الحضارية «دراسات اجتماعية»  

 الاثنين: 10/12/2007

الهوية الوطنية العراقية
المعنى.. التحديات والمستقبل

أ.د. سيّار الجميل

يُعَرِّفْ المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية مفهوم الهوية، من الناحية الفلسفية، بأنها: حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره. وفي تعريفه لمصطلح الـ : هو من منظور التصوف، يذكر المعجم أنه الغيب الذي لا يصح شهوده للغير كغيب الهوية المعبر عنه كنهاً بالـ لا تعين، وهو أبطن البواطن. ويذهب المعجم إلى تحديد معنى آخر لـ «الهوية» حين تضاف إلى الكلمة «بطاقة»، أو توصف بالنعت «الشخصية»، لتجعلنا نحصل على المصطلح «بطاقة الهوية» أو «البطاقة الشخصية»، المتداولين حديثاً، فيذكر أن الهوية بطاقة يثبت فيها اسم الشخص وجنسيته ومولده وعمله.
أما قاموس Oxford الذي يبدو أنه أحد مصادر تحديث تعريف المرادفات ومعانيها في المعاجم العربية الحديثة، فإنه يُعرّف مصطلح «الهوية» بوصفها «حالة الكينونة المتطابقة بإحكام، أو المتماثلة إلى حد التطابق التام أو التشابه المطلق. والكينونة، هنا، تتعلق بالشيء المادي أو بالشخص الإنساني». فإن الأمر هنا انما يتعلق بالتطابق التام ما بين باطن الشيء وظاهره، كما شبه الجرجاني ذلك بالثمرة ونواتها أو بتماثل التجليات الظاهرة لأي كينونة مع جوهرها العميق، بلا انفصام أو انشطار مهما صغر وتضاءل، بحيث تتبدّى الهوية، في تراسل مع تعريفها الذي يتوافق مع التعريف الصوفي لمصطلح «الـ هو»، بوصفها مكونة من خصائص الشيء، أو الشخص، المطلقة سواء كانت متخيلة أم مجرّدة، والمتضمنة الصفات الجوهرية التي تجعله مميزاً عن غيره تميزاً يـُكسبه خصوصيته، ويـُحدد الصورة التي يعبّر عنها بنفسه والتي ستؤثر، بطريقة أو بأخرى، في تحديد المنظور الذي سيعتمده لإحالة ذاته إحالة موضوعية في العالم، والذي سيُطل من خلاله على الآخرين ليرسم الصورة التي سيكونها في ذاته عن ذاته وعنهم. ان مفهوم «الهوية» نكاد نجده في كل الثقافات الوطنية للشعوب، وكان موجوداً عبر العصور التاريخية، وبشكل بدائي، وخفي، لكنه لم يتبلور الا خلال القرنين الاخيرين عندما تطور الفكر السياسي الحديث وخصوصا في القرن العشرين برغم كل التحديات التاريخية التي واجهت مفهوم «الهوية» سواء كانت تلك التحديات: ايديولوجيات أم اديان أم مذاهب شوفينيات.. الخ.
الهوية الوطنية العراقية: بنية جوهرية باقية متحوّلة
ليست الهوية العراقية بنية مغلقة على ذاتها وإنما هي بنبة جوهرية متحوّلة دائماً، ولكنها مرتبطة بمحور ثابت يتمثل بالأرض (=التراب العراقي)! إنها مفهوم يعبّر عن ذاته بذاته عبر الزّمن ومعاييره، وفي سياق علاقة تبادلية بين الأرض/الجغرافية، والزمن/التاريخ، وهي تنهض في حالة الاستقرار على تفاعل متحقق، او تصمت وتتعرى في حالة التوتر بفعل انكسار تاريخي أو انهيار مكبوح، مع معطيات متغيرات التاريخ والمجتمع من مرحلة إلى أخرى سواء في وجود نسيج المدن أو في مكونات المحيط ! وبمعطيات حركة الحياة العراقية المتنوعة وغايات الحراك السياسي، أو السّكون الثقافي.
انني اعدّ الهوية الوطنية العراقية بمثابة قيم جوهرية متى يفتقد العراقي وجوده في ظل مأزق ربما لا يشعر بمخاطره الا من يتأمل في خارطة العراقي التاريخية وخارطة العراق الجغرافية.. وهي خارطة مخيفة جدا عندما نجد العراق تحيطه دول كانت لها ليس اطماعها التوسعية فيه، بل كانت لها معه منازلاتها على ترابه الوطني ولها تواريخها البشعة على ارضه! ان هذه الخارطة لابد أن تجد نفسها في فهم الإنسان العراقي وإدراكه وديناميته، وقدرته على مواجهة مشكلات حياته في العراق وعصره، أي زمنه، ويلازمه الوعي الوطني بأن نسيج العراق ضرورة وجود ومستقبل، وانها تتخطى الضرورات التي تحكمه في أي عهد أو عصر، وان ضعف هويته واهتزازها تحد من مدارات حريته وكل وجوده. ان الهوية العراقية هي قيم جوهرية تكون معرضة لأن تفقد جوهريتها إن هي تساكنت أو ضعفت أو جمدت أو ماتت، أو فقدت استمرار كينونتها في أي عهد من العهود، ولنا امثلة تاريخية ساطعة على ان العراقيين بذلوا دماءهم الزكية من أجل الحفاظ على عراقيتهم، بل ومن أجل البقاء على ولائهم للعراق لا لأي نظام سياسي، أو مذهب ديني، أو طائفة معينة. ان العراقيين بحاجة ماسة دائما لتخليصهم من الإغراق في الجهل، وانتشالهم من الرّكون إلى حائط زمن متهرئ أو اتجاه أفقي.. وتعزيز صلاته بالأرض أي بالتراب لا بأي شيء آخر.. ان عملية التقاطع هنا من اصعب العمليات التاريخية بفعل كثرة انتماءات العراقيين وكثافة أهوائهم وهواجسهم ونزوعاتهم التي لا تعرف أين تذهب خيوطها المتشابكة من الدينية والفئوية والجهوية والحزبية والقروية والمهنية والعائلية.. الخ، من الولاءات التي تضعف الهوية الوطنية وتشتتها في بحر من التناقضات والتحديات! وهنا يصبح التماهي مع العراق شكلا ومضمونا مهمة يستحيل استعادتها، أو مستقبل لا يمكن الوصول إليه.
الهوية العراقية إزاء خصومها
ولأن الهوية العراقية قد تعرّضت للتهميش أو للازدواجية في الخمسين سنة المنصرمة، إذ زاحمتها جملة من التحديات الداخلية والخارجية تحت مسميات شتـّى سواء على مستوى الدولة أو المجتمع.. وكثيرا ما أجد ان هناك من كان يعتز اعتزازا شديدا بهويته العراقية ولكن كان هناك من هو بالضد من تلك الهويات، اذ كان يبحث له عن هوية من نوع آخر.. فضلا عن آخرين كانوا قد افتقدوا تلك «الهوية» نتيجة ما صادفهم من هول الاحداث السياسية والاجتماعية والايديولوجية والشوفينية.. فذهب يبحث له عن هوية من نوع جديد لما وراء البحار.. ولكن تبقى الهوية هي جوهر الإنسان وتحولاته، أو هي ذلك الثبات المجرد وتجلياته العليا الممكنة عند بعض العراقيين، والمتغايرة، والمتحوّلة في سياق صيرورة دائمة عند بعض آخر من العراقيين من الذين لا يريدون مثل هذه الهوية. مع الأسف، لم تنجح الدولة العراقية في تحقيق وتأصيل الهوية الوطنية العراقية نظرا لتباين التنوع الاجتماعي العراقي.. وصعوبة النفسية والذات العراقية التي تبدو صورتها معقدة جدا ومجسّدة في «ذات ثقافية عراقية مشتركة» تتأسس على خصائص جوهرية تتحدّد بالسلب والإيجاب معا، عبر اختلاف يميزها ويخرجها للعالم بصورة ذوات ثقافية أخرى تتميّز عنها، أو تتعارض معها. وهكذا صارت الذات العراقية، في دلالة الواقع الذي نحاول قراءته واستكشاف كل يوم اشياء جديدة فيه وبوضوح شيوع دلالاتها اليوم بعد أن بقيت مسكوتا عنها زمنا طويلا، انها قضية شائكة لم يتوغل فيها حتى اليوم أي باحث من العراقيين بسبب عوامل لا حصر لها.. وستكشف الاجيال القادمة بأن الهوية العراقية تتشكل من مرآة هائلة تظهر عليها صور حقيقية للأنا العراقية والنحن العراقيين اللذين سيتبديا بوصفهما مجالا حيويا لتكوين وعي جديد في المستقبل.. وعي عراقي جديد يدرك قيمة العراق وطنا للجميع، ويدرك قيمة العراق وحدة متكاملة بتكامل وادي الرافدين.. ويدرك أن الهوية العراقية مصدر احياء وفخر بامتداد تاريخ عريق لا تمتلكه أي هوية اخرى.. ولكن هذا سوف لن يحدث ان تجزأ العراق إلى اجزاء متناحرة في المستقبل.. نأمل بقاء وجود الوحدة العراقية من أجل حضور تلك الذات الكلية العراقية الجامعة، وهي تقف أمام تشكيلين متناظرتين يتبادلان الانعكاس الثنائي: مرآة الثقافة، ومرآة الهوية.
تحليل الانعكاس الثنائي
ان مرآة الثقافة أجدها متنوعة في تكويناتها والوانها من الثقافات المتعددة، فهي ليست عربية خالصة مع وجود الثقافة العربية كأساس حقيقي شامل في حياة العراقيين جميعا، ولكن من وجود الثقافات العراقية: السريانية ـ الآرامية والاثورية والكردية والتركمانية والصابئية والإيزيدية.. وان الذي يوحّد هذه المرآة المثقفة بالموجودات والمعاني والخصائص والأصول والاشكال والموروثات والتقاليد والتواريخ وبكل التنوعات السكانية.. تجمعها كلها مرآة الهوية العراقية. وأيضا، ربما نستطيع قراءة كل ما تحمله الهوية العراقية من خصائص معنوية وربما يكن تنوعها لا يعكس وحدتها باقرارنا تعددية مصادرها الثقافية، وهذا هو سر اختلاف العراقيين بعضهم عن بعض، أي التقارب في الأرض والتاريخ ولكن ثمة تباعد في الثقافة والمجتمع الذي برغم كل تعايشاته الرائعة في الماضي، فإن المشكلات العراقية بدأت عندما فرضت ثقافة معينة وجودها على ثقافة أخرى ليس من الناحية الاجتماعية، بل من الناحية السياسية والايديولوجية.
لقد تطور هذا الأمر الخطير ابان المد القومي العربي وازدادت خطورته على العهود الشوفينية التي مارست ادواراً طاغية على حساب الثقافات الأخرى وهي تمزق وحدة الهوية الوطنية العراقية، بعد أن تلاعبت باسم الهوية القومية العربية، مما ولد ردود فعل قاسية لدى القوميات والملل والاقليات الثقافية والاجتماعية العراقية، بل وخلق كراهية تاريخية بين ابناء الشعب الواحد.. مما يدعونا اليوم للعمل على ازالة حالات الجفاء الصعبة من اجل استعادة الهوية الوطنية العراقية واحياء سبل التعايش السلمي والحقيقي للعراقيين كلهم.
الثقافة العراقية والهوية المهدّدة
1. الهوية الاشكالية
في ضوء ما تقدم، نستنتج أن الهوية العراقية هي هوية إشكالية تتعارض فيها مكونات الثقافة الاجتماعية مع خصائص الهوية الوطنية، مما سمح المجال أن يتمسك اغلب العراقيين بهويات متنوعة: قومية ودينية وطائفية ومذهبة وقبلية وعشائرية وحضرية وريفية.. من دون أن يعزز كل العراقيين هويتهم الوطنية عبر الدولة بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية أو الرأي العام، أو من خلال مؤسساتها الحزبية والسياسية والنقابية والثقافية. لقد كان الوطن في المقدمة ولكن بغلاف سياسي أو ايديولوجي مما يفقده خصائصه، او ان يكون في المؤخرة بتقديم هوية من نوع آخر كأن تكون قومية أو طائفية أو دينية. انها فعلا هوية اشكالية لا تستحق ان تكون كذلك، أو ان تكون هوية وطنية مزيفة، إن من يعلنها يخفي في الباطن أو حتى في اللاوعي هوية مترسخة من نوع آخر، فهو يعبّر عن هويته زيفا وبهتانا.
2. البدائل الضعيفة
كنت اسمع من ينادي بالإسلام هوية قبل الوطن، وعايشنا من كان يقدّم العروبة والقومية العربية على الوطن، بل جاء من يقدّم التحزب للبعث على الوطن، ومؤخرا جاء من يقدّم لنا الطائفة على الوطن. كل هذا الثقل الذي حدث على الهوية الوطنية وهي باقية في النفوس ومزروعة في الضمائر حتى وان اغترب ملايين العراقيين عن ارضهم. ولابد أن يدرك كل العراقيين بأن المشكلة ليست بالهوية أو بالحقيقة بـ «الوطن»، بل المشكلة في المجتمع، أي في العراقيين لا في العراق.
3. الوعي بالعراق وبهويته الإنسانية
ان الهوية الوطنية العراقية لابد أن تؤسس أو يجري اعادة تأسيسها على ثقافة إنسانية عريقة، باعتبار العراق الأب الشرعي والحقيقي للحضارة البشرية على وجه الاطلاق. ولابد ان يدرك أي عراقي بأن العراق ليس ملكه لوحده حتى يتصرف به كيفما يشاء، بل هو لكل العراقيين، وعليه ان يدرك بأن الهوية الوطنية قد استعيد العمل بها بعد معاناة القهر وجحيم التهميش والطمس والإلغاء، وان يعي بأن الهوية الوطنية العراقية قد أعادت انتاج نفسها عبر مسيرة نضالٍ وطنيّ تحرّريّ شاق صعب وعنيد.
دق جرس انذار
ان أي تفكيك للعراق تحت أي باب أو مسمّى سيلغي النسيج العراقي ومن ثم يمحي الهوية الوطنية العراقية. المطلوب اليوم الوقوف امام أية محاولة للتجزئة وتحت أي مسمى كان، ليس خوفا على دواخل العراق المتراخية، بل خوفاً من الاقليم المتربص بالعراق. ان الهوية العراقية لها معان عليا لا يدركها الا من خبر مخاطر العراق الداخلية الاقليمية، وانها كانت تعيش مخاطر عدة في عهود سابقة اذ كانت تناضل ازاء الهوية القومية العربية منذ قرابة خمسين سنة. كانت الهوية الوطنية قد حصّنت نفسها ضد القومية العربية أو أي قومية أخرى، باستنهاض ما اختزنته جذورها الثقافية والاجتماعية العريقة في التاريخ. نعم، بقيت قوة خفية في النفوس ولم يخش العراقيون عليها من السقوط فيما نهضت لحماية نفسها من العراقيين انفسهم الذين كانت ولم تزل لهم هويات أخرى تنافس بل تغلب على الهوية الوطنية، ولذلك فهي مؤسسة على عمق ثقافي منفتح على ثلاث جهات هي: التاريخ العراقي الموغل في القدم؛ ومعطيات الحاضر المعاصر المكوّن من تحديات مريرة والموسوم بالنضال؛ وممكنات المستقبل المفتوح على الزمن القادم، انه الوعي بذلك العمق الذي من مكتسابته: استعادة القدرة على المشاركة في صنع الحضارة الإنسانية، في حالة ذروة الوعي والاعتزاز بالهوية، أولاً وقبل كل شيء، وعلى قيم ومعايير تحترم الإنسان، وتحمي حقوقه وحرياته جميعاً. اما في حالة غياب وغيبوبة ذلك الوعي بالهوية العراقية والتمسك به، فإن العراقيين يضعفون عن المشاركة في الاداء الإنساني والابداع الحضاري.
السؤال اليوم
ما الذي يمكن فعله في ظل غيبوبة الهوية الوطنية العراقية؟ علينا، في سياق إدراك هذا النكوص واختفاء الوعي بالعراق وفي ظل تزوير وتشويه تاريخ العراق والاساءة الى مجتمع العراق والعمل على تجزئته.. علينا أن نتساءل عن كيفية رفع الكابوس التاريخي الذي جثم على إرادة العراقيين منذ قرابة خمسين سنة وخصوصا في الانتقال من هيمنة القومية العربية إلى هيمنة الوصاية الدينية، وإذا كانت القومية العربية قد خلقت شوفينية مدمرة في العراق، فإن الوصاية الدينية قد خلقت الاوبئة الطائفية والانقسامية والتي لم تزل تتواصل بثقافتها العجيبة ازاء الادارة الوطنية التي يعبر عنها من خلال الهوية والوعي. وعليه، فإن تلك الإرادة تقع اليوم ما بين هاويتين بلا قاع أو قرار: هاوية الاستلاب الاجتماعي إلى الفراغ بتفكيك النسيج العراقي واحراقه، وهاوية الهروب التاريخي إلى الماضي ومآسيه وتناقضاته.
توصيات أخيرة
لابد من إقامة التواصل الدائم مع الهوية باعتبارها «ثروة عراقية حضارية» وإدماج البعد الثقافي في العملية التجديدية للعراق وللعراقيين بأكملها، وذلك في سياق يؤكد أهمية التفاعل بين الثقافة والتجديد وترسيخ الوعي بالأهمية الجوهرية بالهوية لتحقيق استعادة وطنية عراقية بشرية مستدامة تتأسس على القيم الوطنية الثرية العراقية. ثم إضاءة قيم الحرية والعدل والمساواة والسّلام، ومبادئ حقوق الإنسان وغسل أدمغة العراقيين مما حل بها في الخمسين سنة الأخيرة والوعي بالمفاهيم والمحددات والمصطلحات والتواريخ والجغرافية العراقية.. فالهوية ليست مجرد ثقافة عادية تزرعها اناشيد مدائح ونصوص وخطب، بل انها معلومات ووعي وثقافة عميقة وتفاعل ونشاط وشراكة وقيم عليا تعمل بفاعلية، في بناء المجتمع المدني العراقي الذي يمثل ثقلا حضاريا لا بد منه، وقاعدة ضرورية، للمنطقة باجمعها، وان العراق واستراتيجيته هو المجال الحيوي للشرق الاوسط باكمله.
 

المصدر: مجلة مسارات، العدد الأول، السنة الثالثة، ربيع 2007م