|
|
|
الحضارية
«دراسات اجتماعية» |
|
|
السبت:
26/01/2008
جيوبوليتيكا صراع الهويات في المجتمع
العراقي
حفريات في المواريث الانثروبولوجية
(3/4)
ثامرعباس(*)
(خاص
للمعهد)
ثالثا: القناع الحضاري للصراع الثقافوي(33)؛
بخلاف ما تواضعت عليه الشعوب وما تعارفت عليه الأمم حيال ارتكازها على
جملة من الثوابت العامة والقواسم المشتركة التي تؤمن بها وتنشدّ إليها
وتتماهى معها، فضلا عن الدفاع عنها والانضواء تحت لوائها حين تلوح الخطوب
وتطل الملمات، بصرف النظر عن اختلاف الأعراق وتباين المعتقدات وتنوع
المذاهب وتوزع اللغات. نقول بخلاف ذلك كله فان الشعب العراقي قد تميّز عن
هؤلاء وأولئك، لا بل قل شذّ عنهم وتخلّف دونهم، متخذا من ثوابته الوطنية
وقواسمه المصيرية مبررا ليس لصهر مكوناته الاثنية وتوحيد عناصره المذهبية
ودمج تنوعاته القبلية على مستوى الوعي بالتاريخ والانتماء للجغرافيا
والإحساس بالهوية كما يفترض به ويعول عليه حاله في ذلك حال أي مجتمع حريص
على كيانه السياسي من الانهيار ومصيره التاريخي من الاندثار، بل لتشتيت
وحدته الهشة أصلا وتمزيق نسيجه الفضفاض وتقطيع أواصره الواهنة، كل بحسب
أروماته الاقوامية وأصوله الطوائفية وانحداراته القبائلية، ضاربين بذلك
المثل على تأصيل بدائيتهم وتواصل تخلفهم عن سائر المجتمعات الأخرى التي
طوت صفحات تاريخها المثقل بالانقطاعات والمشحون بالصراعات، بما يجعلها
تواكب التطور الحضاري والتقدم الاجتماعي على أسس من الواقعية والعقلانية.
وهكذا فلو أخذنا المجتمعات الأوربية على سبيل المثال كنموذج لهذه الحالة،
فإننا سنجد ان تنوعهم القومي وتعدديتهم الدينية واختلافهم المذهبي
وتباينهم اللغوي لم تقف حائلا دون اعتبارهم الموروث الإغريقي ـ الروماني
ـ المسيحي بمثابة مرجعية تاريخية وثوابت حضارية ومنطلقات رمزية، تتمحور
حولها أنشطة واهتمامات جميع تلك الأطياف والأقوام، ليس فقط تعبيرا عن
اعتزازها بذلك التراث(34) وما يمثله بالنسبة لها من ثقل تاريخي ومعادل
روحي فحسب، وإنما لتعزيز عوامل الوعي بالذات إزاء الآخر والانتظام في
سياق العقلانية التنويرية التي حاولت وتحاول استتباع الثقافات المغايرة
والحضارات المخالفة معتبرة إياها بمثابة مراحل بدائية في سلّم التطور
الإنساني الذي بلغ ذروة كماله في تجربة العالم الغربي. ولذلك فالأوربيين
«لم يتركوا شيئا من التراث والتقاليد إلاّ درسوه وسجلوه وعملوا على
إحيائه وتطويره. وأن سر حضارة أوروبا وعنفوانها يكمن في قوة شخصيتها
التاريخية وحفاظها على أصالتها التراثية والدينية. الثورة العقلية
الأوربية لم تبدأ، كما نتصور، برفض المسيحية ومعاداة الكنيسة، بل قبل كل
شيء كانت العودة إلى التراث الأوروبي الماقبل مسيحي، الروماني واليوناني.
بالتالي تطوير المسيحية وتطويعها لكي تتقبل التراث الأوروبي القديم ومن
ثم تتقبل العلم والحداثة الأوروبية الأصيلة»(35). والجدير ذكره بهذا
الشأن ان واقعة التعدد في الكيانات الثقافية والتنوع في مصادر التعبير عن
ذاتها والتباين في خلفيات تشكيل هويتها، غالبا ما تؤخذ على كونها مؤشر
لسقم حالة المجتمع المعني ودليل على مظاهر تفكك وحداته السوسيولولجية
وتذرر مكوناته الانثروبولوجية. وهو ما يعبّر عن خاصية انعدام الرؤية
الموضوعية في التعامل مع الظواهر الاجتماعية والوقوع تحت طائلة المنهجية
الاستاتيكية التي لا تستطيع مقاربة الوضع المجتمعي إلاّ من خلال ثبات
بناه وسكون أنساقه وتوقف حراكه. والحال ان ما لحق بالعلوم الاجتماعية من
تطورات نوعية عاصفة وما شهدته المعارف الإنسانية من تقدم هائل في
المجالات كافة، لم تتكفل وحسب بإقصاء مثل هذه التصورات الخاطئة واستبعاد
مثل تلك الطروحات القاصرة حيال الكيفية التي يحقق من خلالها المجتمع
آليات توازنه وضروب تجانسه، بل وأيضا دللت على جدوى تفعيل التناقضات
الكائنة في صلبه وتنشيط التفاعلات لاستمرار حيويته. ذلك لأن السكون «ليس
من طبيعة المجتمع. انه يحدث على الدوام لا تفاعل بين جوانب وأجزاء الآلية
الاجتماعية فحسب، بل وتغيّر وحركة وتطوّر موجهة ناجمة عن هذا
التفاعل»(36). والغريب في الأمر انه في الوقت الذي كانت فيه السياسات
العثمانية البائدة تتعامل مع شرائح المجتمع العراقي ومكوناته من منطلق
مللّي / طوائفي ـ رغم خطابها الإسلامي المزعوم ـ قائم على أساس التصنيف
العرقي والتوصيف المذهبي، باعتبارها حقائق تاريخية قائمة على الأرض
وعلاقات اجتماعية ملموسة في الواقع. فان جميع الأنظمة السياسية المسماة
(وطنية) التي تعاقبت على حكم العراق منذ العام 1921 ولغاية اليوم، عمدت
إلى طمس هذه الحقائق وإخفاء تلك المسلمات، إضافة إلى إنها شرعت ـ دون أن
تعي عواقب ذلك مستقبلا ـ بتغليب دواعي الوحدة السياسية المفترضة على
وقائع الانقسام الاجتماعي والاختلاف القومي والتباين المذهبي والتنوع
الثقافي، ليس بوازع من الاعتبارات الوطنية / العراقية الموحدة ـ كما
يتبارى الجميع باطلا ـ وإنما بدوافع مصلحية نابعة من منطلقات اقوامية
وطوائفية وقبائلية متشظية، بافتراض ان «السياسة تجنح إلى المركزة
والتجريد في حين ان الثقافة والاقتصاد يجنحان إلى البعثرة والتوزيع»(37). وهو الأمر الذي وسّع الفواصل بين الهويات التحتية وعمّق الهوّة بين
الثقافات الفرعية. إذ ان المواقف التي تروم بلوغ مأرب الوحدة الوطنية
والتكامل الاجتماعي لا يسعها تحقيق ذلك بالاعتماد على جزالة الخطابات
السياسية وبريق الادعاءات الإيديولوجية ـ مهما صدقت النوايا وحسنة
المقاصد ـ ما لم تسبقها أفعال واقعية وإجراءات عقلانية، لا تستهدف قمع
نزعة الأنا الثقافي إلى التوحد مع قيم الجماعة الأولية وردع توق الذات
إلى التماهي مع الأصول الرمزية التي تمنح الجماعة الإحساس بالتفرد القومي
والتميز الثقافي فضلا عن تكريس الوعي بالهوية، تحت ذريعة الخشية من
أعاصير الفتن الداخلية ودوامات المحن الخارجية من جهة، والحفاظ على روابط
الوحدة الوطنية وإدامة زخم الولاء السياسي من جهة أخرى. بل إنها (=
الأفعال والإجراءات) تتيح في الغالب؛ الفرص وتهئ السبل القمينة بحمل
المكونات المعتصمة خلف عناوينها الفرعية، على إدراك حقيقة انه لا غنى
لبعضها عن البعض الآخر، ان هي أرادت تحقيق أهدافها وتأمين مصالحها وصيانة
تطلعاتها، بواقع أن تاريخها واحد ومصيرها مشترك. ذلك لأن الذات الثقافية
«لا توجد وتحيا في مجال نظرها أو وعيها بذاتها فحسب، وإنما أيضا في أفق
نظر ووعي الآخر. فكلنا نكوّن ونحمل صورا عن غيرنا، نضعها قاعدة للحكم
والتعامل، ان في حالة السلم أو في حالة التوتر. والصورة عموما من طبعها
أن تروم التّرسخ في (كينونة) أو جوهر؛ والجوهر ينزع إلى التّرسب في
محمولات أو خاصيات؛ والخاصيات، بدورها تتراتب فتصير إلى خاصية واحدة
مهيمنة قد يمحى معها عند الحاجة الصراعية، التغيّر والتعدد ويضعف في ظل
اعتمالها بعد التاريخ»(38). ولكي لا نقع في أسر ما كنا نعيبه ونحذّر منه
إزاء عواقب النظرة التجزيئية والتصور الأحادي، فان الدعاوى الرامية إلى
تخطي هذه الإشكالية بإتباع أحد الخيارين اللذان تؤدي المفاضلة بينهما إلى
النكوص في الوعي والطيش في الاجتماع والتهور في السياسة، أي بين التعددية
أو الواحدية الثقافية كما يطرحها الخطاب السجالي، لا تقدم لنا هي الأخرى
مخرجا"ينأى بنا عن مهاوي التبسيط في التحليل والتسطيح في الاستنتاج. لذا
حريّ بنا ونحن نلج هذا المدخل الإشكالي، التأكيد على ان احتمالات المآخذ
ضد طرحنا لهذا الموضوع بهذه الصيغة المبتسرة ومحاولة تأويلنا لتعقيداته
بهذه الواقعية المجردة من احترازات العواطف وتحيّزات التعاطف تبقى قائمة
لا بل واردة. لاسيما وأن أبرز ممثلي الفكر العربي المعاصر الذين شغلهم
الهمّ الثقافي وعلاقته بالواقع السياسي، قد انتهجوا مسارات متباينة لا
تعبر عن العجز في التوصل لأي صيغة توافقية مرضية على خلفية المقولة
التهكمية التي مؤداها (ان العرب لا يجتمعوا إلاّ ليختلفوا)، وإنما
لاختلاف مستويات الوعي الحضاري وتباين طبيعة المهام المطروحة أمام الشعوب
العربية في كل من المشرق والمغرب، فضلا عن مظاهر التدرّج في الامكانات
الفكرية والتمكن في القدرات التحليلية التي تبيح التنوع في الرؤى
والتغاير في التصورات، وهو الأمر الذي حتم حصول التقاطع في تقدير أهمية
العامل الثقافي وتقييم دوره في عقلنة الممارسات السياسية وأنسنة العلاقات
الاجتماعية وشرعنة المؤسسات المدنية. ففي الوقت الذي عدّ المفكر المغربي
(محمد عابد الجابري) المسألة الثقافية بمثابة «المحرك للتاريخ: التاريخ
المعاصر، الراهن. أما طبيعة الحركة التي يولدها هذا (المحرك)، واتجاهها
ومدى توافقها أو تناقضها مع حركة التاريخ الحقيقية، حركته الكلية العامة،
فهذه مسألة أخرى. المهم أن نلاحظ أن للمسألة الثقافية في الحركات
الاجتماعية والسياسية في جلّ عالم اليوم دورا بارزا، بل هي تقدّم نفسها
في بعض الأقطار، كفاعل وحيد»(39). هذا في حين نجد أن المفكر المشرقي (
برهان غليون ) يتناول الموضوع من زاوية أخرى ومنظور مختلف عندما يقرر بأن
«أصل المشكلة في نظرنا هو إعطاء الأولوية في نظرية الأمة للعامل الثقافي،
الذي هو أكثر العوامل تقلبا ولا تحديدا. فيبدو في هذه النظرية كما لو أن
الثقافة أو التمايز الثقافي هو الذي يحدد السلطة والدولة. أما نحن فنعتقد
أن السلطة هي التي تحدد الثقافة، بمعنى آخر يتوقف نشوء ثقافة مستقلة
ومتميزة على نشوء سلطة مستقلة ومتميزة، أي سلطة معبرة عن الجماعة ككل لا
عن جزء منها. فنشوء مثل هذه السلطة هو الذي يسمح بتكوين دولة مستقرة
وفاعلة تسهل خلال مرحلة تاريخية طويلة أو قصيرة عملية التفاعل الثقافي
ونشوء الأمة»(40). وهنا نشير إلى أنه إذا كان التعاطي مع هذه المسألة قد
بلغ هذا الشأو من الاختلاف وذاك الحدّ من التباين في إطار تصور ما يسميه
المفكر غليون (بالثقافة العليا)(41) وأثرها في بلورة الاجتماع السياسي،
فما بالك والحالة هذه عندما يتعلق الأمر بالمواقف من الثقافات الدنيا أو
الفرعية التي تتوزع على تضاريس المشهد الاجتماعي العام، لاسيما وان هذه
القضية المحورية نادرا ما خطرت ببال المفكرين العرب وأقرانهم من
العراقيين المأخوذين بهوس الرؤية الاقوامية، التي ساهمت بصورة مباشرة أو
غير مباشرة بإذكاء روح التمرد ونزعة التفرد لتلك الهويات الثقافوية، التي
ما برحت تطلعاتها تتراوح ما بين مكاسب الاستقلال الذاتي ومطالب الانفصال
الموضوعي، معوّلة بذلك على معطيات الاستمرارية التاريخية وادعاءات
الأصالة الحضارية كمرتكزات شرعية لتحقيق مثل تلك الدعاوى الخطرة ؟. وهكذا
فقد تكاثرت البحوث وتناسلت الدراسات وتفرعت الدوريات ونشطت المؤتمرات
للكشف عن مآثر الأقوام البائدة ومفاخر الأنساب الغابرة، ليس من باب درء
المحاولات الرامية إلى دق أسافين البغضاء والكراهية بين مكونات الشعب
العراقي وأطيافه، والحيلولة دون انفراط عقدها الاجتماعي الذي أسهمت
جميعها بصياغة مبادئه والتوفق على أعرافه، وإنما من منطلق التأكيد على
أشكال المغايرة الثقافية والتأسيس لأنواع المفارقة الحضارية التي لا تفضي
بالمحصلة النهائية إلاّ إلى تصعيد حدّة التوترات ومفاقمة شدّة الصراعات،
على خلفيات من الأوهام التاريخية والأباطيل الجغرافية، التي لم تستوطن
وعيا إلاّ وأفسدته، ولم تستأثر بشعبا إلاّ ومزقته. ومما شجع تلك المكونات
على ولوج هذه المسالك الوعرة وتفضيل أساليبها المتطرفة وتبني خياراتها
المتعصبة، هو الغياب الدائم لقاعدة الاجتماع السياسي الذي طالما تسترت
خلفه الايديولوجيا، والإجهاض المستمر لإرهاص المواطنة التي طالما رفعت
إلى مصاف اليوتوبيا، حيث يجسد الأول مرتكز الهوية الواقعي وتختصر الثانية
بعدها الرمزي. وهو الأمر الذي شلّ إرادة المجتمع واستنزاف طاقاته وعطّل
قدراته على خلق قيم معيارية وإنتاج ثوابت مرجعية وإحياء أصول رمزية؛
تحاكي ما يجيش في السيكولوجيا الاجتماعية من هواجس لتهدئتها، وتحايث ما
يمور في الوعي الجمعي من تطلعات لعقلنتها، بحيث تتيح للأفراد والجماعات ـ
برغم تنافر مواقفهم وتنابذ أفكارهم وتقاطع اتجاهاتهم ـ الاحتكام إليها
والاسترشاد بها والتعويل عليها والشروع منها، في حالة الاختلال في
الموازين الوطنية التي توحدهم والاعتلال في العلاقات الاجتماعية التي
تجمعهم، لاسيما إذا كانت الدولة ضالعة بمظاهر الاستقطاب الاقوامي أو
منغمسة بأمورالمحاصصات الطوائفية، يدفعها لذلك هوس التماثل الثقافي
والاحتواء الأيديولوجي والتدجين النفسي الذي ترمي من خلاله إلى إسقاط
فكرة التعددية بكل أنواعها؛ الثقافية والدينية والمذهبية واللغوية التي
نادرا ما يخلو مجتمع من وجودها والتعايش معها والاستقواء بها. وهو الأمر
الذي لا يفسر فقط طابع الدولة البوليسي المزمن فحسب، بل ويظهر هشاشة
كيانها واستتباع إرادتها واغتراب سلطتها. ذلك لأن «بناء دولة مستقرة
يتعارض مع استمرار تسلط وهيمنة فكرة التماثل الثقافي الذي يبني الوحدة
على صبغ جميع الأفراد بذات اللون لا على تآلف المصالح السياسية والمادية.
فالدولة لا تقوم حتى إذا اقتصرت على حدود جماعة ثقافية متجانسة إلاّ إذا
امتلكت رسالة اجتماعية تسمح لها بأن لا تكون دولة أقلية محدودة»(42).
وعلى وفق هذا المشهد المتصدع البنى والمتشقق الأنساق، يبدو لنا المجتمع
العراقي وكأنه عار عن كل غطاء يخفي عيوبه وخال من كل تزويق يجمّل قباحاته.
إذ انكفأت عناصره إلى طوائف متقاتلة وانقلبت مكوناته إلى عصائب متناحرة
وانحدرت جماعاته إلى قبائل متصارعة، لا يجمع بينها سوى لغة العنف الدموي
وطقوس القتل الوحشي وكرنفالات المذابح البشرية، ضاربة عرض الحائط بكل
المحرمات الوطنية والمقدسات الدينية والمرجعيات التاريخية والرموز
الحضارية، وكأني بها تمارس شعائر العودة المستأنفة لكوامن أصولها
البربرية. وعلى خلاف ما تفرزه تجارب الشعوب الأخرى في إطار هذه المسألة،
حيث يجري الصراع بين هويات ثقافية بلغت سن الرشد الحضاري وتجاوزت مرحلة
الوعي بالذات، بحيث لا يحصل تداخل أو تمفصل بين أصولها العرقية
ومعتقداتها الدينية من جهة، وبين هوياتها الثقافية من جهة أخرى. فان
الصراع الثقافوي الناشب في عراق اليوم لا يظهر خال من المدخلات الاقوامية
والطوائفية المصاحبة له والمتفاعلة معه، وهو الأمر الذي لا يخلق صعوبات
جمّة أمام من يتطلع إلى فرز أشكالها وتصنيف أنماطها والكشف عن دوافعها
والعمل على كبحها فحسب، بل ويتعذر معه الوصول لأية حلول وبلوغ أية
معالجات والخروج بأية توصيات. ذلك لأن جميع تلك الأقوام والطوائف
والجماعات لم تبلغ بعد مستوى الوعي بذاتها لا بالمنظور الوطني ولا القومي
ولا الحضاري، على العكس مما يعتقد البعض ويروج له بشكل عاطفي لا يخلو من
حماسة. إذ يكفي حدوث طارئ ما أو حصول مشكلة معينة حتى تكشّر التكوينات
التحيتية عن أنيابها وتسفر عن مخالبها، لا يضيرها عند ذلك من يقع فريسة
بين يديها لتمعن فيه الفتك والقتل بكل ضراوة، شعارها في ذلك مقولة
الفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز): حرب الجميع ضد الجميع.
حوار الأنداد أم صراع الأضداد
يشترط كأولويات أن تشتمل صيغة الحوار على عاملي (الوعي بالذات) و (تكافؤ
الإرادة). في حين تتطلب إدارة الصراع توفر عاملي (القوة) و (المصلحة).
وهنا نسارع للقول بأن هذا الاشتراط لا يعني في مطلق الأحوال ان (الحوار)
لا يستلزم وجود عوامل أخرى مثل (القوة والمصلحة) إلى جانب حصيلته
الأساسية من العوامل المذكورة. كما ان (الصراع) لا يستثني من دائرة
اهتمامه شرطي (الوعي بالذات وتكافؤ الإرادة). بل كل ما في الأمر أن تتقدم
عوامل الحوار على سواها في الحالة الأولى، وأن تتبوأ الصدارة عوامل
الصراع قبل غيرها في الحالة الثانية. ذلك لأن عملية الحوار تقوم على
قاعدة من الاتزان النفسي والانفتاح الفكري والتثاقف الحضاري(43) والترابط
العلائقي، الأمر الذي يجعل حدوث أي خلل في مكونات هذه السبيكة الإنسانية
مدعاة لانتفاء شرط النديّة أو التكافؤ، عندها تختل المعادلة وتتحول
أطرافها من طور الحوار إلى طور الصراع. هذا من جانب، أما من الجانب الآخر
فان آلية الصراع تعتمد على تغليب حق القوة على قوة الحق والإعلاء من شأن
الذات إزاء دونية الآخر والانطلاق من عقدة التفوق الحضاري والتمركز
الثقافي بدلا من إشاعة روح التعاون وتعميم مظاهر التفاهم وتعضيد فرص
التعايش لكي ينعم الجميع بالأمن والاستقرار. ولعل مثال العالم الغربي وهو
يدلف عصر ما بعد الحداثة في تسوية خلافاته وضبط توازناته الداخلية أولاً
وتنظيم علاقاته وترتيب أولولياته الخارجية ثانيا خير شاهد على ذلك. ففيما
شرعت الحكومات الأوربية باتخاذ صيغة الحوار البيني منطلقا لاستقرار
شعوبها وضمان حقوقها وتأمين مصالحها، بعد أن استكملت أشواط وعيها بالذات
على وفق أنماط من التدرج؛ ابتداء بالوعي الاقوامي / الطوائفي ومرورا
بالوعي الوطني / السياسي وانتهاء بالوعي الثقافي / الحضاري. إلا أنها لا
تزال تتعامل مع شعوب الشرق / الجنوب من ذات النظرة الاستشراقية /
العنصرية التي لخص مضمونها الشاعر الإنكليزي (رديارد كبلنج) بمقولته
الشهيرة (الشرق شرق.. والغرب غرب ولا يلتقيان). بمعنى ان الفواصل
الحضارية والفوارق الثقافية التي تحول دون لقاء العالمين ستبقى قائمة إلى
أن يشاء الله غير ذلك، وبالتالي فان أسلوب الوصاية الذي تمارسه الشعوب
الراقية / الغالبة على الشعوب البدائية / المغلوبة هو حق مشروع وامتياز
مكفول، يستلزم ليس فقط قبول الثانية بحقيقة وضعها المتدني وإنما خنوعها
حيال ردع الأولى لها ان اقتضت الضرورة (الحضارية) ذلك. وهذا ما حمل
المفكر (الجابري) على الاعتقاد بأنه « لما كان الوعي بالذات ـ في الثقافة
الأوربية خاصة ـ إنما يتم عبر (الآخر)، فان بناء (الأنا) الأوربي سيظل
عملية ناقصة ما لم تكملها عملية أخرى ضرورية، هي عملية تفكيك (الآخر)،
عملية سلبه أناه وإقصاءه وتحويله إلى مجرد موضوع»(44). وذلك لانعدام حالة
الندية بينهما في حقلي الوعي بالذات والتكافؤ بالإرادة من جهة، وتفاوت
حصيلتهما، تبعا لذلك، في مجالي حيازة (القوة) وتبلور (المصلحة) من جهة
أخرى. وإذا كانت المجتمعات الغربية قد استوفت شرط الوعي بالذات الحضاري
وأصبحت قادرة على أنتاج هويتها الوطنية / السياسية، بما يقوي إرادتها
ويعزز استقلالها إزاء معطيات حضور الآخر بكل أنواعه وأشكاله، وبالتالي
استتبع أن تمتلك الأفضلية بإدارة عمليات الصراع بمختلف أنماطه وتجلياته
وبصرف النظر عن شروط المكان وظروف المكان أيضا. فان أغلب المجتمعات
الشرقية لم تبرح تعاني من هلامية وعيها بذاتها وهزال إيمانها بإرادتها
وإهمال إنتاجها لهويتها، الأمر الذي أسقط عنها إمكانية بلوغ مآربها عن
طريق الحوار بالنديّة. وبما إنها غير قادرة على التعامل بمنطق الصراع لا
بمعايير القوة المادية والرمزية التي بحوزتها ولا بمعايير المصلحة الآنية
والمستقبلية التي تستهدفها، فقد أصبحت هدفا يسير المنال وضحية يسهل
اصطيادها. ولهذا نعتقد بأن تأكيد الأستاذ (عبد العزيز الدوري) القاضي بأن
العرب «كانوا دائما يصدرون عن هوية حضارية واضحة. وليس غريبا أن يكون
همهم في القرنين الأخيرين تحديد هويتهم الحضارية أمام طغيان الغرب في
جميع المجالات »(45) فيه شيء من المبالغة في شطره الأول والواقعية في
شطره الثاني، بالرغم من تناقض المعنى بين الشطرين. إذ يزعم الأول وجود
هوية حضارية (واضحة) المعالم، في حين يستدرك الثاني بأنها في حالة
(تحديد) إزاء طغيان الغرب. والحال إذا كان الأمر يبدو على هذه الشاكلة
بين الشعوب التي تقطن قارات مختلفة وتعيش في أوطان متباينة وتمارس سياسات
متعارضة وتجتاف قيم متنوعة وتؤمن بعقائد متضاربة وتستخدم لغات متعددة،
فكيف ستغدو الحالة حين نشرع بتطبيق ذات الآلية من التحليل والاستنتاج على
طبيعة المجتمع العراقي وما يدور في كنفه من تفاعلات وما يعانيه من صراعات
وما يتوقع له من تصدعات ؟. أغلب الظّن ان الاعتقاد سيذهب باتجاه ما يوحي
بأن الأمور ستكون بخير وأن القضية ستصبح أهون مما هي عليه بين شعوب الشرق
ـ والشعب العراقي جزء حيوي من هذه الشعوب ـ ونظيرها شعوب الغرب، باعتبار
ان الشعب العراقي يعيش في إطار جغرافية واحدة ويستلهم قيم حضارية مشتركة
وينتمي لأصول تاريخية متشابهة وينتسب لأرومات قومية متصالبة ويعتنق أديان
سماوية متقاربة ويمتلك ذخيرة رمزية موحدة. مما يتيح لمكوناته
السوسيولوجية وتنوعاته الانثروبولوجية أن تمضي تمارس حياتها الطبيعية في
إطار من التعايش السلمي والقناعة بوجود الآخر / الغير، على قاعدة من
المشاركة السياسية المتوازنة والمساواة الحقوقية المتكافئة، التي تجعل
الجميع أندادا يحاور بعضهم البعض الآخر بدلا من كونهم أضدادا يطحنهم
التصارع الهمجي. فبصرف النظر عما أظهرته الجماعات الاقوامية المتصارعة
والتكتلات الطوائفية المتناحرة من خواء سريرتها لأي أحساس بالانتماء
العراقي ولأية مشاعر بالولاء الوطني من جانب، فهي أفشت، من جانب آخر، سرّ
عجزها عن مجاراة أقرانها من المجتمعات الشقيقة والصديقة المشابهة لها في
التكوين العرقي والمنشأ الطائفي، في مضمار تحقيق وعيها بذاتها سواء على
المستوى القومي / الاثني، أو الديني / الطائفي، أو الثقافي / اللغوي. لا
بل إنها فضحت كونها لا تزال لا تحسن التصرف كمجموعات موحدة ومتعاضدة إزاء
المعطيات الموضوعية التي تواجهها في خضم التدافع على المناصب والتزاحم
على المكاسب. فهي لفرط نزوعها البرغماتي / النفعي لا تعنيها في شيء مسألة
انتسابها القومي ومنبتها الطائفي، طالما ان هناك من يسهر على أهدافها
المصلحية ويحمي مصالحها الفئوية ويرعى تطلعاتها الانفصالية. إذ ان حسها
الطوائفي ونزعتها الاقوامية لا تستنفر إلاّ متى ما تبدأ المزايدات
الخطابية حول الأحقية السياسية وتستأنف المماحكاة الإيديولوجية حول
الأفضلية الوطنية. وعلى ذلك فأنها لم تفقد فقط حكمة الحوار لانعدام
شروطها فيها (الوعي بالذات وتكافؤ الإرادة) فحسب، وإنما تفتقر لفطنة
الصراع لغياب عواملها عنها (القوة والمصلحة) أيضا. ولأن الاحتكام إلى
العقل في مجمل القضايا الاجتماعية يستلزم كبح الغرائز المنفلتة وترويض
العواطف الطائشة، فان جنوح تلك الأطراف صوب صراع الأضداد بدلا من حوار
الأنداد سيغدو هو الخيار المرجح لا بل السبيل الوحيد، طالما إنها أخفقت
في التوصل إلى حقيقية ان (الوعي بالذات) لا يخرج عن كونه إدراك الجماعة
لذاتها كطائفة تأتلف مع نظيرها وتختلف مع غيرها في إطار من الاعتقاد
الديني ليس إلاّ، وان هذا الإدراك يحتّم على أتباعها مراعاة حقوق وحرمة
بقية الطوائف، سواء كانت ضمن نفس المعتقد الديني أو غيره من المعتقدات
الدينية الأخرى(46)، ويدعوها للدخول مع هذه أو تلك في نقاشات مثمرة
وحوارات بناءة وحتى سجالات ساخنة، دون أن تصل لحد التكفير الديني
والتخوين الوطني. كما يحرّم عليهم زجّ التصور الطائفي الخاص بالممارسة
الدينية في الأمور والقضايا السياسية العامة أو توظيف طابعه القدسي في
ميادين الشأن الاجتماعي المشترك. فإذا كانت محاذير استثمار العامل الديني
في أمور السياسة واضحة وجلية للحد الذي بات الجميع يلمس مساوئها ويكتوي
بنارها، فما بالك حين يحل التصور الجزئي للطائفة محل الاعتقاد الديني
ذاته، لا في مسائل الفلسفة السياسية وما تنطوي عليه من قيم عامة ومبادئ
شاملة وأخلاقيات مشتركة فحسب، وإنما في مجال الممارسة السياسية وما يتعلق
بها من قضايا الحكم وأشكاله والسلطة وأنواعها والدولة وأنماطها ؟. حينذاك
لا نخرج عن مضمار السياسة وألاعيبها بل ونخرج عن نطاق الدين ومحرّماته
أيضا، لاسيما بعد أن نكون قد فرطنا بالعقيدة الدينية لصالح الإيديولوجية
الدينية التي هي ـ كما شخصها المفكر محمد عابد الجابري «ليست الدين وإنما
هي توظيف للدين من أجل مصلحة الفرد ضد الآخر أو مصلحة جماعة ضد أخرى.
بعبارة أخرى، الايديولوجيا الدينية تقوم على ممارسة السياسة في الدين،
على تسييس المتعالي والتعالي بالسياسة»(47). بحيث يفضي إلى تقليص ما
للطائفة المعنية من دور إرشادي / تثقيفي يستهدف الحضّ على التسامح
والمحبة والوئام من جهة، والحرص على وحدة الأمة وتضامن الجماعة حيال
التحديات التي يتوقع أن تعترض سبيلهما في بلوغ الوعي بالذات وتحقيق
الهوية الحضارية من جهة أخرى. وفيما يتعلق بالمجموعات القومية فان الأمر
ذاته ينطبق عليها باستثناء الجانب الديني / الطائفي الذي لا يدخل بصورة
مباشرة في تحديد ماهية العناصر المسؤولة عن إعاقة نضوج الوعي بالذات
القومي، لاسيما وأنه «ليس من الممكن دائما تحقيق حد أدنى من الوحدة على
صعيد المرجعية الإيديولوجية، وهذا مفهوم ومقبول: فاختلاف المواقف على
أساس الاعتبارات الإيديولوجية سيظل قائما مادام هناك اختلاف في المصالح
المادية والمعنوية الموروثة والمكتسبة. غير أنه عندما يضاف إلى الخلاف
الأيديولوجي اختلاف في المرجعيات المعرفية، الذي يؤدي إلى عدم اتجاه
الفكر إلى شيء واحد محدد عند استعمال الكلمات، فان التفاهم يصبح في هذه
الحالة صعبا ان لم يكن مستحيلا، لأن ما يحصل فعلا هو ان النقاش يتحول إلى
(حوار الصّم)، إلى نقاش يكون فيه (المستمع) مشدودا إلى ما يسمعه في داخله
وليس إلى ما يقوله خصمه، ويكون فيه (المتكلم) يناجي نفسه حينما
يتكلم»(48) . هذا ويعتقد ان ما دفع بصراع الأخوة / الأضداد أن يأخذ هذا
المنحى الموغل في دمويته وتلك الطريقة المسرفة في همجيتها، إسهام عقود من
الأزمات السياسية المؤجلة والاحتقانات الاجتماعية المتراكمة والحساسيات
النفسية المتواصلة. وهو الأمر الذي شخص الباحث العراقي (فاضل الربيعي)
علّته بالقول «أفضت عمليات التحشيد طوال أكثر من أربعين عاما، حيث تكرر
المشهد نفسه مع اختلاف الألوان الأحمر والأبيض والأسود، إلى تهتك فضيع في
فكرة الوطنية. لم تعد هناك هوية ثقافية جامعة؛ وبدلا منها حلت هويات
حزبية وأيديولوجية ذات طابع عصابي، قلما نظر أصحابها بشيء من الرحمة
والتسامح إلى بعضهم البعض. وفي هذا الإطار فقد لعبت الايديولوجيا في
التجربة السياسية العراقية دورا مثيرا خليقا بالدراسة والتأمل، فهي أدت
وبشكل متواصل إلى تسريع درجة انحلال وذوبان الروابط الاجتماعية بين
الأفراد والمجموعات السكانية، والى تدمير الوعي الجماعي للشعب بأنه كيان
واحد، وكرست بدلا من ذلك، الشعور داخل المجتمع بأنه مجموعة (مجتمعات)
متناحرة ومتصادمة»(49). وكخاتمة لهذا الموضوع الذي لا يبدو أن تكون له
نهاية في المدى المنظور في ضوء مشاهد الابادة الدراماتيكية، لعل هناك من
يتساءل؛ وماذا بعد؟ ألم يحن أوان الحوار بين المختلفين على توزيع الحصص
والامتيازات والتصالح بين المتخاصمين على تقسيم الأسلاب والمغانم، إكراما
لفجيعة الوطن المنتهك وتكريما لمئات الآلاف من الذين سقطوا غيلة في
الطرقات العامة وفوق مكبات الأنقاض ومواسير المياه الآسنة، لا لشيء سوى
كونهم عراقيين لا فرق بين عربي وكردي وتركماني وكلدوآشوري، أو بين مسلم
ومسيحي وصابئي ويزيدي، أو بين شيعي وسني وكاثوليكي وبروتستانتي، حيث ان
الموت كان عادلا بين الجميع؟!.
الهوامش
ـــــ
(*) باحث من العراق.
(33) بالنظر لتعذر إعطاء وصف يرقى إلى مستوى ما عبّر عنه الناقد وأستاذ
الأدب البريطاني ( تيري ايغلتون ) حول هذا المفهوم لذا فقد ارتأينا إحالة
القارئ إلى نصه حيث يقول فيه (( الثقافوية،culturalism: نزعة ترى ان
الثقافة تحديدا"هي نظام القيم.
الأساسي للمجتمع، وان بنية الشخصية ترتبط ارتباطا"وثيقاً بالثقافة
المميزة لمجتمع معين. وهذا يعني ان كل نظام اجتماعي ثقافي يتميز بشخصية
أساسية. وترى هذه النزعة أيضاً ان كل مجتمع يميل إلى تشكيل ثقافي فريد.
ويبدو الأمر كما لو ان هذه النزعة ترى ان الأفراد لا يكونون عرضة إلاّ
لثقافة مجتمعهم المعين، وان ثقافة هذا المجتمع لا يخترقها الصراع. كما
تتجاهل ان المجتمع الواحد يشتمل على بيئات متنوعة كثيرة. وهي لا تأخذ
بالحسبان وبصورة كافية تأثير الأوضاع والشروط الملموسة.
(34) يشير المفكر (محمد عابد الجابري) إلى ضرورة التمييز بين مفهوم
(التراث) وبين مفهوم (الإرث). باعتبار ان هذا الأخير «هوما يرثه الابن عن
أبيه بعد أن يموت هذا الأخير، فهو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن محله.
أما التراث فهو ما يبقى حاضراً في الخلف من السلف، وبالتالي فهو عنوان
على حضور السلف في الخلف». أنظر كتابه؛ المسألة الثقافية في الوطن العربي
قضايا الفكر العربي(1)، ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999 )،
ط/2، ص88. هذا في حين يرى المفكر (محمد أركون) ان مفهوم التراث ذاته
ينشطر من حيث المعنى إلى قسمين؛ «التراث بوصفه ظاهرة اجتماعية تكرارية،
وإذن معرضة للتحجر والانقراض.. والتراث بمعنى الأصل ـ النموذج الذي يحدد
وينظم سلوك وأخلاقية أمة بأسرها». أنظر كتابه الهام؛ تاريخية الفكر
العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ( بيروت، مركز الإنماء العربي، 1998
)، ط/3، ص125. من جانبه فقد اعتبر المفكر برهان غليون ان «التراث يعني
شيئاً ناجزاً ومنتهياً ومتشيئاً ومن الماضي، سواء كان ذلك الشيء مجموعة
من المؤلفات أو من القيم والتصورات التي ما تزال حاضرة جزئيا في حياة
الناس وسلوكهم». أنظر كتابه؛ اغتيال العقل : محنة الثقافة العربية بين
السلفية والتبعية (بيروت، المركز الثقافي العربي، 2004)، ط /3، ص135. هذا
في حين اعتبر المفكر اللبناني (علي حرب) ان «التراث هو جزء من بنية
الأخر، أي هو رصيد رمزي يحتاج إلى من يشتغل عليه ويقوم بصرفه إلى عملة
فكرية راهنة، تتيح ممارسة الوجود على سبيل الاستحقاق والازدهار». أنظر
كتابه؛ الأختام الأصولية والشعائر التقدمية ـ مصائر المشروع الثقافي
العربي، سلسلة سياسة الفكر/1 (بيروت، المركز الثقافي العربي، 2001)،ص130
(35) سليم مطر؛ الذات الجريحة؛ مصدر سابق، ص 13. وفي السياق ذاته يؤكد
المفكر المصري (سمير أمين) ان أطروحة التمركز الأوربي تقوم على «فرضية
استمرارية تاريخية، تمتد من اليونان القديم ثم روما، إلى القرون الوسطى
الإقطاعية، ثم الرأسمالية المعاصرة». أنظر كتابه؛ نحو نظرية للثقافة (
بيروت، معهد الإنماء العربي، 1989 )، ص90.
(36) بليماك، فولودين؛ كيف يتطور المجتمع، ترجمة سليم توما ( موسكو، دار
التقدم، 1983 )، ص 30.
(37) الدكتور برهان غليون؛ المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات؛ مصدر سابق،
ص 99.
(38) الدكتور سالم حميش؛ الاستشراق في أفق انسداده، سلسلة دراسات (9)
(المغرب، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية 1991)، ص8.
(39) الدكتور محمد عابد الجابري؛ المسألة الثقافية في الوطن العربي، مصدر
سابق، ص 13، 14.
(40) الدكتور برهان غليون؛ المسألة الطائفية، مصدر سابق، ص96.
(41) للإطلاع بشكل موسع حول خصائص ومهام مصطلح (الثقافة العليا) نحيل
القارئ لمراجعة كتاب المفكر (برهان غليون)، اغتيال العقل : محنة الثقافة
العربية بين السلفية والتبعية، مصدر سابق، ص93 وما بعدها.
(42) المصدر نفسه، ص 97.
(43) ينبغي أن يكون واضحا"ان استخدامنا لمفهوم (التثاقف) لا يدخل ضمن
المعنى الشائع في آداب صراع الحضارات والغزو الثقافي، الذي أسس له علم
الاستشراق التقليدي إبان الفترة الاستعمارية. وهو الذي أوضحه الباحث
الغربي (جيرار لكلرك) بقوله «ان مفهوم التثاقف يشير في الغالب إلى انتقال
مؤسسات أو ممارسات أو عقائد ثقافية ما (أو مجتمع) إلى أخرى.
وتحت هذا المعنى المجرد والعام يختبئ المعنى الحقيقي، الذي ليس شيئا" آخر
سوى الاستعمار». أنظر كتابه؛ الانثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة الدكتور
جورج كتورة، سلسلة كتاب الفكر العربي (2)، (بيروت، معهد الإنماء العربي،
1980)، ص78.
(44) الدكتور محمد عابد الجابري؛ مسألة الهوية : العروبة والإسلام...
والغرب، قضايا الفكر العربي(3)، ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،
1997)، ط/2، ص 127.
(45) الدكتور عبد العزيز الدوري؛ التكوين التاريخي للأمة العربية، مصدر
سابق، ص)9.
(46) يقول الأشعري في كتابه؛ مقالات الإسلاميين ان المسلمون اختلفوا
«عشرة أصناف : الشيع والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية
والحسينية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية». أورده المفكر (محمد أركون)
في كتابه؛ تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مصدر سابق، ص 87، 88. من جهته
فقد استعرض الباحث العراقي فالح عبد الجبار «المشهد الاسلامي القديم
بفرقه ال (73) أو ال (80) بشادة البغدادي القديم وشهادة محمد عمارة
المعاصر، وبمذاهبه الفقهية (الخمسة) حسب رأي أبي زهرة ـ أحد مؤرخي
المذاهب الاسلامية المعاصرين، أو (التسعة) حسب اجتهاد عبد الرحمن
الشرقاوي». انظر كتابه : معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي
العربي، بحوث اجتماعية 61، (بيروت، دار الساقي، 1992 )، ص17.
(47) الدكتور محمد عابد الجابري؛ المسألة الثقافية، مصدر سابق، ص283.
(48) الدكتور محمد عابد الجابري؛ مسألة الهوية، مصدر سابق، ص29، 30.
(49) فاضل الربيعي؛ مصدر سابق، ص249.
|
|
|