|
الاثنين:
19/11/2007
التقليد والتحديث والثقافة التنموية
د. محمود
سريع
ان عدم وجود تعريف دقيق
لمفاهيم عديدة يعتبر من المشاكل الاساسية التي يعاني منها مجتمعنا وفي
مجالات متنوعة كالسياسة والاقتصاد والثقافة وإدارة الدولة. وهنا تسامح
كبير في استعمال الكثير من المفاهيم والالفاظ وعلى لسان الخواص والعوام
وبدون أن تعيّن للحدود والثغور المفهومية واللغوية والعينية لهذه الالفاظ
والمفاهيم. ان استمرار الحوارات الفكرية والمفهومية في المجتمع يعد من
الضروريات، لكن من المهم جداً أن يكون اجتماع واتفاق في الرأي بين الخاصة
والنخبة الاساسية في المجتمع حول المفاهيم الاساسية والاولية، من أجل
إيجاد حالة من الثبات والاستقرار في النظرية والعمل. فالتقليد والتحديث
والتنمية من المفاهيم التي ليس لها تعريف معين وثابت عند نخبتنا ولا في
ثقافتنا العامة، ولان قضية التنمية والانماء تعد من أهم قضايا المجتمعات
والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين فإن السعي لحل المشاكل
المفهومية والمصداقية للألفاظ السالفة الذكر سيساعد في خلق مستقبل افضل
لمجتمعنا.
سأحاول في هذا البحث أن أعرض نظرية الانسجام الداخلي. فباعتقادي ان هذه
النظرية تمتلك القاعدة العلمية في حركة المجتمع من الحالة التقليدية إلى
مجتمع حديث ومتطور ومستقر. فما هو الهدف من هذه النظرية؟ باعتقادي وكما
هو في العلوم الطبيعية فإن من الممكن كشف واستخراج اي قانون وان النظام
الكوني قد اعطى هذه الفرصة للانسان، كذلك في ما يخص المجتمعات وفي حدود
سلوكيات الجماعات البشرية يكون من الممكن الوصول إلى مجموعة من القواعد
العامة والسنن الثابتة والقوانين السلوكية والخطوط العامة التي تنظر في
مسيرة المجتمعات الإنسانية المختلفة. ويرجع هذا الأمر إلى طريقة وأسلوب (Methology)
معرفة المجتمعات الإنسانية وتراكم التجارب البشرية وأن الجدل والمناظرة
بين أصحاب المدرسة التقليدية (Tradition) وأصحاب المدرسة السلوكية ومن
بعد مع أصحاب مدرسة ما بعد السلوك.
يعدُ من هذا النوع. وبهذا الشكل، هل يتم بحث ودراسة كل فترة زمنية معينة
بشكل مستقل على أساس مميزاتها الخاصة وانه يمكن استخلاص قواعد وأسس عامة
من مجمل التاريخ البشري. الاسلوب القرآني أيضاً. وعلى شكل اعطاء قواعد
كلية (أو أصول وقواعد شرطية. وما يعبر عنه في المثولوجيا بنظريات الـ إذا
ـ IF). وفي هذا المضمار يمكن الرجوع إلى كتاب الإمام الشهيد محمد باقر
الصدر «سنن التاريخ في القرآن» فهو يبين في هذا الكتاب الأسلوب القرآني
المتكامل في معرفة المجتمعات البشرية.
وبنظرة سريعة للتاريخ نجد أن لقيام أي نظام ومن أجل تطور أي مجتمع يلزم
وجود نوعين من الحضارة، الأولى: الحضارة المادية، والثانية: الحضارة
الروحية. فالحضارة المادية تعني الوسائل والاساليب والطرق العملية. اما
الحضارة الروحية فتعني البناء الفكري القويم والهادف وكذلك تعني التأملات
وطرق المعرفة، فإذا ما أغفل أي نظام عن هاتين الحضارتين المرتبطتين مع
بعضهما فإن أبواب التقدم والازدهار ستكون موصدة بوجهه، فجميع الحضارات
وعبر التاريخ كانت تمتلك هذين العاملين. نقصد هنا بالحضارة، هو إقامة
حكومة فوية لها نفوذها وتأثيراتها خارج حدودها الجغرافية وأن تقدم نموذجاً
خاصاً بها يستمر لفترة طويلة، كما في إيران القديمة وفي الصدر الأول
للإسلام وفي الصين القديمة وفي مصر وأفريقيا وفي القرون الأخيرة في
أوروبا نجد نماذج من هذه الحضارات.
السؤال المطروح هو كيف سقطت هذه الحضارات أو كيف ظهرت علامات الانحطاط
والضعف فيها؟ جوابنا السريع والنظري، هو ان هذه الحضارات عندما وصلت إلى
درجة من التقدم والازدهار لم تستطع أن توجد انسجاماً داخلياً بين جانبيها
المادي والروحي. وعلى هذا النحو اخذت مشاكلها الداخلية والخارجية بالبروز،
وفقدت ديناميكيتها العملية والفكرية واتجهت نحو السقوط والاضمحلال
التدريجي واللاارادي. وعلى هذا الأساس، إذا أراد المجتمع أن يبني نظاماً
جديداً أو يحقق فلسفة جديدة، يجب أن يكون سعيه من خلال هذين الميدانين.
جميع الذين واكبوا التغييرات الفكرية والعملية للصحوة الإسلامية يتفقون
حول هذه المسألة، وهي أن العمل الفكري والتنظيري للثورة لا يزال نادراً
جداً. وطبيعي أن أي حضارة جديدة تحتاج إلى عمل تنظيري وفكري. فبناء أي
حضارة يحتاج لحد ما إلى تراكم وتخزين مفاهيم ومصاديق جديدة وكذلك إلى صقل
وتصحيح هذه المفاهيم والمصاديق. وبعبارة أخرى يحتاج وقت حتى يقف المجتمع
على آفاقه ونواقصه العملية والسلوكية والفكرية وهذا لا يعني عدم الحاجة
إلى تقويم الأسس منذ الخطوة الأولى. فأي حضارة بالبداية وعلى الأقل بحدود
الكليات بحاجة إلى طريقة فكرية ومشرب حتى تصقلها بمرور الأيام وتصلحها
على أساس مبدأ السعي والخطأ. بعد هذه المقدمة حول ارتقاء وسقوط الحضارات
وتأسيس النظم الاجتماعية، نصل إلى أصل الموضوع وهو التقليد والتحديث.
التنمية بين التقليد
والتحديث
ان مصطلح التقليد ليس له معنى واضح في مجتمعنا. فقد يرى البعض أن مصطلح
التقليد مرادف للحصار والتقييد والبعض يراه مرادفاً للتفكير القديم
والبالي. وآخرون يرونه بمعنى الابقاء على الحالة الموجودة، ويجده آخرون
مساوياً للقيم الثقافية والروحية، أما مصطلح التحديث فإنه أيضاً يعاني من
هذه المشاكل. فالبعض يعتبر التحديث مساوياً للنزعة الغربية والعلمانية.
وآخرون يعتبرونه الإلحاد واللادينية وقسم آخرون يرونه تطور المجتمع
صناعياً وسيادة العلم والحركة نحو التكنولوجيا.
وخلاصة القول فان تعريف هذين المصطلحين يختلف من شخص لآخر ومن مجموعة أو
مؤسسة لأخرى. وإذا لم تفتح الساحة لمثل هذه الدراسات والمناظرات ولم
تتوصل النخبة الفكرية إلى نظرية ورأي ثقافي موحد حول هذه المسألة. فأن
حالة التذبذب في التنفيذ والضياع ستبقى تلازمنا.
وفيما يخص التنمية، بإعتقادي فانها ليست كلمة أو مصطلحاً جديداً. التنمية
تعريف حديث للتكامل الإنساني فالإنسان مفطور على السير نحو التكامل وهو
دائماً في حالة سعي نح هذا المطلوب ويسعى أن يصل من الوضع الموجود إلى
الوضع الذي يتصوره وهذا السعي الإنساني نحو التكامل بدأ منذ اليوم الأول
للخليقة.
وخلال القرون الأخيرة تغيّر مفهوم التكامل إلى مفهوم التنمية والانماء.
وإذا سُئلت، ما هو المرادف الحقيقي لمفهوم التنمية الحديث. سأطرح أنا لغة
«العلم» كمرادف للتنمية. فالعامل الأساسي الذي أوجد الحضارة المادية في
الغرب هو انهم اوجدوا قالباً علمياً لمفهوم التكامل البشري القديم.
وإذا سئلنا انفسنا ما هو الأفضل والأولى في إدارة الدولة والأمور
الثقافية: التقليد أم التحديث أو ما هو الأصح التقليد أم التحديث، أو ما
هو المطلوب التقليد أم التحديث. باعتقادي فإن هذا الشكل من السؤال خطأ من
الناحية العلمية وكذلك في طريقة البحث العلمي، لأننا يجب أن ننتظر موقعنا
في أي زمان ومكان نكون.
القليل من يهتم بحركة الحضارات على مر التاريخ. التعريف الذي اقدمه عن
التنمية وفي إطار التقليد والتحديث هو ان التنمية بحد ذاتها يمكن أن تكون
عضداً أو عاملاً في ظهور حضارة معينة. وانها بحد ذاتها ليست بالظاهرة
السلبية بل انها نوع من التكامل الحديث. وإذا كانت الحضارة المادية في
الغرب لم تتمكن من الدمج بين التنمية بالمعنى العلمي والأخلاق الإنسانية
والفضيلة من جانب آخر. فهذه مشكلة الغرب نفسه.
فالتنمية بمفهومها العلمي ظاهرة جداً إيجابية. فالحضارة المادية والتنمية
في الغرب اتخذت أسلوباً أفراطياً وانتهت إلى علمانية الحكم. ولكن اين
جرّب ان التنمية وبناء حضارة علمية من باب الضرورة ستنتهي بالعلمانية؟
فهل نحن جربنا الجمع بين الأخلاق والتنمية والتعليم حتى ننفي ذلك؟
فالتنمية لا تنتهي بشكل أوتوماتيكي إلى العلمانية، والتجربة المرة التي
عانتها المجتمعات الغربية في فترة القرون الوسطى هي التي أوجدت مفهوم
العلمانية في القاموس الاجتماعي الغربي.
فإذا كان الغرب مفرطاً في السير نحو المادية وإنه حصر التنمية في الجانب
المادي من الإنسان. فهذا من اخطاء الغرب نفسه وليس من معايب التنمية بحد
ذاتها، التنمية بمعناها العلمي، هي الاستفادة من الاساليب والطرق
والالتفات إلى الدنيا والطبيعة والاستفادة منهما وهذا يعد نوعاً من
النظرة الإنسانية والتكاملية وإذا أردنا ان نتكلم عن التنمية في عالمنا
الحاضر والتي امتزجت بالعلم. يمكن لنا أن نستخدم كلمة العقل والعقل
العلمي. فباعتقادي أن العامل والعنصر المشترك بين الدين والتنمية هو «العقل».
وإذا تصورنا التقليد بمعنى الابقاء على الحالة الموجودة والفرار من العلم
والتعقل فهذا من الخطأ لان هذا التصور يناقض سنـّة التكامل الإنساني.
وإذا عرّفنا التحديث بالتنمية بمعناها العلمي فإن هذا النوع من التحديث
يعد أمراً طبيعياً وعقلياً ومنطقياً. على هذا الأساس يجب علينا أن نعين
حدود ومفهوم العقل والعلم في ثقافتنا وقاموسنا الاجتماعي. ولا يمكن نفي
كل الحضارة والثقافة المادية في الغرب. لان قسماً منها له مكانة علمية
وعقلانية والمجتمع الذي يريد أن يتحرك بقيم ألهية يستطيع أن ينتقي ما
يريده بشكل عقلي ومنطقي بالمقدار الذي يحتاجه من هذا الميدان الواسع.
لهذا فنحن نعيش في عالم لم يجمع ويدمج العقل والعلم والتنمية بمفاهيمها
العقلية والعلمية بشكل ضروري وملح مع المعنويات والاخلاق والأوامر
والنواهي. لهذا السبب اشرنا في بداية دراستنا إلى اننا في ثقافتنا نواجه
مشكلة من ناحية التعريف والنظرية وعلى الأخص من الناحية المثولوجية
وطريقة واسلوب المعرفة.
وللأسف فإننا لم نتعلم أسلوب دراسة وتحليل الحضارات والثقافات. والذي
يمكن أن نلخصه مما تقدم. ان المجتمع الذي يسير نحو انسجام داخلي هو الذي
بإمكانه أن يخطو نحو التنمية ويستطيع أن يحول اسسه العقلية إلى سلوكية
عامة. وكما ان الإنسان يكون موفقاً إذا استطاع أن يوجد ارتباطاً منطقياً
وتجانساً بين سلوكياته وأفكاره وأهدافه في إطار الفلسفة ونظرته الكونية.
فإن المجتمع أيضاً يجب أن يوجد نوعاً من الانسجام والارتباط المنطقي بين
أجزاءه وأركانه الداخلية. فإذا استطاعت شركة أو مؤسسة أو أي مجموعة
ثقافية أو رياضية أو إنتاجية أن توجد بين إجزائها انسجاماً داخلياً وان
تبين اهدافها وتسعى لتحقيقها بطريقة سميتماتيكية (منظمة) وبوسائل وطرق
معدة فان تلك المؤسسة أو الشركة وغيرها ستكون موفقة وناجحة وهذه قاعدة
طبيعية يمكن تعميمها في كل مكان وفي شتى المجالات.
ان أي حضارة تسعى إلى التكامل الإنساني يجب أن تفكر في طرق إيجاد
الانسجام الداخلي بشكل عام المنظرون في دراستهم للتنمية والعوامل
الداخلية والخارجية للإنماء يطرحون معادلة أحد جوانبها الداخل والآخر
الخارج، بمعنى ان التنمية في أي بلد إلى أي مدى تتبع العوامل الداخلية
وإلى أي مدى تتبع العوامل الخارجية. بتقديري وبشكل عام إذا أرادت الدولة
أن تخطو باتجاه التنمية يجب أن تهتم بالعوامل الداخلية أكثر، ويعتقد
البعض أن التقدم الحاصل في كوريا الجنوبية هو نتيجة لرؤوس الأموال
الأمريكية والحماية العسكرية الأمريكية والجو الإقليمي والدولي المساعد
للتنمية.
صحيح أن هذه العوامل مهمة للتنمية لكنها لم تكن أساسية في تطور ونمو
كوريا الجنوبية. فالحقيقة هي أن هناك أرضية للتطور في نفس المجتمع الكوري
وفي ثقافته. فهناك دول عديدة أمثال العربية السعودية استفادت من رؤوس
الأموال والحماية.. الأمريكية لكنها لم تصل إلى درجة التقدم الذي حصلت
عليه كوريا.
على هذا الأساس في المعادلة الداخلية الخارجية للتنمية وهكذا في معادلة
المطلوبية للشخص أو المجتمع أو النظام يجب النظر إلى الداخل.
يمكن أن يحصل الإنسان إلى أفضل الإمكانيات في مؤسسة تعليمية لكن العامل
الذاتي يبقى هو الأساس في مسيره نحو الرقي والتطور وشخصيته وحبه للعلم.
وليست الإمكانيات المتاحة هي التي تحدد شخصية الإنسان. فالجو التعليمي
يكون عاملاً تحريكياً وليس العامل الأساسي في حركته.
إذاً فالعوامل الخارجية مهمة لكنها ليست الأساس. ويمكننا أن نستفيد من
المحيط الخارجي وان ننتقي ما يفيدنا من حضارة وإمكانيات وإبداعات الآخرين
بشرط أن تكون قيمنا وخطوطنا الفكرية والثقافية والروحية واضحة المعالم في
الداخل، وأن يكون النظر للخارج على أساس ذلك الوضوح وتلك القيم والخطوط
وبشكل ثابت ومتين.
على أساس هذه النظرية، فإن ضعف المجتمع وانحطاطه يكون بسبب بناءه الداخلي
فمرض الإنسان قبل أن يكون بسبب المحيط الذي هو فيه يكون بسبب ضعفه وقلة
مناعته. وان التقليح الثقافي (Cultural Vaccination) والداخلي يوصى لهذا
السبب يعني لزيادة القدرة الداخلية وتهيئة الداخل لمواجهة أي هجوم خارجي.
نصل إلى هذه النتيجة هو أن الداخل أهم من الخارج سواء في التنمية أو
التخلف أو في التطور والانحطاط. هذه القضية مبينة في «معين الانسجام
الداخلي» وفي ثلاثة مجالات هي: السياسة، الاقتصاد، والثقافة (راجع الشكل
الأول):
الاساليب والاستفادات

فلسفة الحياة
النظام التربوي
الشرعية
الشكل الأول: «معين
الانسجام الداخلي»
نظرية الانسجام الداخلي
ان «معين الانسجام الداخلي» في الشكل الأول يوضح لنا جيداً (الالتفات نحو
الداخل والقوى الداخلية). ومن أجل الحصول على الانسجام الداخلي هناك
أربعة عوامل مهمة، يعني انه يجب أن نعمل تفكيرنا ونجهد أنفسنا ونبدع
وننظر في أربعة مجالات وان نخطط ونتحرك في أربعة ميادين وفي آن واحد.
اعتمدت في هذا البحث بشكل أساسي على التجارب البشرية. وهذه النظرية هي
محصلة لمشاهد مصاديق كثيرة ومتنوعة غربية وغير غربية والاستفادة من
الأسلوب الاستقرائي للحصول على قاعدة عامة.
الميادين الأربعة هي عبارة عن:
1. ميدان الشرعية.
2. ميدان فلسفة الحياة.
3. ميدان النظام التربوي.
4. ميدان الأساليب والاستفادات.
باعتقادي إذا جرى التفكير والتخطيط في إطار هذه الميادين الأربعة وتوصل
العلماء والنخبة الاجتماعية إلى مفاهيم موحدة. فإن المجتمع يخطو نحو
«الانسجام الداخلي» وتقليل الصدمات والى حالة من التلقيح الدائم. وأول
ميادين العمل والتحرك هو ميدان الشرعية، فمشروع التنمية هو قرار. لكن من
يملك هذه القرار، هل هو أي شخص، أية مجموعة، أو مؤسسة أو مركز ثقل؟ بدون
أدنى شك فإن هذا القرار هو من صلاحيات الحاكم أو نخبة المجتمع. فإذا أراد
المجتمع أن يخطو باتجاه التنمية يجب أن يسعى لكسب الشرعية وأن يسعى
لتقريب وتوحيد مصالح النخبة مع سائر الشعب.
ويجب أن تلتقي القيم التي تؤمن بها مع قيم الشعب. فالتنمية تحتاج إلى
أشخاص منفذين ومن مسؤولية الحكام هو تبين حدود وظائف ومواقع المنفذين.
خلال القرون الأخيرة، حصلت التنمية في دول قوية كانت صاحبة نظام منسجم.
ومن أهم القضايا في باب الشرعية هو قضية السعي والخطأ. يعني أن المجتمع
يجب أن تكون له قابلية الإصلاح والتغيير والصقل ومع أهمية تقديس الماضي
إلا أنه يجب أن لا يغفل عن المستقبل. فالمجتمع أما أن يكون قد حسم قضية
الشرعية أو أنه يسير باتجاه حسمها بخطوات ثابتة. ففي أي مكان تجد فيه
نوعاً من التنمية أو مظهراً من مظاهر الحضارة تكون مشكلة العلاقة بين
الشعب والحاكم قد حلت من قبل أو أنها في طريقها للحل. وعلى هذا الأساس
تجد الشرعية في أسفل «معين الانسجام الداخلي» لان ثقل الأطراف يقع على
عاتقها وان الأطراف الأخرى تأخذ روحها وتركها من الشرعية.
بعد الشرعية هناك مشتقان آخران يكونان في الطرفين الأعلى من الشرعية.
الأول: فلسفة الحياة. والثاني: النظام التربوي.
المجتمع الذي يريد أن يصل إلى التنمية العلمية والانسجام الداخلي يجب أن
يعطى تعريفاً ومفهوماً محدوداً عن الحياة. لا شكل شعارات ومهاترات وانما
شكل علمي وعملي واضح. ان التيه وعدم الوضوح من ناحية الأسلوب المتبع ومن
الناحية العملية يظهر جلياً في الدول المتخلفة. لهذا فان تجديد المسار
الفكري والعملي للمجتمع الذي ينوي الوصول للتنمية يجب أن يكون واضحاً.
فالتنمية تحتاج إلى فلسفة حياة عملية خاصة بها والنظرية العلمية للأمور
هي أساس التنمية.
ومن مشتقات هذه النظرة، قابلية الإصلاح والتعامل الإصلاحي مع القضايا
والتي تجد معناها هنا.
فعندما نطالع تاريخ أمريكا، نجد أن هذه الدولة لها فلسفتها الخاصة منذ
نشوءها وإلى يومنا. وقنوات التنمية محددة منذ البدأ ولحد الآن. بمعنى أن
هناك استمراراً فكرياً وثقافياً من البدأ حتى الآن وقد أدى هذا الأمر إلى
حالة من الانسجام الداخلي.
وفي هذا الإطار يكون السعي والخطأ واجداً لمعناه الحقيقي وان النظام يصحح
نفسه ويتقدم للأمام في إطار الأسس التي يؤمن بها. فأنا لا أبحث هنا حول
الجيد والرديء، لكني أشير إلى وضوح الأفكار في المسيرة التكاملية للمجتمع
والحصول على «نتيجة موفقة» ضمن ذلك الإطار الفكري.
التنمية تحتاج إلى أن تحدد مكانة العلم في النظام الداخلي. ومن أجل أن
يصل المجتمع إلى المعنى الحديث للتنمية وبتقدم إلى الأمام يجب أن يوضح
مكانة العلم في فلسفته الحياتية.
الميدان والمجال الثالث، هو النظام التربوي. أن تحول بذرة صغيرة إلى شجرة
كبيرة وقوية تحتاج إلى ماء، سماء، ضوء وعناية ومراقبة وإذا لم تحصل هذه
المراقبة والعناية يجب أن لا يتصور الشخص أن تنمو وتثمر هذه البذرة. هكذا
التنمية بمعناها الحديث فإنها تحتاج إلى نظام تربوي. بمعنى أن يربى جميع
الأفراد في جو يساعد ويخلق التنمية.
ففي ظل التعليم يتغير الإنسان وفي إطار الثقافة والفلسفة الحياتية التي
يؤمن بها يحصل على القدرة الروحية بشكلها الفردي والاجتماعي ومن هنا يبرز
مفهوم أساسي آخر هو «الهوية الوطنية» فعلى أساس النظام التربوي يأخذ
النظام حالة تأسيسية في المجتمع ويتحرك الجميع نحو التنمية.
المجتمع الذي يسعى للوصول إلى التنمية يهتم كثيراً بالتفكير الاستقرائي،
يعني أن يتعلم الناس من خلال النظام التربوي الطريقة الانفتاحية والعملية
في التعامل مع القضايا. فإذا تعامل المجتمع مع مشاكله بطريقة كلاسيكية
ومحصورة. فهذا يعني سد باب الإبداع ومن ثم تكون حركته التكاملية بطيئة
جداً. فالمجتمع العلمي يجب أن يهتم بالاستقراء. ولا نقصد أن المجتمع يحدد
تفكيره بالاستقراء لأنه غير ممكن. لكنه إلى جانب القياس، يجعل من
الاستقراء الأساس في الحركة نحو التنمية العلمية ومن أهم الأمور التي
يشملها النظام التربوي ويعلمها للمجتمع الذي يريد الوصول للتنمية هو
فلسفة وأسس العمل الجماعي. يجب أن يتعلم الأشخاص كيف يقربوا أفكارهم
وتصوراتهم وأساليبهم من البعض الآخر وأن لا يحبسوا أنفسهم في قالب
التصورات الفردية.
الشكل الثاني: مشتقات الميادين الأربعة في دراسة الانسجام الداخلي
|
التنمية بمعنى
الانسجام الداخلي |
الشرعية
فلسفة الحياة
النظام التربوي
الأساليب والاستفادات
تشكيل هيئة حاكمة بدل الحاكم
الفردية الإيجابية
الفكر الاستقرائي
النظرة الدولية
تنظيم الهيئة الحاكمة
تأسيس المطلوبية والعملية
الاهتمام بالنظام
أبعاد السياسة من برنامج
توحيد مصالح الطبقة الحاكمة على أساس
النظرة المستقبلية
التفكير المنظم
اتخاذ القرار
برنامج مبني على السعي والخطأ
الاهتمام بالعلم والتدقيق والمراقبة
الثقافة الاقتصادية
إيجاد المؤسسات
تعلم العمل الجماعي
الاجتماعية التحزب السياسي
نظام قانوني
تنويع مصادر الدخل القومي
وقوي ومنسجم
التطور التنمية الاقتصادية
فحركة المجتمع من الحالة الموجودة إلى الحالة الأفضل هي عملية جماعية
وليست مجموعة من الأعمال الفردية. ففي المجتمع الذي يسعى للتنمية، يكون
الاتجاه العام نحو القضايا علمياً لا مزاجياً ومن جملة هذه القضايا،
إيجاد نظام قانوني وثقافة اقتصادية قوية.
كيف يوجد المجتمع نظاماً قانونياً قوياً؟ الجواب: عن طريق التربية
والتعليم وبتجربة نفوس وشخصية الأفراد. فالمجتمع بحاجة إلى برنامج
وتربية.
ولأجل الحصول على الانسجام الداخلي يجب أن يصرف جهداً كبيراً على تربية
الأشخاص ويجب أن يتحول الإنسان إلى قيمة بحد ذاته وتكون تربيته أساساً
للتنمية.
فليس اعتباطا أن تكون تربية الإنسان من أهم المسائل في دول مثل اليابان
وان الأشخاص الذين يعملون في السلك التربوي والتعليمي يقابلون باحترام
وتقدير فائق ومكانة اجتماعية عالية. فهؤلاء المعلمون في الحقيقة هم الذين
يهيئون أساس وأرضية التنمية في المجتمع. فرأس مال المجتمع لا ينحصر
بموارده الطبيعية والتكنولوجية والمصادر المالية وإنما أثمن رأس مال
للمجتمع هو اشخاصه المتحضرين والمتعلمين وأصحاب الهوية القومية. وعلى
مرّالتاريخ أين ما وجدت حضارة مادية روحية تجد أن الدولة تبني برامجها
ومؤسساتها على أساس تنشئة الأفراد وخلق الإنسان وفي جميع المجالات
العسكرية والاجتماعية والثقافية والتربوية.
وبهذا توجد نظاماً اجتماعياً. وبشكل عام فإن مجتمعات الدول المتخلفة
تجدها متعددة الثقافات ومفككة من الداخل. وان إيجاد وتكوّن ثقافة مشتركة
يحتاج إلى سنين من العمل التربوي والتعليمي المنظم والمبرمج. صحيح ان
الاستعمار خلال القرون الأخيرة استثمر خيرات البلدان النامية بالقوة. لكن
إذا كانت هذه الدول تمتلك الانسجام الداخلي والوحدة الثقافية لم تستعمر
وتستثمر بهذا الشكل وإلى هذا المستوى ولم يستطع الأجانب النفوذ إلى
ثقافتها وسياستها واقتصادها.
الإنسان الذي أخذ شكلاً معيناً من الثقافة ويمتلك ثباتاً روحياً وفكرياً
لا تؤثر عليه الأشكال الأخرى وحتى أنه في الحالات العادية يزيد من قدرة
تشكيلية.
الميدان الرابع في دراسة التنمية والانسجام الداخلي، الأساليب والوسائل
بمعنى أنه بعد أن تحل مسألة الشرعية وتوضح قضية فلسفة الحياة وتقدس
النظام التربوي التعليمي. فإننا بحاجة إلى أساليب وطرق لكي نحصل على
التنمية المادية. وواحدة من مشتقات هذا البحث هو أن نمتلك نظرة دولية.
فالمجتمع الذي يسعى للتنمية يجب أن يمتلك نظرة دولية وذلك بسبب
الارتباطات الواسعة والمعقدة في النظام الدولي، بدليل الحاجة المتقابلة
للدول، بالإضافة إلى أن الحدود في الوقت الحاضر فقدت الكثير من مميزاتها.
وموجات التأثير أصبحت تعبر الحدود بسهولة. فالمجتمع يجب أن يتحرك باتجاه
المؤسسات الاجتماعية الثابتة والأساسية وأن يبتعد عن حالات التذبذب.
فحالة عدم الاستقرار في إدارة المجتمع، تعتبر حالة مضادة للتنمية.
والاستقرار في المؤسسات الاجتماعية يهيء الأرضية لتراكم ثمار التنمية.
وإذا ما أديرت الدولة على أساس المذاقات الفردية وفقدت الأسس العينية
والقيمية والعلمية. عند ذاك يجب أن نفقد الأمل في الوصول إلى التنمية
أيضاً.
كيف يمكن الوقوف بوجه الأعمال الفردية؟
الجواب هو، بطرح الأفكار في إطار المؤسسات. فأن المجتمع الذي يسعى
للتنمية بحاجة ماسة إلى مؤسسات ثابتة ومستقرة حتى تتحول القضايا الفردية
والتصورات الشخصية إلى حالة وفكرة عامة وبهذا تحقق النظرة المستقبلية
والحضارة المادية والروحية.
من المشتقات الأخرى لميدان الأساليب والوسائل هو أبعاد السياسة من
ميكانيكية اتخاذ القرار ففي كثير من الدول النامية وحتى الدول الأقل
صناعية مثل إيطاليا وإسبانيا فإن برنامج اتخاذ القرار يقع بشكل كبير تحت
تأثير السياسة. ولا يتعامل مع القضايا بشكل عقلي ومنطقي وإنما الجو الذي
يصنع فيه القرار يكون سياسياً جداً.
في بلداننا الإسلامية نحن يتم اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة وهذا الأمر
من القواعد الثابتة في تاريخنا. في حين ان الانسجام الداخلي والتنمية
توجب أن يتم البحث دائماً عن المشاكل وتعيين البدائل اللازمة بعد دراسة
وتدقيق يتم اختيار أفضل الطرق. الكثيرون منا لا يراجعون الطبيب حتى يشتد
به الألم وان إجراء الفحوصات والكشف الطبي بشكل منظم يعد أمراً غير منطقي
حتى للذين لا يعانون من المشاكل المالية. فعملية «البحث عن المشاكل» لأجل
حلـّها لم يأخذ مكانه في ثقافتنا ولا يعتبر من أجزاء صناعة القرار سواء
على المستوى الفردي أو العائلي أو الاجتماعي ولا يزال مجتمعنا لا يعير
أهمية للعمل على الوقاية من المشاكل والكوارث بالبرمجة الصحيحة قبل
الابتلاء بها.
الموضوع الآخر هو التكتل والمؤسسات؛ يجب أن يهيأ المجتمع الأرضية لظهور
المؤسسات الفكرية والسياسية حتى يتم انتقال السلطة بالشكل الصحيح ويتم
تنقية الجو السياسي بهذه الطريقة السليمة. هذا الموضوع لا يعد موضوعاً
سياسياً صرفاً وإنما يعد خطوة على طريق إيجاد ثقافة متينة، لان المجتمع
سوف ينمو ويعالج مشاكله الداخلية بطرق سلمية وصحيحة وهكذا يعرف طريق
تكامله وتركيز هويته ويؤمن بضرورة تقوية ثقافته القومية.
فالمجتمع الذي لا يملك مؤسسات سياسية واجتماعية وثقافية سالمة وثابتة
بمعنى أنه لا يمتلك الثبات والقدرة الحقيقية وإنه لا يسير نحو التكامل
الثقافي والفكري.
التكتل والتحزب بموجب ثقافة سياسية متينة يهيء الأرضية إلى الانسجام
والاتحاد داخل المجتمع. إذن فالتحزب يعتبر من طرق وأساليب تقوية الانسجام
الداخلي في المجتمع.
باعتقادي إذا قام المجتمع بالتخطيط والعمل ضمن إطار هذه الميادين الأربعة
فإنه وعلى أساس القواعد المجربة والثابتة تاريخياً يسير نحو إيجاد حضارة
وانسجام ووحدة داخلية.
هنا نستطيع أن نطرح سؤالنا، إذا أراد الإنسان أن يصبح ذا شخصية فماذا
عليه أن يعمل؟ أي المراحل التربوية والتعليمية يجتاز؟ وأي أفكار يجب أن
يقوم بصقلها؟ الجواب هو يجب أن يتجه نحو الذات فإذا لم يبنى ويستحكم
الداخل فإن الخارج والظاهر لا يكون مظهراً لشخصية الإنسان ويمكن بحث
موضوع التقليد والتحديث من هذا الباب أيضاً. على مدى البحث.كان أساس
المعرفة أسلوب التحقيق هو القواعد الثابتة للتاريخ إذ يجب اختيار العقل
بين التقليد والتحديث والتوجيه نحو العلم لاستخراج الهوية و الشخصية
القومية.
فنظرية الانسجام الداخلي تمتلك هذه العوامل ويعتبر هذا قانوناً عاماً في
تاريخ الحضارات. لهذا فمكان وزمان التقليد والتحديث ليس مهماً وإنما
المهم هو تهيئة إطار توجد وتؤسس ضمنه العلاقة بين القضايا «العينية»
والعملية» بين الدين والعلم والهوية القوية والشخصية الداخلية وإن تصلح
وتصحح بمرور الأيام.
وإلى أن تتغير فيه القضايا الذهنية إلى مصاديق عملية فيما يخص هذه
العوامل الأساسية في إيجاد الحضارات. سيبقى المجتمع متعرضاً للهزات
والنكسات.
وفي هذا الوقت الذي تعاني فيه الحضارة الغربية وغيرها من الثقافات من
أزمات أخلاقية وروحية فإننا نمتلك فرصة ثمينة لكي نعطي للعالم مثالاً عن
حضارة تمتلك البعدين الأساسيين للتكامل البشري يعني البعد المادي والبعد
الروحي والمعنوي.
المصدر: مجلة الفكر الجديد، العدد التاسع.
|