الحضارية «دراسات اجتماعية»

 

 الاثنين : 14/01/2008

رابطة المواطنة وآليات المجتمع المدني

د.عامر عبد زيد(*)

(خاص للمعهد)

مقدمة:

لقد تغير العالم اليوم من حولنا بوجوهه الثلاثة :المعرفة،والثروة،والسلطة. العالم يتغير على الصعيد الواقعي وعلى صعيد الأفكار. تغير المشهد الكوني على نحو تغيرت معه جغرافية العقل وعلاقات القوى بقدر ما تغير نمط العيش ومنظومة التوصيل فأصبح دور المثقف تشخيص الواقع بلغة مفهومية أو المساهمة في بلورة قيم مشتركة ومعيارية تبادلية.
وأصبح الفكر يرفض الشمولية، مركزا على الجزئيات والهوامش المحددة والمحلية. ينبذ اليقين المعرفي برفض المنطق التقليدي القائم على تطابق الدال والمدلول، أي تطابق الأشياء والكلمات.إذ يلح فكر ما بعد الحداثة على إسقاط نظم السلطة الفكرية الحديثة وعلى إسقاط نظم السلطة في المجتمع،في الجامعة، في الآداب والفن، وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية،والاطاحة بمشروعية القيم المفروضة من قبل الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية كافة.
لكن التفكير في الحداثة والتحديث السياسي في العالم العربي يتطلب جهوداً بحثية جماعية مركبة، يتم فيها الاهتمام بالفكر مترجماً في المشاريع الإصلاحية وبرامج التحديث، كما تتم فيها العناية بجوانب الممارسة الفعلية التي يفترض أنها تترجم بطريقة أو بأخرى نوعية الاختيارات المفكر فيها، لتبني بلغة الواقع والتجربة أنظمة السياسية وأنماط التدبير السياسي.
أما الحداثة السياسية فإنها تقدم في نظرنا أفقاً في النظر والعمل يُمكِّن العرب في حال بنائه وإعادة بنائه من تهديم أوثانهم القديمة والجديدة، ويسعفهم بتقويض دعائم الاستبداد السياسية، ومختلف أشكال الحكم المطلق، بهدف فسح المجال أمام مُختلف المبادرات القادرة على تطوير نظرنا السياسي في مجالات السلطة والسياسة والحكم، حيث يصبح من الممكن إبداع فكر سياسي جديد مطابق لطموحاتنا المتعلقة ببناء حياة مشتركة متكافئة وعادلة. وتحقق مفهوم الشراكة السياسية والاقتصادية في بناء الوطن وإدارته يقتضي إلغاء كل أشكال الإقصاء والتمييز‏,‏ ويقتضي الشفافية في الإدارة وتسيير الشؤون العامة‏,‏ ووجود عقد اجتماعي‏-‏ سياسي ينظم العلاقة بين مختلف الدوائر والقطاعات‏,‏ حتى تنتظم جميع الكفاءات الوطنية في مشروع البناء والعمران‏.

الواقع العربي والديمقراطية:

إن الواقع الذي عاشه العرب، هو جزء من أنموذج ساد الشرق الأوسط والعالم الثالث عامة، حيث ان أنظمة الحزب الواحد المبني على مفاهيم عضوية،طائفة أو قبيلة، قد فشلت بشكل كبير في توفير الرفاهية لمواطنيها فيما تحاول إسباغ الشرعية على نفسها عبر ادعائها الديمقراطية. ولتحقيق ذلك فان الملاحظ من تلك التجربة في تطبيق.

 الديمقراطية أنها تتصف بما يلي:

1ـ اختزال التجربة الديمقراطية بعزلها عن العمق الشعبي وجعلها مجرد تجربة لا تجد أي تأثير لدى القاعدة الشعبية.
2ـ سطحية وهشاشة التجربة الديمقراطية بوصفها نظرية سياسية في الواقع العربي، مما حولها إلى مجرد ديمقراطية شعارات استهلاكية.
3ـ غياب المؤسسات الدستورية، تحت وطأة الدول السلطوية الاستبدادية، التي تكرس حكم الفرد في مقابل حكم الأغلبية، وقانون الرئيس أو الزعيم أو القائد على حساب حكم الجماعة أو المؤسسة، أو الأحزاب.وهذا ما ظهر في شكل « الكاريزما نية ».
4ـ تأسيس الثقافة الديمقراطية وجعلها ثقافة تبشيرية للنظام الحاكم، بدل تثقيف السياسة الديمقراطية، بإسناد مهمة تطبيقها ورعايتها وتعميق مفاهيمها لدى أبناء المجتمع كي تنمي فيه روح الحاجة إلى الديمقراطية الصحيحة وتخليص الديمقراطية من كل أساليب التزييف(1).
5ـ تكريس غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية في استبعاد منطق التعددية السياسية بحجة ان هذه التعددية تؤدي إلى تكريس الخصوصيات في حين المطلوب دمج هذه الخصوصيات في ورقة الدولة، لكن كل المحاولات القسرية لم تؤد إلى انصهار الخصوصيات في بنية الدولة وبالتالي العجز عن تحقيق دولة المواطنة (2).
6ـ إن أدق تعريف للنظام السياسي الممارس في أدبياتنا السياسية،انه نظام لا عنوان له. فهو مزيج من العشائرية، والطائفية، والقبلية، والجهوية، والمذهبية، والسلطوية،والديمقراطية والجمع بين هذه. فالاستبداد آفاقه ممثلة في السلطوية، وغياب المراقبة على الحاكم، ومزاجية الحكام وتهميش الكفاءات وإقصاء النزهاء وغير ذلك من آفات الحكم المستبد (3).
كما ان للديمقراطية عناوينها من دستور ومؤسسات ومحاكم وانتخابات ونواب وحكومات وصحافة، ولكنها عناوين أفرغت من محتوياتها وهذا الأمر انعكاس لتلك البنية العصبوية التي تقوم على الإقصاء والتمويه وإبقاء الكل في حالة صراع، فهدف السلطة لذاتها داخل العصبية الواحدة،أو مع باقي العصبيات، عبر خلق تحالفات مع بعضها ضد بعضها الأخر وسرعان ما ينتهي هذا التحالف بمجازر دموية تعمق الصراع حول المناصب وتوغل في الإقصاء لقد أقامت تلك السياسة الاقصائية بإنتاج الرفض الفكري من الكثيرين « المفكرين »الذين تم زجهم في المعتقلات لأنهم يعارضون أفكار السلطة،هذا قاد السلطة إلى إنتاج العنف المضاد الذي كان يشكل رفضاً لسياستها.
لعل التكثيف الذي قدمه المفكر حسن حنفي البليغ في وصفه العلاقة بين الدولة والموطن « فالدولة في ذهن المواطن هي الشرطة،والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل(4).» ويصف أدونيس حالة الشعب:«لفرط ما يعيش الناس في مجتمع مغلق، فقد غدوا هم أنفسهم مغلقين.لفرط ما يعيشون في مجتمع دونما ثقافة.. إن مجتمعا حيا لابد له من أن يكون ديمقراطياً»(5).
لهذا تبحث تلك الحكومات عن الآليات والوسائل التي تمهد لها تحقيق حيازة الشرعية وهذا لا يتحقق إلا عبر صياغة رأى عام « فان الرأي العام الذي تبلوره وسائل الاتصال هو ذلك الرأي الذي تؤسسه الدولة، أي المؤسسة السياسية، وفق ما يخدم المصالح الآنية والمستقبلية »(6).
وقد عمق هذا الأنموذج حالة الضياع في مجتمعنا، إذ كان المجتمع يفتقر إلى بنى عصرية، وتوزيع منطقي للثروة الوطنية، ومستوى لائق للحياة، في ظل تلك التركة والقمع البوليسي، والإقصاء، وتشويه الذاكرة الجمعية عبر التزوير التاريخي والاجتماعي بخلق ممارسات ديمقراطية زائفة وكاذبة وبخلق مخيال سياسي زائف يتخذ من الرئيس الفرد محور الرغبة،إذ يتم إسقاط كل الصفات الايجابية عليه ويسقط السلبية منها على أعدائه، وقد دخل هذا التزييف في ميدان التربية والتعليم والاعلام حتى تم تزييف الوعي لدى الكثير من الذين مسخت شخصياتهم سواء بعلم منهم أو بدون علم.
في وقت وصف المفكر الإسلامي(بن نبي) في عام 1960،وصف الديمقراطية خلال الإجابة على سؤال «هل في الإسلام ديمقراطية؟» مشيراً إلى أن تعريف مفهومي الإسلام و الديمقراطية بالطريقة التقليدية قد يؤدي إلى استنتاج عدم وجود علاقة بينهما من حيث التاريخ والجغرافيا، منبهاً في ذات الوقت إلى أن تفكيك المصطلح في معزل عن محموله التاريخي وإعادة تعريف الديمقراطية في أبسط أشكالها تحريراً من القيود اللغوية والأيديولوجية قد يوصل إلى استنتاج مختلف. ورأى أنه ينبغي النظر إلى الديمقراطية من ثلاث زوايا: الديمقراطية كشعور نحو ال- (أنا)، والديمقراطية كشعور نحو الآخرين، والديمقراطية كمجموعة من الشروط الاجتماعية والسياسية اللازمة لتكوين وتنمية هذا الشعور في الفرد. فهده الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من مقتضيات النظام الطبيعي، على خلاف ما تتصوره الفلسفة الرومانتيكية في عهد جان جاك روسو، بل هي خلاصة ثقافة معينة وتتويج لحركة الإنسانيات وتقدير جديد لقيمة الإنسان، تقديره لنفسه وتقديره للآخرين.(7)
مفهوم المجتمع المدني:

هذه الضروف تكشف الاهمية والحاجة إلى الديمقراطية في ظل هذا التحول الذي نعيشه من الحكم الفردي الاستبدادي إلى الديمقراطية، يتطلب الأمر مزيجا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والضمانات الأمنية … وهكذا ظهرت مؤسسات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان، وتطبيق التعددية والديمقراطية ومناقشة الدستور … الخ.وبالتالي نحن إزاء إشكالية سياسية تمثل عقدا اجتماعيا وسياسيا جديدا توزع إلى الثنائيات آلاتية:الديمقراطية /مقابل الاستبداد، والهوية الوطنية/ مقابل الهويات المحلية، وهذا يتطلب منا إن نحاول الأتي:
أولا:- تحديد مفهوم (المجتمع المدني) ومفهوم (حقوق الإنسان) ومفهوم(المواطنة)، لان هذه المفاهيم تاريخيا ارتبطت بإشكاليات معرفية واجتماعية وسياسية، واقتصادية متباينة.
ثانيا:- إرساء آليات الحوار الاجتماعي والتعددية الفكرية عبر إرساء ثقافة الحوار والتسامح. إن الحديث عن الحوار يعني الحديث عن الآخر الذي يمثل طرفا يمكن أن يشكل قطبا في الجدل الفكري إذ لا يمكن أن يتم التعامل معه على انه مجرد صدى للذات عندما يتم إجباره على تلقي الأفكار دون اعتراض أو انفعال. إن الحوار في حقيقته هو تفاعل تكاملي لطرفي الحوار، ال(انا) وال(الآخر).
ضمن النقطة الأولى: فإن مفهوم المجتمع المدني كما عرض (عزمي بشارة) قد مر بأشكال متباينة بحسب الإشكال السياسي وكما يلي :
أولا- في أوربا الغربية حيث نلاحظ أمرين، أولها : النمو التاريخي، وثانيها : الواقع الأوربي الغربي المعاصر، قد أضافا إضافات دخلت على المفهوم.
1-فمن حيث النمو التاريخي :
أ- ظهرت أراء متنوعة تصب في خدمة النظام السياسي أو السلطة المهيمنة فيه، ومن هنا جاء تصور (هوبز) في ظل الملكية يحدد المفهوم بالعلاقة بين المجتمع من ناحية والدولة من ناحية أخرى، تلك العلاقة المفسرة بالعقد الاجتماعي، الذي يتنازل فيه جميع الأفراد عن كافة حقوقهم. ومن هنا يظهر أن المجتمع الوحيد الممكن كمجتمع مدني هو : الدولة، وهذا التأمل كان يهدف إلى إسباغ الشرعية على السلطة المطلقة للملك. لكن عندما ظهرت البرجوازية، ظهرت أفكار مختلفة عن المجتمع المدني إذ تم استبعاد التصور السابق بظهور تصور مجتمع قادر على تسيير ذاته في حالة طبيعية متخيلة دون الحاجة إلى دولة وذلك هو تصور (جون لوك). لكن سرعان ما عادت الدولة مع (هيجل) بعد أن استوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي ديالكتيكي، وكمرحلة من مراحلها، وكتجديد من التجديدات التي تركب في عينيتها الدولة الحديثة. إلا إننا نلمس من الناحية الفكرية ان هناك بناءً ثلاثياً (المواطنة،الدولة،المجتمع المدني) في النظرية الليبرالية، إذ امعان النظر في النصوص المؤسسة للمرجعية الفكرية لهذه المفاهيم يكشف لنا عن السياقات التاريخية والشروط الاجتماعية الموضوعية التي أنتجت المنظومة السياسية بوصفها المنظومة الأكثر ارتباطا بمفهوم المجتمع المدني،وعلاقته بمفهوم المواطنة الأكثر ارتباطا بمفهوم المجتمع المدني. وعلى هذا الأساس نجد الترابط والعلاقة المتبادلة بين هذه المفاهيم ونلاحظ أن هناك فرقاً كبيراً بين امواطنة والرعية، إذ ترفض وجهة النظر الليبرالية أن يعامل الفرد- المواطن في الدولة كأحد أفراد الرعية التي واجبها الطاعة فقط. وعندئذ أصبح مفهوم المواطن هو المؤسس لفكرة المجتمع المدني ولدخول الحداثة السياسية وفي هذا الإطار جاء كتاب توماس باين«حقوق الإنسان سنة 1791. (8).أن تطور مفهوم المجتمع المدني مرتبط -كما سبق- بتطور بمفهوم المواطنة،وقد قال روسو» لن نصبح بشرا إلا إذا أصبحنا مواطنين، لان الدولة الديمقراطية هي الدولة التي تحترم مواطنيها وتدافع عن أمنهم وتوفر لهم الفرص،وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات دون التمييز دينيا أو عرقيا.فعلى هذا الأساس تصبح مقولة المواطنة المقولة المركزية والحاسمة للمجتمع المدني، إذ تحل محل الهويات المستمدة من قطاعات المجتمع الأهلي دينية كانت أم طائفية أم جهوية.أن وجود المجتمع المدني وفعاليته تشعر المجتمع أن هناك بديلا وظيفيا معقولا للتكوينات الارثية التقليدية،ولابد أن يؤدي ذلك تدريجيا إلى تقوية الولاء للتكونات الحديثة وضعف الولاء للتكوينات التقليدية التي ستتقلص وتصبح اقل جاذبية للمواطن(9).
ب-إن المشكلة التي دفعت أوربا الغربية إلى إنتاج هذا الفهم للمجتمع المدني، تقوم في الدول الرأسمالية، ليس على أساس مجرد الحاجة لوضع حدود للدولة والاقتصاد فحسب، وإنما تقوم على حل مشكلة متأخرة غير قائمة بهذه الحدة في المجتمعات، التي مازالت تعتمد في تلاحمها على البنى العضوية (الطائفة) والعشيرة …. الخ) أكثر مما تعتمد على التعاقد المفترض.
2- الواقع الأوربي الغربي المعاصر : قد أضاف الواقع الاوربي الغربي الحديث والمعاصرإضافات دخلت على المفهوم،إن هذا التصور للمجتمع المدني ظهر بسبب تدني المسؤولية تجاه الحيز العام في سلوك الأفراد، أما في أوربا الشرقية، فالأمر يختلف بسبب اختلاف المشكلة المتمثلة بهيمنة الدولة على كل مقدرات المجتمع في ظل الفكر الشيوعي، حيث عاد (اراتوArato) الذي أحيا مفهوم (هيجل) عن المجتمع المدني، من اجل تطوير مفهوم (هابر ماز) حول (الحيز العام)، وهو يتعلق بالروابط والمؤسسات التي ينظمها المواطنون في وقتهم الحر، وهي ليست اقتصادية بالضرورة، كما أنها ليست تابعة للدولة، وهي ما أراد (اراتو) أن يشدد عليها في بحثه عن المجتمع المدني ضد الدولة في (بولندا)، إذ كانت هذه مجرد محاولة لتطوير موقف أخلاقي خارج نظام الدولة الشيوعية في أوربا الشرقية.
وبهذا نجد انتصارات المفهوم متباينة بحسب المشاكل التي يتعرض لها كل شعب، ففي أوربا الغربية تغير التصور بسبب تغير العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني،بفعل هيمنة الدولة البرجوازية على مقدرات تشكيل الوعي الجمعي والذاكرة، فهي على الرغم من أنها أطلقت على نفسها (دولة الرفاهية) إلا أنها أسهمت في الاغتراب وغياب الوعي الجمعي مما أدى إلى تحديد مفهوم (المجتمع المدني) بما يتعلق بالاغتراب للفرد والتعاون الاجتماعي بعيدا عن الدولة. أما في ظل الوضع البولندي فان الأمر يتعلق بالجانب الاقتصادي والمطالبة بالحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، في ظل هيمنة الدولة على المقدرات الاقتصادية
3- وضعنا العربي والعراقي والمجتمع المدني والمواطنة :
في وضعنا الحالي تجتمع المشكلتان معا، هيمنة الدولة الاستبدادية ومشكلة الهيمنة الاقتصادية، ولهذا فسيكون دور الدولة في البناء معقدا، لا يمكن أن يخطو إلى الأمام عن طريق إقامة الديمقراطية الشكلية بشكلها الغربي، فذلك أمر لا يمكن أن يكتب له النجاح في التطبيق في العراق، دون أن تكون قائمة على معالجة الجوانب الاجتماعية وتجاوز المشاكل الاقتصادية. إذ لا بد ان يكون للدولة دور في بناء المجتمع وإصلاح المشاكل، التي خلفها النظام الفردي، الذي قضى عل ابسط مقومات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان (المواطنة)، وتلك هي البوابة إلى أعادت الاعتبار إلى بناء الدولة العصرية الجديدة بثقة لدى العراقي.وحقوق الإنسان منجز حديث كما يراه (محمد أركون)(10) ظهر مع الحضارة الغربية الحديثة، وانتقل إلينا بـ (استخدام الخطاب القومي السائد بعد الاستقلال، الباحث عن إعادة الهوية والشخصية،من اجل تمرير منتجات الحداثة التي اضطرت الدول الإسلامية إلى استعارتها من الغرب، وربما لأنها لا تستطيع أن تستعيرها كما هي، فأنها خلعت عليها الغطاء الإسلامي، لكي تكتسب مشروعية، وتصبح مقبولة في نظر الجماهير، فحقوق الإنسان، اختراع غربي أو إنتاج العصور الحديثة في الغرب)، بفعل مشروع الحداثة الغربي وانعكاس لما عاشه المجتمع في الغرب من اجل مقاومة الخروقات بحق الإنسان، ولعل هذا يظهر فيتصور مفهوم (المواطنة – الدولة) حيث يركز الفكر السياسي اهتمامه كليا على الحماية القانونية والمادية (للفرد – المواطن) وهذه الحماية تجد جذورها في تحقيق تلك الحقوق.
وبهذا نجد الترابط بين مفهومي (المجتمع المدني) و(حقوق الإنسان) واضحا عندما تراعي الدولة الحقوق المدنية والسياسية المرتبطة بالحريات العامة. إذا توفرت الحرية والعدالة‏,‏ توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي‏,‏ الذي يحافظ علي الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل‏.‏ فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة‏.‏ فلا مواطنة بدون حرية وعدالة‏,‏ فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته‏,‏ والمدافع عن ثغوره وحدوده‏,‏ وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره‏.‏ فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه‏,‏ لا ينمو لديه حس المواطنة بشكل إيجابي‏,‏ وذلك لأنه باسم الوطن يضطهد ويقمع‏,‏ وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه‏.‏ لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية‏.‏ إن هذه القيم والمبادئ‏,‏ هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق‏.‏ وبدون هذه القيم‏,‏ تضيع المواطنة‏,‏ وإذا ضاعت المواطنة ضاع الوطن‏.‏لذلك لا وطن عزيزا بدون مواطنة عزيزة‏ ‏(11).
ودور المجتمع المدني دور مهم في تمتين الهوية والولاء الوطنيين ورفع مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية.وبدون المجتمع المدني تتفرد الدولة بالمجتمع لتفرض سيطرتها واستخدام آليات القسر،ولهذا عواقب منها ازدياد قبضة الدولة المسيطرة على مقدرات الأمور المالية يؤدي إلى شعور من اللامبالاة السياسية والنفعية المادية المباشرة عند أوساط واسعة من الجماهير ويودي أيضا إلى تغييب وسائل المراقبة والشفافية والرقابة الإعلامية، ما يؤدي إلى انتشار الأخلاق النفعية وانهيار عملية التغير,وأيضا إلى حلول الأواصر المحلية،ما يعني تهميش دور الفرد وإحلال الأنظمة الاستبدادية؛ فالاستبداد لا يخلق وحدة‏,‏ بل تشظ وتفتت وانزلاق نحو الحروب الداخلية المميتة لكل حيوية وفعالية باتجاه الوحدة ومتطلباتها السياسية والاجتماعية‏.‏(مما يجعل الفرد يبحث عن ذاته تحت مظلة ألهويات المحلية وهذا يؤدي إلى انشطا ر جسم المجتمع،وبالتالي يقود إلى إحلال العلاقات العصبوية محل علاقة المواطنة ذات السمة المدنية والتطوعية والتعاقدية والحقوقية).(12)
من هنا تكمن أهمية توظيف المفهومين، لكن مع ضرورة مراعاة دور الدولة في تأدية مهامها داخل المجتمع العراقي، أن يكون لها دستور يقيد سلوكها، ويحدد لها المهام، مثلما يؤكد على ضرورة أن يكون لها دور في إحداث تغيير اجتماعي يسعى إلى تحقيق الرفاهية للمواطن من خلال الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتطبيق الديمقراطية، لان الديمقراطية الشكلية على الطريقة الغربية التي تقيد الدولة وتحد من مهامها الإصلاحية غير ممكنة، ذلك بان مجتمعنا بحاجة إلى الإصلاحات المذكورة أنفا التي تقوم بها دولة تكون بدورها مقيدة بالدستور (أي دولة قانون). فأن النظام السياسي والاجتماعي المرن والمتسامح‏,‏ يتمكن من توظيف الشعور بالتميز لدي المجموعات البشرية، في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر‏..‏ أي ان الديمقراطية تجعل دور التميز دورا وحدويا‏، اندماجيا‏، بعيدا عن كل أشكال التقوقع والدوائر المغلقة‏.‏ وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن‏.‏ ويخطيء من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة‏,‏ هي القادرة علي خلق المواطنة وحالة الولاء الصادق للوطن.

الهوامش:

ــــــــ
(*) استاذ الفلسفة المساعد في جامعة الكوفة.
1. عبد الرزاق قسوم،عوائق الديمقراطيةفي تجربتا العربية،م/التعددية، مركز الاصلاح،لندن 2005،،ص27
2. مسلم عبدالله،غياب الشرعية وتحديات الديمقراطيةفي الدول العربيةم/التعددية، مركز الاصلاح،لندن،ص10.
3. حسن السعيد،عبد الرحمن الكواكبي،قم،200،ط1، ص53.
4. حسن حنفي،الحكومات المستبده تغتال استقلال الشعوب،جريدة الزمان،ع 1899،اراء ومقالات،لندن،ص15
5. أدونيس،الهوية غير المكتملة،تعريب حسن عودة،بدايات للطباعة والنشر،ط1، 2005،ص27
6. عبد الرخمن عزمي،دراسات في نظرية الاتصال نحو فكر اعلامي عربي متميز،ص69.
7. في ندوة تلفزيونية بثتها محطة الجزيرة الفضائية ضمن برنامج الشريعة والحياة يوم الأحد 16 شباط (فبراير) 1997.بواسطة مقالة: الديمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر.
8. حنان الجاف،العلاقة المتبادلة بين ألمواطنه و المجتمع المدني م/ التعددية ع/الأول،2005، مركز دراسات الإصلاح،لندن،ص71،
9. شمخي جبر،مفهوم المجتمع المدني ودوره في التغيير،م/ فكر حر،ع2،2006.
10. محمد اركون،الاسلام،أوربا،الغرب،رهانات المعنى والاادات الهيمنة،ترجمة،هاشم صالح،دار الساقي،طالاولى،1995،ص19-92.
11. محمد محفوظ،الأقليات وقضيا الديمقراطية،جريدة الأهرام الديمقراطية،الجمعة أكتوبر،6/2006.
12. المرجع السابق شمخي جبر،مفهوم المجتمع المدني ودوره في التغيير،ص55-56.