|
الاربعاء:
10/10/2007
هوية العراق والمواطنة المذبوحة(1/3)
تدرج بأزمة الهوية من المستوى (الفلسفي/ التأملي) إلى (البوليسي/ الإرهابي)
سعدون محسن ضمد(*)
(خاص للمعهد)
المقدمة:
إذا كانت المعرفة هي الميّزة الأهم الصاعدة بالإنسانية عن دونية الحيوان، وإذا كان
الإدراك هو القفزة الأكبر في تجاوز الإنسان لحظيرة مخلوقات هذا الكوكب. فإن معرفة
الذات والوعي بها لا بد أن يشكلان معاً ذروة علوّ الإنسان وصعوده في سلَّم التطور.
وفي هذا السياق ليس هناك أهم بالنسبة للإنسان من وعيه لذاته، سواء كانت هذه الذات
فردية أم جماعية. ذلك أن هذه المعرفة هي التي مكَّنته من التعرف على خصوصيته
والمباشرة ببناء حضارته. ومن جهة أخرى ليس هناك أخطر على الإنسان من عملية وعيه
بذاته (أيضاً الفردية والجماعية) فهذا الوعي أنتج الأنانية، التي ميزت بين الذات
والآخر، التمييز الذي تحوَّل لِرَحِمٍ أنجبت كل الحروب التي خاضها الإنسان على صعيد
تقديس الذات و(ألهنتها) من أجل نفي الآخر وتدميره.
تبحث هذه الدراسة في ارتباط الهوية بالوعي، وعلى ثلاث محاور:
المحور الأول: الوعي هو منطلق الحضارة والثقافة ومن ثم الشخصية القومية، التي هي
تعبير آخر عن الهوية. لذلك سيعالج هذا المحور موضوع كون الوعي هو منطلق الهوية
وأساس تكونها.
المحور الثاني: الوعي أيضاً وبعد أن ينتج الهوية، يندرج في بنيتها ويصبح آلية من
آليات الإنتاج فيها. فبعد أن تدرك الهوية نفسها، تتحقق في الشخصية، تصبح هي المركز.
لذلك سنعالج موضوع وعي الهوية، وتحولها من كونها موضوع للإدراك إلى كونها حاوية
لهذا الإدراك.
المحور الثالث: في مرحلة لاحقة من انتماء الوعي للهوية، يرضخ لشروطها، يسير بها،
ينفعل بـ(فواعلها) ويندرج بسياقاتها. الأمر الذي يخرج بالوعي من كونه الـمُنْتِج
إلى كونه الـمُنْتَج. لذلك سنعالج موضوع هَوْيَنَة الأشياء؛ أي إلباس المواضيع لبوس
الهوية.
أخيراً لأن الفلسفة أيضاً مجرد وعي، فإننا سنحاول أن نترك الباب مشرعاً للدخول إلى
الفلسفة وللخروج منها.
هذا الجدل المحتدم بين الهوية والوعي هو الذي سنحاول تناوله ونحن نستكشف الطريق
الفاصل بين وعي الهوية، إذ تندرج كمفهوم وكمفردة وعي داخل منظومة الإدراك، وبين
هوية الوعي، إذ تتحول الهوية لإطار يؤطر الوعي ويحدد رؤيته للموضوع الخارجي، أو
بالأحرى يشوه هذه الرؤية ويؤثر عليها.
المحور الأول: تفكيك منظومة الوعي وتحديد ممكناتها
أولاً: خطَّي التوازي (زمان + مكان)
عندما نثبَّت سكَّة الحديد، فإننا نحدد ممكنات انتقالنا في القطار الذي يسير عليها،
إذ لا يمكن لسكة لا تمر بمكان ما أن تنقل قطارنا إليه وتنقلنا من خلاله. إذن فإذا
أردنا لخيارات انتقالنا أن تكون كثيرة فيجب أن نهيئ لقطارنا سكة أكثر مرونة. لكن
القطار لا ينتقل إلا فوق سكة باتجاه محدد. ما يعني أن ممكنات مركَّب (قطار/ سكَّة/
مسافر) محدودة ولا يمكن تجاوزها. فمن المعروف بأن لكل مركَّب آفاقه وممكناته، إذن
فالخروج عن دائرة الممكن في القطار غير ممكن. هذه النتيجة تسري بشكل مطَّرد على كل
مركب، فلكل مركب ممكناته التي لا يمكن تجاوزها.
لا يمكن للسفر أن يتجاوز ممكنات المُرَكَّب المسؤول عنه. لكن يمكن للسفر أن يكون
أكثر مرونة من خلال استخدام وسائط أخرى للانتقال. نعم سيكون لهذه الوسائط ممكناتها،
لكننا على أقل تقدير سنحصل على مرونة أكثر.
الأيام سبعة، وهي دورة زمنية تشكل حاضنة يجري خلالها كل شيء. داخل إطار الأيام
السبعة نمارس فعّالياتنا ونهندس تفاصيل جميع أمورنا. زمن الإنسان مقسم إلى وحدات
صغيرة، كما هو الحال بالنسبة لمكانه، فهو أيضاً مقسم لوحدات، في الأيام السبعة يجري
كل شيء، وفيها جرى كل شيء، وفي الأساطير وكما في بعض الأخبار الدينية تم خلال هذه
الأيام إبداع الكون العظيم.
لكن من جعل الأيام سبعة؟ من قطَّع الزمن بهذا الشكل.. من اقترح مفهوم اللحظة كخطوة
له، ثم ترجم تتابعها لهذه المقاطع، التي هي الساعات والأيام والأسابيع والشهور
والسنين؟ هل يفهم الحيوان تتابع اللحظات كما نفهمها نحن؟ هل يتعامل مع واقعه من
خلال زمننا أم من خلال زمن خاص به؟ أم أنه لا يحتاج لزمن يفعل وينفعل من خلاله؟ كأن
يكون الزمن عند الحيوان بلا بداية ولا نهاية. أو أنه مفهوم غير موجود في وعيه أو
امتداد غير محسوس بالنسبة إليه.
الإنسان وحده من اقترح الزمان كبعد ضروري لعملية الوعي. هو فعل ذلك بصورة تلقائية
ولا واعية. لأنه يحتاج أن يتخذ منه ومن المكان حاضنتين ضروريتين للإدراك. سكَّتين
يسير عليهما قطار إدراكه لمحيطه الخارجي. لهذا السبب صار كل من الزمان والمكان
مفصَّلين بطريقة تكافئ حدود الإنسان الإدراكية البيولوجية. وصار بالنتيجة لمركب
الوعي الذي يسير على سكتي (الزمكان) ممكناته التي لا يستطيع تجاوزها وكما سيتضح
لاحقاً.
الأيام السبعة التي هي تقسيم لما يعرف بالزمن، محض اقتراح للإنسان. الإنسان وحده
فرض هذا الموضوع وقَبِل به، وعمل على أساسه، وراح يفهم التفاصيل كل التفاصيل
بالاستناد إليه، فرضه على الآلهة، التي هي صنيعة أخرى لوعيه، فكان أن صنعت الآلهة
هذه الكون العظيم بسبعة أيام.
قطار الوعي الإنساني، أو مركب وعيه، يسير على سكتي (زمان + مكان) وبالنتيجة فهذا
الوعي لا يستطيع أن يوصل الإنسان لإلهه بلا (زمان ومكان)؛ لأن سكَّة هذا القطار
محدَّدة بممكنات لا تستطيع مبارحتها. وعي الإنسان لا يمكن له أن يستوعب اللانهائية
التي يمكن لها وحدها أن تكون حاضنة لوعي يفهم أبعاد الوجود اللانهائي.
في وعي الإنسان، أو بتعبير أدق في منظومة وعيه يوجد خلل أو حتم يملي عليه أن يقطِّع
البيئة المحيطة به إلى مجموعة أجزاء. وسواء كان للزمان واقع موضوعي خارج ذهن
الإنسان أم لم يكن له ذلك الواقع، فإن الكيفية التي رسمنا من خلالها الزمان، كيفية
خاصَّة بالإنسان ومقترحة من قبله. السنين على المريخ غيرها على المشتري، غيرها على
زحل وهكذا...
من هنا يمكننا أن نضع إشارة دلالة أولى، نتجه من خلالها لفهم أوضح لحدود وعي
الإنسان ومن ثم وعي الحضارة والهوية، فنقول أن وعي الإنسان لا يستطيع إلا أن يكون
(تقطيعياً)، الأشياء يجب أن تكون مقطَّعة إلى أجزاء، وهذه الأجزاء تحجز بينها فواصل
تمنعها من الاختلاط مع بعضها البعض. الزمان مجموعة مقاطع تبدأ باللحظة ولا تنتهي
بالسنة، المكان، أيضاً مجموعة مقاطع تبدأ ولا تنتهي. إشارة الدلالة هذه تُمَكِّننا
من فهم الكيفية التي استطاع الإنسان من خلالها أن يفهم الكثير من الأشياء، من جهة
ومن جهة أخرى كيف لم يستطع أن يفهم أشياء أخرى.
الإنسان يعجز عن إدراك الكثير من المضامين لأن ممكنات قطار وعيه رهينة بتوازي خطي
الزمان والمكان اللذان ربط بهما مصير وعيه دون أن يشعر، ففرض بذلك الربط على نفسه
اتجاهاً أبدياً سيمر به على محطات معرفية محددة ولا يمكن تجاوزها أبداً.
ثانياً: اسم المعلومة الثلاثي
حتى تكون عملية الوعي ممكنة فإنها تحتاج لدقة في الترتيب والأرشفة والخزن، خاصة إذا
أخذنا بنظر الاعتبار أهمية السرعة بمعالجة المعلومات بعضها بالبعض الآخر للخروج
بنتيجة دقيقة. من هنا تبرز أهمية الأرشفة وأهمية (تقطيع) الزمن معها.
منظومة الوعي تستقبل المثيرات (بصرية، سمعية، لمسيَّة...) من الخارج، ثم تعمل على
معالجة هذه المثيرات بطرق مختلفة، وكلما كانت المثيرات بحاجة لإصدار حكم، كانت
المنظومة بحاجة للخزين المعرفي المركون في الذاكرة، من أجل إجراء عملية المقارنة
التي تلزم لتكوين الحكم، والتراكم الخبراتي مستحصل من طريقين:
الأول: من تجارب الإنسان اليومية (الخاصة) ومنذ طفولته.
والثاني: خبرته الموروثة من قبل الجماعة من خلال عملية التنشئة الاجتماعية.
المهم في عملية الرجوع للخزين المعلوماتي، أنها لا تكون ممكنة أو سريعة إذا لم تكن
نفس المعلومات مؤرشفة بصورة دقيقة ونظامية. إذ البحث عن معلومة ليس لها أي عنوان أو
مُمَيِّز وسط ركام كبير من المعلومات أمر بالغ الصعوبة. ومن هنا تأتي واحدة من أهم
فوائد تقطيع الإنسان للزمن، حيث أنه يستخدمه كضابط للمعلومة ومحدد لها، يجعلها
قابلة للعنونة، ومن ثم للأرشفة والخزن. نفس الأمر يقال عن المكان، وباستخدام كل من
العنوانين (زمان مكان) يصبح للمعلومة ثلاث عناوين، العنوان الأول هو نفس القيمة
(الإدراكية) فيها، النابعة من نفس الحدث ـ بما يختزنه من مثيرات إدراكية ـ منفكاً
عن بعدي (الزمكان) وهو يثير الوعي ليجعله فعّالاً. والعنوان الثاني مكونها المكاني،
والعنوان الثالث مكونها الزماني. ولنأخذ مثال سهل عن الحدث باعتباره معلومة:
ولنتخيل أن حدثاً (كالأكل) تعرض له إنسان لا يعرف الـ(زمكان) للمرة الأولى، ثم تعرض
له للمرة الثانية والثالثة، وهكذا إلى مائة مرة. وكان في كل مرة يطرأ أمر ما يجعل
الحدث مميزاً بشكل ما، كأن تكون عمليات الأكل مصحوبة مرة بهبوب ريح عاتية، ومرة
بتغريد بلبل، ومرة بمحاولة سرقة... الخ. إن هذه المميزات التي تصاحب الحدث، تسميّه،
أو تشكل عنوان أول له، بالتالي تستطيع وحدها أن تمكن الإنسان من تحويل المرات
المتكررة لعملية الأكل، إلى خبرات شخصية مخزونة في الذاكرة يمكن استعادتها
والاستفادة منها عند الحاجة، خاصَّة عندما يتعرض لتجربة مشابهة لواحدة من تجارب
الأكل، الأمر الذي يجعله بحاجة لاستخدام خبراته. فمثلاً قد يصادف أن يأكل مرة أخرى
وتهب ريح عاتية، الأمر الذي يستدعي منه تَذَكُّر تجربته الأولى المشابهة، للاستفادة
من أخطائه ونجاحاته في التعامل مع تلك الخبرة، للخروج من الأزمة بأقل خسائر. لكن مع
تكرر أنواع أخرى من الخبرات في الحياة اليومية، بتفاصيلها المملة، كخبرة النوم
والعمل والحب والكسل.. الخ. كل هذه الخبرات إذا اجتمعت يصبح أمر تميزها عن بعضها
صعب للغاية إذا كان لكل منها عنوان واحد. فتجربة الأكل المصحوبة بمحاولة سرقة هذا
الأكل ستختلط ربما مع تجربة صيد مصحوبة مع محاولة سرقة، أو تختلط مع تجربة شرب
مصحوبة بالسرقة، وهكذا. حتى تصبح الذاكرة مشلولة أو بطيئة في تمييز المعلومات
والوصول إليها بدقة.
لكن عندما يكون للمعلومة ثلاثة عناوين، الأول هو عنوانها بوصفها حدثاً، والثاني هو
عنوانها باقترانها مع الزمان، والثالث مع المكان، تصبح الذاكرة سريعة ودقيقة. ولهذا
السبب نجد أن تمييز الأشخاص باستخدام أسمائهم الثلاثية أسهل بكثير من استخدام
أسمائهم الثنائية أو الأحادية.
ثالثاً: فكَّي الوعي (قبل/ بعد)
مع عدم تقطيع موضوع الإدراك لأجزاء لن نتمكن من تشكيل أي مفردة وعي، ومن جهة أخرى
فإن تقطيع الموضوع لأجزاء، يجعله محددا بنفس عملية التقطيع؛ بمعنى أننا سنفرض على
الموضوع أن يكون مقطَّعاً. حتى لو لم يكن كذلك. هكذا لم ولن يستطيع الإنسان أن يفهم
اللانهائية، بالأحرى لا يستطيع أن يتعامل معها إدراكياً. لا يستطيع أن يفهم لا
نهائية الزمن، والمقصود باللانهائية هنا ليس الامتداد، أبداً بل (اللاتقطيع) هل
نستطيع أن نفهم الزمان دون أن يكون مجزئا إلى مقاطع صغيرة أو كبيرة؟ هل نستطيع أن
نفهم المكان دون أن يكون مقطّعاً؟ لذلك نحن الآن لا نستطيع أن نفهم معنى أن يكون
الكون لا نهائياً، ونكف بالتالي عن البحث عن نهايته وبدايته (الزمانية والمكانية).
إن محاولاتنا للبحث عن النهاية والبداية، هذه لم تأت من طبيعة الموضوع الذي هو
الكون، بل من طبيعة منظومة الوعي التي تتعامل مع الموضوع، هذا المنظومة مركبة بشكل
يملي سلفاً مفهوم الحدود، يمليها على الموضوع من خلال عملية التقطيع، ثم يبحث عن
هذه الحدود. بعد أن يجعل منها مركباً أساسياً من مركبات صورة الموضوع المنطبعة في
الذات.
أين يمكن أن تكون حدود الكون، ما هي طبيعة اللحظة التي انطلق منها الزمن، ثم امتد
بهذا الشكل الساحر. أعتقد بأن مفردتي (البداية، والنهاية) موجودتين في منظومة الوعي
وليس في موضوعها الذي هو المحيط أو الكون أو أي مثير من مثيرات منظومة الإدراك.
يعجز وعي الإنسان عن تخيل اللانهائية، إنها تخيفه، هي تفعل معي ذلك الآن، فأنا حقاً
لا أستطيع أن أتصور وجود شيء بلا حدود، ولا أريد أن أفترض أن هناك موجود ما، كان
ولم يكن قبله قبل، وسيبقى ولن يكون بعده بعد، فهذه الـ(قبل) وهذه الـ(بعد) تشكلان
معاً ركيزتين مهمتين من ركائز منظومة وعي الإنسان، وكما أن جهاز الهضم في الإنسان
لا يستطيع أن يلتهم غذاءه دفعة واحده، وكما أنه بحاجة لتقطيع هذا الغذاء من خلال
الفم، كذلك الأمر بالنسبة لمواضيع وعيه، ولنتخيل أن الـ(قبل) والـ(بعد) هما فكي
منظومة وعي الإنسان، فكل شيء وقبل أن يدخل هذه المنظومة يجب أن يقطع بهذين الفكين،
يجب أن يجري عليه قانون القبل والبعد، حتى الله، أو المطلق، لم نستطع إلى الآن أن
ننجزه ـ كمدرك ـ مجرد عن هذه الاثنينية. فكل محاولاتنا التي تنصب في إطار البحث عن
تخليص الإله من محدودية (الزمكان) هي تعبير واضح وصريح عن سلطة هذه المحدودية وكيف
أنها تشكل فعلاً ممكنات صارمة لحدود وعينا.
علماء الفيزياء والفلك مجتمعين يحاولون أن يقفوا على اللحظة التي انطلق منها الكون،
مفهوم ما يسمى بالانفجار العظيم هو وليد هذه المحاولة، وهذه المحاولة نفسها هي
امتداد واضح للمحاولة الأولى التي قام بها الإنسان ما قبل التاريخ، أي عندما قرر أن
الله خلق الكون في سبعة أيام. كلا المحاولتين فشلتا لأنهما رهينتان بعملية التقطيع،
هذه العملية التي أملت علينا مفهومي البداية والنهاية.
لماذا لا يستطيع الإنسان أن يتعامل إدراكياً مع مفهوم (اللانهاية أو اللاحدود)
لماذا يفترض دائماً أن هناك حدود يجب الوصول إليها؟
لا شك أن لهذا الموضوع علاقة بالأجزاء العضوية من منظومة الوعي، المخ لا يعمل
دائماً، في لحظات النوم يكف عن العمل، وهذه نهاية لعملية الوعي، أي أن عملية الوعي
نهائية. ومن عملية التقطيع هذه يمكن أن تكون الحدود قد (انخلقت) حدود الزمان
والمكان. بين النوم واليقظة توجد دائما بداية ونهاية، على مستوى الوعي في أقل
تقدير. «وقال الله ليكن نور فكان نور وفصل الله بين النور والظلام، وسمى الله النور
نهاراً والظلمة سماها ليلاً، وكان مساء وكان صباح يوم واحد... وقال الله ليكن جلد
في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه.... وسمى الله الجلد سماء، وكان مساء
وكان صباح يوم ثان....»[ سفر التكوين الفصل الأول1-9].
هل يستطيع الإنسان وخلال ممارسة عملية الوعي أن يخرج من ممكنات جهاز وعيه؟ الممكنات
التي تدخله في نوم وتخرج به من يقظة دائماً؟
((وكان مساء وكان صباح يوم جديد))!!
الإنسان لا يستطيع أن يعمل في الليل، فكان الله كذلك، يعمل في النهار، في الصباح
فقط. إذن تعاقب النوم واليقظة أملى على الإنسان حدوداً لوعيه مفهوم الزمان، كما أن
قابلية الإنسان المحدودة على الرؤية أملت عليه محدودية المكان، أي الحدود، المكان
لا نهائي ابتداء من كروية الأرض، وانتهاء بلا محدودية السماء باعتبارها ظرفاً
لأجرامها، فمن أين جاء الإنسان القديم بالحدود للمكان؟ الاحتمال الأقرب أن هذه
الحدود تسربت إليه من محدودية الرؤية لديه، فحاسة البصر ـ وهي الحاسَّة الأكثر
تعاملاً مع المعطيات المكانية ـ محدودة؛ ما أنتج لنا مكاناً مرتبطاً مع الحد، حد
الرؤية. الأفق حد، لكن ليس للأرض ولا للسماء، بل هو حد لمفومهما، وهذا الحد ناتج عن
محدودية الرؤية عندنا، فمدى إبصارنا هو الذي يخلق الأفق، ولذلك فعندما نستخدم
المنظار يمتد الأفق أو يختفي.
رابعاً: ضفيرة الوعي
(حدث + زمان + مكان = تاريخ/ هوية)
إذن لا يستطيع الإنسان أن يتعامل مع مكان لا نهائي، لذلك عمل على أن يترجم هذا
المكان لوحدات بسيطة وصغيرة، يستطيع من خلالها أن يصنع بُعدي الوعي؛ بعد الزمان
وبعد المكان. فبدون الامتداد المكاني لا يمكن للزمان وحده أن يكون مفردة ذات شأن في
منظومة الوعي، والعكس صحيح. لا نستطيع أن نتصور وجود زمان ممتد (أو حتى مقطَّع) بلا
مكان. التاريخ كمفهوم ـ والذي يفترض به أن يكون لبنة أساسية في الوعي ـ هو عبارة عن
ضفيرة إدراك مكونة من جمع بعدي المكان والزمان اللذين يشكلان حاضنة للحدث أو
الواقعة، فبداية الحدث ونهايته ومكان وقوعه، أركان أساسية ليست في الحدث فحسب، بل
في فهمه واستيعابه وإدراكه.
المفردة الأساسية في التاريخ هي الحدث، والحدث التاريخي وهو يتحول لمفردة وعي،
عبارة عن ضفيرة إدراك مكونة من (فعل + زمكان) ومن خلال (الزمكان) يعمل الإنسان على
تقطيع الحدث كمقدمة لفهمه. حرب الخليج كحدث تاريخي، لا يمكن أن نتعامل معه إدراكياً
دون أن نقطِّعه في منظومة وعينا، من خلال تحويله كحدث لأجزاء هي عبارة عن أفعال
مؤرشفة في الذاكرة ومقسمة لمقاطع (زمكانية) مرتبطة بالفعاليات الإنسانية التي هي
محور الحدث. بدون عمليتي التقطيع والأرشفة لا يمكن لمنظومة الوعي أن تنجح في إنجاز
مهمتها بفهم الواقعة وتحويلها لمدرك. حرب الخليج تبدأ بعملية احتلال الكويت وتنتهي
ربما بتحريرها، ونفس عملية الاحتلال تقسم إلى مجموعة مقاطع، هي مثلاً الأحداث التي
حفزت على الاحتلال والأحداث التي انطلق منها ثم عملية الشروع بالاحتلال والنجاح به...
وهكذا. ولو أننا تتبعنا الواقعة وهي تندرج في منظومتي وعي مختلفتين، سنفهم بصورة
أوضح الكيفية التي يتم من خلالها وعي الواقعة وتحويلها لمدرك. فبالنسبة لشخص غير
معني بواقعة حرب الخليج، وهي بالنسبة له مجرد خبر عابر، سنجد أنها مسجلة في وعيه،
باعتبارها ضفيرة وعي مكونة فقط من (مكان) الذي هو إقليم الخليج، و(زمان) الذي هو
المقطع الواقع بين عامي (90 ـ 1991) و(فعل) الذي هو عملية الغزو. هذه صورة كبيرة،
أو بعيدة للحدث التاريخي، وبالنتيجة فهي غير دقيقة.
لكن وعندما نبحث عن هذا الحدث التاريخي في منظومة وعي معنية بحرب الخليج، فسنجد بأن
مكان الواقعة هو نفسه (الخليج العربي) لكننا سنجد أن هذا المكان مقطَّع لعدة أمكنة
بحسب الأحداث التي وقعت فيها، فالأحداث التي حفَّزت على الحرب بعضها وقع في العراق
وبعضها في الكويت وفي السعودية وإيران.. الخ، وبالنسبة للأحداث التي انطلق منها
الاحتلال سنجد بأنها هي الأخرى مقطعة من خلال المكان فبعضها حدث في بغداد والآخر في
البصرة وغيره في السليمانية وهكذا. ونفس الأمر يقال عن الزمان وتقطيعه لفهم
المعلومة بصورة دقيقة، فالزمن الذي استخدمه الشخص غير المعني والذي هو مقطع كبير من
الزمن لا يصلح لترجمة أو أرشفة التفاصيل، يناسب المقطع الكبير من المكان، ويناسب
الفهم الضبابي لنفس الواقعة (حرب الخليج). لكننا ما أن ننزل لتفاصيل الواقعة أو
الحرب فإن الزمن يتجزأ ليرافق كل جزء واقعة أو عدة وقائع.
وهكذا يصبح واضحاً الأهمية البنيوية (للزمكان) بالنسبة لعملية الوعي، كما يسهل من
جهة أخرى تفسير الكيفية التي تم من خلالها خلق هذا (الزمكان).
(*) باحث من العراق، رئيس
تحرير مجلة مدارك.
|