الحضارية «دراسات استراتيجية»

الثلاثاء: 02/12/2008

 

النهضة العربي المرتجاة في ظل الثنائيات المتصارعة

برهان زريق

الجدل بين هذه الثنائيات قائم منذ قرن وبأشكال صريحة أو كامنة، عالية أو خافتة، جسور أو خجولة، لم يعد يمثل حالة من حالات الحوار المثمر والمفيد، لأنه يضيع جهد الأمة في أقنية غير موصلة إلى الأهداف المنشودة، ويفوت عليها فرص النهوض والانصراف إلى العمل.
لهذا فقد وسمنا بحثنا بالقول متصارعة وليست متحاورة:
1ـ ثنائية القطرية والوحدوية:
فالقطرية والوحدوية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، يمكن أن يلتقيا على أكثر من صعيد، وتجربة المجموعة الأوروبية خير دليل، بل هي أفضل نموذج للدراسة والاستدلال على إمكانية قيام وحدات اقتصادية وجمركية وثقافية ومواطنيه دون المس بالقطريات، أو حتى بالقوميات.
وإذا كان لا بد من مثل صارخ ينتقى من وضعنا العربي والإسلامي، فمثل طرق المواصلات ووسائل الاتصال (وهي الهيكل الأساسي الذي يشكل شرطاً أولياً لأي وحدة أو اتحاد أو تعاون)، يشكل مرآة لما نحن عليه من تجزئة وتفرقة وتنابذ، فالجميع يعرف أن الاتصال ما بين المدن العربية والإسلامية، يمر عبر عواصم أوروبا.
والسؤال: لم لا تبدأ مشاريع الوحدة وأشكالها بتطوير طرق المواصلات وأساليب الاتصال والانتقال بين العواصم العربية والإسلامية، أليس في هذه البداية محاولة جدية لتحقيق سمة حضارية أساسية من سمات المشروع الحضاري العربي الإسلامي المنشود.
2ـ ثنائية الثورة والدولة:
وأما الثورة والدولة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، فيمكن أن يردم الهوة بينهما أكثر من جسر، وشرط ذلك إدراك الطبقات الحاكمة أن الشعوب لا تساس بالقوة، والتفرد والاستئثار وعن طريق الأجهزة السرية، بل ثمة مؤسسات ديمقراطية، وأقنية شعبية ونقابات وأحزاب وتعبيرات أهلية ومدنية مختلفة، ينبغي أن تقوم وتنمى لتشكل وسائط من السلطة الفعلية بين المجتمع والدولة.
وبالمقابل ينبغي لطلاب الإصلاح والتغيير أن يستوعبوا جيداً المبدأ الفقهي الإسلامي الداعي لتجنب الفتنة ـ وهي المرادفة في العصر الحالي للحرب الأهلية ـ وأن يدركوا تماماً الحد الفاصل بين الثورة والفتنة، بين مصلحة الأمة وسفك دماء أبنائها، فتفهم الثورة على أنها تغيير في النفس وتغيير في القوم، تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً، إنه الاستعداد النفسي والقيمي أو القابلية ـ على حد تعبير الأستاذ مالك بن بني ـ فكما أن ثمة قابلية للاستعمار فثمة قابلية أيضاً للتحرر.
وليس من قبيل قصر النظر أو التخاذل أو المهانة أن يؤجل المصلح الإمام محمد عبده في أيامه الدعوة إلى استقلال مصر، وان يقف موقف الحذر من أي تهييج ثوري في حينه، فقد كان يرى عدم الاستعداد الكافي لدى الأمة لتحمل نتائج الثورة الشعبية، وتحمل مهمات الاستقلال الكبرى، فأعطى الأولوية آنذاك لإصلاح النفس والمؤسسات ومراكز التعليم ولإنتاج فقه معاصر ومجدد(1).
ومهما يكن من أمر تقويم هذه التجربة، فإن المسألة التي تطرح الآن في عملية البحث عن سمات حضارية للمشروع العربي الإسلامي، هي كيف نوازن بين الدولة والمجتمع كي لا يطغى أهل الدولة على المجتمع طغياناً استبدادياً، ولا يطغى أهل الثورة على النظام العام للجماعة، فيؤدي ذلك إلى الفتنة والعنف.
إن قيمة أساسية من قيم الإسلام غابت عن الثوار والحكام معاً، هي قيمة الحوار المجنب للعنف، قيمة إيصال الرسالة بالقول اللين حتى في مواجهة فرعون كما غابت قيمة الخشية والتذكير «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى»(2).
3ـ ثنائية الإسلامية والعلمانية:
وأما بالنسبة للإسلامية والعلمانية، فإن الجدل بين أهلهما قد اتخذ أشكالاً من الاستنزاف الفكري والسياسي، لا سيما بعد أن رفع بعض القوميين واليساريين الاشتراكيين شعار علمنة الدولة، أو فصل الدين عن الدولة، وبعد أن رفع بعض الإسلاميين شعار تطبيق الشعرية، في عملية استعجال للوصول إلى السلطة، فبدأ الجدل معزولاً عن سياقه الفكري وجذوره التاريخية وخارج حقله الصراعي الفعلي.
كان حقل الاستخدام المفاهيمي في أوروبا هو التالي: العلمانية (Laicisme) بالنسبة إلى العالم مقابل الكهنوت: الدهرية (secularisme) (بالنسبة إلى الدهر أو الزمن أو الدنيا) مقابل اللاهوتي أو الغيبي، وكانت هذه الأفكار تعبيراً عن صراع قوى اجتماعية ومؤسسات واتجاهات: الليبرالية مقابل التحريم الكنسي،الديمقراطية مقابل نظام تحالف الإقطاع والكنيسة، البرلمانية مقابل النظام الملكي الاستبدادي إلخ(3)...
وبهذا المعنى يمكن أن نفهم موقف إسلاميي النهضة من الاتجاه الإصلاحي الإسلامي (الأفغاني، عبده، الكواكبي، رضا، النائيني..)، لماذا خاضوا المعركة الدستورية في كل من إيران والدولة العثمانية جنباً إلى جنب مع الليبراليين والديمقراطيين والبرلمانيين المحليين، معتبرين إن كل هذه الأفكار والمؤسسات هي أفكار ومؤسسات إسلامية الأصل، وإن المؤسسات السلطانية الاستبدادية وإن توسلت الدين، هي مؤسسات غير إسلامية.
فمشيخة الإسلام في الدولة السلطانية (وآخر تجلياتها الدولة العثمانية والدولة الصفوية القاجارية)، أضحت شبه مؤسسة اكليركية، رغم التأكيد العام أن لا كنيسة في الإسلام، وأن لا دولة دينية فيه (محمد عبده)، لهذا أيضاً رأينا الكواكبي يتحدث عن الاستبداد السياسي والاستبداد الديني في الدولة العثمانية، ورأينا حسين نائيني يتحدث عن شعبتي الاستبداد في الدولة القاجارية: الشعبية الدينية المتمثلة بعلماء السوء والشعبة السياسية المتمثلة بالسلاطين.
كان ذلك حقل صراع في التجربة التاريخية داخل الإسلام نفسه، صراع بين اتجاه إسلامي سلطاني وبين اتجاه إسلامي شوري. وأما حقل الصراع الراهن إسلام/علمانية، فإنه إلى جانب الاستعارة اللاتاريخية فيه، فإنه يترجم في الراهن حالة صراع سياسي بين نخب تستعجل الوصول إلى السلطة: هذه باسم تطبيق الشريعة، وتلك باسم فصل مموه للدين عن الدولة، وفي الحالتين تستعيد الدولة العربية (الحديثة) أنموذجاً السلطاني القديم، فتعود إلى الدين لاستخدامه إيديولوجيا سلطانية أو فقهاً سلطانياً.
لقد سلبت الدولة السلطانية عبر نمط علاقتها بالدين المعاني السامية والنبيلة التي كان يمكن للقيمة الدينية أن تزخر بها، كذلك فعلت بعض الأحزاب الإسلامية المعارضة، مهمة ما بدأته الدولة السلطانية القديمة، قبر ما تبقى من القيمة الدينية في المجتمع المدني، حتى انعدام الحد الفاصل الضروري بين الدين والسياسة، فغرق الفقيه في حق السياسة حتى أضحى سلطاناً أو مشروع سلطان، وابتذل الحاكم الدين حتى أضحى ممثلاً فولكلورياً للتراث الديني.
والمفارقة اللافتة للنظر أن حاملي خطاب العلمانية لا يدركون أن السلاطين المسلمين كانوا أكثر «علمانية» منهم (بالمعنى المدني والدنيوي والزمني)، كما أنهم لا يدركون أنه في حال وصولهم إلى السلطة، سيكتشفون أهمية الاستخدام الديني في تثبيت السلطان الزمني، ولو كان ذلك عن طريق الارتضاء بتطبيق الشريعة، وبالمقابل ينكشف العمل الإسلامي الحزبي انكشافاً سريعاً عندما يرتضي محالفة الحاكم على أساس هذا الشعار، وبمعزل عن السياق العلائقي بين المجتمع والدولة، وبغض النظر عن القيم الدينية والأخلاقية والسلوكية التي يزخر بها الإسلام، فلا يسأل أين هي في مسلكيات العمل الإسلامي وأخلاقياته توجهاً وممارسة(4)؟
في زمننا المعاصر، يتحدث الكتاب والمفكرون كثيراً عن سمات المشروع الحضاري الإسلامي، في مجال الفلسفة والاقتصاد والأخلاق والإنسانيات والتنمية، وعبر مئات من الكتب الجديدة، ومع ذلك لا نلمس تأثيراً لهذا الفكر في السياسة الإسلامية.
وقد يقول قائل: إنه لابد من الوقت والجهد المثابر والعمل التربوي الطويل النفس حتى يثمر هذا الفكر تربية وسلوكاً وسياسة، إنه قول محق من حيث المبدأ، ولكن يبقى التساؤل مطروحاً من داخل التجربة التاريخية المعاصرة، لاسيما عندما نتذكر مفكراً كمالك بن بني.
فالكثير من الأطروحات «الحضارية» التي ننتبه لها اليوم كمشكلات، ملاحظة في الفكر والعمل الإسلاميين هي أطروحات سبق وبحثها وعالجها هذا المفكر في كتابه، فلا أثرت في الفكر القومي السائد آنذاك وفي مشروعه السياسي رغم قرب الكاتب من الناصرية ورهانه عليها، ولا أثرت في الفكر والعمل الإسلاميين السياسي وبرامجه، رغم منطلقات الكاتب الفكرية والعقائدية الإسلامية، لقد ظلت أفكاره النقدية حول «القضية الحضارية» في المشروع الإسلامي خارج دائرة التداول في أوساط الفعل والقرار السياسيين، واقتصرت على قلة من النخبة المفكرة(5).
يخلص مالك بن بني في مقدمة الطبعة الثانية (عام 1971م) من كتابة فكرة الإفريقية الآسيوية على ضوء مؤتمر باندونغ الموضوع عام 1955م، إلى أن الفكرة الإفريقية ـ الآسيوية التي كان يمكن أن تنشأ عن توليف حضاري لثقافات العالم الثالث، وفي مقدمتها الثقافة الإسلامية كانت تستدعي تحويل الحدث السياسي الكبير (مؤتمر باندونغ) إلى فكرة حضارية، إلا أن هذا لم يحصل كما يستنتج في العام 1971م، إذ يقول: «إن مؤتمر القاهرة سنة 1957م، ومؤتمر باندونغ قد جمعا فعلاً كل شروط ثورة العالم الثالث، إلا شرطاً واحداً، وهو شرط إطلاق الشرارة الفكرية لإضرامها»(6)، والسبب كما يقول: إن احتياطات قد اتخذت داخل العالم الثالث وخارجه حتى لا تنطلق هذه الشرارة، وهذه الاحتياطات، كمنت آنذاك في سياسات الدول المحلية والإقليمية والدولية. فانحصرت القرارات في حدود إمكانها السياسي المباشر.
ويدلل على ذلك من خلال مثل ذي دلالة كبرى في مسار مشروعنا العربي ـ الإسلامي ومآل أزمته الراهنة في مجال الفكرة والثقافة والإبداع، يقول: « إن أحد قرارات مؤتمر القاهرة عام 1957م هو إنشاء جائزة أفريقية ـ آسيوية على غرار جائزة نوبل وجائزة لينين لم ير النور، والواقع يضطرنا أن نقول إن جائزة نوبل وزعت منذ مؤتمر القاهرة، سبع عشرة مرة دون أن توزع الجائزة الإفريقية ـ الآسيوية مرة واحدة»(7).
ومنذ كتب مالك بن بني هذا الكلام وحتى اليوم، توزعت هذه الجائزة أيضاً سبع عشرة مرة أخرى، إلا أنه في هذه المرة الأخيرة نالها أديب عربي مبدع هو نجيب محفوظ.
والمقارنة هنا مزدوجة: كان مالك بن بني ينتظر أن يكون للإبداع الحضاري الإفريقي ـ الآسيوي وفي قلبه الحضارة الإسلامية، جائزته العالمية الخاصة، وهو أمل له شروطه الاستقلالية السياسية والاقتصادية والثقافية التي لم تتحقق، ولعل عدم تحقيق هذه الشروط خلال كل تلك الفترة الطويلة من الانتظار ـ منذ مؤتمر باندونغ وحتى الآن ـ أدى إلى تحقق شروط سياسية أخرى حققت بدورها المزيد من الاستتباع للمركز الحضاري الغربي.
ويضطرنا الواقع أن نقول بأسلوب مالك بن بني مرة أخرى، إننا نلنا جائزة نوبل بعد اثنين وثلاثين عاماً من تفكير مشروعنا العربي ـ الإسلامي (الذي كان قلب المشروع الأفريقي ـ الآسيوي بجائزة خاصة به) فلا نال أحد من المبدعين ـ ونجيب محفوظ في مقدمتهم ـ الجائزة الخاصة بحضارته أو عالمه أو وطنه، ولا نال أحد منهم كطه حسين وعباس محمود العقاد، في زمن الاستحقاق الفعلي، جائزة نوبل العتيدة، وعندما نال نجيب محفوظ الجائزة التي استحقها قبل ذلك، جاءت متأخرة عن زمن استحقاقها الفعلي(8).
وهكذا بين غياب الجائزة الخاصة بالمشروع العربي الإسلامي، وانتظار الاعتراف الغربي بإنجازنا الحضاري ينكشف واقعنا انكشافاً محزناً ومأساوياً، يكشف مزيداً من الابتعاد عن معايير الاستقلالية الثقافية والإنسانية، ومزيداً من الاستتباع والاستقطاب لأحد المركزين، ويجهد مالك بن بني في البحث عن بديل غير «نوبل» وغير «لينين» ذي دلالة حاضرة في تمييز السمات الحضارية للمشروع العربي الإسلامي(9).

الهوامش
ــــــــ
(1) د. وجيه الكوثراني: المستقبل العربي، عدد 137/990: 32.
(2) سورة طه، الآيات: 43-44.
(3) د. كوثراني: المرجع السابق: 33.
(4) د. كوثراني: المرجع السابق: 34.
(5) د. كوثراني: المرجع السابق: 35.
(6) المرجع السابق: 35.
(7) المرجع السابق: 35.
(8) د. كوثراني: المرجع السابق: 35.
(9) المرجع السابق: 36.

المصدر: إمكانيات ومكانة الحرية والديمقراطية في المشروع النهضوي العربي الراهن، برهان زريق، دار علاء الدين، دمشق، 2008م.