الحضارية «دراسات اجتماعية»  

 الثلاثاء: 18/12/2007


ضياع الهوية
قراءة في الخلل البنيوي للجغرافيا السياسية العراقية

علاء حميد

يستدعي طرح مفهوم الهوية، التأمل العميق في العديد من المفاهيم والنماذج الاجتماعية التي تواشجت فيها التعريفات العلمية المبين على أساسها مدلول الهوية، فتداخلت التصورات الثقافية وازدادت كثافة المصاديق الذهنية التي جعلت من منطقة الهوية (جغرافية للاشتباك) تتنازع على ساحتها أولويات تسيج حدود الهوية، بإطار محدد ومعرّف ثقافياً أو اجتماعيا.
فهناك اختلاف في التشخيص المنهجي بين العلوم الاجتماعية في وضع تعريف علمي دقيق لكون تلك العلوم تنوعت مرجعياتها النظرية، ويشير إبراز تساؤل الهوية إلى بقاء السؤال قلقاً مفتوحاً، على الكثير من الإجابات، غير المستقرة عند ناحية فكرية واضحة. هذا مما جعل المجتمعات المنقسمة إثنياً والمختلفة مذهبياً، تقارب التناحر الطائفي والاحتراب الداخلي بصيغة أو بأخرى خلال مراحل أزماتها السياسية والاجتماعية، مما حمل وطأة أحداثه وصراعاته، أفراد تلك المجتمعات، فأغمض، بصيرة المكونات المجتمعية، عن رؤية صحة المضي بالاندماج الوطني والامتناع عن الوقوع في فخ إغلاق ممر الاشتراك الاجتماعي (وكأنها أقليات تسكن في قلاعها المغلقة، كما عبرت مجلة مدارات غربية / العدد السادس، أيار 2005م، في ملفها عن الأقليات العربية)، في بناء وطن، يضم جميع المختلفين، ينهض على مقولة (الوطن للجميع).
وحضور إشكالية الهوية ازداد في بلدان العالم الثالث، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، منذ حركة مطلب الاستقلال الوطني، حيث انحدر تحقيق انجاز الهوية، من تاريخ بناء المجتمعات المحلية لدولها، ولم يتوقف لحد الآن إذ تعاني شعوب منطقة الشرق الأوسط من ضخامة أزمة الطائفية السياسية والثقافية فبدأ من لائحة المنوعات غير المنتهية من قبل السلطات المهيمنة على مقاليد الحكم ضد الأقليات والاثنيات في حقها ممارسة خصوصياتها الثقافية والدينية والشعبية إلى رفض فسخ المجال السياسي أمامها (الأقليات) للالتحاق بمؤسسة الدولة، ويظهر التدافع التاريخي لتلك الشعوب صوب الاستقلال السياسي إرباكاً واضحاً في تسيطر سلم الحاجات الثقافية والسياسية، فالصدارة كانت لهدف التخلص من السيطرة الاستعمارية، تحديداً دون غيرها من الاهداف الوطنية، القضية الأساسية التي لازمت الانتهاء من عملية الاستقلال هي التغاضي عن الاعتراف بوجود تشكيلات ثقافية، تمتلك الامتداد التاريخي ـ الاجتماعي القديم في تاريخ تلك الأوطان، مما برر إزاحة وتغيب تلك الاثنيات وصدها عن الاشتراك بالعمل السياسي والتركيز على أهمية الشعار السياسي لمعركة الاستقلال والتصدي للعدو الخارجي، فقد اختصرت المرحلة بالتبرير السياسي المعروف (لا صوت يعلوعلى صوت المعركة) لتصبح إشكالية النظام السياسي العربي بأنه نظام مسكون بعقدة العدو الخارجي المتحالف مع احد الاطراف الداخلية في البلاد العربية، والحراك الاجتماعي والثقافي للشعوب العربية يكشف بأنها محتقنة بهاجس تمثل الهوية، وتبعثر توجهات البناء السياسي، فأفقد تلك المجتمعات خاصية تدعم خطى، صنع مشروع وطني يستوعب اختلاف الاقليات في داخلها (أي المجتمعات العربية) بل العكس، والحال هذه جعلت من السلطة العربية توغل في استفزاز الأقليات المحلية ودفعها اتجاه الاحتماء وراء مخزونها التاريخي ـ الديني الذي يؤمن لها المنعة السياسية من الحيف الاجتماعي فضلا عن اللجوء على آلية الاقتراب والاستعانة بالثقافات القريبة والبعيدة، ولو عاينا النموذج العراقي، لرأينا أنه من أكثر البلدان العربية التي أمنت بالتوجس الطائفي بين السنة والشيعة، ما أدى إلى إفراغ محصلة البناء الاجتماعي من الوصول إلى النتيجة السياسية التي تؤسس لقيام دولة مستقرة تقوم بدور المحايد السياسي إزاء ما يحدث من تخاصم اجتماعي بين فئات الشعب العراقي لذلك توقفت عجلة العمل السياسي، عند عتبة السلطة ولم تتجاوز هذا المشكل (عدم عبور مرحلة السلطة السياسية إلى بناء الدولة) المدام بمخرجات صراع طائفي طبع مناحي الحياة السياسية، منذ بدايات النزاع العثماني ـ الصفوي على الساحة العراقية ليدخل الأقليات العراقية في متاهة إجابة السؤال: هل العراق مأزوم بطوائفه أم الطوائف مأزومة بوجودها في العراق؟ لذلك عندما نحاول تتبع بلورة الهوية الشيعية في الوسط الاجتماعي، فإننا سوف نعتمد آليات المنهج التتبعي وهو عملية تنقيب ومتابعة الاحوال الاجتماعية تاريخيا للمجتمع ومن ثم تحديد نقاط التغير الثقافي، و(المنهج التتبعي) نموذج فكري لمدرسة الحوليات الفرنسية التي جاءت نتيجة لأعمال مجموعة من العلماء وقراءتهم الفكرية للتاريخ والثقافة، وكانت منها أطروحة العالم الفرنسي فرنان بروديل في كتابه الشهير (البحر المتوسط المجال والتاريخ / ترجمة يوسف شلب الشام/ 1990م)، ضمن سلسلة دراسات اجتماعية لوزراء الثقافة السورية، وصياغته لمفهوم (المدة القصيرة والمدة الطويلة)، منطلق تصورات (بروديل) من أن المدة القصيرة تمتد من قرن فأكثر، بمعنى أن بضعة قرون، تجعل من مقومات التغير التاريخي ناضجة أما المدة الطويلة فهي تتخطى مدة تاريخية، تصل ألف سنة.
الملاحظ وعلى أساس مفهوم المدة القصيرة، أن مقاربة الهوية الشيعية (بحصيلة التراكم الاجتماعي ـ النفسي للحرب الصفوية ـ العثمانية والآثار التي تركتها على مكونات الهوية الشيعية، حتى نصل إلى قيام الكيان السياسي العراقي عام 1921م على يد الإنكليز) يفتح علينا عدة مداخل تحمل الفاعلية الثقافية والعقائدية المؤثرة على تنضيد اللوحة الفكرية، التي تغذي مواقف والتزامات الهوية الشيعية، تجاه الأزمات والأحداث السياسية والاجتماعية طوال مسيرة تاريخ الصراع الشيعي مع النظم السياسية الحاكمة، فالتفكر بمتبنيات الفكر السياسي والعقائدي الشيعي تقودنا نحو حزمة من التساؤلات والاستفهام، حول الكيفية التي ربط بها الفكر السياسي الشيعي بين مادية الجغرافيا (بوصفها الأرض والإقليم الذي تسكنه الجماعة الشيعية)، ومعنوية التاريخ الحاوية لسير وأفعال الرموز الدينية (من شخصيات ووقائع تماهت فيها سلوكيات الشخصية الشيعية)، إن موازنة العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ يمنح الجماعة أو الطائفة، قوة الربط والتوصيل بين المثال التاريخي المنساب (من الانسياب) في لا نهائية الزمن، وواقعية الظاهرة الاجتماعية المحكومة بمكان وحدود إطارها الجغرافي، ولهذا ربما يمكننا القول إن الارض تشظت في حركة شيعة العراق وتحولت إلى حلم تاريخي تغذت صوره من الانتكاس السياسي الشيعي في إيجاد الحلول المناسبة لتردي الاجتماعي والاقتصادي للجماهير الشيعية في العراق، ولم تجعلهم يستفيدون من القاعدة الجغرافية (إن الأرض تقاتل مع أهلها) بسبب إن الفكر السياسي الشيعي ركز بشدة على ثنائية الإمام ـ المنقذ التي اختزلت فيها كل جهود الحركات السياسية الشيعية في أثناء الفترة الأموية والعباسية ومازالت حاضرة بكثافة في الوعي الشيعي إلى اليوم ويمكن رد تأخر إعلان قيام الاحزاب والقوى السياسية الشيعية إلى ارتباطه بإشكالية ترتيب العلاقة بين المرجع الديني أو الفقيه الشيعي أو الحزب الشيعي فيما يتعلق بالجانب الوظيفي القيادي في تسيير شؤون الطائفية هذا التزاحم السياسي أربك الموقف الشيعي، المؤسس في ضوء مراحل التاريخ الإسلامي الشيعي المار بأربعة أنماط كان لها التأثير الواضح، على المكونات النهائية للهوية الشيعية، وهي مدة تأسيس الخلافة الراشدة، والمماحكات التي رافقتها من تجاذب عقائدي ـ سياسي. المرحلة الثانية، صدمة واقعة الطف التي تعد من الوقائع المفصلية في الفكر الشيعي، ودفعه نحو الميل للشهادة، دون البطولة وسيادة رمزية الدم على مفهوم القوة، وانجازيته للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والنمط الثالث، كان بداية طور الغيبة الكبرى، الذي أصّل لمفردة (الإمام ـ المنقذ)، ليؤشر حدوث انقطاع سياسي تاريخي أعلن فيه غياب الشكل السياسي المعتمد على مركزية إدارة الامام المعصوم لمتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للشيعة رافقه صعوبة تقبل الواقع السياسي المفروض من قبل سلطة قامعة لوجوده، مما جعل الفكر الشيعي، يغوص في غيبوبة ثقافية دفعية للبحث عن إيجاد قواعد عقائدية جديدة، تعالج محنة الغيبة الكبرى وتأثيرها على الحراك السياسي الشيعي الذي انحصر نموذجه السياسي في دور الامام ـ الرمز الموجه لحركة الفعل السياسي الشيعي، لقد كرست المراحل التاريخية المذكورة نفسها في التهميش الاجتماعي والثقافي الذي عانته الطائفة الشيعية من قبل السلطة السياسية الإسلامية في الاقاليم التي تسكن فيها ليأتي التواجه العثماني ـ الصفوي، على ارض العراق كنمط رابع، انعكست خلفياته على الهوية الشيعية العراقية، بإيجاد خزين نفسي ـ اجتماعي، قيد خطوات قبول الهوية الشيعية ضمن الجامع الوطني العراقي من تأسيس الكيان العراقي الحديث ومن ثم واجهتم (شيعة العراق) معضلة ضبط العلاقة بين الجذور والأصول تبين مقولة الجذور والاصول، إن الجذور هي العمق التاريخي ـ المكاني للاقوام القاطنة على بقعة معينة من الأرض، أما الأصول فهي الوصف الثقافي التاريخي لتلك الاثنية أو الأقلية، وهنا يصبح التواصل بين المفهومين (الجذور والأصول) منشغلا بالسمات الايكولوجية والدينية التي تبلور الهوية والسمات التي توصف بها ضمن المحيط الجغرافي التي تعيش فيه تلك الطوائف، وهذا بدوره يطلق تسابقا ثقافيا نحو نيل المطلب المجتمعي (الأصول) أو إرجاع المحروم التاريخي (الجذور) ولهذا تلازمت في ذهنية الطوائف الساكنة في العراق، بأن الراعي والحامي لها موجود خارج الإطار المكاني للجغرافية العراقية وهذا ينطبق على الاقليات العراقية الأخرى في خصومتها الداخلية، العرب / الكورد، المسلمين / المسيحيين، مما اضعف إحساسهم (الطوائف) بالأرض (المستقر) في الأعم الأغلب مع تضخيم تعلقهم بالتاريخ الديني والقومي، أيضاً وقعت مواجهات السلوك الجمعي لشيعة العراق، تحت رحمة التقاطع الديموغرافي الاجتماعي فهم أغلبية وطنية داخل العراق، ولكنهم في الوقت نفسه أقلية إسلامية ضمن المحيط الإقليمي وجعل السلوك السياسي الشيعي يستبطن جانب الأغلبية ويتبنى نمط الأقلية، كذلك وفرت مناطق سكانهم (شيعة العراق) المتمثل بالسهل الرسوبي سهولة الاختراق والغزو من قبل المتدخل الخارجي، هذا العامل الجغرافي، اسند الهوية الشيعية إلى قاعدة سياسية قلقة، مفتوحة على التحول المستمر مما حجز تعريف الهوية الشيعية عند المتقلب والممكن السياسي والسعي الدائم لتحقيق الإنصاف التاريخي لوضع الطائفة الشيعية، إن هذا التردد بين إنتاج إطار سياسي، يوفر الاستقرار الاجتماعي، أو السير في طريق تشديد بناء تاريخي تطلق عليه الادبيات الشيعية (دولة الظهور)، والمدفوع بحاجات دينية، يكشف الهوية الشيعية بأنها ذات نسق تاريخي. فعندما نتساءل عن سبب حصول انفصال سياسي في الفكر الشيعي بين الأرض والتاريخ، ربما يقودنا مدلول الشعار الشيعي (كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء) إلى مجموعة من التصورات التي قد نستطيع في ضوئها معالجة ظاهرة انفصال الصلة بين المكان والذاكرة الدينية عند الشيعة، فكربلاء في المنظومة الثقافية للطائفة الشيعية هي مكان للاستشهاد والتضحية، ويوم عاشوراء هو موعد تحقق الشهادة، لينعكس أثرهما على الحركة السياسية للرموز الشيعية، ومن ثم أصبحت أفعال وخطوات تلك الشخصيات والقيادات الدينية والسياسية الشيعية محصورة بين منطقتين هما العمل السياسي لفترة تاريخية ومن ثم التوجه صوب الشهادة بإرادة وبدونها ووكأن هناك جذباً معنوياً دينياً يدعو للانضمام إلى مسار تاريخ فداء وتضحية واقعة الطف ترتكز بناءاته على الرصيد النفسي لمفردة المظلومية والانتظار ثم صياغة المظلومية من تداعيات التاريخ الإسلامي وسعيه لتأصيل الممارسة السياسية الإسلامية التي اختصت برؤية مذهبية واحدة، لتتحول (المظلومية) في السلوك السياسي الشيعي إلى طريقة وتعبير وسمة ثقافية وطقس يومي وهنا نتساءل لماذا أطر الفعل الاجتماعي الشيعي مقولاته السياسية والثقافية بمفهوم المظلومية من دون الظلم؟ ربما نجد إن المظلومية قائمة تاريخياً بسبب ارتباطها بعامل تحليل سؤال السياسة في سياقات الفكر الشيعي ونوعية الاستيعاب والاستجابة لذلك المطلب (سؤال السياسة)، لنلحظ بأن هناك اصطداما دائما بين واقعية الحياة السياسية وحاجاتها الاقتصادية والاجتماعية وكثافة زخم الاستدعاء الديني بالانشغال بعودة النموذج التاريخي المتكامل، إن تباين المعنوي بكل أبعاده والعاطفي بتجلياته، يثبت وجوده باستثمار تقابل نسبية العمل السياسي ومثالية الوعد التاريخي، لذلك نمت سلوكية الانتظار بانشطارها إلى زمنين، زمن ديني مشحون بالوعد والخلاص، تفعل هيمنته (الزمن الديني) برسوخ مفهوم المظلومية، في الشعور السياسي الشيعي، وزمن سياسي معلق الفعل لكونه متناقضا مع انتظار مجيء عصر العدالة الاجتماعية، ورفع الظلم (المظلومية)، لذا كانت أيديولوجيا الانتظار، نابعة من تعامل الهوية الشيعية مع الإفقار الجغرافي بتحويل المعطى المكاني إلى براديم (قالب) تاريخي نابت حضوره في حركة دورة الطقوس الجماعية للمناسبات الإسلامية الشيعية، والفرد الرمزي للأضرحة الدينية التي نمطت الشيعي على التواصل الثقافي مع نموذجه الديني ـ التاريخي، ليؤكد نجاح الهوية الشيعية بنقل الجغرافيا إلى معطى تاريخي، لذا تعطينا مراقبة جداليات الهوية الشيعية والسنية، بأنهما اختلفا حول كيفية الدخول إلى العملية الاجتماعية، من جهة السياسة أم من ناحية التاريخ، تمددت الهوية الشيعية تاريخياً على حساب السياسة لتصاب بالفزع على الهوية، أما المكون السني فقد اتسع سياسياً وضمر تاريخياً ليقع بأزمة استفراد الهوية عن طريق الاستفادة من الامتداد العربي المذهبي، ومن ثم يتحقق الفرق الميداني الحركي، بين منطلقات الهويتين (الشيعية والسنية)، فمسيرة الهوية الشيعية تبدأ من المجتمع وتتحرك باتجاه السلطة، على عكس الهوية السنية، القادمة من السلطة إلى جهة المجتمع، وكأننا أمام تعاكس في زاوية النظر نحو أساسيات الحقل السياسي، التواجد الطويل بالعمل بين فئات المجتمع (بالنسبة للشيعة)، قد يقلص فرص تطوير حرفية إدارة السلطة يواكبه تعزيز مهارة قدرة المعارضة مع صعوبة انتقالها إلى الأسلوب الحكومي ولهذا لم تنفتح النصوص الشيعية على مقولة الدولة بل عملت تلك النصوص على إنضاج مفهوم الطائفة، كذلك فإن الإقامة المستمرة على منصة توجيه حركة السلطة (ما يخص السنة)، لعله يضعف قابلية مرونة تعلم فن المعارضة وأولوياتها (التي منها القبول والاختلاف المدني مع المشارك السياسي)، يصاحبه تقوية الخاصية الإدارية البيروقراطية، المناحة للاستثمار بالممارسة الفردية للسلطة حيث تعاملت الجماعة السنية بأهمية مع مسألة الامارة / الخلافة التي أصّل أمورها الفقيه الماوردي في نصه المعروف «الأحكام السلطانية»، هذا قد يفسر التعابر الاجتماعي عند الطرفين (السني والشيعي)، بانضمام فئات واسعة من الطائفة الشيعية، إلى القوى الثورية، المعتقدة بخطوات الانقلاب الاقتصادي والاجتماعي على كافة مستويات الحياة الإنسانية، وفي الوقت نفسه انتماء وانحياز أعداد كبيرة من الطائفة السنية جهة الأحزاب القومية العربية التي أملت بجمع وبعث الشخصية القومية في الوطن العربي على الرغم من ميل نخب شيعية ليست بقليلة للحركة القومية في بداية نشوئها وقد فسر هذا الأمر لاجل إثبات صحة الانتماء العربي، دعم هذا التباعد في مسلك المكونين، هو أن شيعة العراق اشتغلت بالاقتصاد كأقلية سياسية ورثت نشاطات أقليات اجتماعية ودينية كانت موجودة لعهود ماضية في العراق حجم نشاطها الثقافي، فانخرطت في الجهد التجاري للحفاظ على وجودها الاجتماعي، والتي أجبرت على الخروم من العراق فيما بعد في خضم ملابسات سياسية سابقة، يضاف إلى هذه الرؤية (سبب اشتغال شيعة العراق بالاقتصاد) فتاوى المؤسسة الدينية الشيعية في تحريم الانتساب لدوائر السلطة آن ذلك، أما سنة العراق فلقد عملوا بالسياسة كونهم استثمروا الغطاء العثماني في أثناء سيطرته على الولايات العراقية في كسب فرص التعليم من الدخول إلى المدارس العسكرية والمهنية، ذلك المناخ الاجتماعي اوجد الظرف الملائم لشيوع ظاهرة (التصفير السياسي لتراكم مشروع الدولة العراقية)، الذي مهد لغلبة نسق عسكرة السلطة وعزل وإزاحه النمط المدني عن قيادة العملية السياسية، هذا التباعد بانت ارهاصاته في خلفيات انقلاب بكر صدقي عام 1936م، على نشاط بناء الدولة، ليؤكد إصابة المجال السياسي العراقي بعلة تداخل المشروعية والشرعية (د. علي وتوت، بحث في الدولة الشرعية والمشروعية، مجلة الإسلام والديمقراطية، العدد 18)، وعدم النجاح السياسي في التفريق بينهما، حيث تعبر الأولى (المشروعية)، عن أحقية الحكم لمن، والثانية (الشرعية) تشير إلى شكل الحكم والأساس الدستوري المستند عليه، أشرت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في العراق فشل الجهد الوطني للهويات الثقافية اثر نشوء تيارات الإسلام السياسية التي برهنت على حصول كسر وظيفي في التلاحم الاجتماعي على مستوى الجانب السياسي ليوظف في قيام فصل طائفي بينهما، فهذه الحركات السياسية كانت معبرة وحاملة للأوصاف المذهبية ذات البعد الطائفي، لتحصل (من التحصيل) مردودات هذا الكسر الوظيفي من حدوث الحرب الإيرانية ـ العراقية، وإخراج الكامن الثقافي والسياسي والتأكيد عليه بالرجوع إلى الخصوصيات الاثنية والطائفية، لقد مارست نتائج الحرب الإيرانية ـ العراقية الضغط الاجتماعي الشيعية وإيقاع الجماعة الشيعية في إشكالية الوطنية/الهوية فشيعة العراق وجدوا أنفسهم في وضع معقد للغاية فهم منضوون تحت حكم عربي قومي ذو امتداد سني يتقابل مع نظام يحمل توجهات إسلامية في إطار شيعي والذي أدى إلى تشويش الموقف السياسي لمعظم الحركات المذهبية، فلقد كان لطول مدة الحرب الآثار البارزة على هذه القوى في وضعها داخل مطلب ثنائية الوطن/الهوية، ليكمله هاجس فقدان السلطة والذي أكثر من ظهور الحركات الدينية التي تشتت حول اكتشاف المعادلة السياسية التي تحلل عجزها عن الإمساك بدائرة السلطة، خاصة في ساحة المكون الشيعي، إن تلك القوى الإسلامية عبرت عن مشروعية مطاليبها السياسية بتكوين آليات نفسية ـ اجتماعية لأجل الحفاظ على ميراث الهويات الفرعية والذي ضيق من فرص التهجين الثقافي الساند للخطابات السياسية القائمة على البعد الواسع للهوية، اليوم عادت الأزمة المجتمعية من جديد لتعلن عودة العراق إلى تاريخ ما قبل 1921 ليغدو المجتمع العراقي مجرد كيانات يفرقهم التاريخ وتجمعهم قسرا الجغرافية، بل الادهى من ذلك أنها (الكيانات العراقية)، باتت تتصرف على أنها طوائف تاريخية محمية بموقف سياسي متصلب وليست مذاهب ثقافية تسعى للحوار والتعايش السلمي، هكذا تظل إشكالية الهوية العراقية مضاعة في دوامة الخلل البنيوي للجغرافيا السياسية للأرض العراقية.

المصدر: مجلة مسارات، العدد الأول، السنة الثالثة، ربيع 2007م