|
الاثنين:
29/10/2007
تجارة الأطفال
The Baby Trade
إيثان ب.
كابستين
ترجمة: د. جعفر أبو ناصر
الأطفال أغلى ما نملك، وكما هو
حال الموارد الثمينة الأخرى، تتم التجارة بهم
عبر الحدود. مع ازدياد الآباء الذين تبنوا أطفالاً من الخارج خلال العقد
الماضي، ازدهرت السوق العالمية للأطفال: ففي عام 2001م، وجد قرابة 34 ألف
طفل ـ أغلبهم من آسيا وأوروبا الوسطى والشرقية ـ عائلات جديدة في أوروبا
الغربية وأمريكا الشمالية.
والآن، ومع وجود 9.5 مليون طفل يعانون في ملاجئ العالم النامي، ازدادت
فرص بناء العائلات الحنونة عبر الحدود. لكن للأسف، ولأن الطلب على
الأطفال من البلاد الفقيرة يرتفع بين من يعيش في الدول الغنية، فقد
استشرى الفساد في مجال التجارة بالأطفال. يقوم الوسطاء عديمو الأخلاق
بشراء الأطفال أو خطفهم من آبائهم الحقيقيين المحتاجين ويبيعونهم
للعائلات المحمسة لاستقبالهم.
والموازنة بين مساعدة الأطفال اليتامى في الحصول على عائلة مناسبة من
ناحية، ومحاربة الفساد الذي يصاحب التبني من ناحية أخرى، ستكون عملية في
غاية الصعوبة. وإنشاء سوق حرة للتجارة بالأطفال أمر غير وارد: فعلى الرغم
من أن سعر الأطفال قد يكون مغريا فإنهم ليسوا سلعا تجارية، ويجب ألا
يعاملوا كذلك أبدا. لكن حظر تبني اليتامى من بلاد تتغاضى سلطتها عن حلقات
التجارة بالأطفال ليس بالحل المناسب. فقد أجليت عمليات التبني من كمبوديا
ورومانيا، على سبيل المثال، لكنها لم تنجح سوى في حرمان الأيتام في تلك
الدول من فرصة إيجاد العائلات المناسبة، بينما انتقل الطلب إلى موردين
جدد مثل روسيا والصين.
والتوجه الواعد والأكثر إيجابية سيكون بتأكيد نظام قانوني متعدد الأطراف
يضبط التبني العالمي. ومؤتمر لاهاي لحماية الأطفال والتعاون في مجال
التبني الدولي The Hague Convention on Protection of Children and
Cooperation in Respect of Intercountry Adoption الذي يطبق الآن في 54
دولة، يتطلب من الدول الأعضاء تسهيل عمليات التبني عبر الحدود، وفي الوقت
ذاته، العمل على القضاء على الفساد. تقوية هذا النظام ضرورية لحفظ مصلحة
الأيتام والآباء الذين سيتقبلونهم. لكن عملا كهذا سيتطلب ضغطا دبلوماسيا
أكبر، ومعونة خارجية أكبر وقدرا أكبر من الشجاعة السياسية مما أبداه
المجتمع الدولي حتى الآن إذا أردنا مواجهة التجار الفاسدين.
هجوم الأطفال
ظهر التبني الدولي تاريخيا نتيجة للحروب. فبعد الحرب العالمية الثانية،
تبنت العائلات الأمريكية أيتاما أوروبيين، أغلبهم من ألمانيا وإيطاليا
واليونان. وبعد الحرب في كوريا، استقبلوا الأطفال من شبه الجزيرة المدمرة
تلك. وعند انتهاء نزاع فيتنام عام 1975م، جرى تبني قرابة ثلاثة آلاف طفل
فيتنامي من قبل الآباء الأجانب ضمن عملية «أنقذ طفلا Operation Babylift».
وقد ارتفع عدد الأطفال الذين غادروا فيتنام إلى حد جعل الحكومة تعلن عام
1983م عن تأجيل جميع عمليات التبني الإضافية، ولو أن هذا الحظر ألغى
لاحقا.
أما في الوقت الحالي، فقد حددت التغييرات في السياسات الاقتصادية
والاجتماعية الدول التي ستصبح مصادر للأطفال الأيتام. فمع نهاية الحرب
الباردة وعند ظهور اقتصاديات السوق في أوروبا الوسطى والشرقية، تسبب
انهيار نظم الإعانة الاجتماعية، التي وجدت في عهد الشيوعية، في حدوث طفرة
في عدد الأطفال المهجورين. فقد وافقت رومانيا،على سبيل المثال، على أقل
من ثلاثين عملية تبن من قبل الأجانب في عام 1989م، بينما سمحت لأكثر من
عشرة آلاف طفل بأن يهجروا البلاد في السنة التي تلت سقوط الديكتاتورية
فيها.
وبالمثل، وعلى الرغم من أنه لم يتبنّ أي طفل روسي من قبل عائلة أجنبية
قبل عام 1990م، فإن روسيا الآن أكبر مصدر للأيتام الذين تتبناهم عائلات
أمريكية، حيث إنها تمثل مصدر حوالي 40% من حالات التبني الكلية. وكذلك
حال الصين، التي على الرغم من معارضتها تسليم أيتامها التبني الدولي في
أواخر الثمانينيات، فإنها الآن تقع في المرتبة الثانية وبفارق بسيط عن
روسيا. فالسياسة الصينية التي تفرض قانون «طفل واحد لكل عائلة»، الذي
يحابي الذكور بشدة، قد تركت الكثير من البنات الصينيات في حاجة ماسة إلى
الآباء الأجانب. وفي حقيقة الأمر، يقدر أن ثلثي الأطفال المتبنين هم من
الإناث.
وفي الوقت نفسه، تصاعد الطلب على الأطفال الأجانب في الغرب، ويعود سبب
هذه الزيادة الكبيرة إلى التغير الذي حدث في المبادئ الاجتماعية، مثل
انتشار مفاهيم أكثر ليونة لتعريف ما هي العائلة. فمع زيادة فترة الانتظار
قبل الزواج، التي تتسبب في تقليل فرص إنجاب الأطفال، ازداد عدد الذين
يحاولون إنشاء عائلاتهم عن طريق التبني. وكذلك حال عدد متزايد من
البالغين العزاب والأزواج الشواذ.
يلاقي الآباء المرتقبون اليوم صعوبة أكبر في إيجاد الأطفال في بلادهم،
لأن نسبة أقل من مواليد البلاد الغربية يحتاجون الآن إلى يـُتـبنّوا. ففي
الولايات المتحدة على سبيل المثال، يلبي الأطفال الأمريكيو المولد ما بين
نصف وثلثي حالات طلب التبني. (من الصعب الحصول على أرقام دقيقة لأن
الحكومة الأمريكية ـ كما في حال العديد من الحكومات ـ لا تحتفظ بسجلات
يمكن الوثوق بها).
كانت النتيجة الإجمالية لهذه التغييرات الاقتصادية والاجتماعية حصول
انتعاش في تجارة التبني الدولية. ففي فترة ما بين عامي 1998م و2001م،
تضاعف عدد حالات التبني عبر الحدود، حيث قفزت من حوالي 19 ألفا إلى ما
يزيد على 34 ألف حالة. ومع حلول عام 2001م، كان الأمريكيون وحدهم قد
شاركوا في 19237 حالة تبن دولية ـ أي أكثر من نصف مجموع الحالات في
العالم. وقد حصلت ارتفاعات مدهشة إلى حد أكبر في الدول الصناعية الأخرى:
ففي كندا، ارتفع العدد من 232 إلى 1874 بين عامي 1988م و2001م، أما في
إسبانيا، فارتفع عدد الحالات من 93 فقط، إلى 3428 حالة في الفترة ذاتها.
ومن المحتمل أن تستمر تجارة الأطفال في النماء، ويعود ذلك جزئيا إلى أنها
لم تعد مجرد نتيجة للحروب والأزمات الإنسانية. ففي السراء والضراء، يتصرف
سوق الأطفال الآن ـ إلى حد كبير ـ مثل أسواق السلع التجارية، فالطلب يحدد
العرض، ولا يبدو أن أيا من الطلب أو العرض سينخفض في المستقبل القريب.
فمع انتشار فيروس الإيدز واندلاع وباء مرض نقص المناعة المكتسبة، سيزداد
عدد الأطفال المتاحين للتبني حول العالم. وبالفعل، تجد أن قرابة 13 مليون
طفل فقدوا واحداً من والديهم أو كليهما من جراء الإصابة بالإيدز. وحسب
تقديرات اليونيسيف، من المحتمل أن يرتفع ذلك العدد ليصل إلى 25 مليونا من
حلول عام 2010م. يعيش معظم هؤلاء الأطفال في بلاد جنوب الصحراء الإفريقية،
والتي لم تكن في السابق مصدراً رئيسياً لعمليات التبني الدولية بسبب
التحريم الثقافي والديني لتلك الممارسة. ولكن من المحتمل أن يضعف هذا
التردد مع تفاقم أزمة الإيدز، التي قد تجعل العائلات الممتدة عاجزة عن
توفير لقمة العيش لأبنائها. وقد أصبحت بعض الدول الإفريقية، مثل أثيوبيا،
أكثر انفتاحا منذ الآن لفكرة التبني الدولي. ومع انتشار الإيدز في أوروبا
الشرقية ودول شرق آسيا، سيرتفع عدد الأيتام بالتأكيد في هذه المناطق أيضاً،
وكذلك صعوبة إيجاد البيوت الجديدة لهم.
آلام متزايدة
كانت عمليات التبني الدولية، إلى حد بعيد، غير مقننة حتى عقدي
الثمانينيات والتسعينيات، عندما ظهرت عدة قصص مروعة عن الاتجار بالأطفال
في العناوين الرئيسية في الإعلام الدولي، وقد أدى ذلك إلى إثارة الردود
السياسية. وقد كانت المشكلة الأوسع انتشارا التي أفزعت الجميع هي عمليات
بيع وشراء الأطفال بطرق غير مشروعة. فمن ألبانيا إلى الهند، أقدمت
العائلات والملاجئ على عمليات مبادلة الأطفال بالمال، والتلفزيونات
والكاميرات والساعات. وقد كشف مقال حديث في جريدة النيويورك تايمز أن
عائلة في الهند باعت ابنتها الرضيعة مقابل 20 دولار لامرأة من قرية
مجاورة، التي قامت بدورها ببيع الطفلة لملجأ وجد لها عائلة تتبناها في
الخارج.
وفي أفجع الحالات، يباع الأطفال بعد اختطافهم. وقد ظهرت أفظع الأمثلة على
هذه الممارسة في أمريكا الوسطى، حيث اتهم المسؤولون الكبار في هندوراس في
أوائل التسعينيات بالمساعدة على اختطاف أطفال من العائلات الفقيرة وبيعهم
للأجانب. وكذلك أظهر تقرير للأمم المتحدة عام 2000م أن غالبية حالات
التبني الدولي في غواتيمالا، وهي ممون أساسي بالأطفال على مستوى العالم،
تتخللها مجموعة من الجرائم الجنائية، من ضمنها بيع وشراء الأطفال، وتزييف
الوثائق واختطاف الأطفال واحتجازهم إلى حين العثور على عائلة تتبناهم.
ليس من السهل إيقاف هذه الممارسات الإجرامية. فالحوافز الاقتصادية
الأساسية التي تحكم الأسواق لها نفوذ قوى، حتى عندما تكون التجارة
بالأشخاص. يمكن أن تحصل مقابل الأطفال على مبلغ يتراوح ما بين 5 آلاف
دولار و25 ألف دولار. وحتى لو حصل الآباء البيولوجيون على جزء بسيط من
تلك المبالغ، ففي البلاد البائسة قد يكون هذا المبلغ ضخما ومغريا.
والآباء في الدول الغنية سيشترون الأطفال على الرغم من وجود الفساد، على
أمل منحهم فرصة حياة أفضل، دون إدراك منهم أن سلوكهم قد يشجع سوق التجارة
بالأطفال أكثر فأكثر.
ومن الصعب كذلك في بعض الأحيان تمييز التجارة بالأطفال من عمليات التبني
الشرعية، فعلى الرغم من أن الاختلاف بينهما قد يكون واضحا من حيث المفهوم،
فإنه قد لا يكون كذلك في الواقع. فقد اعترفت وكالة أمريكية ساعدت في
إحضار 600 طفل روسي للولايات المتحدة في التعسينيات، بأنها قدمت الملابس
والإمدادت الطبية للملاجئ في سبيل إنشاء العلاقات التمييزية معهم. لكن
الوكالة ادعت أن الروس لم «يبيعوا الأطفال»، لأنها لم تدفع للملاجئ
بالأموال. فشراء الأطفال أمر غير شرعي، لكن تغطية تكاليف تنشئتهم حتى يتم
تبنيهم ليس كذلك على الإطلاق. لكن الاختلاف بين الحالتين يمكن أن يكون
غامضا، إلى درجة التبني والهجرة لن تتمكن من إثبات حدوث مخالفة ما في
الكثير من الحالات إلا إذا اعترف الآباء ببيع أطفالهم جهارا.
واكتشاف مثل هذه الممارسات المنحرفة دفع ببعض الدول المتلقية إلى حظر
تبني الأطفال الذين يتحدرون من دول ذات سجلات مشبوهة، كما أن بعض الدول
المموّنة أوقفت هجرة الأيتام منها إلى حين الانتهاء من مراجعة الأساليب
المتبعة عندهم. لكن هذه التأجيلات لم تحل المشكلة، بل نقلتها إلى الآخرين:
حيث إن فرض العقوبات تأرجح خلال التسعينيات من القرن الماضي والعقد الأول
من القرن الجديد، نتيجة فرض التأجيلات وإلغائها وإعادة فرضها ثانية،
بينما تصارعت الحكومة الرومانية مع ادعاءات الفساد. ففي عام 2001م، وصل
782 طفلا إلى الولايات المتحدة أصلهم من رومانيا، بينما هبط العدد في
السنة التالية إلى 168 فقط بسبب فرض تأجيل آخر. وفي الفترة نفسها، ازداد
عدد حالات تبني الأطفال الروس من قبل عائلات في الولايات المتحدة بحوالي
700 حالة، وعدد الأطفال الصينيين المتبنـَين ارتفع بحوالي 350 حالة. تظهر
هذه النقلة في الممونين أن إجراءات أحادية أو ثنائية لا يمكن أن تكون
وسائل فعالة لضبط تجارة الأطفال، التي تؤثر في الآلاف من الأطفال وأعداد
كبيرة من البلاد. قد تحتاج عملية تبن واحدة إلى عدة سلطات قضائية: فطفل
ولد في ماليزيا قد يـُتبنى في سنغافورة من قبل عائلة تعيش في أيرلندا،
ويصل إليهم عن طريق المملكة المتحدة.
خطوات صغيرة
وبعد كشف هذه العيوب على حقيقتها، في أواخر الثمانينيات، دخلت الأمم
المتحدة في مناقشات متعددة الأطراف في سبيل تطوير إطار عمل مناسب لتجارة
الطفل. (فالمحاولات التي سعت في الماضي وراء ضبط تجارة الأطفال كانت
مقتصرة على المجال الإقليمي، في الأمريكتين مثلا، أو في أوروبا الغربية
والبلاد الشمالية، لكنها جميعا أثبتت أنها عديمة الجدوى بسبب الطبيعة
الدولية لهذه التجارة). انتهت المفاوضات بتبني مشروع سمي «مؤتمر حقوق
الطفل Convention on The Right of Children CRC» في عام 1989م. ميّز هذا
المؤتمر بين التجارة بالأطفال وتبني الأطفال بالطرق الشرعية، وصرح أن
إيجاد عائلة للأطفال اليتامى لا ينبغي أن «يجني منه المشتركون فيه فوائد
مالية غير لائقة». وينص قرار المؤتمر أيضاً على أن «تبني الأطفال بطريقة
عابرة لحدود قد يعتبر وسيلة بديلة لرعاية الأطفال، إذا لم يكن بإمكان
إيجاد عائلة مناسبة لتتبنى أو تكفل الطفل في بلده الأصلي».
كان المؤتمر خطوة أولى مهمة في سعينا وراء ضبط التبني الدولي، لكنها
مترددة وغامضة. فالمؤتمر لا يعرف ما هي «الفائدة المالية غير اللائقة»
على سبيل المثال، وبذلك لا يساعد في التمييز بين الرشاوى ونفقات رعاية
الأطفال الشرعية. ولأن المؤتمر يفضل الحلول المحلية لمشكلة الأيتام، على
حساب التبني الدولي، فهو يحمّل دون الأيتام الأصلية مسؤولية إصلاح
الملاجئ ونظم التبني. لكن تلك المهمة أثبتت أنها تفوق إمكانات معظم الدول،
وبالتحديد دول العالم النامي. والصفقات التي تتم عبر الحدود مغرية إلى
درجة أنها تجعل هذه البلاد غير متحفزة لتشجيع التبني المحلي، بخاصة عند
الذين يفترقون إلى الموارد الكافية للتمويل مثل هذه الجهود.
فالمؤتمر نفسه لا يضبط التبني الدولي. لكنه يوجه الدول الأعضاء فيه،
والبالغ عددها 191 دولة، ويشجعها على إبرام المعاهدات متعددة الأطراف أو
الاتفاقيات التي تساعد على جعل عملية تبني الأطفال عبر الحدود عملية أكثر
شفافية، بما في ذلك إقرار التشريعات الضرورية في كل دولة على حدة. وقد
وقفت أمام ذلك التحدي جمعية تعرف باسم مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص
The Hague Conference Private of International Law، وهي منظمة تشترك
فيها حكومات متعددة، ولم يسمع بها الكثيرون بعد، أنشئت عام 1893م وكـُلفت
بتوحيد مبادئ القانون الدولي الخاص. وفي عام 1993م، قدم هذا المؤتمر إلى
الدول الأعضاء، مسودة اتفاقية في مجال التبني الدولي، اعتمدت على الفور
بالإجماع.
والآن، وبعد أن جرى توقيعها واعتمادها في أكثر من 45 بلدا، وتنتظر
التصديق في تسع دول أخرى وقــّعت عليها، أصبحت اتفاقية لاهاي لحماية
الأطفال والتعاون في احترام التبني الدولي العمود الفقري القانوني لتجارة
الأطفال. فباستجابته لنداء مؤتمر CRC، تسعى اتفاقية لاهاي وراء «اتخاذ
الخطوات اللازمة لجعل التبني الدولي يصب في مصلحة الأطفال، ولضمان حفظ
حقوقهم الأساسية، ومنع اختلاف الأطفال وبيعهم، أو التجارة بهم».
وبينما تنص اتفاقية CRC على أن الأطفال ينبغي أن يبقوا في موطنهم الأصلي
ما دامت رعايتهم هنالك ممكنة، تعتبر اتفاقية لاهاي أن التبني الدولي
مقبول إذا لم نتمكن من إيجاد «عائلة مناسبة» في موطن الطفل. وبعبارة أخرى،
ترتكز الوثيقتان على تقديرات متضادة: فاتفاقية لاهاي تتجاهل تفضيل مؤتمر
CRC للحلول المحلية، وتنص على أن مصلحة الطفل قد تكن في تبنيه من قبل
عائلة أجنبية بدلا من بقائه في ملجأ محلي. واتفاقية لاهاي أيضاً تستهدف
ترسيخ نظام تعاون بين الدول لمنع مرور الأطفال. وهو يعترف بأن الاتجار
بالأطفال، مثل الإرهاب وتجارة المخدرات، لا يمكن السيطرة عليه إلا
بالتعاون متعدد الأطراف. (كانت سلطة الشرطية الدولية ـ الإنتربول ـ شريكا
نشيطا في مناقشات اتفاقية لاهاي).
وأخيراً، تتطلب اتفاقية لاهاي أن تعدل الدول قوانين التبني الخاصة بها
حتى تتوافق مع مبادئ وتوجيهات المؤتمر. وتشترط بنود الاتفاقية أن تنفذ كل
من الدول الممونة والمستقبلة هذا القانون الجديد: حيث تتطلب من الأولى
القضاء على شبكات التبني المنحرفة، ومن الأخيرة اتخاذ الإجراءات الصارمة
لمنع استقبال الأطفال المتاجر بهم. ويجب أن تشهد بلاد منشأ الأطفال أن
عملية تبنيهم قانونية.
كان هذا البند، الذي يمكن أن يسمى «السيطرة الوطنية»، حلا وسطا ضروريا.
فهو نتيجة المفاوضات التي دارت بين المشاركين في المؤتمر، ذوي الخلفيات
المختلفة والآراء المتباينة حول التبني. فالإسلام، على سبيل المثال، يحظر
التبني تماماً، رغم أنه يسمح بأن يُكفل اليتيم، وفي الهند، يُسمح
للهندوسيين فقط بتبني الأطفال الهندوسيين. تشير اتفاقية لاهاي إلى ضرورة
السماح للدول سن التشريعات حول مثل هذه القضايا، وكل منهم بالطريقة التي
تناسب قيمه، فهذه المرونة في غاية الأهمية نظرا إلى كون قوانين التبني
متأخرة نسبيا في معظم البلاد. وما زال القانونيون يجاهدون في سبيل تعريف
ماهية العلاقة القانونية بين الأطفال المتبنين وآبائهم الحقيقيين من
ناحية، وآبائهم بالتبني وإخوتهم الجدد من ناحية أخرى.
ولذلك كانت هناك سمة أساسية لاتفاقية لاهاي، هي مطلبها بأن ترشح كل دولة
«سلطة مركزية» للإشراف على عملية التبني عندها، بتنفيذ توجيهات الاتفاقية
من خلال سن قوانين محلية جديدة وتنسيق إجراءات التبني مع الدول الأخرى.
ولا يمكن الاستهانة بصعوبة هذه المهمة، خاصة في الدول الفيدرالية مثل
الولايات المتحدة، حيث يعتبر التبني من شأن كل ولاية على حده، بدلا من أن
تكون من اختصاص الحكومة الوطنية. ومع مرور ثلاث سنوات على تبني مبادرة
التبني الدولي عام 2000م من قبل الكونجرس، التي أصبحت قانونا بعد أن حصلت
على توقيع الرئيس بيل كلينتون، ما زالت التشريعات اللازمة لتنفيذ اتفاقية
لاهاي في الولايات المتحدة غير جاهزة حتى هذه اللحظة. وقد نتج عن هذا
التأخير توتر ملحوظ بين الكونجرس ووزارة الداخلية الأمريكية، وهي سلطة
الولايات المتحدة المركزية.
مجال للنمو
تستحق اتفاقية لاهاي أن تعتبر إنجازا كبيرا: فهي تؤكد ضرورة أن تكون
مصلحة الأطفال العليا هي التي تحدد الجهود المبذولة لضبط عمليات التبني:
فهي تفضل عمليات التبني الدولية على حساب اللجوء إلى دور الحضانة المحلية.
وتنظم عملية التبني لأنها تتطلب من دول المنشأ أن تشهد على شرعية طريقة
تبني أطفالها. ولذلك، ينبغي أن يكون تطوير وتطبيق الاتفاقية على رأس سلم
أولوياتنا.
ونظرا إلى كونها متصدرة الدول المتبنية للأطفال الأجانب، على الولايات
المتحدة أن تسرع في تنفيذها. وكذلك يتعين على واشنطن أن تبذل ضغطا
دبلوماسيا أكبر على الدول المزودة الرئيسية ـ مثل كامبوديا، وهاييتي،
وكازاخستان، وكوريا الجنوبية، وأوكرانيا، وفيتنام ـ التي لم توافق بعد
على الاتفاقية. وعلى الاتحاد الأوروبي أيضاً لعب دور أساسي في هذا الصدد.
فعندما تحاول الدول المشاركة في تجارة الأطفال الانضمام إلى الاتحاد
الأوروبي سيضطرون للخضوع لسلطة بروكسل الأخلاقية بشكل أكبر. ينبغي أن
يربط الاتحاد الأوروبي بين تحسين عادات التبني من ناحية، والمفاوضات
الاقتصادية الجارية مع البلاد المشتركة في تجارة الأطفال من ناحية أخرى.
ولكن، على الرغم من مساهماتها، فإن اتفاقية لاهاي لن تقضي، ولا يمكن أن
تقضي، على الفساد المنظم، الذي من المحتمل أن يتفاقم مع زيادة التجارة
بالأطفال الأجانب. ومن نقاط ضعف الاتفاقية مقدار الاستقلالية التي تمنحها
للدول في مجال ضبط شبكات تبنيها الخاصة: لأن «السيطرة الوطنية» لن تنجز
إلا قليل في مجال الحد من الفساد المستشري في بعض الأماكن. فإذا كان هناك
مسؤولون فاسدون على استعداد لإلغاء مخلفات السير أو تسهيل الاستثمار
المباشر الأجنبي مقابل الرشاوى، فكيف يمكن أن نفترض أنهم لن يتصرفوا
بأسلوب مشابه في مجال التجارة بالأطفال؟
وحتى في أكثر الدول الممونة شفافية، هناك مال قليل متوافر لملاحقة حالات
الاستغلال، ولتمويل ملاجئ الأيتام، ولدعم التعليم وخدمات الرعاية الصحية.
ولذلك، يغدو من الضروري أن تمنح المعونة للدول التي تحتاج إليها، والتي
تعجز عن تعزيز نظم إعانتها للأطفال. وهذا ينطبق أيضاً على الدول التي لم
توقع على اتفاقيات لاهاي، وربما ينطبق فيها بدرجة أكبر. فكما أوضح هايد
هنري، وهو عضو في الكونجرس الأمريكي، ومن أبرز المؤيدين للتبني الدولي، «من
المستبعد أن تقوم الدول الأجنبية ذات نظم التبني الأكثر غموضاً بإقرار
الاتفاقية في أي وقت قريب». وحجم المعونة الخارجية المخصصة للتبني وقضايا
إعانة الأطفال صغير جداً.
وكذلك يمكن أن تساعدنا سياسات أكثر تواضعاً، مثل تبسيط إجراءات التبني
الحالية وتشجيع النوايا الحسنة. ففي عام 2002م، أطلقت حكومة الولايات
المتحدة مبادرة مشجعة، وهي «الحكم القضائي بوضع اليتيم أولاً« Adjudicate
Orphan Status First»، للتأكد من صلاحية تبني الأطفال قبل أن يبدأ الآباء
المرتقبون سلسلة إجراءات طويلة ومكلفة لتبنيتهم. فوفق هذا البرنامج، يقوم
مكتب الجنسية والهجرة بمراجعة غير ملزمة للأيتام في بولندا، وسيراليون،
وهاييتي، هندوراس والفيليبين لتحديد ما إذا كانوا مؤهلين للتبني والهجرة
إلى الولايات المتحدة. البرنامج صمم لحماية العائلات من ألم اكتشاف أنه
ليس بمقدورهم أن يتبنوا الطفل الذي يحبونه بسبب مشاكل صحية، أو الاتجار
الفاسد أو غيرها من الأخطاء المرتكبة. وإذا أثبت البرنامج أنه يسهل
التبني الدولي بزيادة الشفافية وقدرته على التنبؤ بنجاح الحالات، فمن
الضروري عندها أن يطبق على نطاق أوسع يشمل الدول الممّونة الأخرى، وأن
يحصل على تمويل ملائم من الكونجرس.
وكذلك يجب أن تشجع إجراءات أخرى تساعد الأيتام دون تبنيهم. يمكن للعائلة
الراغبة برعاية الأيتام أن تكفلهم على سبيل المثال، من خلال تمويل تكاليف
رعايتهم عن بعد، وكثيراً ما تتم هذه الرعاية من خلال دفعة شهرية. ولكن
للأسف، يتردد كافلو الأيتام كثيراً قبل أن يساهموا في رعاية الأطفال
الذين يعيشون في بلاد تتهم حكوماتها والوكالات الوسيطة فيها، أو ملاجئها
بسوء الإدارة أو انعدام الرقابة. ويمكن أن تؤدي الحكومات الغربية
والمنظمات الدولية مثل اليونيسيف والهيئات غير الحكومية دورا مساعدا في
تبديد مثل هذه المخاوف بجمع معلومات أفضل عن تلك المؤسسات، وربما حتى
استخدام شروط معينة للتصديق على من تستحق تلقي المساعدات منها. وينبغي
على الحكومات أيضاً أن تشجع كرم كافلي الأيتام بإعطائهم الإعفاءات
الضريبية، كما يفعل الكثير منها مع من يقدم المساهمات الخيرية.
تحويل تجارة الطفل إلى سوق مفتوحة لن يساعد على الإطلاق في القضاء على
الفساد واستغلال الأطفال، بل على العكس، فمن المحتمل أن يشجع بعض النساء
على إنجاب الأطفال بهدف بيعهم. ولهذه الأسباب، يمكن اعتبار المسار الذي
حددته اتفاقية لاهاي ـ استراتيجية مستقبلية متعددة الأطراف ـ هو الذي
علينا اتباعه ومساندته بسياسات منطقية، وضغوط دبلوماسية، والتمويل الكافي
بالطبع. نعرف أنه من المستبعد أن يكون فشلنا في بناء نظام تبن فعال من
أولويات السياسة الخارجية هذه الأيام: فهو لا يهدد الأمن القومي أو النمو
الاقتصادي. ولكن مع نمو التبني العالمي، فلا شك أنه مشكلة ملحة. وإصلاح
هذا النظام سيساعد في جمع الآلاف من الأطفال والآباء ممن تكون رغبتهم
الوحيدة هي بناء عائلة. وفي عصرنا هذا، سيكون تحقيق هذا الهدف إنجازاً لا
يستهان به.
المصدر: مجلة
الثقافة ـ عدد: 127
|