|
الخميس:
11/10/2007
هوية العراق والمواطنة المذبوحة(2/3)
تدرج بأزمة الهوية من المستوى (الفلسفي/ التأملي) إلى (البوليسي/
الإرهابي)
سعدون محسن ضمد(*)
(خاص للمعهد)
المحور الثاني: وعي الهوية
(تحول الهوية لجذر في الشخصية الفردية والجماعية)
أولاً: عملية الوعي وإنتاج الهويات (هَوْيَنَة
الأشياء)
كانت المقدمة السالفة والمتعلقة بتفكيك عملية الوعي لمعرفة ممكناتها،
ضرورية كمدخل نفهم من خلاله الهوية باعتبارها مفردة وعي. أي أنها مكون
مهم وحسّاس من مكونات الذاكرتين (الفردية والجماعية) من جهة. ومن جهة أهم
باعتبارها معطى هاماً من معطيات منظومة الوعي الإنسانية. الهوية الثقافية
أو الحضارية، نتاج وعي الفرد ومن ثم الجماعة، ولكي نفهم طبيعة هذا المنتج
لا بد لنا من الدخول لأروقة المصنع الذي تمت في داخله عملية إنتاجه.
إذن حدَّدنا من خلال تلك المقدمة ممكنات الوعي، وأيضاً حركة هذا الوعي
وخضوعها للكثير من الاشتراطات. ابتدأ من اشتراط الممكن البايولوجي (الحواس
وعمليتي النوم واليقظة)، مروراً بالممكن البيئي (الزمان/ ليل ونهار) (المكان/
أرض سماء). ومن خلال عملية التفكيك التي أجريناها والفهم الذي خرجنا
بحصيلته نستطيع أن نجمع النتائج لنضع مخططاً أولياً للممكنات أو للأبعاد
التي تحدُّ عملية الوعي، وتكون مسؤولة بصورة مباشرة عن نتاجها، هذا
النتاج الذي تشكل الهوية أحد أهم أشكاله، وهذه الأبعاد أو الممكنات أربعة:
1. خطَّي التوازي (زمان + مكان)
الزمان والمكان، وبغض النظر عن وجودهما الموضوعي خارج منظومة الوعي، هما
عبارة عن خَلْقٌ إنساني؛ بمعنى أن الشكل المرسوم لهما إنساني، وهو الذي
يتم التعامل معه حياتياً وواقعياً. وما دام الأمر كذلك فالإنسان يتعامل
مع (الزمكان) الذي خلقه؛ أي (الـمُقطَّع) وليس مع (الزمكان) الموضوعي
الموجود بمعزل عن وعيه ـ على فرض وجوده ـ عليه فالإنسان يدرك الأشياء بل
يخلقها بالاستناد لممكناته، وكما فعل مع الزمكان يفعل مع الهوية. والهوية
على هذا الصعيد مخلوق من مخلوقات منظومة الوعي. أيضاً لا يتعامل الإنسان
مع واقعها الموضوعي، بل مع النسخة التي خلقها منها.
2. اسم المعلومة الثلاثي
لا يستطيع الإنسان أن يؤرشف معلوماته في سياق استخدامها كخزين، دون أن
يجعلها منتمية لأبعاد ثلاثة (زمان + مكان + حدث/ معلومة). إذن الموضوع
المدرك من قبل الإنسان يُسمى قبل أن يُعَرَّف، وتحدد له ثلاث تسميات قبل
أن يُدْرك. وعندما يدرك الفرد منّا ذاته، فإنه مجبور بمحدّدات وعيه على
التعامل معها بنفس السياق، بتسميتها، أو (هَوْيَنتها) الهوية لا يمكن أن
تندرج في منظومة الوعي دون أن تتسمى بالأسماء الثلاث.
3. فكَّي الوعي (قبل/ بعد)
من خلال عملية التقطيع يستطيع الإنسان أن يفهم الأشياء غير المحدودة،
الكون لا نهائي، ما يجعل المكان والزمان غير نهائيين. كيف يمكن للإنسان
أن يدخل لمنظومة وعيه مفردة بهذا الاتّساع؟ مع تقطيع المعلومة
اللامتناهية، يمكن لنا أن نفهمها، الزمن اللانهائي يهشم لأجزاء من خلال
فكي الـ(قبل/ بعد).
الهوية لا نهائية، إذ الهوية الحقيقية هي الإنسانية، وربما الوجود هو
الهوية. لكن هذه معلومة لا متناهية، ما يدفع بالإنسان لعملية التقطيع،
وهكذا تصبح الهوية اللامتناهية، مجموعة هويات لا متناهية العدد.
4. ضفيرة الوعي
(حدث + زمان + مكان = تاريخ/ هوية)
بعد أن تتسمى المعلومة بأسمائها الثلاثة (معلومة + زمان + مكان)، وبعد أن
ترتبط بقبل يسبقها وببعد يتلوها، تصبح لها هوية تخصها وتاريخ يحكي
حكايتها.
إذن الهوية وعي، وبما أنها نسبية أو فضفاضة، فهي إذن وعي متحرك، وإذا
أردنا أن نعود للمعنى المتداول لمصطلح الهوية فإننا نجد بأنه يشير إلى: «القسمات
الثابتة في الشخصية الحضارية والتي تستعصي على التطور والتغير »[ سؤال
النهضة وهاجس الهوية، العرب وتحولات خطابهم، رضوان زيادة، الاجتهاد،
العددان 55/56، السنة الخامسة عشرة 2002، ص78]. وثبات الشخصية وسواء كان
فردي أم جماعي إنما يتم في الوعي، أي أن القسمات المميزة للشخصية القومية
إنما تورث عن طريق التنشئة الاجتماعية، وهذا التوريث الذي يستخدم التنشئة
كآلية إنما هو فعالية عقلية واعية. كما أن مصطلح الهوية من جهة أخرى «هو
مصطلح معاصر وترجمة لكلمة (Identity) الإنكليزية أو (Identite) الفرنسية
والتي تعني خاصّية المطابقة، مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله،
وتعرِّفها المعاجم الحديثة بأنها حقيقة الشيء، أو الشخص، المطلقة
المشتملة على صفاته الجوهرية، التي تميزه عن غيره»[ م.ن، ص79]، فالمطابقة
والحقيقة الجوهرية أيضاً مفردات وعي ومعرفة.
ثانياً: ولادة الهوية
تبدأ الهوية من (أنا) الإنسان، من إدراكه لذاته وانتمائه لها، وإدراك
الذات هذا يتم وفق ممكنات منظومة الوعي، ومن ثم ترتبط هذه الذات بأسمائها
الثلاث (الذات كمدرك أو مثير)+ (زمانها)+ (مكانها) وهكذا، لا يتم إدراك
الذات منفصلة عن المحيط الزمكاني، الأمر الذي ينتج ارتباط وجود بين هذه
الأقانيم الثلاث فتتكون عندنا المعادلة التالية (الذات + الزمان + المكان
= الهوية).
لكن ما معنى أن يدرك الإنسان ذاته؟
هذا السؤال يحتمل أكثر من جواب، فمن هذه الأجوبة: أن موضوع الإدراك هنا
هو الشعور الداخلي، فالإنسان يدرك مشاعره وأحاسيسه وينفعل بها، هذا مستوى
من مستويات إدراك الذات (أنا أفكر = إدراك للوجود الخاص = إدراك الذات).
هناك جواب أو تصور آخر لهذا النمط من الإدراك، وفيه يتم إدراك متعلقات
هذه الذات، أي ما تفعله وما تنفعل به وما تنجزه وما تدركه وما تصبو إليه.
أي؛ تسجيل سيرة هذه الذات. في كلا التصورين تتم عملية خزن للمعلومات التي
تنتظم على شكل ضفائر بهويات محددة مرتبطة بالمحددات الثلاثة. وبالنتيجة
وكلما تكرر بعدي الزمان والمكان وهما يحددان المعلومات، شكلا علامة مميزة
في منظومة الإدراك أو ذاكرتها، وبالنتيجة شكَّلا ثابتاً من ثوابتها.
فمثلاً هناك أوقات تكون عابرة، وأخرى لا تكون كذلك. والأولى هي التي لا
تحدث فيها أحداث مهمة، ما يجعل حيزها في الذاكرة بسيط، والثانية بخلافها،
كالأوقات المحزنة، أوقات الحرمان مثلاً، أو الطفولة المؤلمة، أو ما إلى
ذلك. نفس الأمر يقال عن الأمكنة العابرة وغير العابرة. وتتكون مفردات
الهوية من تكرار الأزمنة والأمكنة غير العابرة، أو المهمة، والتي تشكل
حضوراً مميزاً في ذاكرة الإنسان، وتؤثر بشكل مباشر في توجيه حياته بشكل
عام. بعبارة أخرى ستتكون لدينا ذاكرة خاصّة (فردية) تتكرر فيها بشكل ملفت،
أمكنة وأزمنة محددة (أو متقاربة) الأمر الذي يؤدي لنشوء ارتباط بين الذات
وبين هذا (الزمكان) المحدد.
إذن لا يختلف إدراك الذات عن إدراك أي موضوع آخر (داخلي أو خارجي) والسبب
وكما قلنا سابقاً هو أن لمركب الوعي ممكنات محددة، لا يستطيع تجاوزها.
على صعيد الأهمية يأتي بعد إدراك الذات، إدراك العائلة ثم العشيرة فالوطن،
ثم الأمة... وفي كل عمليات الإدراك هذه تتكرر لدينا الأمكنة والأزمنة، أي
أبعاد الوعي، ما يؤدي لنشوء مناطق ولاءات في الإدراك. وبهذا الخصوص تتعدد
الهوية وتتكثَّر وصولاً إلى الانتماء إلى الإنسانية ككل، إذا لم نقل
الانتماء للوجود. إذن الهوية تتعدد وتكبر وتصغر، والسؤال الذي يطرح نفسه:
لماذا تتعدد الهوية؟ ما الذي يجعلها نسبية وتكاد أن تكون فوضوية؟
ثالثاً: الثبات والهوية
الجواب على هذا السؤال يعود بنا للوعي وضفيرته وفكيه. بالأحرى يعيد
الهوية لمكانها المناسب من حيث أنها مفردة وعي لا غير. وعندما تتعامل
منظومة الإدراك مع الذات باعتبارها موضوع مُدْرَك يحصل التالي:
تستثار المنظومة بالموضوع الذي هو (الذات) وهذه الاستثارة تتخذ المستويين
السابقين؛ أي إدراك الذات عن طريق الشعور بها أو بإدراك متعلقاتها أو
بشكل آخر. وفي مختلف الحالات تخزِّن الذاكرة مشاعر وأحاسيس، أو معلومات.
ترتبط هذه المُدْخَلات مع معطيات الـ(زمكان).
يتشكل من هذا الثنائي مركب هوية ترتبط من خلاله صورة الذات مع زمكان معين
وأحاسيس خاصَّة.
من خلال تكرر حدوث هذه العملية في تجارب إدراكية مختلفة تتكون لدينا
الهويات المختلفة والمتعددة، وينتمي الفرد منّا تبعاً لذلك، مثلاً، لهوية
عراقية، وأخرى مذهبية (سنّية/ شيعية) وثالثة مناطقية (غربية/ شرقية) (شمالية/
جنوبية) ورابعة قومية (عربية/ كردية..). على هذا الأساس يتعلق موضوع ثبات
الهوية وتحركها بنوع المثير الذي يستدعيها، فبالنسبة لفرد يعيش في قبيلة
أو قرية ستكون فرص تشكل هويات متعددة لديه قليلة، ومن جانب آخر وحتى مع
وجود الهويات القليلة فإن المثيرات التي يتعرض لها هي تلك التي تثير لديه
انتماءه لقبيلته. لكن الأمر يختلف مع فرد يعيش في مجتمع متحضر، إذ تكثر
الهويات لديه من جهة، ومن جهة أخرى يتعرض لمثيرات مختلفة تثير لديه
هوياته المختلفة بحسب المواقف والدواعي.
هكذا نستطيع أن نفهم كيف أن مثيراً ما يستطيع أن يجعل عراقياً كوردياً
سنياً ينتظم بصف عراقي عربي سني. وذلك عندما يتعلق المثير بالهوية
الطائفية، ما يجعلها تُستدعى دون الهوية القومية. هذا من جهة. ومن جهة
أخرى يمكن لنا أن نفهم كيف أن هوية مذهبية محددة، يمكن أن تكون هي
الطاغية لدى فرد يعيش في التجمعات السكانية ذات أغلبية مذهبية معينة،
فمعظم المثيرات التي يتعرض لها خلال يومه ستثير عنده هويته المذهبية فقط،
ما يجعله يتفاعل (عاطفياً) مع كل الأشياء المتعلقة بها، الأمر الذي
يكرسها أكثر.
في منظومة الإدراك. ينتمي المولود لعائلته، فهي الهوية الأولى بعد هوية
الذات، ولا يخرج عن هوية العائلة إلا بعد أن يقع تحت ضغط هوية أقوى، ثم
يكمل رحلة الانتقال بين الولاءات والهويات، ويختزن في منظومة وعيه مجموعة
الهويات التي جرب الانتماء إليها. ابتداء من هوية العائلة، وهوية المنطقة
والعشيرة والبلدة والبلد وووالخ. وتحتفظ منظومة الوعي بالهويات كما تحتفظ
بمفردات الوعي الأخرى، وكما أن هناك مفردات وعي إذا ما استثيرت فإنها
تؤدي لحراك فعال ومصيري عند الإنسان، تفعل الهوية نفس الشيء.
يمكن لنا أن نمثل للهوية بالمركز الاجتماعي، الذي ينتج الدور. فمجموعة
الأدوار الاجتماعية التي تخص فرداً ما لا تكون فعّالة بنفس الوقت، بل
تكمن جميعها ولا يُفَعَّل منها إلا واحداً، أو إثنان في بعض الأحيان. لكن
الفرق بين الدور والهوية، أن الأول مُتَحَكَم به من قبل الإنسان، بخلاف
الثانية، ومع أنها محكومة أيضاً ولكن ليس للإنسان بل للعوامل والمؤثرات
الخارجية. بمعنى آخر، نجد أن رئيس الدولة، يخلع دور الرئيس باختياره ما
أن يدخل بيته، ويرتدي دور الأب، وهذا الأمر ليس اضطراريا، والرئيس عندما
يتحول إلى أب، لا يكون واقعاً تحت ضغط قسر اجتماعي كبير أو قاهر، بدليل
أن بعض المهووسين بالرئاسة يمارسون دورها داخل عوائلهم ولا يكونون آباء.
لكن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للهوية، فالإنسان لا يرتديها وينزعها عنه
بحرية تامة، بل تحت ضغط وقهر، نعم قهر غير مرئي ولا هو مدرك حتى من قبل
نفس الواقع تحته، غير أنه قهر.
رابعاً: وعي الهوية
عندما يدرك الإنسان حاجته للانتماء تتحول الهوية من كونها ولاء بسيطاً
وبريئاً إلى كونها حراكاً مقصوداً واستراتيجياً، ولا يدرك الإنسان حاجته
للانتماء إلا بعد أن يتعرض للتهديد الذي يُلْجِئُه إلى الجماعة التي
تكفيه هذا التهديد، وسواء كانت هذه الجماعة هي العائلة أم كانت الدولة
فسيعرف بأن عليه القبول باشتراطاتها، وهكذا تتحول الهوية إلى عقد مضمر
بين المنتمي والبيئة الحاضنة، ما يشكل مركب (وعي الهوية)، هذا المركب
الذي يتكون من (منتمي وبيئة وعقد بينهما).
في العائلة يبدأ الصغير بعملية (وعي الهوية) كلما كبر سنه وازدادت عمليات
التعارض ما بين رغبته ورغبات السلطة في العائلة، وبما أنه لا يتنازل عن
ميوله لصالح ميول غيره، إلا نتيجة ضغط، وبما أنه يقبل بالتنازل ويرضخ
للضغط، فهذا يعني بأنه أخذ يدرك معنى الانتماء للجماعة. ويقبل بالتالي
بعقد غير مرئي بينه وبينها، ذلك أنه يعلم حتماً بأن التهديد الذي سيتعرض
له حال تمرده على العائلة لا يمكن له أن يتحمله، الأمر الذي يجعل حرصه
على التمتع بامتيازات الانتماء يغلب على حرصه على التمرد لتلبية الحاجات
الطارئة.
(*) باحث من
العراق، رئيس تحرير مجلة مدارك.
|