الحضارية «دراسات إجتماعية»

الأحد: 4/11/2007

فكرة المجتمع المدني العالمي
The Idea of Global Civil Society

ماري كالدور
ترجمة: خزامى عقاب عبيد

استخدم مصطلح «المجتمع المدني العولمي» للمرة الأولى بشكل فعلي خلال السنوات العشر الماضية، رغم أن الفيلسوف ـ مارتن ويت ـ كان قد أشار إلى فكرة مجتمع كهذا من قبل. وأحد أهداف هذه المقالة الكشف عن الجانب الثوري في هذه الفكرة وكيف نقف في مواجهة مفهوم العلاقات الدولية ومن ثم أتعرض بإيجاز للتغييرات التي طرأت على المجتمع المدني. وسأتحدث عن تجدد هذا المصطلح في آن واحد في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، حيث كان معناه في تلك الحقبة الفاصلة مختلفاً عن السابق. كما أذكر بعض التطورات عليه مرة أخرى في التسعينيات من القرن العشرين، وأشكاله اليوم. وأخيراً نصل إلى التساؤل حول ما إذا كان 11 سبتمبر والحرب على العراق يمثلان هزيمة لفكرة المجتمع المدني. وهذا أمر مناقض للعلاقات الدولية.
تغير معنى المجتمع المدني
مفهوم المجتمع المدني حديث، على الرغم من أنه، كغيره من الأفكار السياسية الكبرى، يمكن إرجاعها إلى أرسطو. (وإحدى الموضوعات الأساسية عند مارتن ويت أن الأفكار والمفاهيم تتكرر على الدوام عبر التاريخ. ويخطر للمرء أنه أمام فكرة جديدة، وأن أحدا ما كان يعرفها من قبل بشكل مختلف وهو عادة أرسطو). المفكرون المعاصرون الأوائل لم يميزوا بين المجتمع المدني والدولة. كان المجتمع المدني بالنسبة إليهم عبارة عن نمط من أنماط الدولة التي تتميز بوجود عقد اجتماعي. وكان المجتمع المدني محكوما بالقوانين ويقوم على أساس مبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ يخضع الجميع (وحتى الحاكم، بمفهوم لوك على الأقل) لسلطة القانون. وبعبارة أخرى، هذا المجتمع مثابة عقد اجتماعي يقوم بين أفراد المجتمع. قبل القرن التاسع عشر لم يكن المجتمع المدني مفهوماً على أنه مختلف عن الدولة. ويرجع الفضل في ذلك إلى هيغل الذي عرف المجتمع المدني بأنه الفضاء الوسيط الفاصل بين العائلة والدولة، حيث يصبح الفرد شخصا عاما، ويستطيع من خلال انتمائه للمؤسسات المختلفة أن يقيم مصالحة بين العام والخاص. بالنسبة لهيغل المجتمع المدني كان «أحد إنجازات العالم المعاصر. تلك المساحة الوسيطة التي تشهد نشاطاً حراً لمختلف الهويات، والمواهب، ولكل المواليد وحالات الثراء، وحيث تنطلق موجات الهوى التي لا يمكن أن يكبحها إلا العقل وحده لأنه يومض وسطها». وهكذا، فتعريف هيغل للمجتمع المدني يشمل الاقتصاد الذي طوره ماركس وإنجلز حين اعتبرا المجتمع المدني «مسرح التاريخ».
في القرن العشرين ضاق هذا التعريف أكثر، حيث فهم المجتمع المدني كمجال يشغل الحيز خارج السوق والدولة والعائلة. وليس بالتحديد كمجال فاصل بين الدولة والعائلة. أي بعبارة أخرى، يعني النقاش الثقافي والأيديولوجي والسياسي. وأكثر مما اقترن هذا التعريف باسم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي. كان غرامشي مشغولاً بالتساؤل: لماذا قيام ثورة شيوعية في روسيا كان أسهل من إيطاليا؟ وكان جوابه عن ذلك يكمن في مفهوم المجتمع المدني. في إيطاليا كما قال «هناك علاقة وثيقة بين الدولة والمجتمع، ثم إنه عندما تعرضت الدولة للاهتزاز كشف النقاب فوراً عن بنية هائلة للمجتمع المدني. استراتيجية غرامشي للحزب الشيوعي الإيطالي التي تمت متابعتها حتى الثمانينيات كان عليها في الواقع أن تعزز مواقعها في بنية المجتمع المدني. أي في الجامعات ووسائل الإعلام وغير ذلك، بحيث يتم التصدي لطغيان البرجوازية. غرامشي هو الذي حدد الفارق بين السيادة القائمة على الموافقة، وبين الهيمنة المبنية على الإكراه. وعلى الرغم من تغير المصطلح أود أن أشير إلى أن كلّ هذه التعريفات المختلفة تشترك في معنى جوهري، إنها تعريفات لمجتمع محكوم مرتبط بالعقد بين الأفراد. كان التغيير في تعريف المجتمع المدني تعبيراً عن شتى الطرق المتبعة لتوليد الموافقة في مختلف الفترات الزمنية، وتعبيراً عن مختلف القضايا ذات الأهمية في الفترات الزمنية المختلفة. وبعبارة أخرى، حسب تعريفي الشخصي للمجتمع المدني، هي الحالة التي من خلالها يتفاوض الأفراد ويتناقشون ويناضلون ضد بعضهم بعضاً، أو يتوافقون، مع المراكز السياسية والاقتصادية في الدولة. هناك يستطيع الفرد من خلال الجمعيات التطورية والحركات والأحزاب والاتحادات أن يعمل بصورة علنية. هكذا، ففي مطلع الحقبة الحديثة كان الشاغل الرئيس يتمحور حول الحقوق المدنية. والتحرر من الخوف. من هنا كان المجتمع المدني مجتمعا تحل فيه القوانين محل الإكراه بالقوة والاعتقال العشوائي.. إلخ. وفي القرن العشرين أصبحت المسألة تتعلق بالحقوق السياسية، وأصبح الناشطون في المجتمع المدني هي البرجوازية الصاعدة. في القرن العشرين كانت الحركات العمالية تتحدى سلطة الدولة. والهدف هو التحرر الاقتصادي والسياسي. وبذلك تزايد أكثر تضييق المصطلح.
هذه التعريفات كلها تشترك في امتلاكها جوهراً واحداً من حيث المعنى، بل في فهمها أن المجتمع المدني مرتبط بالأرض. في السابق كان المجتمع المدني مرتبط بشكل وثيق بالدولة الإقليمية. وكان يقابل بالدول الأخرى المميزة بالإكراه. أي إمبراطوريات المشرق، ويقارن بمجتمعات ما قبل الحديثة. أي سكان الجبال أو الهنود الحمر. وبالدرجة الأولى كان يقارن بالعلاقات الدولية التي كانت توضع على قدم المساواة مع الواقع الطبيعي لافتقاده السلطة الفردية. وهناك عدد من المنظرين ربط بين المجتمع المدني في الداخل وبين حالة الصراع في الخارج. وكان ذلك يمثل القدرة على التلاحم في وجه عدو مشترك. لهذا كان المفكر التنويري الاسكوتلندي آدام فرغسن Adam Ferguson، صاحب كتاب «مقالة في تاريخ المجتمع المدني»، الرائع، منشغلا جدا بالنزعة الفردية الحديثة. وكغيره من مفكري بلاده التنويريين عمل على بلورة طريقة عملية لدراسة الظواهر المجتمعية، لاعتقاده أن ذلك ينبغي أن يتم من خلال دراسة تجريبية لمجتمعات أخرى. انهمك فرغسن بدراسة سكان الجبال والهنود الأمريكيين حتى يفهم نشوء المجتمع، واقتنع أن المجتمع الحديث فقد روح الانتماء للجماعة، أي العاطفة الفطرية والجمعية بين البشر. ومن خلال مثال المجتمع الاسبرطي اعتبر أن غرس النزعة الوطنية والنزعة العسكرية في الذهن طريقة لهزيمة مخاطر الفردية. هذا الفهم عبر عنه هيغل بشكل أقوى، إذ رأى أن الحرب ضرورية من أجل «صحة المجتمع الأخلاقية».. فكما أن حركة المياه تمنع التعفن الذي ينتج عن الركود الطويل الذي تمنع الصراعات المتجددة فساد المجتمع بسبب السلام الأبدي. وهذا الرأي يبقى الرأي الغالب مع أن بعض المفكرين في مجال المجتمع المدني يرفضونه. وأحد أبرزهم كانط الذي رأى أن التشكل النهائي للدولة لا يمكن بلوغه إلا في إطار مجتمع مدني عالمي.
إعادة إنتاج المجتمع المدني
في ظني إن إحياء المجتمع المدني في السبعينيات والثمانينيات قد قطع الصلة مع الدولة. المدهش أن فكرته قد أعيد اكتشافها في آن واحد في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. ومن خلال اهتمامي الكبير بالنقاشات في أوروبا الشرقية لاعتقادي أن هذا المصطلح أعيد اكتشافه هناك. لكنني فهمت لاحقا أن بعض المفكرين في أمريكا اللاتينية استخدموه قبل أوروبا الشرقية، وأبرزهم كاردو سو Cardoso الذي كان مؤخراً رئيساً للبرازيل. ومن المثير بالنسبة لتاريخ الفكر اكتشاف أن هذا المفهوم ثبتت أهميته في قارتين متباعدتين في وقت واحد، وأن ذلك حدث دون اتصال بينهما. وبالفعل، بدا الأمر غير ذلك وكأن بين القارتين كثيراً من عدم الثقة المتبادلة، لأن مجتمعات أمريكا اللاتينية ماركسية بينما أوروبا الشرقية تكره الماركسية. وفي كلتا الحالين اتضح أن مفهوم المجتمع المدني مفيد لمقاومة الأنظمة العسكرتارية. وقد كانت مجتمعات أمريكا اللاتينية مناهضة لهذه الحكومات بينهما كانت مجتمعات أوروبا الشرقية ضد النزعة الشمولية وتوصل كلا الطرفين إلى أن التخلص من تلك الأنظمة «من فوق» أمر غير عملي. وبعبارة أخرى، كلاهما فهم أن هناك ضرورة للتغيير الاجتماعي. وقد قال ميشنك Michnik في مقالة كلاسيكية نشرت للمرة الأولى عام (1978م) بعنوان النشأة الجديدة أن «المحاولات الرامية للتغيير من الأعلى (كما حدث في هنغاريا عام 1956م أو تشيكوسلوفاكيا عام 1968م)منيت بالإخفاق، وأن الإستراتيجية الوحيدة الممكنة للتغيير هو التغيير من قبل الجماهير، تغيير العلاقات بين الدولة والمجتمع». وكلام ميشنك هذا معناه أن المجتمع المدني حكم ذاتي وتنظيم ذاتي، وهكذا، فالتأكيد هنا، (وهذا أمر مشترك بين مجتمعات أمريكا اللاتينية) ينطبق على الانسحاب من الدولة. وكان الحديث يدور حول إنشاء جانب من الترابط المدني. وهو مفهوم مشترك بين الأمريكيين اللاتينيين والأوروبيين الشرقيين. على أن الأوروبيين الشرقيين استخدموا أيضاً مصطلحات مثل «مناهضة السياسة» و«العيش مع الحقيقة»، وهو مفهوم يرفض الكذب لدى النظم، أو «المدينة الموازية» Parallel Polis وإنشاء مجتمعهم الأرسطوي القائم على «ما هو رائع»، أي على الحياة الأخلاقية. وكان مارتن ويت سيتحمس للمنشقين في أوروبا الشرقية. وقد اضطر للدخول في حالة عدم فعل، خاصة في تشيكوسلوفيكا، حيث كان عليهم هناك التحول إلى عمال مواقد على متن البواخر ومنظفي نوافذ، كانوا يقضون أوقاتهم في قراءة المفكرين السياسيين الكلاسيكيين ومناقشة أفكارهم، وهو ما يفسر في نظري سبب قدرتهم على الربط بين أفكار الجيل. وأذكر أن صديقا كان يقول لي حين زرت براغ في التسعينيات، في أوج الاحتضار الثوري: «ما أفتقده حقا تلك الأمسيات، حيث كان فهم فقرة من كتاب أفلاطون «الجمهورية» أهم شيء في العالم».
وإضافة إلى التأكيد على الحكم الذاتي والتنظيم المدني كان المجتمع المدني أيضاً يكسب بعدا كونيا. وكانت تلك فترة من الترابط المتشابك باطراد، حتى قبل دخول الإنترنت. وأصبح عند هذا الحد ممكنا ظهور «جزر العلاقات المدنية» عن طريق أمرين هما:
• الروابط مع المجموعات المتماثلة فكريا في بلدان أخرى. كانت شعوب أمريكا اللاتينية مدعومة من قبل جماعات حقوق الإنسان في أمريكا الشمالية. وقد أقام الأوروبيون الشرقيون روابط تجمعهم مع جماعات حقوق الإنسان والسلام في أوروبا الغربية، الذين دعموهم ماديا وروجوا لقضاياهم، ومارسوا ضغوطا على الحكومات والمؤسسات.
• وجود تشريعات تتعلق بحقوق الإنسان في العالم تضم حكومات دول العالم، أمكن استخدامها كورقة ضغط. وكانت بالغة الأهمية بالنسبة إلى أمريكا اللاتينية. وفي أوروبا فإن اتفاق هلسنكي لعام 1975م الذي أسلمته حكومات دول أوروبا الشرقية لتيار تقاليد الحقوق الإنسانية، شكلت منبرا لظهور المزيد من المنظمات مثل ميثاق 77 وكذلك KOR.
وبعبارة أخرى، أتاحت الروابط الدولية ومطالبات حكومات العالم لهذه الجماعات إمكانية خلق فضاء سياسي. المفكران كيك وسيكنك كتبا في مؤلفهما «النشاط العابر للقومية» حول «الأثر المرتد الذي أتاح قيام المطالبات الموجهة للمجتمع المدني، بدلا من مخاطبة الحكومات الوطنية ذاتها مباشرة، كما أتاح ممارسة الضغط على الحكومات لكي تتسامح مع أنشطة معينة».
هذا البعد الدولي الأشمل من مفهوم القومية في الفهم الجديد للمجتمع المدني لقي في تلك الحقبة تجاهلاً من المفكرين الغربيين في إطار تقاليدهم الفكرية، ومع ذلك فهؤلاء المفكرون الجدد أنفسهم شددوا على ذلك الفهم بعينه في أوروبا الشرقية. الكاتب الهنغاري جورج كونراد الذي أفضله عن غيره من المفكرين، استخدم عبارة «عولمة» في كتابه «ضد السياسة» عام 1982م. كما تحدث فاكلاف هافل عن «الحضارة العولمية التقنية»، فقال: «إن النظام الذي تلا الحقبة الشمولية: يشكل إحدى المواجهات. واجهة هائلة على نحو خاص، كما أنه يسهم أيضاً في الكشف عن منابعها الخاصة ـ عن العجز عالميا للإنسانية الحديثة لكي تكون سيدة واقعها. فالجانب الآلي في النظام الذي أعقب التوتاليتارية هي مجرد نسخة متطرفة للنزعة الذاتية العالمية في إطار الحضارة التكنولوجية. إن الإخفاق الإنساني الذي تعكسه هذه النزعة ما هو إلا أحد أشكال الإخفاق العام للبشرية.. كان الأمر سيظهر وكأن الديموقراطيات البرلمانية تستطيع تقديم معارضة أساسية للنزعة الذاتية في حضارتنا البشرية وللمجتمع الاستهلاكي في حضارتنا البشرية وللمجتمع الاستهلاكي الصناعي، لأن تكون الديموقراطيات أيضاً تابعة وهي فاقدة الحيلة. ويتم التلاعب بالبشر بطرق أشد دهاء وحرفية بطرق وحشية عديدة أعقبت المجتمعات التوتاليتارية.. في جوف الديموقراطية ربما يتمتع الناس بالحريات الشخصية ومظاهر الأمن التي نجهلها، لكن في نهاية المطاف لن يجنوا أية فوائد منها، لأن الناس في نهاية المطاف لن يجنوا أية فوائد منها، لأن الناس في النهاية ضحايا للاتجاهات الذاتية نفسها، وهم عاجزون عن الدفاع عن قضاياهم المتعلقة بهويتهم أو التصدي لمحاولات تهميشهم، أو التسامي بهواجسهم المتعلقة ببقائهم الشخصي، بحيث يكونون أفرادا ذوي كبرياء ومسؤولين في مدنهم، ويسهمون بصناعة مصائرهم».
وهكذا، فإن الفهم الجديد للمجتمع المدني كان يمثل في آن واحد الانسحاب من الدولة والانتقال للأنظمة العالمية والمؤسسات العالمية. والمنظمات التي قادت هذا التفكير كانت أساسية بالنسبة للضغوطات التي تمارس من أجل الديموقراطية في أمريكا اللاتينية، والثورات في أوروبا الشرقية عام 1989م ـ والتي أراد الثوريون من خلالها التشبه بالغرب. لكنني أعتقد أن هذا الفهم الجديد للمجتمع المدني كان يشكل الفكرة الجديدة، الفكرة التي كانت ستسهم في صياغة منظومة جديدة من الترتيبات العالمية في أعوام الستينيات.
المجتمع المدني في التسعينيات
بعد عام 1989م تغير مفهوم المجتمع المدني. صار يفهم بأشكال مختلفة جداً، وفي إطار فهم ويت له يمكن تمييز ثلاثة معان، وبالأحرى ثلاثة معايير هنا:
• في المقام الأول مصطلح المجتمع المدني تبنته في كل أنحاء العالم جميع «الحركات الاجتماعية الجديدة». الحركات التي ظهرت بعد عام 1968م وكانت منشغلة بالقضايا الجديدة، كالسلام والمرأة وحقوق الإنسان والبيئة وأنماط الاحتجاج الجديدة. وبدا مصطلح المجتمع المدني يصبح تعبيرا جيدا عن وجهات هذه الحركات غير المتحزبة سياسيا. وقد تم اعتناق هذا المفهوم بحماسة في جنوب آسيا وإفريقيا. في جنوب إفريقيا خاصة. وأوروبا الشرقية. وخلال التسعينيات ظهرت ظاهرة جديدة ذات أهمية كبرى هي شبكات الناشطين عبر القارة من الذين ألتلقوا حول قضايا معينة ـ كالألغام وحقوق الإنسان والتغير المناخي والسدود والإيدز والمسؤولية الاتحادية. وفي ظني أن هؤلاء جميعا مارسوا تأثيراً كبيراً في مجال دعم العمليات الخاصة بالحاكمية الدولية Global Governing خاصة في المجال الإنساني. وكانت مفاهيم الإنسانية التي تهتم بالسيادة وإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المجرمين ودعم الوعي بحقوق الإنسان. وكل تلك العوامل ذات أهمية بالغة في إطار بناء مجموعة جديدة من القوانين التعددية: أي ما يمكن أن نسميه النظام الإنساني. وفي أواخر التسعينيات كان ظهور ما يسمى بالحركة المناهضة للعولمة. المهتمة بالعدالة الاجتماعية في العالم. استخدمت مفهوم المجتمع المدني بهذا المعنى. بالنسبة لي أنا أسمي ذلك «نسخة الناشطين» لمفهوم المجتمع المدني.
• ثانياً، بعد ذلك جاءت المؤسسات العالمية وشاركت الحكومات الغربية في حمل هذا المصطلح، فأصبح يشكل جزءاً مما يطلق عليه «الأجندة السياسية الجديدة». وقد ساد هذا الفهم في كل أنحاء العالم، واعتبر بمثابة آلية لتسهيل الإصطلاحات داخل السوق وإدخال الديموقراطية البرلمانية. وأسمي هذا «نسخة الليبرالية المزيفة». الأطراف المعنية هنا لم تكن هي الحركات الاجتماعية بل كانت المنظمات غير الحكومية. وأنا أعتبر هذه المنظمات حركات اجتماعية مدجنة. الحركات الاجتماعية تظهر وتختفي، ومع فشلها إما أن تصبح « مدجنة». دستورية ومهنية. أو أنها تهمش وتندثر أو تتحول إلى طريق العنف. وإذ يتم ترويض المنظمات غير الحكومية تتحول إلى معارضة تحظى بالاحترام. أي تصبح شريكا مفاوضا. تاريخيا، هذه الحركات الاجتماعية تم تدجينها في إطار وطني. الرافضون للعبودية أو الظلم في القرن التاسع عشر أصبحوا منهمكين داخل الأحزاب الليبرالية. الحركات العمالية كانت أصلا عالمية وكونية فتحولت إلى نقابات رسمية وأحزاب ديموقراطية اجتماعية وعمالية. وما يميز حقبة التسعينيات هو أن الحركات الاجتماعية الجديدة تم تدجينها في إطار مفهوم العالمية. لقد كان هناك عبر التاريخ منظمات دولية غير حكومية مثل الجمعية المناهضة للعبودية أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن أعداد هذه المنظمات ازداد كثيراً جدا نتيجة للتمويل الرسمي. وبالفعل، المنظمات غير الحكومية أصبحت تبدو كمؤسسات مرحلة ما بعد الحكومة quasi-governmental، لأن طريقة عملها بديل لطريقة عمل الدولة، وفي الوقت نفسه لأنها ظهرت كدكاكين في السوق، وبسبب شكل التنافس بينها. إن أهمية المنظمات غير الحكومية أدى ببعض الناشطين إلى التخلص من الوخم حول مفهوم المجتمع المدني. وهكذا لاحظت تيرا شانهوك، إحدى المنظرات في مجال الحقوق المدنية بجامعة دلهي، إن المجتمع المدني صار «عبارة فارغة» و«مسطحة». وأضافت «لاحظوا المسألة التي حلت بالمؤمنين بهذا المذهب: أناس يناضلون ضد الأنظمة الشمولية مطالبين بالمجتمع المدني. وكان ما حصلوا عليه من نضالهم هي منظمات غير حكومية. إذن، جميع النقابات والحركات الاجتماعية، والأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والمؤسسات التمويلية وحتى الدول سواء كانت شوفينية أو ديموقراطية، أصبحت تهلل للمجتمع المدني وكأنه أحدث جرعة لمعالجة أمراض المجتمع المعاصر، لابد أن خللا ما قد حصل». أما المفكر الإفريقي البارز محمود مامداني فيلاحظ: «أن المنظمات غير الحكومية تقتل المجتمع المدني».
مع ذلك، البعد الثالث لمفهوم المجتمع المدني هو «نسخة ما بعد الحداثة». علماء الاجتماع ينتقدون اعتبار المجتمع مفهوماً أنتجته: المركزية الأوروبية، أي باعتباره ثمرة للثقافة الغربية (وحسب هذا المنطق تعتبر أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية جزءا من أوروبا من الناحية الثقافية). أصحاب هذا الرأي يفترضون أن تجربة المجتمعات غير المنتمية لهذه الثقافة الغربية، أو تلك التي ستمر بتجربة مماثلة لتجربة المجتمع المدني، لكنها ليست مبنية على أساس النزعة الفردية. هؤلاء يقولون إنه في المجتمعات الإسلامية، أي المؤسسات الدينية أو الأسواق والجمعيات الدينية، تمثل نظاما رقابيا على سلطة الدولة. هكذا، يرى أصحاب تيار ما بعد الحداثة أن الحركات الدينية والعرقية الجديدة التي نمت نموا هائلا أيضا خلال العقد الأخير، تمثل جزءا من المجتمع المدني العالمي، لا يمكن أن يكون مكونا من «حركات طيبة ونقية» فقط.
المجتمع المدني له دوما مضمونان: معياري ووصفي. التعريف الذي ذكرناه في بداية هذه المقالة هو التعريف المعياري normative لقد قلنا إن المجتمع المدني عملية يتم من خلالها إنتاج الموافقة، أي مكان الالتقاء بين الأفراد حيث يتفاوضون أو يناضلون ضد، أو يتحاورون حول مراكز السلطة السياسية والاقتصادية. وفي صلب هذه المراكز توجد مؤسسات، أي هيئات دولية أو شركات. وأرى أن مفهوم المجتمع المدني يشمل هذه الأنماط الثلاثة معا. إن النمط الليبرالي المزيف يرفع من شأن المجتمع المدني لأنه يقدم منبرا يمكن إن تستغله الجماعات الأكثر راديكالية للوصول إلى السلطة (كل الذين في «داخل» المنظمات غير الحكومية و«خارجها»، كالحركات الاجتماعية). وفي إطار المعنى المعياري يمكن القول إن المنظمات غير الحكومية التي توفر الخدمات، خاصة التي تتلقى تمويلاً من الحكومة، يجب إقصاؤها، لأنها غير داخلة في الجدل العام ولكونها غير مستقلة عن الدولة. وبهذا الشكل يمكن القول أيضاً عن الجماعات المشاعية أشكال قسرية، ولهذا فهي لا ينظر إليها كأدوات لتحرر الفرد. لكن في الواقع العملي من شبه المستحيل في المجتمع المدني القائم فعليا رسم خطوط فاصلة بين من يتم قبوله وإقصاؤه.
وأكرر، إن ما حدث في فترة التسعينيات هو أن نظام حكم عالمي (حاكمية) قد تبلور، ويضم في عباءته كل الدول والمؤسسات في هذا العالم. وهذا النظام العالمي ليس دولة منفردة، إنما منظومة محاصرة باطراد بعدد من الاتفاقيات والنظريات والقوانين ذات الطبيعة الشاملة. وهذه القوانين لا تقوم فقط على الموافقة بين الدول بل على الدعم الشعبي المتولد في رحم المجتمع المدني الدولي. وفي اعتقادي أن المهم في هذه القوانين هو توازن جانبها الكوني المتصاعد، وأعني بذلك كونها تجمع بين القانون العام الإنساني (قوانين الصراع) وقانون حقوق الإنسان. وهذه النقطة التي عالجها جفري بست في محاضرة له عن مارت ويت ألقاها في كلية الاقتصاد في لندن في مارس عام 1995م. القانون الكوني قانون دولي للدول والافراد على السواء. وهذا أمر كان ويت يرى انه مثالي تماماً. هذا القانون المتعاظم والمتنامي في زخمه، سواء بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بالنسبة لحقبة التسعينيات يأتي إلى حد بعيد نتيجة لضغط المجتمع المدني العالمي.
وبعبارة أخرى، المجتمع المدني العالمي منبر للحوار الذي يشارك فيه الناشطون (أو ورثة الماركسية) والمنظمات غير الحكومية والليبراليون الجدد والقوى الدينية والوطنية حول المجتمع المدني، وحيث يروجون له (أو ضده) ويتفاوضون بشأنه أن يتداولون من وراء الكواليس في شأن الترتيبات التي تشكل عددا من المجتمعات المدنية التي تسهم في خلق سلسلة من القضايا. كحقوق الإنسان والبيئة.. إلخ. وهو مجتمع لا ديموقراطي: ذلك لأنه لا يتضمن انتخابات ولا يحتمل أن يتضمنها، على المستوى العالمي، كون هذا يتطلب وجود دولة للعالم برمته. ومثل هذه الدولة، حتى لو كانت منتخبة بطريقة ديموقراطية، ستكون ديكتاتورية. كذلك فإن هذا المجتمع سيكون متفاوتا ومحكوما من النصف الشمالية للكرة الأرضية. ومع ذلك، فبروز هذه الظاهرة يهيئ للأفراد إمكانات تحريرية. وهي تفتح آفاقا للمجتمعات المغلقة، كما حدث في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، وتوفر فرصة المشاركة في مناقشة الأوضاع الدولية. وفي رأيي أن هذه الظاهرة. هذا النظام العالمي الجديد. يقلل من ضرورة استخدام مصطلح «العلاقات الدولية» إلى درجة كبيرة.
بعد 11 سبتمبر
والآن لنتساءل، كيف أثرت هجمات 11 سبتمبر والحرب على العراق في هذه الاتجاهات، في هذا النشاط؟ هل الإرهاب والحرب على الإرهاب يحددان انقلابا في التطورات التي تحدثت عنها؟ إن الإرهاب والحرب عليه أمران مضران جدا بالمجتمع المدني العالمي. فالإرهاب يمكن اعتباره اعتداء مباشرا على المجتمع المدني، كسبيل لبعث الخوف وعدم الأمان كعنصرين مناقضين للمجتمع المدني، وأعتقد أن موقف الرئيس بوش كان بمثابة محاولة للعودة إلى فرض شكل العلاقات الدولية. بكلمة أخرى كان يهدف إلى وضع خطر الإرهاب في إطار حكومي. الولايات المتحدة في الدولة الوحيدة التي ليست محاصرة ببيئة العولمة، وهي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على أن تبقى تعمل كدولة قومية: أي كما وصفها خافيير سولانا «الدولة الوحيدة العالمية» أو آخر الدول القومية. الرئيس بوش اعتبر أن الهجمات على مركز التجارة العالمية اعتداء على الولايات المتحدة نفسها، مذكرا بحالة بيرل هاربور المماثلة، ومعتبراً أن الأعداء هم دول راعية للإرهاب أو تمتلك أسلحة دمار شامل، سواء في العراق أو أفغانستان أو ما سماها دول «محور الشر». هكذا، فتعبير «الحرب» هنا يشير إلى حرب شعواء تشنها دول قومية. هذا الخطاب على الحرب والحرب على الإرهاب يقفل باب النقاش ويضيق المجال على المواقف السياسية المتعارضة. وفي النتيجة، أدى عناد أميركا لخوض الحرب بمفردها على العراق إلى أزمة عميقة في مواقف المؤسسات الحاكمة في العالم.
لكنني لا أظن أن بوش بإمكانه قلب مسار العولمة، فمن شأن محاولة كهذه خلق نمط من العولمة، أكثر وعورة وفوضى وأشد وحشية. وبعبارة أخرى، ذلك سيؤدي إلى حدوث وضع مقلوب بالنسبة للعلاقات الدولية، أي يصبح «خارجها» ـ بالمعنى الواقع على الأقل ـ هو «البطانة الداخلية»، بحيث يتعذر علينا عندئذ تمييز المجتمع المدني عما يجري على السطح. وهذا يعني انتفاء التمييز بين الحرب والسلام المحلي كما حدده المنظرون الكلاسيكيون للمجتمع المدني. المجتمع المدني العالمي يبشر بجعل الداخل خارجا. الحرب على الإرهاب تقول عكس هذا. وبذلك من المحتمل أن تتزايد الأعمال الإرهابية نتيجة تأثير الاستقطاب بدلاً من أن تقلصها. إن من ماهية الحرب التمييز بين الجماعات البشرية. وبينما الكثير من جنوب التحالف يصر على حماية أرواح المدنيين لكن في واقع الأمر حماية أنفسهم أهم من حماية العراقيين، سواء العسكريين أو المدنيين. ولقد تمخضت الحرب على حقد وقهر هائلين ومتصاعدين في الشرق الأوسط خاصة. كما أن صعوبة توفير الاستقرار للمنطقة في أعقاب الحرب تعني احتمال تجدد الأوضاع التي تغذي الإرهاب في المدى المنظور ـ كالقهر، والعنف المتفرق، اللامساواة، والتطرف الأيديولوجي ـ وعودتها إلى سابق عهدها.
وهنا يطرح سؤال: ما البديل؟ هل يمكن أن نتصور السياسة المحلية على الساحة الدولية. أي شيء كان يراه ويت حلا مثاليا إلى درجة بعيدة جدا؟ ما أريد إيصاله هو أن الذي يجري الآن هو بالضبط ما كان يحدث طوال العقد الفائت. والأهم من ذلك المجتمع المدني، تيار الناشطين خاصة، لا يزال قائماً. لا تزال القوى المناهضة للعولمة قوية جداً، في أمريكا اللاتينية خاصة، بل إن هناك بين حركة مناهضة العولمة وحركة السلام والمجتمعات الإسلامية مواقف متآزرة انبثقت في صورة حركة دولية مناهضة للحرب، لم يسبق لها مثيل في التاريخ من حيث حجمها واتساع رقعتها. كثير من الدول، خاصة فرنسا وألمانيا، جرت خلف الرأي العام بعيداً عن موقف الولايات المتحدة. وهذه أيضاً هي سبب الأزمة في المؤسسات التعددية. كما أن هناك موقفا إيجابيا جديدا من المجتمع المدني يهيئ الفرصة لتشكيل نظام من المؤسسات الدولية التي تعتمد في نهجها على الدرس المتأني، وليس على أساس التبعية للهيمنة الأمريكية، كما كان الوضع في الماضي.
إن ما يحدث معتمد على السياسة، على قدرة الناس الذين يصنعون التاريخ. وفكرة المجتمع المدني العالمي فكرة تحريرية تتيح للجميع فرصة المشاركة بالنقاش الدائر. وفي رأيي أننا نمر بمرحلة بالغة الخطورة: فالحرب في المشرق الأوسط قد تتسع، حيث من المحتمل اندلاع صراع في جنوب آسيا، مع احتمال استخدام أسلحة التدمير الشامل. وربما نشهد تصاعداً في العمل الإرهابي. إلى أي مدى يمكن للمجتمع المدني أن يقنع دول العالم بضرورة تبني إطار للعمل التعددي بدلا من التعامل مع الطغاة والإرهاب وأسلحة التدمير الشامل، ناهيك عن معالجة قضايا البؤس، والإيدز، والبيئة وغيرها من القضايا الحيوية؟ بعض المحللين أشاروا إلى أن هجمات يوم 11 سبتمبر كان يجب بحثها في إطار القانون الدولي. ينبغي إدانتها كجريمة بحق البشرية، وكان من الواجب على مجل الأمن الدولي إنشاء محكمة للنظر في جرائم الحروب، وبذل جهود لتعقب الإرهابيين ومعاقبتهم. وإذا اقتضى الأمر استخدام الوسائل العسكرية، حيث لن يعتبر استخدامها حربا بل وسيلة لفرض القانون. والشيء عينه يمكن فعله فيما يتعلق بالوضع داخل العراق. هناك خيارات عديدة بالنسبة للأوضاع في العراق، مما تراكم نتيجة الخبرة في دول أوروبا الشرقية خلال الثمانينيات. قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، القرار 687 خاصة، كلها شددت على حقوق الإنسان والديموقراطية وأسلحة الدمار الشامل، ويمكن استخدامها كما تستخدم اتفاقية هلسكني لممارسة الضغط على النظام، في حين تتضافر جهود المفتشين الدوليين مع العقوبات الخاصة بانتهاك حقوق الإنسان. لقد كان ممكنا أن يتكفل المجتمع الدولي بحماية الشعب العراقي من بطش صدام حسين حين يقوم بانتفاضة ضده، كانتفاضة الشمال العراقي عام 1991م، لكنه لم يحرك ساكنا حين قامت انتفاضة الشيعة في الجنوب.
فكرة المجتمع المدني
وبكلمة أخيرة، لست أرى أي مخرج من المأزق الراهن سوى إقامة مجموعة المبادئ القائمة على أسس الموافقة. علينا أن نبحث عن وسائل كفيلة بتقليص العنف في العالم كله، مقتفين بذلك نهج المفكرين المعاصرين الرواد في تصورهم للمجتمع المدني كطريقة لتقليل العنف في بلدانهم، وذلك يعني بدء حوار حول ما يجب فعله.
وأود أن أختم كلامي بما قاله جورج كونراد، فقد عانى من هاجس عواقب حرب نووية، «حرب ماحقة»، مشيراً في ظني إلى أن الصفعة تنطبق على الإرهاب مثلما تنطبق على محاربة الإرهاب. كونراد يختم مؤلفه بالقول: «لا شك، أنا صغير أمام الكبار، ضعيف قياسا بالأقوياء، متخاذل في وجه العنيفين، هياب أمام المعتدين، ومستعد للتضحية أمام هذه» الصفعة «التي أراها هائلة جدا وبلا نهاية حتى يخيل لي أحياناً أنها أبدية. لن أدير لها خدي الأيمن. ولن أقذفها بمنجنيق، إنما سأتبصر في الأمر، ومن ثم أرتب عباراتي».


المصدر: مجلة الثقافة ـ عدد 126.