الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت: 17/11/2007

لعبة الأرقام
The Numbers Game
خرافات وحقائق وأنصاف حقائق حول النمو السكاني البشري والبيئة

جيم موتاوالي
ترجمة: معين رومية

ثمة حقل ألغام في الحركة البيئية الأمريكية واسمه عدد السكان، ولأن الخوض في هذا الحقل خطر جداً، فإن كثيراً من المجموعات البيئية والزعماء توقفوا عن محاولة عبوره. ولكن، سيكون إنكاراً للواقع تجاهل عدد السكان كقضية مركزية في الوقت الذي نتحدث فيه بحرية عن التوسع العمراني العشوائي، وتلوث الماء والهواء، وخسارة التنوع الحيوي والأراضي الزراعية ومواطن الحيوانات،وعن الاحترار العالمي والكثير من القضايا البيئية الحاسمة الأخرى.
إن عدد السكان ـ والهجرة خصوصاً ـ ليسا من الموضوعات السهلة أبداً، ففي الولايات المتحدة على الأقل، يعادل النمو السكاني تقريباً الهجرة، فإذا أسقطنا أعداد المهاجرين بعد العام 1990م، فإن عدد سكان الولايات المتحدة سيكون بحدود 310 ملايين في العام 2050م، أما مع معدلات الهجرة الحالية، فيقول مكتب الإحصاء الرسمي إنه قد يصل إلى 438 مليوناً، ويمكن أن يتضاعف عدد السكان بحلول العام 2100، ويعزى ثلثا ذلك النمو إلى الهجرة.
هذه بعض عواقب نمونا السريع: فمع نمو عدد سكان الولايات المتحدة الذي يبلغ ثلاثة ملايين سنوياً، نفقد فدانين من الأراضي الزراعية كل دقيقة، وفقاً لما يقوله اتحاد الأراضي الزراعية الأمريكي. ويكلف الاكتظاظ المروري السائقين 78 مليار دولار كل عام، كما يقول مشروع المعلومات الطرقية. ويتفاهم نقص خطير في المياه في طول البلاد وعرضها، علما أن المخزونات المائية، التي اعتبرت يوما لا تنضب قد تجف، ويحاجج لو دوبس، الكاتب الصحفي النقابي، بأن النمو السكاني الذي تسببه الهجرة يلقى «عبئا ثقيلاً» على مواردنا الطبيعية الوفيرة، وأن الولايات المتحدة لن تصدر الغذاء أبدا بحلول عام 2025م إذا استمر المعدل الحالي للنمو السكاني.
يغذي بعض هذه المشكلات بعضها الآخر،فالنمو السكاني يؤدي إلى زيادة إنتاج الولايات المتحدة من غاز الدفيئة، وهذا بدوره يجعل الأزمات الموجودة أكثر حدة. فعلى سبيل المثال، تشير إحدى الدراسات إلى أن معظم الولايات الغربية الأمريكية ـ التي تواجه حاليا تحديا مائيا ـ ربما تعاني هبوطا يتراوح بين 40% إلى 76% في مستويات الهطول المطري بسبب تغيير المناخ.
تتراءى تجربة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. فمن 6.3 بليون إنسان على كوكب الأرض اليوم، تتوقع الأمم المتحدة أن يصل الرقم إلى 8.9 بيلون في العام 2050. وهذا (مجرد الوسط لثلاثة احتمالات، فالحد الأقصى لعدد السكان قد يصل إلى 10.6 بليون، بينما الحد الأدنى قد يصل إلى 7.4 بليون). وإذ بقيت معدلات الخصوبة ثابتة ـ وهذا ليس مرجحا) فإن الأمم المتحدة تتوقع أن عدد سكان العالم قد يتضاعف فعليا بحلول عام 2050م، ليصل إلى 12.8 بليون.
نحن في حاجة إلى فهم جديد لآثار النمو السكاني لأن الكثير مما اعتبر معرفة مقبولة في هذا الموضوع هو إما خاطئ أو صحيح جزئيا وحسب. ففي كثير من الحالات، تنشأ هذه الأفكار الشائعة كنتيجة للنفعية السياسية ـ إنها ما نريد تصديقه ـ لذا من الضروري جدا أن نخضعها لإعادة نظر موضوعية، وها هنا نظرة على بعض الخرافات وأنصاف الحقائق والحقائق وما يتخللها:
خرافة
«إن عدد سكان العالم، وبغض النظر عن كونه مشكلة، يتقلص فعليا بسبب «قلة الولادات» على الصعيد العالمي».
ثمة بالفعل ميل طفيف نحو الانخفاض في عدد السكان، وهو يتنامى في أوروبا الغربية وروسيا واليابان (انظر «قلة الولادات»، أيلول / أكتوبر 2003م). ففي إيرلندا، على سبيل المثال، متوسط عدد الأطفال لكل أسرة في هذه الأيام هو 1.8، وهذا أخفض قليلا من مستوى الإحلال. والأزواج في إيطاليا وألمانيا وأسبانيا لديهم 1.2 إلى 1.3 طفل لكل زوج. ويبلغ معدل الخصوبة الوسطى 1.45 في أوروبا، وفي روسيا واليابان 1.3.
لكن، وببساطة، ليس من الصحيح أن «المشكلة اليوم ليست تزايد عدد السكان، بل تناقصه»، كما يكتب مركز إصلاح الأخلاق الحيوية المحافظ. والسبب الذي يجعل «قلة الولادات» وحدها لا تؤدي إلى أعداد أقل هو التزايد السكاني السريع في بلدان العالم الأقل تطورا، إذ ينمو عدد السكان في أغلب المناطق المصنعة جدا في العالم بمعدل سنوي 0.25%، كما تشير تقارير الأمم المتحدة، بالمقارنة مع معدل 1.46% ـ أي أسرع ست مرات ـ في البلدان الأقل تطورا.
فنحن نضيف حاليا إلى الكرة الأرضية 77 مليوناً من البشر سنوياً، يأتي 21% من هذه الزيادة من الهند، و12% من الصين و 5% من الباكستان. وتساهم ثلاثة بلدان بنسبة أربعة في المائة من النمو السكاني في العالم سنوياً، وهذه البلدان هي بنغلاديش، نيجيريا، ويا للدهشة، الولايات المتحدة، ونصف الزيادة المتوقعة سوف تحدث في ثمانية بلدان فقط، سبعة منها في أفريقيا وآسيا. ينمو عدد السكان في الولايات المتحدة بسرعة على الرغم من أن 2.05 كمعدل خصوبة في العام 2002م كان قريبا من معدل النمو صفر، وذلك عائد لضغط المهاجرين وسلالاتهم (الذين يميلون لتكوين أسر كبيرة العدد، وفقا لما يقوله مكتب الإحصاء الرسمي)، ولهذا والسبب فإن عدد سكان الولايات المتحدة ينمو بالسرعة التي نجدها في بلدان العالم الثالث الأكثر اكتظاظا.
والاتجاه الأساسي هو أن عدد السكان في 30 من البلدان المتطورة (باستثناء الولايات المتحدة) من المرجح ألا ينمو كثيرا بحلول العام 2050م، أما في الولايات المتحدة والعالم الثالث فإنه سيتصاعد بثبات ليصل إلى 7.7 بليون أو أكثر.
نصف حقيقة
«إن التوسع العمراني العشوائي والنقص السريع في المساحات المفتوحة ناجم عن سياسيات التنمية السيئة وحبنا للسيارات».
من الواضح أن السيارة متهم رئيسي في ظاهرة التوسع العمراني العشوائي. ففي أمريكا الآن من السيارات أكثر مما فيها من السائقين، وصناعة الآليات (بالتشاور الوثيق مع الجماعات المستفيدة من الطرق السريعة) تؤثر، بل وتتحكم، بسياسة التنمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والأذونات الرخيصة لرهن العقارات في إعلان GI Bill(1) جعلت نشوء الضواحي ممكنا، وكان كل مسح جديد للأراضي يطالب بمساحات مفتوحة.
وقد تصاعدت الفورة المفاجئة للضواحي أيضاً نتيجة الاكتظاظ المديني في الستينيات الذي أدى إلى إفراغ مراكز المدن، لكن النمو السكاني، العادي البسيط، هو الذي يتم تجاهله عندما يناقش «التوسع العمراني العشوائي».
في العام 1950م كان عدد سكان الولايات المتحدة 150 مليونا، وآنذاك كانت الضواحي جديدة. وبحلول العام 2000م، أي بعد خمسين سنة فحسب، أصبح العدد 275 مليونا. ففي كل عام، كما تقول منظمة التوازن البيئي السكاني PEB، نقوم بتحويل مساحة بحجم ديلاوير نحو الاستخدام البشري. بما في ذلك 400 ألف فدان من الأراضي الصالحة للزراعة.
ونحن نستطيع، ويجب، أن نأخذ بجدية مسائل «النمو الذكي»، و«الأحزمة الخضراء»، و«التمدين الجديد»، وأن نعيد تطوير «تخطيط استخدام الأراضي» و«الاستيعاب». ولكننا لا نستطيع حل مشكلة التوسع العمراني العشوائي بمجرد أن ننقل الناس إلى مدن عالية الكثافة، حتى إلى مراكز مدينية مدارة بذكاء مثل بورتلاند وأوريغون، إذ تظهر دراسات «الأثر البيئي» أن المدن تستخدم موارد طبيعية وقدرة تخلص من النفايات لمساحة تفوق عددا كبيرا من المرات حجمها في المحيط الريفي، ولهذا السبب أصبحت «أبراج القمامة» في نيويورك شهيرة.
فالهجرة تزيد من التوسع العمراني العشوائي لأنها المساهم الرئيسي في نمو عدد السكان: وقد خلصت دراسة أجرتها مؤسسة كاليفورنيا للاستقرار السكاني CAPS إلى أن الهجرة كانت مسؤولة على نحو مباشر وغير مباشر عن 98% من ارتفاع عدد السكان في كاليفورنيا. والفهم الشائع يقول إن الهجرة لا تفاقم التوسع العمراني العشوائي لأن المهاجرين في البلد اليوم يعيشون في الضواحي، و 24% فقط من الأعمال التجارية للمهاجرين تتوضع في مراكز المدن.
وعلى الرغم من أن بعض مدن «الطوق» الصناعي السابقة قد اتسعت حتى مع فقده للسكان، فإن القاعدة العامة تقول إن التوسع العمراني العشوائي يترافق مع النمو السكاني. وتبعاً لتقرير «التحايل على النمو الذكي» الذي أصدره مركز دراسات الهجرة، ففي المتوسط، الولايات التي نما عدد سكانها أكثر من 30% بين عامي 1982م و1997م توسعت عشوائياً بنسبة 46% والولايات التي نمت بحدود 10% أو أقل توسعت عشوائياً بنسبة 26% فقط، وعندما تضيف 10 آلاف شخص إلى سكان ولاية، ستفقد، في المتوسط، 1600 فدان من الأراضي لحساب التنمية.
صحيح وخاطئ في الوقت نفسه
«ليست المشكلة في عدد السكان، بل في معدلات الاستهلاك والنفايات العالية في الغرب».
من المؤكد أنه ثمة قاعدة صلبة جدا تستند إليها هذه الحجة. فوفقا لبرنامج Affluenza التلفزيوني الوثائقي، «على الرغم من أن مواطني الولايات المتحدة يشكلون خمسة في المائة فقط من عدد سكان العالم، فإننا استخدمنا في العام 1996م ما يقرب من ثلث موارده وأنتجنا تقريبا نصف نفاياته الخطرة، إذ يستهلك الفرد الأمريكي المتوسط خمسة مرات زيادة على ما يستهلكه المكسيكي المتوسط، و10 مرات زيادة على الصيني المتوسط و 30 مرة زيادة على الفرد المتوسط في الهند»، فمن الواضح أن تخفيض معدلات استهلاكنا العالية جداً سيكون ذا عون كبير.
ولا ريب في أن معدلات الاستهلاك العالية والنمو السكاني السريع يعملان سوية على تدهور البيئة، وكلاهما يتطلب الانكباب على دراسته عالمياً. ولكن، لسوء الحظ، إن تخفيض الاستهلاك صعب المنال على الصعيد الوطني، فالزخم العالمي يتجه صوب محاكاة مستويات الاستهلاك الأمريكية العالمية وليس صوب نموذج العالم الثالث في اقتصاد النفقات. وكما يشير وليام رايرسون في كتابه «16 أسطورة حول النمو السكاني» الذي نشرته شبكة قدرة التحميل، فإن البلدان النامية تريد السيارات وأجهزة التلفزيون وعلامات الرخاء الاقتصادي الغربي الأخرى. فالصين، التي توسع بسرعة شبكة طرقها العالية وتشجع تملك السيارة الخاصة، من المحتمل أن تتخطى الولايات المتحدة في إصدار غاز الاحترار العالمي بحلول العام 2015.
عقيدة جامدة
«إن الجهود في سبيل تخفيض الخصوبة وحجم السكان في العالم الثالث هي ضد المرأة»
من المحتل أن تكون بيتسي هارتمان أبرز الناطقين باسم وجهة النظر هذه، وهي مديرة برنامج التنمية والسكان في كلية هامبشاير، والمؤسسة المشاركة للجنة المرأة والسكان والبيئة (CWPE). إن مذهب الاستقرار السكاني (والذي تسميه «المالتوسية الجديدة») قوي في الولايات المتحدة لأنه يرجع صدى العنصرية العائلية والتفرقة الجنسية. هذا ما كتبته في العام 1999.
«وثمة صورتان، الأولى للمرأة الوحيدة الملونة غير الولود والثرية، والثانية للمرأة من العالم الثالث عارية الصدر وحامل دوماً. والصورتان وجهان لعملة رديئة واحدة. وكما يعتقد فإن المجموعتين مؤشران ممتازان على الهندسة الاجتماعية. فلتحقنوهن بموانع الحمل(2) ولتحكموا صماماتهن، ثم لترسلوهن الى العمل في سلاسل الوجبات السريعة او في المشاغل، ولتمنحوهن بطاقة اعتماد صغيرة وتعليماً، هذا إذا كنتم تشعرون بالسخاء»
وتقول هارتمان في رسالة الى مجلة E: «من المستحيل واقعياً فصل النقاش حول الهجرة عن العنصرية» ومجموعتها CWPE«تنبذ فكرة أن حجم السكان ونموه هما المسؤولان في المقام الأول عن التدهور البيئي. فقد ابتدع هذه الفكرة وأشاعها ذلك الحلف بين الوسائط الإعلامية السائدة والمنظمات البيئية والمدافعين عن التحكم بعدد السكان، خصوصاً في الولايات المتحدة».
وعندما سألتها مجلة New Statesman كيف توفق بين خياراتها المسبقة التي تتضمن نظراتها المعارضة للتحكم في السكان، تجيب هارتمان: «يصعب على كثير من الناس تصديق هذا الأمر. لكن بالنسبة لي، إن تنظيم الأسرة يتعلق بحقوق الانسان وصحة النساء ـ وليس بالتحكم بالسكان. إنه حول تحرير النساء ليكون لهن العدد الذي يرغبن به من الاطفال، وليس لومهن في شأن مجموعة كاملة من المشكلات»، وهي تعتقد أن «تنظيم الاسرة ينبغي فصله عن التحكم بالسكان»، وأن هدفه الأصلي ينبغي أن يكون «تلبية حاجات النساء أولاً».
في الوقت الذي تملك فيه الصين سياسة إجبارية تقيد قانونياً عدد الولادات وتواجه تحديات في حقوق الانسان، فان هارتمان تمضي الى أبعد من ذلك وتستخلص أنه حتى البرامج الطوعية مجحفة بحق النساء. لكن ثمة دلائل جديرة بالاعتبار تقول إن النساء (واطفالهن) هم أول ضحايا التزايد السكاني، وعندما تسأل عن ذلك، تستنجد بمساعدات تنظيم الاسرة. وتبعاً لباتريك بيرنز من جمعية أوديبون الوطنية فقد «بدأت النساء حركة تنظيم الاسرة، وتزعمن هذه الحركة، ما أنهن يشترين معظم موانع الحمل في العالم ككل. لماذا؟ لأن النساء يرغبن التحكم بحياتهن وفي تحديد عدد أطفالهن وتوقيت ولاداتهن والمدد الزمنية فيما بينهن». ويضيف وليم رايرسون من مركز الوسائط الإعلامية السكانية «تميل النساء اللواتي يعشن في مجتمعات حيث يمتلكن السلطة على حياتهن الخاصة، الى الانتفاع بتنظيم الاسرة بشكل أكثر تواترا من البلدان حيث لا يمتلكن تلك السلطة نسبياً».
وعلى الرغم من أن هارتمان ولجنة CWPE يدعمان «حق النساء في التحكم بولادة طوعية آمنة وفي الاجهاض، الا انهما يعارضان بقوة سياسات السكان الموجهة ديموغرافياً. وبكلمات اخرى، انهما يفضلان جعل موانع الحمل متاحة على نطاق واسع، لكنهما ضد ربطها بأية خطة وطنية منصبة على النمو السكاني». وليس البرنامج الاجباري في الصين وحسب ما يشجبانه، بل ونظراً لأن هدفه المعلن هو تخفيض حجم السكان، فهما يشجبان أيضاً الجهد الجذري الإيراني الجديد بالثناء في سبيل جعل التحكم بالولادة متاحاً على نطاق واسع، وهو الذي خفض معدل الولادة الى النصف. (تشجع هذه السياسة النساء على الانتظار ثلاث الى أربع سنوات بين حمل وآخر، ولا تشجع الانجاب للنساء الأصغر من سن 18 او الأكبر من سن 35، وتشجع تقييد عدد الاطفال بثلاثة، ويبدو بالضبط أن هذه سياسة «موجهة ديموغرافياً»).
وتهاجم هارتمان بشكل فعال ما تعتبره مؤامرة شائنة تعزز المعايير المضادة للهجرة والمضادة للنمو السكاني في الولايات المتحدة («تخضير الكراهية»، كما تدعوه)، لكن في الواقع تتعامل الوسائط الإعلامية مع الموضوع بحذر شديد، اذا حدث ذلك على أية حال. وتقدم الناشطة في مجال السكان فرجينياً إيبرنيشي، وهي عضو مجلس PEB والاستاذة في جامعة فانديربلت، الرد التالي، «في مقابلة مع مجلةNEW Scientist (فبراير 2003) تهاجم بيتسي هارتمان الكثير من العلماء البارزين بلا سبب معقول.. ولذلك ربما علينا الشعور بالفخر».
نصف حقيقة
«سوف يسهم التعليم على نحو كبير في تخفيض معدلات الخصوبة»
يؤدي التعليم عادة الى أسر صغيرة، لكن ثمة استثناءات. فقد أنجزت تنزانيا محو الأمية بنسبة 90% بحلول أوائل التسعينيات، لكن معدل الأطفال لدى الآباء في العام 2002 كان 503، أي أكثر من ضعفي معدل الإحلال. وفي دراسة أجراها تشارلز ويستوف من مكتب بحوث السكان في جامعة برنستون، وجد أن ثمة علاقة قوية بين التعليم وحجم الاسرة في بعض البلدان، وارتباط «ضعيف او معدوم» في بلدان اخرى.
وقد وضعت دراسات أجريت لصالح مسوح الصحة والديموغرافيا في التسعينيات أن نصف النساء اللواتي يوصفن بأنه لديهن «احتياج» لموانع الحمل سوف لن يستخدمنها حتى لو كانت متاحة. وبإمكان التعليم المتخصص في تنظيم الاسرة أن يحدث تغييراً في هذا الرقم، لأن «الافتقار الى المعرفة» كان من اكثر الاسباب وروداً لعدم الانتفاع من التحكم بالولادة في المسح الذي أجري في كينيا. ومن المثير أن نلاحظ أن المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية الهادفة التي تقدم التحكم بالولادة في ضوء إيجابي أدت الى أزدياد في استعمال موانع الحمل وغيرت المعايير في الهند وكينيا والمكسيك.
من الواضح أن الاعتقادات الثقافية لا تتغير بالضرورة كنتيجة للمستوى التعليمي المكتسب، وهي تساهم بقسط كبير في المواقف تجاه التحكم بالولادة. ويظن ان الدين ربما يساهم بقسط كبير، لكن من الواضح ان تنظيم الاسرة يتم تبنيه بقوة في جمهورية إيران الإسلامية، وفي بلدان أوروبا الكاثوليكية، وهي تملك أدنى معدلات خصوبة في العالم. ولكن دون الاهتمام بالسلوك الفعلي لرعياها، فإن بعض الطوائف الدينية، كالكالوثوليكية وبعض الملل الإسلامية والتقليد المعمداني الجنوبي، تواصل رفع الصوت عالياً ضد تنظيم الاسرة. «إن تحريم التحكم الاصطناعي بالولادة شامل ومطلق» هكذا كتبت مجلة «الجواب الكاثوليكي» الشعبية.
نصف حقيقة
«لا يؤدي النمو السكاني الى المجاعة والفقر، فهذه مشكلة التوزيع العادل»
صحيح أنه لا شك في كون العالم اليوم ينتج غذاء يكفي عدد سكاننا المتنامي، وأن التوزيع المتفاوت هو ما يؤدي الى المجاعة، لكن النظرة العامة الى الانتاج على المدى الطويل تبدو منذرة بالسوء. يخبرنا مركز المراقبة العالمي ان نمو الانتاج الزراعي قد تباطأ بثبات منذ الستينيات مع ارتفاع عدد السكان، وأن المحاصيل اقتربت من انتاجيتها البيولوجية القصوى، وأن الأرض الزراعية تنحسر ومصائد الاسماك العالمية تنهار. أما الهندسة الوراثية، التي تعد من قبل البعض دواء شافياً لزيادة الإنتاجية فقد تعطي من الناحية الفعلية نتائج معكوسة وتجعل الوضع أكثر إحباطاً، وفق ما تقوله مجموعة مستشاري التقييم الاستراتيجي للإبتكار.
وفي حين أن الأرقام الصرفة المعبرة عن سوء التغذية على مستوى العالم تتناقص، إلا أن النمو السكاني السريع في بلدان مثل هاييتي أدى الى أزمة متواصلة في حقوق الانسان. هناك حوالي 70% من سكان هاييتي يعتمدون في رزقهم على الزراعة في بيئات هي الأكثر تدميراً على كوكب الارض، في حين أن 30% وحسب من الأراضي ملائمة للفلاحة. «في هاييتي (معدل الخصوبة 5.3% في العام 2002)، يمكن أيضاً عزو التقاسم الفعلي للفقر الى النمو السكاني السريع الذي يلقي بثقله على الهبات المحدودة التي تقدمها التربة والماء النظيف»، كما يقول تقرير الجامعة الأمريكية المعنون، «إزالة الحراج في هاييتي»، ويضيف التقرير: «إن إزالة الحراج والنمو السكاني اقترنا مع سنوات من القمع والتدخل الاستعماري مما سبب اقتلاع مئات آلاف الهايتيين من جذورهم».
ويقول البنك الدولي إن هاييتي في المرتبة الرابعة في نقص تغذية السكان، و 40% فحسب من ملايينها الثمانية لديهم القدرة على الوصول الى المياه العذبة، لذلك فقد اقترنت مشكلة السكان في هاييتي مع المشكلة السياسية. والمعونات الدولية، بالإضافة الى العمل المخلص لمجموعات دعم أجنبية مثل شركاء في الصحة، لا تقدر على تعويض بيئة مدمرة تسند كثيراً من الناس.
والحجج التي تقول إن التوزيع العادل سوف يمد العالم بالغذاء قد تكون صحيحة، لكنها سوف تمتلك قدراً أكبر من الأهمية لو أن العالم يمضي في ذلك الاتجاه فعلياً. ففي الواقع، وكما تكتب تريس كيدر في مجلة The Nation، انخفضت فعلياً مساعدات التنمية الى هاييتي بنسبة الثلثين منذ العام 1995.
وتلاحظ ميا ما كدونالد من منظمة المراقبة العالمية أنه من المحتمل إضافة بليون من الناس الى شبه القارة الهندية في السنوات الخمسين القادمة، في الوقت نفسه الذي تواجه المنطقة فيه أزمة هائلة في المياه العذبة. وتكتب: «يتساءل المرء عن جدوى إنفاق ملايين لا حصر لها من الدولارات على إصلاح أنظمة الري وبناء سدود جديدة، في حين توظف أموال قليلة جدا في معالجة جذر المشكلة ـ أي النمو السكاني البشري». ومن المحتمل أن تضاعف باكستان عدد سكانها ليصل الى 332 مليوناً بحدود العالم 2050، ومبلغ11 بليون دولار الذي تنفقه على بناء سد كالاباخ قد يفوق مرتين توظيفاتها المالية في تنظيم الاسرة للخمسين عاما القادمة.
خرافة
«إن استخدام موانع الحمل يتم تبنيه على نطاق واسع، والمساعدات الأمريكية تزيد الإمكانية المتاحة»
يلاحظ مركز موارد السكان أن «حجم النمو السكاني في البلدان النامية سوف يعتمد كثيراً على مدى حصول النساء على التعليم والعناية الصحية، وخصوصاً خدمات تنظيم الأسرة»، فبما أن معظم النمو السكاني يتم في هذه البلدان، فهناك يجب أن يتركز انتباه العالم، ويمكن أن تؤدي مساعدات تنظيم الأسرة الى تخفيضات دراماتيكية في النمو السكاني، لكن عقبات غير متوقعة قد تحول أيضاً دون حدوث ذلك. ففي كينيا، حيث قادت الكنيسة الكاثوليكية حملة شعبية لإحراق الواقي الذكري، تبلغ نسبة الوصول الى موانع الحمل 90% لكن ثلث السكان فحسب يستعملونها، وفقاً لما تقوله شخصيات كينية مستقلة. وقد وضحت دراسة في العام 1991 أن نصف النساء فقط ممن يوصفن بأن لديهن «حاجة» سوف يستخدمن الواقيات الذكرية اذا توافرت لهن.
وقد اعتبر مؤتمر الأمم المتحدة حول السكان والتنمية في العالم 1994 الوصول الى خدمات الصحة الجنسية والتناسلية حقا من حقوق الانسان. لسوء الحظ، فان ذلك الحق لا يلبي. فعلى الرغم من أن 60% من النساء المتزوجات على الصعيد العالمي يستخدمن موانع الحمل، الا أن 10% فقط من النساء المتزوجات في أفريقيا جنوبي الصحراء يفعلن ذلك. و «الحاجة» الحالية لموانع الحمل يبلغ معدلها 70% في آسيا وأمريكا اللاتينية. وعلى اتساع العالم، ثمة 123 مليون امرأة ليس لديهن وصول كاف الى خدمات تنظيم الاسرة.
والبلد الاكثر قدرة على المساعدة هو بلد المغامرات بلا حدود AWOL(3). فقد كانت الولايات المتحدة تقليديا المصدر الاكبر لمساعدات تنظيم الاسرة، لكن هذا النهج تغير جذرياً تحت حكم الرئيس جورج بوش لأسباب سياسية. ففي مواجهة طلب غير مسبوق، قطعت إدارة بوش (التي تستمر في الربط الساذج بين التحكم بالولادة ومسألة الاجهاض) الاعتماد المالي على نحو مفاجئ عن الوكالة الاكثر قدرة على قيادة السياسة السكانية العالمية، أي صندوق الامم المتحدة للسكان.
سوف تعني سياسة إدارة بوش وبلا ريب المزيد من عمليات الاجهاض، وليس القليل منها. «إن إتاحة خدمات تنظيم الاسرة على نطاق واسع تميل الى تخفيض معدلات الاجهاض، كما وثقته جيداً بحوث حديثة متعددة»، هكذا يقول روبرت إينغلمان نائب رئيس شؤون البحث في المنظمة الدولية للنشاط السكاني PAI. «إن تنظيم الأسرة ـ والصحة التناسلية الجيدة ـ فحسب، يستطيعان جعل كل النساء الحوامل يرغبن بحملهن ويخفض معدلات الاجهاض» كما تضيف ما كدونالد.
ووفقاً للتحالف من أجل إنقاذ حياة النساء فإن الاجماع في التسعينيات وفي عدة مؤتمرات للأمم المتحدة كان حول ان الانفاق العالمي على تنظيم الاسرة يجب ان يبلغ 17 بليون دولار بحلول عام 2000، و18.5 بليون دولار بحلول العالم 2005، ذلك هو الهدف. أما في الواقع، ففي العام 2000، قدمت البلدان المانحة فعلياً فقط نصف مبلغ الـ 5.7 بليون دولار الذي تعهدت به.
مأزق
يمكن التعامل مع النمو السكاني على صعيد عالمي فحسب. ومن الانانية القلق حول مستويات الهجرة في الولايات المتحدة.
من الصحيح، وبلا لبس، أن النمو السكاني مشكلة عالمية وتتطلب حلولاً عالمية. لكن هذه عبارات غير كافية ويرثى لها. تتحدث جماعات مثل الرابطة السكانية (النمو السكاني صفر، سابقاً) بغموض عن حل مشكلة الفقر العالمي لتخفيف ضغوط الهجرة، لكنهم يقصرون في بيان التفاصيل. فعلى الرغم من كوننا نحتاج بالتحديد الى حلول عالمية، الا ان تقرير غاريت هاردين الاخير اشار الى ان السياسة السكانية توضع فعليا على المستوى القومي ولذلك فهي تخضع لميول الثقافات المحلية والمعايير الدينية.
ينبغي على الامريكيين الانكباب على العواقب الكاملة لاعداد المهاجرين المرتفعة في الولايات المتحدة. فكما حاجج ليستر براون من معهد سياسات الارض، فان الهجرة المرتفعة ربما تقدم لبعض البلدان «صمام أمان» وتتيح لها الاستمرار في معدلات خصوبة عالية. وهذه الوضعية قد تعكس ذاتها، كما حصل تاريخياً في إيرلندا، حيث الخصوبة العالية وسجل الهجرة المرتفع قد حل محلهما خصوبة ذات مستوى احلال منخفض ونزوح تجاوز الهجرة.
وثمة حقيقة أخرى مهمة وهي أن المهاجرين يتبنون بسرعة أنماط الاستهلاك المرتفعة في بلدهم المضيف، ويلقون اجهادات أكبر على الموارد الطبيعية. فكما تلاحظ مجلة البحوث المنزلية، «سوف يرتفع مجموع الاستهلاك المنزلي للمهاجرين جوهرياً في السنوات الـ 15 القادمة مع ارتقاء موجات المهاجرين السابقة سلم الاستهلاك المنزلي». ويقدم استخدام الطاقة مثالاً مثيرا إضافيا. فبحسب تقرير النمو السكاني السلبي، فان استهلاك الطاقة لكل فرد قد ارتفع بالكاد بين 1970 و 1990 نظرا للمكاسب الناجمة عن فعالية الطاقة والصيانة، لكن الاستخدام الكلي للطاقة في الولايات المتحدة ارتفع 36% بسبب عدد السكان الكبير والموجه بالهجرة.
خطأ
«إن الدعوات لتخفيض الهجرة عنصرية في الأساس»
ليست الهجرة موضوعا سهلا أبدا، واذا أردنا التحدث مباشرة فان الهجرة بذاتها ربما لا تقود الى عدد سكاني مرتفع على الصعيد العالمي ـ فهي تحرك الناس فحسب حول العالم. وقد كان المهاجرون على الدوام كبش الفداء في غالب الاحيان في امريكا. ففي العام 1855، كتبت جريدة شيكاغو تريبيون محذرة، «من ذلك الذي لا يعلم أن معظم مدمني الخمر السكيرين، الفاسقين، المنحطين، التافهين، المتعذر إصلاحهم الذين ينزلون البلاء بالمجتمع هم الكاثوليك الإيرلنديون؟» كانت مثل هذه الآراء شائعة حتى في ظل جزيرة إبليس، كما أوضحه فيلم عصابات نيويورك لـ «مارتين سكورسيزي».
فلا يزال الخوف من جماعات الأجانب مستخدماً لتحريض الناس حتى في أيامنا. وقد عبرت جمعية ساكن السهول الأسحم في ألباما مؤخرا: «لقد حان الوقت لإغلاق الحدود، لأن الهجرة الكثيفة المستمرة سوف تواصل فحسب استئصال بقايا الغرب في أمريكا. واذا ما استمرت فسيتبع ذلك منطقياً أنه في غضون عدة أجيال سوف تمحى الحضارة الغربية من أمريكا».
إن مفتاح هذا النوع من الأبلسة (التحول او الخضوع للشيطان demonizing هو خلق خط فاصل بين المهاجرين والأمريكيين «الحقيقيين». ووفقا للكاتب «الأمريكي الأصلي» سام فرانسيس، فإن المهاجرين «يعملون هنا وحسب، أو يتسكعون برفاهية، يتعاطون المخدرات، او يفعلون ما يحلو لهم. لكن ولاءاتهم الحقيقية في مكان آخر، أقصد في البلدان التي قدموا منها». وتحذر أيضاً منظمة «أمريكيون من أجل التحكم بالهجرة» أن «أقل من 15% من المهاجرين يأتون من أوروبا ويشتركون معنا في التراث الذي جعل أمريكا قوية». ومجموعات من قبيل الخفر الامريكي تتيح خدمة سهلة المنال لاعداد تقارير حول الاجانب غير الشرعيين.
وبالفعل، إن كريس سايموكس وما يدعى روابط الدفاع المدنية عن الوطن قد خفروا الحدود المكسيكية للبحث عن مهاجرين غير شرعيين لاعادتهم الى أوطانهم «بشكل إنساني». «لا نستطيع ترك «المكسيكيين» يصدرون إخفاقاتهم»، هكذا أخبر غلين سبنسر من رابطة خفر الحدود الأمريكية في أريزونا، جريدة لوس أنجلوس تايمز: «إنهم يشكلون تهديداً لثقافتنا بأكملها». وقد أعلن المعلق والمرشح الرئاسي السابق بات بوكانان. «إن تحول كاليفورنيا الى بلد عالم ثالثي يمضي الآن قدما».
والخوف من التكتل مع مثل هذه المجموعات قد دفع كثيراً من المنظمات البيئية الرئيسية لتجنب المسألة السكانية، وخصوصاً الهجرة. لكن الحقيقة تبقى وهي أن النمو السكاني البشري سبب أساسي للتدهور البيئي، وعدد سكان الولايات المتحدة (حيث معدل الخصوبة 2.05) بالكاد سوف يزداد لولا الهجرة. إن قومية وعرق هؤلاء المهاجرين لا يهم إطلاقاً ـ بل اعدادهم بكل وضوح وبساطة.
ويستخدم نقص «المهاجرين من أصل أوروبي» كعبارة مرمزة بغية تجنب القول بوضوح إن المهاجرين الجدد هم من الناس الملونين. ويقول الكاتب بيتر بريملو، مؤلف كتاب أمة أجنبية: «إن عدد سكان الولايات المتحدة ماض نحو التضخم السريع، المزيد من غير البيض والقليل من المهرة، فما ستكون عليه الحالة من دونهم». وليس من الواضح لماذا يكون القسم «غير الأبيض» على هذه الأهمية.
لكن من السخيف افتراض نوع من المؤامرة غير ـ البيضاء للسيادة على أمريكا، كما يفعل بعض المحذرين. حتى ولا يمكن الاستنتاج بتهور أن السكان الحاليين من الزنوج والأصول الأسبانية يدعمون تلقائياً الاعداد المرتفعة للهجرة. ففي العام 1990 تشكلت لجنة بمبادرة من عضو الكونغرس السابقة باربرا جوردان (D-TX)، الناشطة الشهيرة في مجال حقوق الانسان، قدمت توصية بأن يوضع سقف للهجرة هو 550 ألفاً، أي نصف الحجم الحالي. وقد أظهر استطلاع للرأي في مايو 2003 أجراء معهد غالوب أن 44% من الأمريكيين الأفارقة يعتقدون أن الهجرة يجب تخفيضها، وكشف أستطلاع للرأي أجرته جريدة وول ستريت في العام 2000م ان 42% من ذوي الاصول الاسبانية يعتبرون أن الهجرة الى الولايات المتحدة، «متساهلة جدا»، وفي العام 1993 وجدت المجموعة البحثية لذوي الاصول الاسبانية في الولايات المتحدة أن 89% من ذوي الاصول الاسبانية يدعمون بقوة وقفا فوريا للهجرة.
تنبع بعض هذه المواقف من عنصرية ذات أساس أقلوي (نسبة الى الأقلية). ففي أفتتاحية لأسبوعية آسيان، وهي صحيفة تصدرها منظمة الأمريكيين الصينيين، كتبت أن هجرة الصينيين جيدة للمجتمع حتى لو كانت غير شرعية، بينما يلقي المهاجرون من أمريكا اللاتينية عبئا ثقيلا حتى لو جاؤوا الى هنا بشكل شرعي.
والقلق الرئيسي لدى جميع أصحاب الدعاوى هو استبدال الوظائف. فقد قالت باربرا جوردن في تحقيق نيابي إن هدف اللجنة الرئيسي هو «خفض الجاذبية التي تمثلها الوظائف حاليا للهجرة غير الشرعية». والقضية موضع الاهتمام هنا هي الصناعة الفندقية. فعلى سبيل المثال، تظهر دراسة في ولس أنجلوس أن البوابين الزنوج المولودين في الوطن والمنتسبين الى النقابات في الصناعة الفندقية قد تم استبدالهم على نحو ساحق بعمال من المكسيك وسلفادور غير منتسبين الى نقابات، وانخفض الاجر من 12 دولاراً للساعة الى 3.35 دولار. وتبعا للدراسة المعنونة «المهاجرين ومعايير العمل: حالة البوابين في كاليفورنيا» التي نشرت في مجلة «الاعتماد المتبادل في سوق العمل». فإن معظم العمال المستبدلين يخفقون في الحصول على وظيفة جديدة.
خلال الحملة من أجل حرية العمال المهاجرين التي جرت مؤخراً، حذر الزعيم النقابي جون ويلهلم قائلا: «ليس ثمة كائن بشري غير شرعي». ولكن، هل وجود سبعة ملايين مهاجر غير شرعي في الولايات المتحدة يدعم حقا الفقراء ومجتمعات الاقليات التي تشكل الأولوية العليا للإئتلاف التقدمي؟ «يسبب المهاجرون الضرر أولاً وعلى النحو الأسوأ لفقرائنا الذين يتشكلون في معظمهم من الأقليات والمهاجرين المستقرين»، كما يقول ميشيل أ. فيهلر، منسق منظمة التوازن البيئي السكاني. ومن المثير للانتباه ان بعض انصار الهجرة الكبار هم زعماء الاعمال الذين يرغبون بالابقاء على الاجور منخفضة. وقد نجح انصار الهجرة تماما في وقف المناقشة إذ لعبوا ورقة العنصرية». ذكرت تيرييزا هاتير، المؤلفة البريطانية لكتاب حدود مفتوحة: «إن ضوابط الهجرة يمكن تفسيرها بالعنصرية وحسب»، لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك التوكيد الشامل. يشير باتريك بيرنز، مدير برنامج السكان والموطن لدى جمعية أوديبون الوطنية الى أن «سوق عمل أمريكية، مضبوطة من المحتمل أن تفيد كل شخص حول العالم»، لأن الأجور سوف ترتفع في الولايات المتحدة، والأعمال سوف تصدر من هنا فورا الى بلدان مثل الهند والمكسيك وفيتنام، التي تحتاج بشدة الى تشغيل سكانها.
إنها إحدى أكثر القضايا استقطاباً في زماننا، لذلك ليس من المستغرب أن المناقشات السكانية تنتهي عادة بالصياح. لكن، اذا لم نمسك بزمام هذه القضية الحرجة فقد يكون الوقت تأخر كثيراً بالنسبة للكوكب ولأنفسنا.

الهوامش
ـــــ
(1) GI Bill مرسوم أصدرته الحكومة الأمريكية في العام 1944م على شكل إعلان حقوق ويتضمن تقديم تسهيلات متنوعة للمحاربين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية ـ المترجم.
(2) Norplant طريقة مرتفعة التكاليف لمنع الحمل وهي عبارة عن ست غرسات تحقن تحت جلد الذراع وتحتوي على هرمون يتسرب الى الدورة الدموية بشكل متحكم فيه ويمنع الحمل لدى المرأة مدة خمس سنوات. المترجم.
(3) Adventures Out Limits ـ المترجم.