|
|
الحضارية «دراسات
اجتماعية» |
|
الاحد:
27/01/2008
جيوبوليتيكا صراع الهويات في المجتمع العراقي
حفريات في المواريث الانثروبولوجية
(4/4)
ثامرعباس(*)
ثانياً: المنزع السياسي
للصراع الطوائفي
لعل هناك من يعتقد ـ وهو محق في ذلك ـ بان سخونة هذا الصراع تفوق من حيث
التأثير الذي يمارسه على سيكولوجية الشارع العراقي أضعاف ما للتأثير الذي
يحدثه الصراع (الاقوامي / الشوفيني) السابق، استناداً إلى حصيلة العنف
الدموي ومؤشرات الخسائر البشرية اليومية التي تنذر بأوخم العواقب، ليس
فقط على مستوى الأطراف الضالعة بهذا الصراع العبثي فحسب، كما وليس فقط
على مستوى وحدة المجتمع ومركزية الدولة واستقرار السلطة وهيبة القانون
فحسب، بل وعلى مستوى تشابك التاريخ وتواصل والجغرافيا وتداخل الثقافة
وترابط المصير أيضاً. وقبل الشروع لاستعراض خلفيات هذا الصراع والتطرق
لاستقصاء آلياته في البنية العلائقية لمكونات الشعب العراقي والكشف عن
إسقاطاته على منظومة الوعي والهوية، لابد من التذكير بأن تجليات هذا
النمط من الصراع لم تكن نقية أو خالية من مظاهر الأنواع الأخرى المحايثة
لها والمتزامنة معها كما سبق والمحنا، بل هي تظهر في غالب الأحيان
متظافرة ومتفاعلة. لذلك فقد يلحظ القارئ وجود بعض التكرار في إيراد
الشواهد التاريخية للتدليل على صحة هذا الفرض أو ذاك، كما سيقع عند
التدقيق على ورود حالات من التداخل والترابط ما بين صراع الهويات على
المستوى (الاقوامي) وبين نظيره على المستوى (الطوائفي)، نظراً لارتكاز
كلا النوعين على مصادر تأثيرية واحدة واستنادها على معطيات تحريضية
مشتركة، فضلاً عن تأثير الصراع الثقافوي عليهما وتأثره بهما. فمما لا شك
فيه ان واقعة التأزم الطوائفي بين أهل العراق من المسلمين تحديداً، تكاد
تكون علامة فارقة في مسار تاريخهم الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن دورها
البارز في ظاهرة تقلّب مزاجهم النفسي وتحوّل ولاءهم الإيديولوجي
وانخراطهم الحزبي منذ وقت مبكر بحيث «ان الأحزاب الجماهيرية في العراق لم
تكن سوى التجسيد العملي للتوزع الطائفي، وأنها لم تكن أحزاباً جماهيرية
داخل المجتمع، كما لم تكن أحزاباً للشعب الذي صدحت بأمجاده، بمقدار ما
كانت أحزاباً جماهيرية داخل الطوائف»(50). يضاف إلى ذلك ان طبيعة الأوضاع
السائدة بينهم وخصائص الظروف المحيطة بهم، والتي كانوا ـ ولا زالوا ـ
يخضعون لإيقاعها ويجتافون قيمها، غالباً ما كان لها دالة واضحة على أنماط
تفكيرهم وأطر علاقاتهم، الشيء الذي يمكن الاستدلال من خلاله على سلاسة
الاجتماع السياسي ودرجة استقراره ومستوى شرعيته وآلية حراكه، بالاعتماد
على مؤشر التضايف بين الطوائف والتنافذ بين العصائب، على خلفية المصالح
السياسية والاقتصادية التي تؤطر مواقفها وتجسر علاقاتها. وهو الأمر الذي
اعتبره الباحث (بطاطو) كإحدى «الحقائق المثيرة للاهتمام، والنابعة من
تجاور الملامح الدينية والاجتماعية للعراق الملكي في العشرينات من هذا
القرن ـ يقصد العشرين المنصرم ـ كانت درجة القربى القائمة بين الولاء
الطائفي والموقع الاجتماعي في أجزاء مختلفة من جنوب البلاد ووسطها»(51).
ولما كان وعي الجماعات (بذاتها القومي) ما انفك يداخله هاجس التميّز
الطائفي النزّاع إلى التماهي مع أطياف الهوية الوطنية وان أمكن الحلول
محلها من جهة، ويشاطره، من جهة أخرى، هوس الاعتداد بالنسب العشائري
المشدود نحو التماثل بالأعراف القبلية من جهة أخرى، فقد أعاق ذلك إلى حدّ
بعيد سيرورة نضوج ذلك الوعي وعطّل أوالياته، لا في ملموس واقع تلك
الجماعات ومعاش حياتهم فحسب، بل وفي تصورهم لأشكال ذلك الواقع وتخيلهم
لأنماط تلك الحياة أيضاً. وهو ما نعتقد بأنه يشكل مدخلاً واقعياً يتاح
لنا من خلاله تفسير سرّ بطئ نشوء هوية وطنية مكتملة، وتأخر بناء شخصية
عراقية متوازنة، تستطيع التعامل مع الأحداث والتعاطي مع الوقائع من منطلق
الولاء السياسي (الفوقي / المنفتح) وليس من منطلق الولاء الطوائفي (التحتي
/ المنغلق) كما هو الشائع لحد الآن. إذ ان «الشيء الطبيعي (والصحي) هو أن
تكون للفرد والمجتمع هوية جماعية ذات مرجعية أساسية واحدة ينجذب إليها
ويتحد أو يتماهى بها، أو أن تكون على الأقل تلك المرجعية هي المرجعية
السائدة من الوجهة النظرية والعملية بحيث لا تتعرض لمنافسة قوية أو
منازعة خطيرة من مرجعيات أو انتماءات أو مراكز جذب أخرى منافسة أو موازية»(52).
والواقع أن مفهوم الطائفة كاجتهاد فقهي في أمور الدين بشكل خاص والقضايا
الروحية على وجه العموم، لا يشكل أية نسبة ولا يحتل أي دور في موضوعة
الصراع الاجتماعي. كما أنه لا يكتسب بعدا"صراعياً إلاّ متى ما أقحم في
منطقة الحرام السياسي وأريد له أن يحقق أهداف سياسية أو يتبنى قضية
سياسية، إذاك، وإذاك فقط، تتغير المعادلة وتختل الموازين. بمعنى ان وجود
التنوع الطائفي في أي مجتمع لا يعتبر بحد ذاته دالة أو مؤشر على توقع أو
احتمال حصول التناقض أو التنافس أو المواجهة على أسس أو قواعد من
الانحياز الطائفي. ولهذا يتوجب علينا أن «نميّز بين الطائفية الدينية
والطائفية السياسية الإدارية، بالرغم من الالتباس بين جوانبهما. فالطوائف
الدينية واقع قديم في تاريخ الشرق الأدنى، متصل مباشرة بالفروق بين
الأديان السماوية وبالانقسامات داخل كل دين.. فهي تعبر عن كيفية انعكاس
العامل الديني في حياة الناس التي تسرب إليها وانتشر فيها»(53). والملاحظ
ان المعضلة تبتدأ بالتفاقم حالما تشرأب الطائفية الدينية بأعناقها صوب
المجال السياسي، أو تندفع باتجاه التمأسس السياسي والتأدلج الفكري
والتخندق الوجداني والتمترس الرمزي لسببين وان كانا مترابطين ومتلازمين
بحيث ينتج أحدهما من الثاني على وفق قوانين الجدلية الاجتماعية، إلاّ أن
لكل منهما آليته الخاصة تتعلق بمعطيات التكوّن وزخم المسار وأنماط
التفاعل، تميّزه عن سواه وتطبعه بطابع ذاته. السبب الأول ويتمثل بانحراف
توجهات الطائفة التي تتوفر على مقومات القوة المادية وتتمتع بامتيازات
الحضوة المعنوية ـ خصوصاً إذا كانت برعاية دولة دينية ـ صوب مغريات
الطغيان السياسي والنزعة الشمولية، فضلاً عن وازع السيطرة ودافع الهيمنة
اللذان يحضّانها على سلوك التعصب والتطرف حيال بقية الطوائف في المجتمع.
لا بقصد استتباع إرادتها وارتهان خياراتها ـ وهو ما تم كحاصل تحصيل
ـ فحسب، وإنما لكي يتاح لها (= الطائفة
المتسيدة) ضمان استمرارها التحكم بمقاليد السلطة والبقاء في قمة الهرم
السياسي أيضاً، بصرف النظر عما لتلك (الطوائف المستعبدة) من حقوق سياسية
واجتماعية واقتصادية وثقافية، ينبغي مراعاتها والسعي لتأمينها. أما السبب
الثاني فيتلخص بمحاولات الرفض ومساعي الاحتجاج التي يبديها أتباع الطوائف
أو المذاهب المضطهدة إزاء حالات القمع السياسي والتنكيل الأمني والحرمان
الاقتصادي والإقصاء الثقافي التي يتعرضون لها لأسباب لا تتعلق سوى
بالهوية الطائفية التي نشأوا عليها ليس إلاّ، وكذا العمل على تجنب الأذى
الذي يقع عليهم وتفادي الضّرر الذي ينال منهم ودفع الجور الذي يتربّص بهم،
جرّاء السياسات الطوائفية التي تنتهجها الحكومات الاستبدادية والأنظمة
الدكتاتورية بدافع من تحرّزها الاستباقي حيال المخاطر التي تستشعرها، بعد
أن يداهما الإدراك بفقدان قدرتها عما كانت عليه في السابق، على إدارة
علاقات التناغم الاجتماعي المصطنع الذي شرعت عناصره ومكوناته بالتفكك إلى
أصولها الفرعية من جهة، وأعجزتها الحيلة عن إدامة غطاء الشرعية الذي كانت
تتجلبب به بعدما بات نسيجه الفضفاض يتآكل وحضوتها بالولاء القسري بدأت
تضمحل من جهة أخرى. هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار دور العامل الخارجي (إقليمي
أو دولي) وتأثيره في زيادة الهوة التي تفصل ما بين الطوائف في الحالة
الأولى، وتسعير الخلافات وتوتير العلاقات بينها في الحالة الثانية،
لأسباب تتعلق بحوار المصالح وتصادم الارادات. مثلما فعل المستعمرون في
السابق حين استثار «البريطانيون بجميع الوسائل نزاعاً عربياً إيرانياً
ونزاعاً سنياً شيعياً في الساحل الشمالي من الخليج العربي، فلم يتمكنوا
بالتالي من فرض رقابتهم على الثروات البترولية في إيران ويعززوا نفوذهم
في شط العرب وحسب، بل بذروا كذلك بذور النزاع العربي الإيراني الشريرة
المشؤومة التي أعطت نبتات دامية للغاية إبان الحرب العراقية الإيرانية»(54).
وعلى الرغم من أن هنالك دائماً فرص متاحة أمام الطوائف التي واتتها
الظروف لاعتلاء عرش السلطة والإمساك بأعنة الحكم، في العدول عن استخدام
المنطق الطوائفي في التعامل مع بقية المكونات المنضوية معها في ذات
المجتمع ـ بزعم تعزيز مركزها ودوام سلطانها ـ وكذلك التراجع عما تعتقد ـ
خطأ ـ إنها الممثل الوحيد للمصلحة الوطنية دون سائر الطوائف والأقوام
الأخرى لمجرد حيازتها على الأكثرية العددية(55). وذلك بالشروع لانتهاج
سبيل الحوار العقلاني والمشاركة السياسية المتكافئة، فضلاً عن تغليب
معايير المواطنية الحضارية وروابط التآخي الديني على مظاهر الولاءات
الطوائفية والانحياز لأعرافها الضيقة، بغية قطع الطريق أمام أي محاولة
تستهدف الإخلال بالأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي، عبر اللجوء إلى
توظيف الاحتقان الطائفي الذي لا يلبث أن يقود إلى التصادم والاحتكام إلى
العنف.
وبالعودة إلى موضوعة الصراع الطوائفي في المجتمع العراقي فان المدقق في
تاريخ العلاقات بين الطوائف لابد أن يواجه بحقيقة ان لهذا الصراع المنفلت
من عقاله في الوقت الراهن جذور ضاربة في أعماق السيكولوجيا الاجتماعية،
لا يمكن الخلوص إلى الحدّ من آثاره والتوصل إلى كيفية معالجته والعمل على
تخفيف غلوائه، ما لم يتم البحث في أصوله والتنقيب في مساره والتقصي في
تداعياته. وعليه فإذا ما استثنينا الإشارة إلى الرأي الذي توصل إليه
المفكر البحريني (محمد جابر الأنصاري) الذي مؤداه؛ ان النزاع الأموي ـ
الهاشمي هو الذي أفضى «إلى النزاع الأوسع في تاريخ الإسلام بين السنّة
والشيعة، كما ان (خروج) قبائل شرق الجزيرة على السلطة القريشية كان في
أساس تبلور مذهب (الخوارج) ضد السنّة والشيعة على السّواء.. وهكذا نجد ان
كل مذهب ديني من مذاهب الإسلام له جذوره وأصوله القبلية أو العشائرية»(56).
نقول إذا استثنينا هذا الطرح المستند إلى حقائق التاريخ وذخيرة الوعي،
فإننا سنواجه في هذا السياق من يعتقد بأن خلفيات الصراع الطوائفي تمتد
إلى اليوم الذي شجع فيه «البويهيون الانقسامات الطائفية في بغداد، فحدثت
من جراء ذلك فتن واضطرابات، فاختل الأمن وازداد القلق، وتفككت وحدة
المدينة ببغداد، ووضع أهل كل محلة على محلتهم سوراً يحميهم من الذعّار
والعيّارين، ورافق ذلك تدهور في الحياة الاقتصادية وتقلص في الأحوال
العمرانية فهجر كثير من الناس بغداد وأصبح كثير من مناطقها العامرة في
الجانين الشرقي والغربي خربا»(57). وعلى هدي هذه الحقائق التاريخية وتلك
الوقائع الاجتماعية، وتساوقاً مع المنهجية المعززة «بالمنظور التاريخي
لبنية العلاقات الإقليمية بين العراق وإيران وخصوصاً لما أنتج من معاهدات
واتفاقيات، سيعلمنا عن حجم المخاطر التاريخية التي تعرضت لها المنطقة
بمدنها وحواضرها وسكانها، فلم تنتج تلك (المعاهدات والاتفاقيات
والبروتوكولات) من دون حملات ووقائع وحروب ومعارك وحصارات وهجومات.. كانت
لها آثارها الصعبة في الذهنيات والسيكولوجيات في مجتمعات المنطقة»(58).
ومما ضاعف من تعقيدات الصراع الطوائفي بين مكونات الشعب العراقي، دخول
العامل (الاقوامي) الخارجي كمحفز وباعث على استمرار جذوة الخلافات
الطوائفية مستعرة، فضلاً عن الحيلولة دون تجاوز مخلفاتها والتغلب على
سلبياتها لحد الآن. والمقصود هنا بالعامل الاقوامي لا يراد منه التلميح
إلى الاثنيات والقوميات غير المسلمة الموجودة في إطار وحدة الجماعة
العراقية المتعايشة معها منذ آلاف السنين، والتي لا تخلو العلاقات بينها
أحيانا"من حساسيات وتوترات تظافرت على خلقها الأوضاع الداخلية المضطربة
والعوامل الخارجية المتقلبة. بل المقصود في ذلك تلك الأقوام والجماعات
الأخرى التي نشأت في بيئة غير بيئتها الوطنية والتي أفضت الحروب والغزوات
المار ذكرها سابقاً، ليس فقط على فرض وجودها وتشجيع بقائها وتسهيل
استقرارها فحسب، بل وحثها للإسهام في توطين النزعة الطائفية وتكريس حالة
الاختلاف وإضعاف الإحساس بالهوية. وكأمثلة على ذلك يكفي أن نشير إلى ما
ذكره العالم الاجتماعي العراقي الراحل (علي الوردي) حين أوجب «أن لا ننسى
ان الصراع الطائفي كان موجوداً في العراق منذ صدر الإسلام، وطالما شهدت
بغداد في العهد العباسي معارك بين المحلات السنية والشيعية يسقط فيها
الكثير من القتلى، وتحرق البيوت والأسواق، وتنتهك حرمة المراقد المقدسة.
ولكن هذا الصراع بلغ أوجّه عندما حدث التنازع على العراق بين الدولتين
الإيرانية والعثمانية حيث صار أهل العراق لا يفهمون من شؤون حياتهم
العامة سوى أخبار هذه الدولة أو تلك، وكل فريق منهم يدعو الله أن ينصر
أحدهما ويخذل الأخرى»(59). من جانبه فقد رصد الباحث (أسحق نقاش) في
دراسته عن شيعة العراق، واقعة ان كربلاء أصبحت «بالوعة البؤس الهندي.
وأصبح من الصعب بصورة متزايدة في السنوات اللاحقة ـ لعام 1860 ـ تمييز
الهنود عن غير الهنود بين العناصر الاثنية في مدن العتبات المقدسة.
والأكثر بكثير من المستوطنين الهنود ان الجالية الفارسية في العراق هي
التي ظهرت في القرن التاسع عشر بوصفها أشد المكونات نشاطاً ونفوذاً بين
سكان مدن العتبات المقدسة. وكان هؤلاء الفرس الذين قدّر عددهم في العراق
بثمانين ألف فارسي في عام 1919 (لربما حتى أكثر من ذلك إذا ما أخذ المرء
في الاعتبار الكثير من الزيجات المختلطة ـ ملاحظة من المؤلف) يتمتعون
بوضع الرعايا الإيرانيين الذين كان الموظفون القنصليون الإيرانيون
يمارسون السلطة القانونية عليهم خارج الأراضي الإيرانية. وكان وضع الفرس
في البلاد سبباً رئيسياً لتوتير العلاقات العثمانية ـ القاجارية حتى بعد
تأكيد امتيازاتهم رسمياً في عام 1875»(60). لا بل انه يورد نسبة مئوية
تظهر الطابع الديموغرافي لمدينة كربلاء عند مطلع القرن العشرين المنصرم،
موضحاً انه بينما كان الطابع العربي لمدينة النجف هو الغالب، فان تركيب
مدينة كربلاء الاثني وثقافتها اتسمت «بوجود جالية فارسية كبيرة جداً. (ففيما)
قدّر سكان كربلاء الذين كانوا كلهم تقريباً من الشيعة بخمسين ألف نسمة
كان الفارسيون يشكلون منهم 75 في المئة على الأقل والعرب أقل من الربع..
(وقد) لاحظ زوار غربيون أنها لم تكن بأي حال ترتدي مظهر مدينة عربية بل
كانت عمارتها وأسواقها تعكس التأثيرات الفارسية»(61). ولتوضيح الصورة
وتقريب مدلولها واكتمال عناصرها ومراعاة تحقيبها الزمني فإننا سنعمد ـ
لإظهار طابع المؤثرات السلبية للعامل الخارجي على البنية السوسيولوجية
للمجتمع العراقي ـ للاستعانة بما أورده التقرير المرقم / 56 سري بتاريخ
30 يناير / كانون الثاني 1936، المقدم من قبل السفير البريطاني في العراق
خلال تلك الفترة (السير آ. كلارك كلير) إلى وزير الخارجية (المستر إيدن)،
حيث جاء في الفقرة / 54 ما نصه: «هنالك عدة آلاف من الإيرانيين المقيمين
في العراق، وهم مصدر إزعاج مستمر للحكومة العراقية. وخلال السنة التي
تناولها هذا التقرير حامت حولهم الشكوك ـ وربما كان ذلك لأسباب وجيه ـ
بأن كان لهم دور في إثارة الاضطرابات بين عشائر الفرات. وكانت الحكومة
العراقية، منذ مدة تقوم بمحاولات غير جادة لتخليص العراق من هؤلاء
الإيرانيين، ولكنها واجهت صعوبات عديدة»(62). وهو الأمر سيترك لاحقاً
بصماته الدامية على مجمل مسار العلاقات السياسية بين دولة العراق بمختلف
الأنظمة التي توالت عليها ومسكت زمامها، وبين جوارها الإقليمي دولة إيران
بصرف النظر عن طبيعة الحكومات التي تعاقبت على إدارة شؤونها ورعاية
مصالحها. لا بل ان وتيرة الصراع بينهما اتخذت بمرور الزمن منحاً ما برح
يميل من الطابع الحضاري/ الإيديولوجي البارد إلى الطابع القومي / السياسي
الساخن. وفي ضوء هذه الخلفيات والملابسات يتضح ان «كل هذا تم في سياق
أحداث استنفرت الذاكرة التاريخية وعكست في مرآتها صوراً أحادية من
الإدراك الصراعي المتبادل بين الجماعات القومية. وكانت مساهمة القوميين
العرب ـ أو بالتحديد بعضهم ـ في هذا السجال القومي لا تقل حديّة
وانتقائية»(63).
الهوامش
ـــــ
(*) باحث من العراق.
(50) فاضل الربيعي؛ المصدر ذاته، ص 15.
(51) حنا بطاطو؛ المصدر ذاته، ص 65.
(52) الدكتور محمد جابر الأنصاري؛ المصدر ذاته، ص 91.
(53) الدكتور ناصيف نصّار؛ نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع
الطائفي (بيروت، دار الطليعة،1981) ط/4،
ص104.
(54) بونداريفسكي؛ الغرب ضد العالم الإسلامي، ترجمة الياس شاهين (موسكو،
دار التقدم، 1985)، ص44.
(55) بالرغم من تعاطيه العقلاني مع إشكالية الانقسام الطائفي في المجتمع
العراقي وانعكاس ذلك على معالم الهوية الوطنية، فان الباحث (ميثم الجنابي)
لم يلبث أن وقع بذات المنزلق الذي يؤاخذ الآخرين على سقوطهم في حبائله،
حين يزعم بأن «التشيع في العراق هو الأكثر تمثيلاً للمصالح القومية
العليا التي لا تتعارض مع المبادئ الكبرى للإسلام. والقضية هنا ليست في
كونه تشيعاً، بقدر ما أنه مذهب الأغلبية ـ ومتى كانت الأغلبية بالضرورة
بريئة من نوازع التعصب القومي أو التطرف الطائفي؟! ـ وهو السبب الذي يذلل
فيه نفسية المذهبية الضيقة ويجهل منه بالضرورة (كذا) كياناً ثقافياً.
وذلك لأن مذهب الأغلبية عقل(!) بينما مذهب الأقلية هوى (!))). أنظر
المصدر ذاته؛ ص 260، 261.
(56) الدكتور محمد جابر الأنصاري (إشكالية التكوين المجتمعي العربي:
أقليات أم أكثريات متعددة؟) ضمن الدكتور عدنان السيد حسين (منسق) كتاب؛
النزعات الأهلية العربية العوامل الداخلية والخارجية (بيروت، مركز دراسات
الوحدة العربية، 1997) ص 36.
(57) مؤلف جماعي؛ العراق في التاريخ (بغداد، دار الحرية للطباعة، 1983)،
ص442. أنظر حول نفس الموضوع، الدكتور عبد العزيز الدوري؛ مقدمة في
التاريخ الاقتصادي العربي (بيروت، دار الطليعة، 1969)، ص92 وما يليها.
(58) الدكتور سيار كوكب الجميل؛ الورقة العربية المقدمة إلى ندوة (العلاقات
العربية ـ الإيرانية: الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل (بيروت، مركز
دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص449، 450.
(59) الدكتور علي الوردي؛ المصدر ذاته، ص 12.
(60) اسحق نقاش؛ شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي، سلسلة دراسات
رقم(8)، (دمشق، دار المدى، 1996) ص36و37 ولمزيد من المعلومات حول هذه
الحقائق التاريخية والوقائع الاجتماعية، يمكن مراجعة المصادر التالية:
* الدكتور فرهاد إبراهيم؛ الطائفية والسياسة في العالم العربي: نموذج
الشيعة في العراق (القاهرة، مكتبة مدبولي، 1996)
* الدكتور عبد الله النفيسي؛ دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث (بيروت،
دار النهار للنشر، 1973)
(61) المصدر ذاته؛ ص 42.
(62) نجدة فتحي صفوت؛ العراق في الوثائق البريطانية (البصرة، مركز دراسات
الخليج العربي)، ص100.
(63) الدكتور وجيه كوثراني (الإدراك المتبادل بين العرب والإيرانيين)،
ضمن وقائع ندوة العلاقات العربية ـ الإيرانية؛ المصدر ذاته، ص 170.
|
|
|