمؤهلات مكانا يتلاءم مع كفاءة أخرى موجودة ولكنها لا تمتلك ذلك الامتياز الاجتماعي أو العرقي أو السياسي فيُحْرَم المجتمع من خدماتها الإبداعية، ويُبْتَلى بتملُّق ذلك الفرد الفاقد للمؤهلات العلمية. وذلك كله يجيبنا عن تساؤلنا المفعم بالحيرة: ما بال صدفة فارغة تسكنها استيهامات لا متناهية؟ وما الذي جعل شخصا قُدِّرَ له أن يكون حمّالاً في قرية، إلهاً على شعب عظيم فيبيد ببرودة أعصاب ملايين البشر من دون أن ترجف له شعره واحدة من جسده؟

الهوامش
ــــــ
(*)
استاذ الفلسفة المساعد، جامعة ذي قار، العراق

(1) ابن منظور: لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج4، ط3، 1999: 68، ومثل هذا المعنى جاء في الصحاح للجوهري ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الجزء الثالث، دار العلم للملايين، بيروت، بلا تاريخ: 1349. وكذا في مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي: 638. وكذلك المنجد في اللغة، طبعة 37: 175.
(2) اتجاهات جديدة في علم الاجتماع: 567.
(3) نسبة إلى عالم النفس كارك يونغ.