الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاربعاء: 20/02/2008

 

علم الاجتماع... تصور اسلامي اولي

د. مهدي الشرع

الفرضية واهداف التأسيس
علم الاجتماع الإسلامي، مفردات ثلاث، لكل منها دلالاتها الخاصة وتاريخها المعروف، فمابين العلم والاجتماع والإسلام إيحاءات ثلاث بمعنى واحد، يتطلب من الباحث الإسلامي الحديث ان يتلمس الطريق اليه ولو عن طريق الإثارة واجتراح المحاولة.. فضلا عن كون نفس هذا الإيحاء في واقعنا له حظ من التأسيس في العالمين العربي والإسلامي، الأمر الذي يدعونا للإدلاء بدلونا في تمحيص هذه الموضوعة.
بالإضافة إلى ان الظرف الراهن المعقد وبكل تحدياته وتعقيداته التي نعيشها اليوم في العراق يدعونا أيضا لمداخلة الوضيفة المذكورة، ففي خضم هذه التحديات التي تتعرض لها الهوية الإسلامية وأبواق الدعاية التي تحركها سياسات ومصالح والتي تعرض الإسلام على انه ليس فيه صلاح للإنسان ولا المجتمع ولا يتلاءم مع تشكيلة عالمنا الجديد، بالإضافة الى وجود قراءات تقليدية سكونية ورجعية للاسلام وفق انساق بحثية..
وكذا اجتياح الثقافات المدعمة بالمشاهدة والانترنيت والستلايت والتقنيات الحديثة..
كل ذلك يتطلب من الباحث الإسلامي الحديث في العراق ان يعيد قراءة المنظومة المعرفية والقيمية ونصوصها بعين العصر بكل ما يحفل به من مناهج وعلوم وأساليب للتفكير، لا ليلائم بين الدين والعصر او يلوي عنق النص الإسلامي باتجاه العصر، بل ليكتشف الاسس التحديثية المتينة والمناهج البحثية الرصينة التي تعزز موقع الاسلام من العصر عن طريق تعزيز قناعة الانسان والمجتمع بموضوعة القيم الاجتماعية في الاسلام. فيعد تاسيس علم الاجتماع الإسلامي ـ فيما لو فرضنا امكانية الصياغة ووضع الاهداف ـ مقدمة لذلك الغرض التأصيلي المذكور.
والامر الذي يؤكد أهمية هذا الاتجاه في العراق، كون المسالة التحديثية في العالم العربي اليوم أغنى منها في العراق، حيث بدأ الباحثون العرب باتجاهاتهم المختلفة يطرقون جدليات كثيرة ترسخ من قيمة المعرفة العربية والاسلامية في صراع الحاضر، فيما انشغل الباحثون العراقيون ـ كساستهم ـ في قضية تخليص العراق من نير الدكتاتوريات المختلفة والتي توحدت مساعيها بالمشروع التخريبي الشامل الذي مارسه النظام البائد.
ولا زلنا تطغى على لغتنا البحثية المفردات السياسية وتداعياتها وجزئياتها، منشغلين عن حركة التطور الفكري والحداثوي والثقافي..
لذلك فان هذا البحث المتواضع الذي هو عبارة عن اثارة في الفكر الإسلامي المعاصر يأتي خطوة باتجاه الاشتغال على الجانب الآخر غير السياسي، لكنه في صميم ترسيم الابعاد العملية للعلوم الانسانية الحديثة.
موضوعة علم الاجتماع
ان المجتمع بظواهره واشكاله واشكالياته يعتبر موضوعة لعلم الاجتماع والعلم مصطلح يعني الدراسة الموضوعية المنظمة للظواهر الواقعية، وما يترتب على ذلك من بناء للمعرفة، وعليه فانه يتميز بكونه منظما وموضوعيا وواقعيا.
ويقوم العلم على دعوى جوهرية محصلها انه من الممكن استقاء المعرفة بالعلم من خلال التجربة والحواس والعينات، وان صدق هذه المعرفة وحقيقتها تتأكد من خلال الملاحظات المتشابهة التي يقوم بها المشتغلون بها والقائمون عليها، شريطة ان يتم التحكم في ميولهم وقيمهم الشخصية، حتى تتوافر درجة ملائمة من الموضوعية(1).
وقد ادى هذا المنحنى الى التأكيد على القيمة المضوعية للعلم، والتي تتعدى النزاهة والأمانة الى التخلص من ضغط الاهواء السياسية والميول الفكرية المسبقة، وعدم الأخذ باي نظرية اجتماعية او سياسية عند بحث اية ظاهرة اجتماعية، وتقتصر النظر على مشاهدة المجتمع والعالم ورؤيته كما هو وكما تبدو ظواهره، وتكتفي بملاحظة الظواهر المشاهدة فحسب.
وهذا يعني تنحية القيم، ويغدو مفهوم القيمة مفهوما غير ضروري بل غير مرغوب فيه في علم الاجتماع كما يقول ادلر(2).
ودراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية لا تعني الابتعاد عن القيم الاجتماعية المسبقة فحسب، بل تعني ايضا الابتعاد عن الفلسفات التاملية والعقائد الدينية. فالدراسة العلمية تعتمد على الملاحظة والتجريب فقط، وتقابلها الدراسة الدينية والفلسفية والفنية التي تعتبر غير علمية، ولكنها تزود بنوع من المعرفة وتمنح الباحث وبحوثه بعدا استمولوجيا فيما لو وظفت المعطيات العلمية في البحوث هذه الدراسات وتلك.
الدراسة العلمية للظواهر الاجتماعية
وقد نشطت المطالبة بالدراسة العلمية للظواهر الاجتماعية، باعتبار ان هذه الدراسة تتميز في جوهرها وغاياتها عن الدراسات الدينية والفلسفية السائدة بالنجاحات التي حققها المنهج العلمي في الحقول الطبيعية والبيولوجية.
اذ ادى ذلك الى كشف ظواهر الكون والسيطرة عليها، بعد ان تخلص من هيمنة الكنيسة – قبل عصر النهضة – التي كانت تتبنى مجموعة من المقررات الدينية وتنسبها الى الوحي ضانة انها مقررات علمية، وهذا ما جعلها تؤمن بان ما هو خارج هذه المقررات مما يتوصل اليه العقل البشري انما هو ضلالة وخروج عن العقيدة.
اما علماء عصر النهضة، فقد كانوا ينظرون الى التجربة كمجرد وسيلة لاقناع الخصوم بدور التجربة في الكشف الانساني عن العلوم والمعارف. وليس ادل على ذلك من نص لغاليلو يقول فيه : (كانت الجهالة افضل معلم عرفته اطلاقا. اذ لما كان علي ان ابرهن على صحة نتائجي فقد وجدتني مضطرا الى اقامة الدليل عليها بعدد من التجارب المتنوعة لم اجد ضرورة قط للقيام بها من اجل اقناع نفسي!)(3).
ولم يكن تطبيق علماء النهضة سهلا بل كان مليئا بالعقبات، وذلك نتيجة لازدياد نفوذ العلم الذي هدد نفوذ الكنيسة بالخطر(4).
وهكذا استخدمت الكنسية العنف ضد العلم والعلماء والباحثين الذين تحررت عقولهم من سيطرة هذه المقررات، فولد ذلك ردة فعل عندهم نحا بهم باتجاه الملاحظة والتجربة والعلم الطبيعي رغم حملات الابادة والقمع التي مورست ضدهم، فكانت الروح المميزة للقرن الثامن عشر الميلادي هي روح المشاهدة والدقة والمراقبة والتجربة، واستنباط القواعد العلمية العامة والقوانين الكلية. يقول احد المؤرخين الاوربيين:
(لقد انشغل الناس بالمنهاج المعصوم عن الخطأ ـ المنهج العلمي ـ وخيل اليهم انه لم يبق من مهمة سوى ان يسحبوا المنهاج العلمي الذي ولد على يدي ديكارت ونيوتن ليغطي تلك المناطق التي لا تزال خاضعة للخرافات وعدم الانتظام)(5).
ونظرا لنجاح المنهج العلمي وسط تلك المقررات الدينية التي تتصادم مع كشوفات العلم والتجربة، فقد فرضوا ان هذا المنهج سيحقق نفس النجاح في كشف الظواهر الاجتماعية لانها في نظرهم طبيعية ايضا يمكن اخضاعها لذات المنهج، وبالتالي يمكن التحكم بها والسيطرة عليها، فاصبح هذا المنهج ركيزة من ركائز علم الاجتماع، فظهرت نظريات بافلوف الذي فسر السلوك الانساني وفق نظريته في الانعكاسات (المشروطة وغير المشروطة) ونظرية فرويد التي فسرت السلوك الانساني تفسيرا جنسيا او غرائزيا، ونظرية بيكون التي انكرت أي منهج فلسفي في دراسة النفس او السوك الانساني وفسره بحركة الذرات.
وصار سائدا ان العلوم الاجتماعية سوف تصل يوما ما، الى ما وصلت اليه العلوم الطبيعية باستخدامها للمناهج الرياضية والاحصائية والعينية، بحيث بات مركوزا لدى باحثي علم الاجتماع بل العلوم الانسانية عموما ان المعرفة التي لا تقاس هي معرفة غير مقنعة.
وقد حصلت هذه القناعة بشكل مرحلي وتدريجي، حتى جاء عصر اوجست كونت الفيلسوف الفرنسي(1798-1857م) مؤسس الفلسفة الوضعية وعلم الاجتماع الغربي، الذي أعلن (علمية) علم الاجتماع ووضعه على رأس القائمة عند تصنيفه للعلوم الطبيعية. (فقد كان يقيس الاشياء بمقياس العلم الذي يعتبره الصيغة الوحيدة للمعرفة الانسانية وقد رفض اعتبار اللاهوت والمتافيزيقيا مجالات للمعرفة، بناء على انه لا يمكن تبرير ما تدعيه من معرفة بمنهج البحث العلمي)(6).
ولعل اميل دوركاهيم كان اكثر علماء الاجتماع اجتهادا في تحديد كيفية دراسة الظواهر الاجتماعية، ويتضح هذا من خلال كتابه الشهير (قواعد المنهج في علم الاجتماع)، حيث حدد فيه خواص الظاهرة الاجتماعية ثم بين القواعد الخاصة بملاحظة الظواهر الاجتماعية.
وكان يرى ان الظواهر الاجتماعية عبارة عن اشياء تقدم نفسها للملاحظة كنقطة بدء للعمل، ويعني بذلك ضرورة ان ينتهج عالم الاجتماع منهج عالم الطبيعة او الكيمياء او الاعظاء، وان يترك سيطرة الافكار والمعتقدات والعادات الى حين الانتهاء من دراسة الظاهرة.
كما حذر من الاراء المسماة بالبدهية ومن قواعد التفكير التقليدي القاصرة المستبدة، وانه اذا اضطر الى استخدامها فلا بد ان يتذكر انها قليلة الجدوى حتى لا يعطيها اكبر من حجمها(7).
نقد هذا المنهج في علم الاجتماع
والحقيقة ان هذا المنهج الذي يسوي بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية، لا يمكن الالتزام به من قبل الباحث الاجتماعي الذي يريد لعقله ان يتحرر من اسار معطيات العلوم الانسانية الحديثة، لكنه في نفس الوقت عليه ان يوظف هذه العلوم للكشف عن معطيات ربما تكون جديدة وريادية وابتكارية وابداعية..
وهذا يعني ان عملية التحديث والابداع لا تنطلق من (فراغ) بل من (راس سطر)، للتخلص من الطرق والاساليب الاشكالية التي تعاطت مع عملية التوفيق او التلفيق ما بين معطيات العلوم الحديثة ومنظومة القيم الاجتماعية، والتي تتحدد بما يلي:
1. هنالك تيار تحديثي منبهر بمعطيات هذه العلوم، ناقم على منظومة القيم العربية والاسلامية ويجعلها كموروث او تراث سببا للتخلف الحضاري، ويدلل على ذلك بمنهاج التقليدية في البحث واساليب تعاملها مع النص والتراث والواقع.
2. وهنالك تيار مضاد تقليدي وافق على المعطيات التاريخية والتراثية يحاول النسج على منوال التجربة الاولى من حيث القيم ومن حيث محاكاتها، ويؤمن بامكانيات اسقاطها بقيمها على الحياة الاجتماعية المعاصرة، وتعد معطيات هذه العلوم ومنهاجها تقليدا للغرب ووقوعا في دائر جاذبيته.
3. وهناك تيار تلفيقي ثالث يلوي عنق النص والتجربة ومنظومة القيم باتجاه معطيات هذه العلوم الاجتماعية والانسانية، ليدعم بذلك رؤيته التي يؤمن بها والتي تقول بان منظومة القيم العربية او الاسلامية متماشية مع العلم الحديث ومفردات العلوم الانسانية وحتى الطبيعية.
ويمتلك هذا التيار روحا تمجيدية عالية بحيث يرى ان منظومة القيم الاجتماعية الاسلامية قد ابتكرت معطيات هذه العلوم قبل غيرها، لكن النكوص الاسلامي والعربي هو الذي اوقف استمرارية الريادة فحملها الآخرون.
وفي الحقيقة اننا لا يمكننا حل هذه الاشكالية عبر واحدة من هذه الآراء او التيارات الثلاثة، فلا الاتباع او التغرب، ولا التقليدية او الجمود، ولا التوفيق او التلفيق، تشكل حلا لاشكالية العلوم الانسانية او الاجتماعية بالتحديد، بل القضية تكمن في تفعيل الحس العلمي النقدي لمحاكاة هذه المناهج والمعايير العلمية، كمقدمة لاستخدام الصحيح منها وصولا الى استكشاف معطيات جديدة تتلائم مع روح القيم الاجتماعية العربية والاسلامية، وهذه المنهجية لا تحمل اشكالية تحكيم القيم في البحث الاجتماعي والتي تحذر منها مناهج دراسة علم الاجتماع اذ لا يوجد شيء بديهي مسبق في محاكاة الظواهر الاجتماعية او عملية الاستنتاج منها، بل ينبغي التجرد من الافكار المسبقة قيميا و اجتماعيا وتاريخيا في استخدام المنهج.. غاية الامر اننا نوظف النتائج والمعطيات الجدية لتطوير منظومة القيم والارتقاء بوعي المجتمع بل لمحاكاة الموروث وتثقيفه ايضا، بما يتلاتئم مع خصائص العصر وروح التوجه الحضاري لعالمنا الراهن بكل ما يحمل من اشكال واشكاليات وتحولات.
فحينما نحكم على خطأ اخضاع الظاهرة الاجتماعية الى القوانين العلمية والطبيعية نقول اننا لا يمكننا الوصول الى حقائق ومعطيات اجتماعية جديدة تطور البنى وتحدّث الواقع وتحاور الانسان، فان الوصول الى حقيقة الظاهرة الاجتماعية يستحيل حين تجرد من سياقها الزماني والمكاني، وحين تسلب من محيطها الديني الخلقي والاجتماعي الذي يحكم حركتها.
فعجز الانسان مثلا عن التعبير عن مشاعره وافكاره بصورة طليقة وعجزه عن التواصل او التخاطب الاجتماعي بمرونة كافية قد يولد لديه على مرور الزمن شعورا بالنقص او الدونية، وربما يتركه في صراعات نفسية واحباطات متكررة وازمات لا يقوى تكوينه النفسي على تحملها، فيحس بعدم الانسجام الشخصي والاجتماعي، ويصاب باضطراب الشخصية وتظهر عليه بعض الانحرافات السلوكية(8).
ويرى علماء النفس(ان العرض الرئيسي عند مضطربي الشخصية هو عجزهم عن تحديد متاعبهم ومشاكلهم بالالفاظ)(9).
وقد يكون سبب الاضطراب ناتجا عن كبت الغريزة الاجتماعية، فالانسان بفطرته ميال الى اثبات وجوده في المجتمع والى الاجتماع بالآخرين والتحدث اليهم. وهو بذلك لا يكتسب التجارب والخبرات والمعلومات فقط وانما يخفف ذلك من شعوره بالوحدة ويجد مجالا للتنفيس عما قد يضطرب في داخله من احاسيس، ويجد في ذلك ما يسلبه ويذهب وحشته ويحل كثيرا من مشاكله ويشعره بالدفء والاطمئنان ويشبع كثيرا من حاجاته الاجتماعية والنفسية الاخرى، كما يبعث في نفسه النشاط ويهيئه للعمل وينمي لديه روح التعاون مع الغير.
وهذه كلها كما ترى ليست امورا خاضعة للتجربة او القياس او المصنع، وان كانت تسير وفق قوانين علمية انسانية، الامر الذي يجبرنا على تكذيب مقولة قصر مناهج علم الاجتماع على المناهج الطبيعية.
وحتى علماء الاجتماع الغربيين ـ كما قدمنا ـ حينما يتحدثون عن صياغة جديدة لعلم الاجتماع انما يتحدثون انطلاقا من اشكاليات ومشاكل مرت بها مجتمعاتهم. وعالم الاجتماع الغربي يتحدث عن الاديان ويقصد المسيحية فقط، او يتحدث عن القوانين الاقتصادية والاجتماعية في المجتماعات الانسانية كافة بينما هو يقصد ممارسات عامة في المجتمعات الغربية وحدها(10).
الجانب المعنوي للظاهرة الاجتماعية
ان أي ظاهرة، إنسانية كانت ام اجتماعية،لا يمكن لها ان تتكون من جانب مادي فقط بحيث يمكن للحواس والتجربة ان تقيس كميتها ونوعيتها ودوافعها، بل هنالك جانب اهم يدخل في تكوينها وهو الجانب الروحي او النفسي او المعنوي، بحيث لا يمكن وصف هذه الظاهرة او تصنيفها دون الرجوع الى هذا الجانب الحيوي الاهم.
من هنا ينبغي ان نستعير بعض الامثلة التي يضربها الباحثون الاسلاميون في علم الاجتماع:
(ان الشعور بالفقر والحرمان والاخفاق قد يسلم صاحبه الى الياس والقنوط من الحياة، ومن ثم الانتحار هربا من مشاكله، كما يؤدي بانسان اخر الى الجد والاجتهاد والثبات وحضور الامل، وبالتالي قهر المشاكل والتغلب عليها، ومرد ما يسبق الى اختلاف الشخصين في مدى حظهما من الايمان العميق وسلامة الشخصية وسداد التفكير ونوع التربية)(11).
وعلماء الاجتماع يخطئون خصوصا حينما يتناولون الدين، فهم ينظرون الى نماذج دينية قائمة على ارض الواقع ويغفلون عن ان الموجود هو فكر ديني، وليس ديناً، بل يأخذون أحياناً نماذج خاطئة من الفكر الديني او مرحلة من مراحل هذا الفكر ويستنتجون معطيات مغلوطة.
وتجد ذلك واضحا لدى(دوركايم) الذي حاول تطبيق المنهج العلمي السابق ذكره على دراسة الدين في أكثر صوره أولية، في كتابه(الصورة الأولية للحياة الدينية) عام 1912م.
فالدين كمفهوم، ليس مجموعة من الطقوس أو الشعائرأو الحركات حتى يوضع في المعيار الطبيعي لعلم الاجتماع فيتم استخلاص إحصائيات وحالات أو تجارب محددة، وأي دراسة من هذا القبيل هي حدس وتخمين وتفكير مسبق يقلل من القيمة العلمية للنتائج.
فالدين بعيد عن حيز المشاهدة.. انه فكرة إلهية جاء بها الوحي لإصلاح البشر عبر مجموعة من التوصيات الأخلاقية و الاجتماعية و السياسية والثقافية ليعبر بهم الواقع المادي الشائك إلى حيث ضفاف العدل والمساواة والرحمة.
الظواهر المستخلصة من حركة الدين
وعلى هذا الأساس فالظواهر الاجتماعية المستخلصة من حركة الدين والمتدينين بحاجة إلى تأمل وتفكير عميق ومجرد، لا يحمل مضادات هذه الفكرة كالإلحاد، كما لا يشترط إن ينتمي إلى هذا الدين أو ذاك ليستنتج من الظواهر الاجتماعية ما يمكن إن يطور الإنسان من نظريات سوسيولوجية، بل يكفي الحياد والموضوعية وتقبل فكرة نشوء الدين ومصدره الوحياني.
وهذا ما يجعل الباحث الاجتماعي يميز بدقة بين الدين وغيره من الميتافيزقيات كالسحر والشعوذة والطواطم والوثنيات، وبين وجود الله تعالى في ذاته وفكرة البشر المنتمين للأديان عن وجود الله، وبين الدين المنظم ذي الأبعاد الاجتماعية الخلاقة والموازن بين الفكر السلوك، وبين الأديان الأخرى التي تؤمن بالخرافة والتقليد والاتباع الأعمى وما إلى ذلك.
ونحن هنا لا نريد أن نردد ما ردده الباحثون الإسلاميون في دفاعهم عن الدين الإسلامي وإلقاء اللوم في هذا الخلط إلى وجود تجربة الكنيسة في الفكر المسيحي وظلالها الملقاة على البحث الاجتماعي الغربي بل نود إن نسلط الضوء على أسس التصور الإسلامي الحديث لعلم الاجتماع ودراسة ظواهر المجتمع.
ومن المفيد هنا أن نتذكر الإشكالية المزجية التي تعاني منها العلوم الاجتماعية الغربية وتحديدها بالخلط بين نوعين من المواضيع، الحوادث والأفكار؛ المعنوية أو الروحانيات.
وقد حذر ماكس فيبر من الاقتراب نحو خطر الأحكام الأخلاقية التي تعتبر من مشوهات نتائج الدراسة وذهب إلى أكثر من هذا حين دعا إلى الإقلاع عن كل فكرة إصلاح او تقويم، فعالم الاجتماع في رأيه ليس مصلحاً اجتماعياً ولا نبياً. وأكثر ما يجب عليه هو أبحاث تفيد المعرفة كمعرفة(12).
وبعبارة أخرى إن الباحث الاجتماعي لا يحكم بان هذه الظاهرة خطأ وتلك صحيحة، بل هي مهمة عالم الأخلاق أو المصلح الديني، أما علم الاجتماع فيختص في التحليل الظاهراتي والتفسير السلوكي المجتمعي وربط الأساس بالمسببات السننية، ليضع أمام الباحث قواعد عامة يستفاد منها فيما بعد وفي بحوث تخصصية معينة وحقول معرفية أخرى.
ولهذا فان التصور الإسلامي لعلم الاجتماع في الوقت الذي يوافق على موضوعية الحياد والموضوعية في استنتاج حركة المجتمع وسنن التاريخ وفهم السلوك الإنساني، يضع ذلك مقدمة وبداية نحو إكسابنا قدرة على فهم تلك القيم وأساليب السلوك، ليمكننا من معرفة حقيقة مشاعر المجتمعات الأخرى وتصوراتهم عنا، ومن ثم التعامل الصحيح مع الآخر والتحاور معه في عالم مشترك له خصوصيات وخصائص جديدة لا بد من الدخول فيها.
ومن المعلوم إن الدخول في العصر يقتضي إقامة روابط وجدانية ومعرفية معه بكل ما يحمل من ثقافات ورؤى وتصورات ونظريات، وفي هذا يكمن الإبداع، عكس ما يصور العقل الأوربي موضوعة الإبداع ويختزلها بعضهم بـ (قدرة التخّيل التي تساعد على الانفكاك من المنظومة الفكرية السابقة بغية بناء أفكار جديدة وضمها ومشاعرها المرافقة في ارتباطات وعلاقات مبتكرة)(13).
ان حقيقة الإبداع هي وعي الإنسان لما حوله وعيا تجريديا رمزيا قابلا للانتقال الى غيره، وقدرته على الاحتفاظ بالخبرات ونقلها إلى مواقف جديدة.
ولقد ثبت لدى الباحثين ان الذكاء شرط لازم للإبداع ولكنه غير كاف، كما ثبت كون الذكاء منبعه المعلومات التي يملكها الفرد، فان ذلك يقود الى القول بانه لا بد للشخص المبدع من ان يملك القدر الكافي من المعلومات يختزنها في ذاكرته(14).
التصور الإسلامي الأولي
فالتصور الإسلامي لعلم المجتمعات يقوم بمهمتين:
الأولى: هي دراسة النظريات والمناهج الموضوعية المقارنة، فلا المنهج التاريخي ولا الوصفي ولا التجريبي يمكن ان يتلاءم مع التصور الإسلامي لعلم الاجتماع، بسبب من عدم حيادية هذه المناهج وتأثرها بافكار وعقائد وايديولوجيات مسبقة مترشحة على قيمة البحث العلمي، اما بالنسبة للمنهج المقارن فهو يمكن ان يطبق في علم الاجتماع بكافة فروعه ومجالات دراسته، لانه يرتكز على:
1. دراسة اوجه الشبه والاختلاف بين الانماط الرئيسية للسلوك الاجتماعي.
2. دراسة نمو وتطور انماط الشخصية والاتجاهات النفسية والاجتماعية في مجتمعات وثقافات متعددة، مثل بحوث الثقافة والشخصية والعادات والقيم.
3. دراسة النماذج المختلفة من التنظيمات كالتنظيمات السياسية والسياسة والتاريخ.
4. دراسة النظم الاجتماعية في مجتمعات مختلفة كدراسة معايير الزواج والاسرة والقرابة او دراسة المعتقدات الدينية، وكذلك دراسة العمليات والتطورات التي تطرأ على النظم الاجتماعية مثل التحضر والتحول والثورة وغير ذلك.
5. تحليل مجتمعات كلية. وعادة ما تتم المقارنة بين المجتمعات وفقاً للنمط الرئيس السائد للنظم(15).
المهمة الثانية :إن البحث عن علم اجتماع إسلامي يضع نتائج البحث المقارن موضع التطبيق في بلورة ملامح إسلامية جديدة للمجتمع الإسلامي ولسلوك الفرد داخل المجتمع. وهذا من شانه إن يقوم بالدفاع عن الذات الإسلامية ويدفعها للنهوض من التخلف الذي يريد أن يصيب مفاصل المجتمع الإسلامي منذ عقود طويلة بعد أن كادت الذات المجتمعية الإسلامية تضيع وسط التغريب الاستلاب الثقافي. فان معرفتنا بذواتنا الاجتماعية معرفة علمية ابستمولوجية تضعنا أمام قاموس من الإصلاح الحديث والمعاصر، نكمل من خلاله ما بدأه رواد النهضة ودعاة الإصلاح. لكنما تقع على عاتقنا اليوم مهمة أكبر وأشق وأعقد تدعونا للاطلاع المستمر على المناهج ومعطيات العلوم الحديثة، ومنها علم الاجتماع.
والإسلام دين الله القيم وشريعته الخالدة، وهو الأطروحة الإلهية الخاتمة التي خبئت بين طياتها ومقرراتها وأخلاقياتها الحل الحاسم لمشكلة الإنسانية المعذبة شريطة ان يتاح لها النموذج الفكري التأصيلي والآليات العلمية التي تستنبط منها ما يمكن إسقاطه على الواقع بكل ما يحفل به من أشكال وإشكاليات لينتج عن الحركة الاجتهادية للعقل وإعماله في النص الإسلامي قاموس عقلاني عملي يؤسس برنامجا لحل الأزمة الأخلاقية والمشكلة الاجتماعية، وهذا هو مقصد الشريعة وفلسفة الدين وهو النظام المنسجم مع فطرة الإنسان ومتطلبات حياته.
وعليه ليس بالضرورة إن يأخذ بكل معطيات علم الاجتماع القديمة والحديثة الغربية والشرقية، بل يكفي إن يستعير مناهجها العلمية الصحيحة، كالمنهج المقارن، من اجل تأصيل وتحديث المجتمع، فهو ناقد ومقوم في الوقت نفسه، إضافة إلى انه علمي في منهجه وباحث عن الحقيقة الإنسانية التي تؤطر مجتمعه تطبع بسماته الإنسانية والعالمية لئلا يخرج عن العصر ولا ينبهر كذلك بحركته.. وقد يدخل في فحوى قوله تعالى: (كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ما توسعنا في فهمهما بشكل معاصر يدخل في سياقهما تقويم ورصد حركة المجتمع من خلال حركة الفرد المسلم داخله. وهذا لايتسنى إلا بان تقوم عملية الرصد والتقويم على مناهج علمية رصينة وصحيحة.
وقد ذكرنا سابقاً أنه حينما يقصر علماء النفس الماديون السلوك والدوافع الذاتية على مجموعة من ردود الفعل الداخلية (الوراثة والبيئة وتأثير الغدد او الإفرازات العضوية والفسيولوجية) للمثيرات الخارجية، تتعدى الرؤية الإسلامية ذلك الى حيث الذات المبدعة المدركة وتجعلها هي الأساس في توجيه العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية:
(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد /11
(وما أصابك من سيئة فمن نفسك) النساء/79
(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) المائدة/105
(ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الانفال/ 53
وعوداً على المهمة الثانية، فان الرؤية الإسلامية لعلم الاجتماع تقوم على أساس إنهاض المجتمع وتفعيل حسه النقدي في التعامل، لامع المناهج والمعطيات فحسب، بل تشتمل أيضا على تحويل هذه المعطيات إلى واقع ملموس يخرج إنسان المجتمع من العزلة أو الأساطير أو التقليد أو التغريب أو الانفعال والانبهار بإفرازات التقنية الحديثة.
فعلم الاجتماع الإسلامي لا يقف عند فهم وتحليل الظاهرة الاجتماعية أو وصف الأوضاع الاجتماعية، بل يتعدى ذلك إلى رصد وتقويم حركة المجتمع المسلم، تغييرها وتحويلها إلى حركة في الصميم من القاموس الأخلاقي والفكري الذي يختزنه الإسلام في منظومته المعرفية.

الهوامش
ــــــ
(1) راجع قاموس علم الاجتماع، د. محمد عاطف غيث : 400، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990م.
(2). انظر د. من خليل عمر، الموضوعية في البحث الاجتماعي، ص17، ط1، منشورات دار الأفاق الجديدة بيروت، 1430هـ.
(3). جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، د دار الثقافة، بيروت، 1958 : 349.
(4). راجع :
Bertrand russel،history of western philosophy (george alen:&unwin. london 1961،p. 479.
(5). رونالد سترومبرج، تاريخ الفكر الاوربي الحديث، ج3، ص116، ترجمة احمد الشيباني، ط مؤسسة عكاظ 1988م.
(6). هنري ايكن، عصر الايديولوجيات : 84، ترجمة محي الدنيا صبحي، ط2 دار الطليعة، بيروت، 1982م.
(7). راجع اميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة د. محمد قاسم ود. السيد محمد بدوي، دار المعرفة الجامعية، 1988 : 27.
(8). انظر، د. مصطفى غالب، في سبيل موسوعة نفسية، فصام الشخصية(الازدواجية)ط دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1986، ص85).
(9). د. احمد عزت راجع، اصول علم النفس، ط دار المعارف، القاهرة، 1987 : 339.
(10). انظر، د. سيد سجاد حسين، د. سيد علي اشرف، ازمة التعليم الاسلامي، ترجمةد. امين حسين الرباط، ط1، السعودية، 1403هـ : 98.
(11). توفيق الطويل وآخرون، اشكالية العلوم الاجتماعية، ط دار التنوير، بيروت، 1984، ص19.
(12). انظر د. فرديك معقوف، منهجية العلوم الاجتماعية عند العرب وفي الغرب، ط 1، المؤسسة الجامعية، 1405 هـ : 92).
(13) j. khatena،and cunnington. E. P.،Torrance،Tinkink creatively with sounds and words،(Personnel press. Lexington،Mosm-1973،P. 29
(14). راجع د. فاخر عاقل، الإبداع وتربيته، ط دار العلم للملايين، بيروت، 1983: 123.
(15). انظر محمد علي محمد، علم الاجتماع والمنهج العلمي، ط3، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1988م:31.