الحضارية «دراسات اجتماع»

الثلاثاء: 13/11/2007

 

 

المرأة العراقية بين المجال العام والخاص

د. أسماء جميل رشيد(*)
(خاص للمعهد)

ادت التحولات السياسية السريعة وارتهان الواقع بكل مجالاته سواء الامنية والاقتصادية والاجتماعية بهذه التحولات الى تطور في اهتمام المرأة بالسياسة، وهي جزء من المجال العام الذي ظلت المرأة العراقية بعيدة عنه منصرفة الى المجال الخاص بحدوده الضيقة والمقتصرة على شؤن المنزل والطبخ والاولاد مما عزلها وابعدها عن التمرس والخبرات والتجارب التي من شأنها ان تمد افقها وتنمي لديها ذات قادرة على دفعها الى اختيار موقف ًمن وجودها وتشكيل وجهات النظر حول عناصر هذا الوجود مما يؤهلها بالتالي الى اعادة صياغة دورها. وتمثل مشاركة المرأة في العمليتين الانتخابيتين وفي الاستفتاء على الدستور مؤشرا ًعلى تطور واضح في اهتمام المرأة في المجال العام الا انه لا يعكس بالضرورة تطورا في الوعي السياسي لديها، اذ كانت الرغبة في انهاء الاوضاع المزرية من ناحية تردي الخدمات وغياب الامن هو الدافع الرئيس لاقبال النساء على مراكز الاقتراع بحسب المقابلات التي اجريت مع الناخبات. وكشفت دراسة اعدها معهد المرأة القيادية حول السلوك الانتخابي للمرأة بأن قرارها التصويتي قد تأثر بالمنظومة الدينية وان الاسباب التي دفعت (43 %) من نساء العينة الى المشاركة في الانتخابات هي الواجب الشرعي و (14 %) منهن شاركن لاسباب دينية في حين لم تعد المشاركة كحق من حقوق المواطنة الا (18.3 %) من نساء العينة. كما بينت الدراسة ان الفئات المقاطعة للانتخابات الاولى من العربيات السنيات والنسبة الغالبة من المشاركات كانت من العربيات الشيعيات والنسبتنان تعبران عن تأثير الفتاوى الدينة على السلوك الانتخابي للمرأة بعيدا ًعن التفكير في اهمية الانتخابات بوصفها اللبنة الاساسية الاولى لبناء العراق المستقبلي.
وفيما يتعلق بانخراط المرأة بالاحزاب السياسية (وهو مؤشر اخر على نمو الوعي السياسي للمرأة) فقد كشفت الدراسة السابقة عن انخفاض نسبة اشتراك النساء في التنظيمات الحزبية، وكانت نسبة المنتميات الى احزاب سياسية من العربيات المسلمات (2. 9%) مقابل (3. 22 %) من النساء الكرديات و (4. 19 %) من القوميات الاخرى، وتعكس هذه النسب انخافضا ًفي مستوى الوعي للمرأة العراقية بأهمية انخراطها في الاحزاب السياسية ومحاولة تغيير واقعها والانتقال الى المجال العام عن طريق العمل الحزبي وهو الطريق الوحيد الذي يمكن ان يوصلها الى مراكز صنع القرار.
غير ان ابرز ما يمكن تأشيره في مجال انتقال المرأة من المجال الخاص الى العام خلال السنوات الثلاث الاخيرة هو مساهمتها في منظمات المجتمع المدني وانخراطها في العمل التطوعي (ولو بشكل محدود) بعد عزوف طويل سببه احتكار النظام السابق لهذه المنظمات، فقد بلغ عدد المنظمات النسوية حتى بداية عام 2005 حسب احصائية مركز تسجيل المنظمات في وزارة التخطيط (80) منظمة نسائة بالاضافة الى (400) منظمة غير حكومية تعنى بقضايا المرأة كجزء من اهدافها، وعلى الرغم من الاهمية التي ينطوي عليها هذا العدد الا انه لا يعكس تبلور "مشروع نهضوي" بوضع المرأة العراقية ككل دون ان ينحصر بوضع المرأة النخبوية، وان محاولة تفسير وتحليل هذه الارقام تكشف عن وجود انواع متعددة من هذه المنظمات، فمن حيث التأثير والعمل هناك منظمات فاعلة وهي النسبة الاقل ومنظمات غير فاعلة وحتى وهمية،ومن حيث جهة الارتباط هناك منظمات تابعة لاحزاب سياسية ومنظمات مستقلة، ومن حيث المرجعية الايديولوجية هناك منظمات اسلامية (دينية) وهي الاكثر فاعلية بسبب طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق والتي يطغى فيها الديني المتماهي مع السياسي على اي عامل اخر. الى جانب المنظمات الليبرالية التي تتبنى حقوق المرأة كما نصت عليها الاتفاقيات الدولية. ومع ذلك قد استطاع هذا الكم من المنظمات ان يفرز النوع، فظهرت ناشطات نسويات يتبنين قضايا المرأة في علاقتها بتغيرات المرحلة والبعض منهن ذوات أصوت قوية وامكانيات برزت في مراحل كتابة الدستور الا ان نشاطهن المتمثل بالاعتصامات والتظاهرات العديدة التي رافقت هذه المرحلة لم يكتب لها النجاح ولم تلقى مطالب الحركة النسائية وجهودها في اقامة التحالفات وجماعات الضغط اي استجابة من قبل لجنة كتابة الدستور، والاكثر من ذلك صوتت النسبة الاكبر من نساء في القاعدة لصالح دستور لم تتعرف على حقوقها في داخله، وهو ما يؤشر خللاً كبيرا ًفي الحركة النسائية العراقية وفي أدائها و برامجها. ويمكن تفسير هذا الخلل بنوعيين من العوامل: الاولى ذاتية تتعلق بطبيعة التنظيمات النسوية، والثانية موضوعية تتعلق بطبيعة المرحلة وخصائص المجتمع الذي افرزته والجماعات السياسية المهيمنة فيه.
وفيما يتعلق بالعوامل الذاتية: ظل عمل هذه المنظمات يسير في اطر محددة، وبقيت العضوية ونشاطات هذه التنظيمات ذات طبيعة نخبوية ولم تستطع تجاوز هذه الاطر لتصل الى القاعدة العريضة من النساء، لتبقى الطروحات التي تقدمها بعيدة عن متطلبات وواقع المرأة المأزومة التي لا تعرف عن ذاتها الا انها وعاء للحمل وينحصر دورها في الزواج وتربية الاطفال. كما بقيت هذه المنظمات تشتغل بمعزل عن الشعور او الوجود الشعبي للمرأة التي تقضي ثلثي حياتها في المطبخ ولم يكن عملها قائما على البحث والتقصي المبني على اسس علمية في حياة هذه النسبة الغالبة من النساء، لذلك لم تقدم عنده المنظمات طروحات تخرج المرأة مما هو خاص الى ما هو عام.
كما ان هذه المنظمات لم تبلور مشروعاً نهضوياً ولا يوجد خطاب نسائي حداثي يمكن في ضوئه بلورة مشروع نهضوي يقوض الاسس ويبدأ من القاعدة الى الهرم وليس العكس، بل ان قيادات اغلب التنظيمات النسوية انفسهن ليس لديهن القدرة على الخروج عن حياتهن التقليدية ولا يؤمنن بحداثة المرأة وخروجها عن الصور النمطية المرسومة لها. ويتضح هذا الموضوع في موقف التنظيمات النسوية العلمانية من احدى الناشطات الراديكاليات التي تعبر بجرأ ة عن هموم المرأة وترفض النسبية الثقافية التي تجعل من طروحاتها محضورة حتى من قبل الناشطات النسويات مما دفعهن الى نبذها وعدم قبول مشاركتها في الاعتصام الذي اقامته مجموعة من التنظيمات النسوية احتجاجاً على مسودة الدستور في ساحة الفردوس.
والقريب من المشهد، سيلاحظ بوضوح ان غالبية الناشطات الفاعلات في مجال الحركة النسوية يقضين معظم اوقاتهن في التنقل والسفر للمشاركة في الدورات العديدة التي تحتكرها القيادات الى الحد الذي لا يوجد لديهن وقت كاف لتطبيق ما تعلمته في هذه الدورات داخل العراق.
وهناك خلل آخر: يتعلق بعدم افادة غالبية النساء من منابر الاعلام وبشكل خاص الصحافة لطرح قضايهن الا فيما ندر.
وهناك قضية اخرى تتعلق بطبيعة العلاقة الصراعية بين التنظيمات النسائية ذات التوجه العلماني والاخر ذات التوجه الاسلامي، الامر الذي لا يمكن ان نقول معه ان هناك تكاتفا حقيقيا بين مؤسسات المجتمع المدني حول القضايا والتصدعات الرئيسية التي يعاني منها واقع المراة العراقية بقدر ما هناك تضاد وتنافر ما بين الكتلتين حول المفاهيم الاساسية التي ينبغي الاتفاق بشأنها. ففي اعتصام النساء الذي شهدته ساحة الفردوس حول مساواة المرأة بالرجل داخل الدستور في صيف 2005 تصدت لهذه الفعالية تظاهرة نسائية لتجمعات دينية تحمل لافتة لا للمساواة، لتكن اول سابقة في العالم، ان ترفض المرأة مساواتها بالرجل.
اما فيما يتعلق بالعوامل الموضوعية التي ترتبط بطبيعة المرحلة وطبيعة المجتمع الذي يقف عائقاً امام ان يكون لهذه التنظيمات دور مؤثر، فيمكن القول ان المرحلة التي يمر بها العراق هي مرحلة يطغى فيها السياسي على الاجتماعي ويطغى على النسوي وعلى كل المفاصل الاخرى. لقد أعادت الأزمة السياسية صياغة الاولويات واصبحت معه قضايا المراة نوع من الترف والكماليات، كما ان الاوضاع الامنية المتردية اثرت سلباً على تقييد حركة النساء وحدت من انتشار نشاطات التنظيمات النسوية فضلاً عن هيمنة الجماعات الاسلامية المتطرفة والذعر الذي تبثه تجاه اي مشروع حداثي نسوي، ففي لقاء مع مسؤولة احدى الجمعيات النسوية عن الاسباب التي منعتهم من تعليق لافتة تنبه الى يوم المراة العالمي في 8 اذار اشارت بوضوح الى الخوف من جهات معينة (اسلامية). وهناك منظمات عديدة لا تسطيع تنفيذ مشاريعها في المناطق التي تهيمن عليها هذه الجماعات دون اخذ موافقتهم ومباركتهم. فضلاً عن حداثة تجربة منظمات المجتمع المدني والنشاط النسوي تحديداً في العراق وافتقار العاملين فيه الى الخبرات اللوجستية والتنظيمية والطرق والمشاريع المناسبة لهذه المرحلة، وكيفية الحصول على تمويل.

(*) استاذ الاجتماع، جامعة بغداد.