الحضارية «دراسات اجتماعية»

 

 الاربعاء: 23/01/2008

 

جيوبوليتيكا صراع الهويات في المجتمع العراقي
حفريات في المواريث الانثروبولوجية
(4/2)

(*)ثامرعباس

(خاص للمعهد)

جفاف الذات وعقم الوعي
على الرغم من ان قضايا الصراع الاجتماعي والتنافس السياسي قد وجدت لها في بنية المجتمع العراقي امتداداً تاريخياً راسخاً وانتشاراً جغرافياً ملموساً، وبالتالي فان مسالة تناول آثارها السيكولوجية وانعكاساتها الانثروبولوجية تبدو واردة ضمن توجهات البحث التاريخي والدراسة الحضارية، لاسيما تلك التي تنتهج المنحى الوصفي والمقارن(18). إلاّ ان ما لم يألفه ذلك المجتمع وينخرط في أتونه هو ظاهرة (صراع الهويات) التي لم تتبلور ملامحها وتتجسد خصائصها إلاّ في مراحل تالية من صيرورته ككيان حضاري ناجز وإطار مؤسسي مكتمل، فضلا"عن نضوج مكوناته الانثروبولوجية واضطراد علاقاته السوسيولوجية. إذ لكي تغدو (الهوية)(19) قاعدة أو منطلق للصراع بين الأفراد والجماعات، لابد أن يكون الوعي بالذات (القومي / السياسي والثقافي / التاريخي) قد بلغ مستوى من التطور التاريخي والتجوهرالفكري بات يشكل عنوانا" حضاريا"لهذه الجماعة العرقية أو تلك، لهذه الفئة الدينية أو تلك. بمعنى ان ((تحقيق الهوية لا يمكن أن يتم إلاّ إذا وجدت ثقافة قابلة لأن تكون قاعدة لإجماع عقلي، وهو يتطلب سياسة ثقافية تملك وسائل تحقيقها المادية والمعنوية))(20).
والملاحظ ان إشكالية الهوية الوطنية في العراق تكمن في إنها لم تستوطن بعد في منظومة الوعي الاجتماعي التي لازالت مسكونة بكل أنواع التصورات الاقوامية الضيقة، وخاضعة لتشى أشكال الاعتقادات المذهبية المتطرفة، ومستتبعة لمختلف أنماط العادات القبلية المتحجرة، بما يجعلها مرجعية سياسية جامعة تستقطب سائر تنوعات الاجتماع المدني، وتستأثر باهتمامات عناصرها وتحظى بأولوليات مكوناتها، حين تطرح مسألة المفاضلة ما بين الأصول الرمزية والفروع الثقافية التي تحدد سلوك المواطن وتؤطر تفكيره. بمعنى ان العقل الفردي والمخيال الجمعي على حد سواء، لم يتسنى لهما التشبع بالمضامين الواقعية لتلك الهوية والتعلق بطروحاتها العقلانية كفاية، لكي تكون لهما عاصما يحميهما من الاقتلاع الاجتماعي وحصنا يأويهما من الضياع النفسي وسبيلا ينأى بهما عن الانقطاع الحضاري. فعناصر الهوية الوطنية لم تتخلل مسام الشخصية العراقية بالعمق المطلوب ولم تتركز في بنية تكوينها الوجداني بالرسوخ المرتجى كما نلفاها لدى بقية الشعوب القريبة الشبه بظروفنا. وهو الأمر الذي نفترض بأنه يفسر حالات الشطط في الانتماء الوطني والتخبط في الولاء السياسي. بحيث أن الفرد العراقي بات لا يرى غضاضة من كون أن مرجعياته القومية وخلفياته المذهبية وارتباطاته القبلية لا تشاطره فقط انتماءه الوطني وولاءه السياسي فحسب، بل وغالبا ما تتخطاهما وتتغلب عليهما من حيث موجبات الاعتبار ومتطلبات الالتزام.
وكما لاحظ الباحث السعودي (تركي الحمد) فأن ((القبيلة والعشيرة والطائفة والإقليم والأقلية والعرقية أو المذهبية، والعائلة الواسعة أو الممتدة، ما زالت هي الوحدات الاجتماعية السائدة في الكثير من أقطار العروبة، والتي يستمد منها أفراد ومواطنو هذه الأقطار هوياتهم، واليها تتجه ولاءاتهم، ووفقا لآلياتها يتحدد مجال حركتهم وتفاعلهم الاجتماعي والسياسي))(21).
وكأي ظاهرة اجتماعية تخرج عن سياقات حراكها الطبيعي وتنحرف عن مسارات تطورها التاريخي، لا تلبث أن تفرز ما يمكن تسميته (بالغطاء الوقائي) الذي تحاول من خلاله الاستمرار في مسلكها المخالف لمتطلبات الواقع والمضاد لأفعال التاريخ والمعاكس لاتجاهات الثقافة من جهة، وتتجنب احراجات النقد والمواجهة التي قد تقوض المبررات التي تتمسك بها وتفضح المسوغات التي تعتمد عليها من جهة أخرى. فقد نحت ظاهرة(صراع الهويات) في المجتمع العراقي ـ لتغطية الأعمال الوحشية التي ترتكب تحت عناوينها ـ باتجاه تبني أنماط مختارة من الأغطية/ الخطابات التي وجدت أنها تتناسب وطبيعة الصراع وتستجيب لآلياته. وكأمثلة على ذلك فقد أعتبر الخطاب السياسي الذي تتبناه معظم الحركات القومية الأصولية بمثابة غطاء أو دريئة لتمويه إدارة الصراع (الاثني/الشوفيني) الدائر على أرضية النقاء العرقي والتمايز السلالي. في حين أعتبر الخطاب الديني الذي تعتمده غالبية التيارات الإسلامية المتشددة بمثابة واجهة أو ستار لإدارة الصراع (الطوائفي/التعصبي) المستعر على قاعدة امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة وحيازة امتياز الفرقة الناجية. كما اختير الخطاب التاريخي الذي تتنابز به جلّ الأقليات الانعزالية لطمس وإخفاء حقيقة الصراع (الثقافوي/ الاستعلائي) المستمر على خلفية الأسبقية الحضارية والأفضلية المعرفية. وهكذا نكون بإزاء ثلاث أنواع أو أنماط من صراع الهويات الفرعية التي تختلف حينا وتأتلف في أغلب الأحيان، مشكلة بذلك ما يشبه الأعاصير التي لا تهدأ إلاّ لتعود ناشطة عند اكتمال عناصرها وتوفر شروطها ومؤاتاة ظروفها لتحدث الدمار وتنشر الخراب.
أولاً: الخلفية التاريخية للصراع الاقوامي(22)؛
لا مراء من القول بأن المجتمع العراقي لم يكن ـ كحاله اليوم ـ يشكو من صراع الهويات على أسس قومية أو عرقية إلاّ في فترات متقطعة تخللت ثغرات تاريخه السياسي والاجتماعي، على الرغم من أنه شهد أوسع ظاهرة حراك سلالي عرفتها الشعوب قديما. وذلك بحكم تعدد المزايا وتنوع الخيارات التي كان يتيحها أمام موجات الغزاة والفاتحين من كل صنف ولون. ناهيك بالطبع عما ألفه واعتاد عليه من تواشج وتصاهر بين مختلف الأعراق والاثنيات التي وضعت رحالها مختارة بين شعابه وفوق ثراه لتبدأ دورة حياتها من جديد، ولاسيما عقب تنامي الفتوحات الإسلامية التي كان العراق ـ أرضا وشعبا ـ ممرا لحملاتها تارة ومسرحا لأحداثها تارة ثانية ومنطلقا لانتشارها تارة ثالثة.
إلاّ أن الأمر الذي له دلالة في هذا المجال هو استحالة الاستمرار والتواصل في ذلك الانسجام والتجانس بين أرومات بشرية متغايرة في كل شيء لا يجمع شتاتها ولا يوحد مشاربها سوى وازع العقيدة الدينية التي لم تلبث وأن أدخلت بقوة في أتون الصراعات على امتيازات السلطة والتناحرات على إغراءات الثروة، عبر توظيف شحنتها الوجدانية في الوعي الفردي واستثمار طاقتها الرمزية في المخيال الجمعي.
وهكذا فقد انبعثت من كمونها بذور الشقاق واستفاقت من رقادها نوازع الاستئثار، لا بين الجماعات القومية المختلفة الأصول والمتباينة المنابت فحسب، بل إنها أثمرت خلافات وأنتجت تصدعات لا تقل عن سابقتها عمقا وضراوة بين أبناء القومية الواحدة والأصل المشترك. وهو الأمر الذي استتبع أن تتخذ آلية الصراع القومي أبعادا إضافية تمثلت باستنفار الأنا الطائفي واستحضار الموروث القبلي واستجلاب المخزون التاريخي لكل جماعة ضد الجماعات الأخرى، ولاسيما بعد أن أفضت آليات الصراع وسياقاته إلى تبلور الاستقطابات وتمظهر الاصطفافات على نحو جعل من احتمال تصادمها اقرب إلى الواقع منه إلى الافتراض.
وبرغم ان آراء المؤرخين وتصوراتهم بصدد البحث عن أسباب الحروب التي شهدها المجتمع العراقي وتعليل دوافع الصراعات التي نشبت بين مكوناته قد انشطرت إلى مذاهب شتى، وتوزعت بحسب منطلقاتهم الفكرية ومنهجياتهم العلمية وانتماءاتهم السياسية وثقافاتهم الشخصية، إلاّ ان إجماعهم حول دور العامل الخارجي (غزوات، تدخلات، مؤامرات، تحريضات)، ليس فقط في نكوص الجماعات الاثنية إلى مستوى يبقي عناصر ومقومات هوياتها التحتية ناشطة وصراعاتها فاعلة فحسب، بل وفي تعطيل عملية إرساء قواعد الهوية الوطنية العراقية الشاملة والموحدة أيضا، يكاد أن يكون تاما. ففيما اعتقد البعض ان ((التوترات الحالية في الهوية والولاء ليست حديثة على الإطلاق، فهي على الأرجح قديمة قدم البلد ذاته.. بفعل تتابع موجات من الغزو العسكري ومن الهجرات الديموغرافية الواسعة))(23). وجد البعض الآخر أن أحداث الفتنة التي وقعت بين الأخوين الأمين والمأمون كانت: ((عاملا مهما ومباشرا في فشل التعاون والتوازن بين العرب والفرس، إذ اكتسحت القوات الخراسانية بغداد وقضت على الأمين. ولئن كانت القوات الخراسانية التي قضت على الأمويين مختلطة، عربية وإيرانية، فأنها الآن إيرانية كليا، مما أدى رد فعل سريع وعنيف من قبل البغداديين (وأهل العراق) ضد الخراسانية. وكان هذا الوضع عاملا في اتجاه العباسيين إلى المماليك الأتراك، فكانت هذه بداية السيطرة التركية على بلاد الإسلام))(24).
هذا وقد ظنّ البعض الثالث ان باكورة الصراع القومي في المجتمع العراقي انطلقت منذ مطلع القرن السادس عشر عندما ((كانت الفوضى والاضطراب تعم بغداد بعد وقوعها تحت حكم الصفويين، إذ سيطر عليها الشاه إسماعيل الصفوي سنة 1508 م / 914 هـ ثم سيطر على أجزاء العراق كافة محاولا تأسيس كيان طائفي في قلب الخلافة العباسية وبعد عمليات قتل وهدم وحرق.. وهذا كله جعل السلطان سليمان القانوني يبدأ بالتخطيط لبدء صفحة جديدة من الصراع ضد الصفويين، وكانت حوادث الحدود بين الدولتين، الصفوية والعثمانية أحد الأسباب المباشرة التي أذكت نار الحرب من جديد، فضلا عن عوامل استراتيجية في الاستحواذ على اقتصاديات العالم من خلال السيطرة على العراق الذي كان يعدّ قلب العالم القديم))(25).
أما الفريق الرابع فقد أتخذ من حادثة سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 /م البداية التي أطلقت فيها شرارة الصراع الاقوامي، بعد أن قضت الحكومة الاليخانية ((على الدولة العباسية، وأسست إدارة خاصة، وهي ما عدا أيام حروبها ومقارعتها لم تتعرض للأديان والمذاهب إلاّ أنها ناصرت الأقليات أو بالتعبير الأصح اعتمدت عليها ولم تدع جانبا من جوانب السياسة إلاّ ولجته. واستخدمت هؤلاء لتقوى في الإدارة على العنصر الغالب وتجعلها وفق مرغوبها، أو لتمشي خطتها، وتسير سياستها كما تشاء، فكانت من أمهر الإدارات في خططها الاستعمارية وسياستها الداخلة))(26).
بينما اعتبر فريق خامس ان انهيار الإمبراطورية العثمانية وتناثر أشلائها هو الذي شرع الأبواب على مصراعيها أمام صراع الهويات الاقوامية في البلدان العربية بعد أن ((فجّر تفكك الدولة العثمانية إذن، وهي آخر دولة إسلامية بالمعنى التقليدي، إحدى أعظم أزمات الهوية التي عرفها الوطن العربي في تاريخه كلّه، وأكثرها حدّة وديمومة))(27).
ويرى فريق سادس ان مظاهر ((التجزئة والانفصال والانفصام والتعصب الضيق والخصام والاختلاف والاحتراب والتنافر وعدم الثقة المتبادلة وغيرها من المظاهر السلبية هي النتاج الطبيعي للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي حاولت أن تجعل من نفسها بؤرة الوحدة الصلبة للعراق، بينما لم تؤد في الواقع إلاّ إلى تدمير حقيقة الوحدة بوصفها كينونة مرنة للقوى الحية والفاعلة في تشكيلها وإعادة هيكلتها وتطويرها الدائم))(28) وعلى هذا المنوال استمرت عوامل الصراع الاثني فاعلة في بيئة المجتمع العراقي؛ تهدأ ويعم الاستقرار ويسود الأمن حينا، وتنشط وتضرب الفوضى أطنابها وينداح الخراب في الربوع كافة أحيانا أخرى، بحسب مقتضيات موازين القوى وتأرجح كفة المصالح بين الأطراف الخارجية، فضلا عن حسابات الجماعات الداخلية وتوافقاتها المصلحية حيال هذا الطرف أو ذاك أو حيال هذه الجهة أو تلك. وهذا الأمر أفضى إلى أن يكون ((الشعب العراقي مفّرق الصفوف، يفتقر إلى الإحساس بالوحدة، وعاجزا عن الكفاح الجماعي أو الموحد من أجل الإصلاحات. وكان ولاء الفرد متوجها نحو الطائفة الدينية، أو العشيرة، أو المدينة، أكثر منه نحو العراق كوطن. كان مفهوم الوطن أو القومية، أو العراقي أو العربي، غامضا ومشوشا))(29).
وفي إطار الحديث عن جيوبولتيكا صراع الهويات على المستوى (الاقوامي / الشوفيني) وامتدادتها في بيئة المجتمع العراقي، لا ينبغي تجاهل ما آلت إليه العلاقات السياسية والأوضاع الاجتماعية بين القوميتين العربية والكردية من تحولات وتقلبات كلفت الجانبين خسائر بشرية ومادية هائلة، انعكست آثارها السلبية على الذهنيات والسيكولوجيات بعد أن حفرت لها أخاديد غائرة في منظومات الوعي القومي وتراكمات اللاوعي الأسطوري لكلا الجانبين. فإذا ما استثنينا الطابع العدائي / الدموي للعلاقة بين الحكومة العراقية السابقة التي تمثل الجانب العربي من المعادلة القومية ـ رغم إنها تضمنت عدد لا بأس به من ممثلي القوميات الأخرى التي كانت الكردية أبرزها ـ وبين الحركات السياسية الكردية السابقة والحالية والتي تمثل الجانب الكردي من ذات المعادلة لاعتبارات تاريخية موضوعية، فإننا سنلاحظ ان لهذه المشكلة تعقيدات قديمة تتمثل بتوظيف طموحات وتطلعات النزعة الاقوامية لكلا الفريقين من جانب القوى الخارجية الفاعلة في المحيط الإقليمي، بغية توسيع نفوذها وتأمين مصالحها وإضعاف خصومها. ولهذا فخلال ((الفترة المنقضية بين سني 1514 ـ 1850، لم يثبت الأكراد على حال واحدة في علاقاتهم مع الدولتين العثمانية والإيرانية. وكان عدد من الأمراء الأكراد يستعينون بالإيرانيين، ويمتنون علاقاتهم مع إيران إذا اصطدموا بالعثمانيين وبالعكس. وكان الشاه الإيراني يتربص الفرص للعودة إلى احتلال العراق، وقد واتته الفرصة عام 1622، وبذلك أصبح الشغل الشاغل للسلطان العثماني هو استعادة العراق، إلى أن تمكن مراد الرابع من استعادتها عام 1638، مستعينا بالأكراد لتحقيق غايته. وعقدت بنتيجة هذه الحرب معاهدة ثنائية إيرانية ـ عثمانية، عرفت باسم (معاهدة تنظيم الحدود لعام 1639)، حيث قسمت كوردستان لأول مرة في تاريخها ولحد الآن))(30).
لا بل ان باحثا عراقيا يختصر إشكالية الهوية العراقية الوطنية بكل تعقيداتها وافرازاتها عبر إحالتها إلى ظاهرة (الصراع الاقوامي) بين العرب والأكراد حين يرى بأن ((العقبة الأساسية التي تمنع من تكوين هوية وطنية عراقية شاملة لجميع الفئات العراقية هي المشكلة الكردية. لأن الطرح الخاطئ عن انقسام الشعب العراقي إلى قوميتين رئيسيتين: عربية وكردية (مع أقليات دينية وعرقية مختلفة) هو طرح خاطئ من الأساس، وهو أشبه بالخنجر في خاصرة الهوية العراقية الموحدة))(31).
وعلى خلفية هذه اللوحة البانورامية المعقدة كان لابد أن ينشطر صراع الهويات ويتشظى باتجاهات الخصوصية الاقوامية والطوائفية والقبائلية والعشائرية واللغوية والجهوية، عاملة على ترسيب كل ما له صلة بقيم الجماعات الأولية ومعتقداتها البدائية في بنية الوعي التحتي ـ ما قبل القومي من جهة، وكبح أية محاولة عقلانية تستهدف التغلب على صعوبات مرحلة الطفولة الحضارية هذه صوب بلورة وعي جمعي بالذات القومي من جهة ثانية. وبدلا من التعاطي مع هذه الرواسب والمخلفات باعتبارها محطات وقتية أو مراحل تاريخية في صيرورة الهوية العراقية الوطنية الموحدة، فإذا بها تتحول إلى حالة طبيعية دائمة جرى استثمارها كبرامج عمل وسياقات تعبوية من قبل بعض الأحزاب السياسية المتطيّفة والحركات الدينية المسيّسة. وهو الأمر الذي استدعى أن تكون حقلا لتفريخ الفتن بين الطوائف، وتغذية العنف بين الاثنيات، وتصنيع الإرهاب بين المليشيات، وتسويق الكراهية بين الجماعات.
وهكذا نخلص، في إطار هذا المحور، إلى حقيقة مرّة ـ ربما لا يستسيغ البعض سماعها، فهي على أية حال لا تسرهم بقدر ما تصدمهم ـ ما كان ينبغي طمرها تحت هذا الركام من التضليل السياسي والتعتيم الإعلامي، لمجرد الادعاء بأن وحدة الجماعات القومية وتآلف المكونات الاجتماعية للشعب العراقي قدّت من الفولاذ، وان رواسب أصولها التكوينية الأولى وإيحاءات ماضيها الرابضة في لا وعيها الاقوامي والطوائفي قد اختفت من ذاكرتها التاريخية تماما بحيث لم تعد بحاجة إلى من يذكّرها بسهولة نكوصها ويحذرها من سرعة ارتدادها إلى مرتكزات جاهليتها ومنطلقات توحشها. وهذا ما لفت الانتباه إليه سابقا الباحث الفلسطيني الأصل الأمريكي الجنسية (حنا بطاطو) حين أكد بأن ((نفسية وطرق النظام القديم، التي هي من نتاج قرون طويلة، ما زالت مغروسة في حياة شرائح واسعة من الناس، وأنها لن تذوي وتزول بسهولة. ولكن الأهم هو حقيقة أن الولاء القومي الجديد، بالرغم من كونه يتعامل مع شروط جديدة، لا يزال ضبابيا، غير واثق من اتجاهه (قومية عراقية أم قومية عربية جامعة؟)، وغير مقبول لدى الأكراد، وضعيف الامتصاص للشيعة، ويفتقر إلى أخلاقيات معيارية، والى حميمية دافئة، والى الدعم العاطفي القوي الثابت الذي كان ذات يوم ملازما للولاءات القديمة))(32).
وتأكيدا لذلك فأنه يكفي التطلع إلى الكيفية التي انفرط بها عقد الجماعة الوطنية العراقية وانحلال شبكة العلاقات المجتمعية التي كانت تشد عناصرها إلى جذور عصبياتها الأولية والنكوص إلى أعرافها القبلية والاحتكام إلى مرجعياتها الفرعية والتماهي من ثم مع كياناتها العنصرية، حالما سقطت أعمدة السلطة السياسية وتداعت أركان الدولة المركزية وشلّت قبضة القانون الردعية، على أثر صدمة الغزو الأمريكي واحتلال العراق في التاسع من أبريل / نيسان عام 2003. وهو ما يبرهن مجددا أن هسيس صراع الهويات الفرعية في المجتمع العراقي ما زال ـ رغم كل التطمينات والتحفظات ـ يعلو على ضجيج السياسة وجعجعة السياسيين.

الهوامش
 
ـــــ
 
باث من العراق. (*)
 (18) )
لقد وجد ان ((العلل السياسية والادواء الاجتماعية في عراق اليوم، ليست بنت ساعتها ويومها. وانما هي رواسب تاريخية عريقة في القدم انتشرت عبى مرّ العصور في التربة العراقية، فأتت ثمارها بؤس وجهل وشقاء باسقة، أظلت فروعها البلاد وأطعمت أهلها من أكلها المرّ والحنظل، وزقوما"وغسلينا"، وثبت أصلها ضاربا"جذوره في أعماق الأرض)). راجع المقدمة في كتاب؛ العراق: دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية، مصدر سابق، ج1، ص32.
 (19)
لعل من الضرورة بمكان التذكير بالفارق بين مفهوم الهوية (بضم الهاء)، وبين مفهوم الهوية (بفتح الهاء). إذ غالبا"ما يتجاهل الكتاب والباحثين طبيعة الاختلاف النوعي القائم بينهما. ففي الوقت الذي يقتصر معنى الأول بالبحث عن كينونة الشخص (جوهره) والكشف عن ماهيته الوجودية (الانطولوجية)، يهتم الثاني بدراسة الخصائص الثقافية والاجتماعية والحضارية التي تطبع بسماتها مختلف أنواع الجماعات من حيث معايير السلوك الاجتماعي وأنماط الوعي بالواقع. للمزيد حول هذا الموضوع.
 
أنظر الدكتور فتحي المسكيني؛ الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة (النحن) (بيروت، دار الطليعة، 2001)ص9
 
كذلك يمكن مراجعة بحث الدكتور عزيز العظمة (سؤال ما بعد الحداثة)، ضمن كتاب؛ مفاهيم عالمية: الهوية، ترجمة
 
عبد القادر قنيني، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 17.
 
(20) الدكتور برهان غليون؛ المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (بيروت، دار الطليعة، 1979)، ص 118.
 (21)
الدكتور تركي الحمد، في الشرق الأوسط، 22/11/1992، ص25.
 (22)
غني عن القول ان صفة (الاقوامي) المستعملة هنا لا تعطي ذات المعنى لمفهوم القومية. حيث ان الأولى ((ترتبط غالبا"بمفهوم.
 (23)
الدكتور غسان سلامة؛ المجتمع والدولة في المشرق العربي (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ط/2، ص30.
 (24)
الدكتور عبد العزيز الدوري؛ التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت، مركز دراسات الوحدة
 
العربية، 1986) ط/3، ص99. ويبدو أن المفكر البحريني (محمد جابر الأنصاري) يأخذ بهذا الرأي أيضا". أنظر كتابه؛ تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2000) ط/3، ص 75.
 (25)
الدكتور سيار كوكب الجميل؛ تكوين العرب الحديث 1516 – 1916 (الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1991)، ص74.
 (26)
عباس العزاوي؛ المصدر السابق؛ ج1، ص 36.
 (27)
الدكتور برهان غليون؛ المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص85.
 (28)
الدكتور ميثم الجنابي؛ العراق ورهان المستقبل (دمشق، دار المدى، 2006)، ص15. مع ملاحظة ان المؤلف غالبا"ما يلجأ إلى تكرار المعلومات وتحوير الصياغات ذاتها وكأمثلة على ذلك قارن؛ ص92، ص228، ص282.
 (29)
الدكتور وميض عمر نظمي؛الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، سلسلة أطروحات الدكتوراه (5)، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، ص35.
 (30)
منذر الموصلي؛ الحياة السياسية والحزبية في كوردستان: رؤية عربية للقضية الكوردية (لندن، دار رياض الريس، 1991) ص 81. أنظر حول نفس الموضوع، الدكتور عبد العزيز سليمان نوار، مرجع سابق ، ص328. وكذلك أنظر مقالة الدكتور كاظم حبيب (محنة الكورد الفيلية في العراق)، صحيفة التآخي، العدد / 4003 في 8 حزيران / يونيو 2003.
 (31)
سليم مطر؛ الذات الجريحة: إشكالات الهوية في العراق والعالم العربي (الشرقمتوسطي)، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000)، ص 361.
 (32)
حنا بطاطو؛ المصدر ذاته؛ ص 55.ح