الحضارية «دراسات اجتماعية»
الاحد: 07/10/2007


 الأزمة السكانية في العالم
The Global Baby Bust

فيليب لونغمان
ترجمة: حسن بحري

يعتقد معظم الناس أن زيادة السكان المفرطة إحدى أسوأ المخاطر التي تهدد الأرض. في الواقع إن العكس هو الصحيح. فمع ازدياد غنى البلدان يشيخ سكانها وتهبط معدلات الولادة فيها بشكل منحدر. وهذه المشكلة لا تنحصر في البلدان الغنية فقط، فالعالم النامي يشيخ بسرعة أيضاً. يبدو أن هبوط معدلات الولادة مفيد مادياً، بيد أن التكلفة الاجتماعية والاقتصادية باهظة جداً، ويمكن للسياسات الصحيحة أن تغير الوضع، لكن فقط إذ طبقت قبل فوات الأوان.
تستيقظ على أخبار الازدحام على الطرقات. تغادر المنزل باكرا إلى الموعد مع طبيب، وعلى الرغم من ذلك تصل متأخراً ولا تجد مكاناً للسيارة، وبعد انتظار ساعتين من أجل استشارة لا تتجاوز 15 دقيقة تنتظر مرة أخرى لتجهيز الوصفة، وطوال الوقت أنت قلق حول عملك الذي فوته لأن هناك الكثير من الناس المستعدين لاحتلال مكانك في العمل. ترجع إلى المنزل لمتابعة أخبار المساء، تراقب على التلفزيون حشوداً من الشبان يرمون الحجارة في مكان ما من الشرق الأوسط، وتقريراً آخر حول اختفاء أرض صالحة للزراعة في ميدويست، ومروجاً يعلن للمرة الثالثة ويخبرك نحن في حاجة لمساعدتك لإنقاذ الغابة المطرية، وبينما تقوم بضبط منبه الساعة للصباح، ينطلق فجأة منبه سيارة أحد الجيران، وثمة طنين ينبعث من مكيف آخر.
هكذا ينقضي يوم من حياة أمريكي عادي، لذلك ليس من المدهش أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن تضخم عدد السكان  يشكل واحدة من المشكلات الأكثر إلحاحا. من المؤكد أن الغربي النموذجي يتمتع بمساحة من الفضاء الشخصي غير مسبوقة. وبالمقارنة مع آبائهم يعيش معظمهم في منازل أرحب ويسكنها عدد أقل من الأولاد، يقودون عربان أكثر رحابة يمكن لهم أن يأكلوا فيها، ويدخنوا  أو أن يسمعوا الراديو في جو معزول تماما. الطعام وفير جداً، حتى غدت السمنة عاملاً رئيساً للموت.
على الرغم من ذلك، توحي المعايشة اليومية ووسائل الإعلام بشكل متكرر أن نوعية الحياة التي نتمتع بها في الولايات المتحدة وفي أوروبا ترزح تحت تهديد تزايد عدد السكان، وتزيد تنمية الضواحي المتوسعة من زحمة الطرقات سوءا، وترفع الضرائب وتقلل من فرص الاستمتاع بالطبيعة. كما تشجع الصور التلفزيونية للجماعات والحروب والتدهور البيئي في العالم الثالث البعض على التساؤل «لماذا لدى هؤلاء كل هذا العدد من الأطفال؟». يستعد المهاجرون وأولاد الآخرين للمنافسة على فرص العمل، وعلى الحصول على العناية الصحية وعلى مواقف السيارات وعلى مواقع مميزة على الشاطي والأماكن المفضلة لصيد السمك، وعلى دروب رياضة المشي. عندما نسأل الأمريكيين كم يلزم من الوقت ليتضاعف عدد سكان الأرض، لا عجب أن نسمع نصفهم يجيب 20 سنة أو أقل. مع ذلك، فإن نظرة أقرب إلى التوجهات الديموغرافية تظهر أن معدل التزايد العالمي لعدد السكان قد انخفض بنسبة أكثر من 40 في المائة منذ أعوام الستينيات من القرن الماضي. وتشير تنبؤات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى إلى أن عدد الكائنات البشرية على الأرض يمكن أن يبدأ بالانخفاض خلال فترة حياة أطفال اليوم، وحتى في غياب الحروب  الكبرى أو الأوبئة.
ويتنبأ الديموغرافيون في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية أن عدد سكان البشرية سيصل إلى ذروته «9 مليارات» بحلول عام 2070، ومن ثم سيبدأ بالتناقض. قبل هذا التاريخ بسنوات كثيرة ستتقلص كثير من الأمم إلى الحجم المطلق، وسيصعد متوسط عمر الفرد، على مستوى العالم بشكل دراماتيكي. علاوة على ذلك، فإن أعداد السكان السابقة في الشيخوخة أكثر من غيرها  ستكون في الشرق الأوسط والمناطق النامية الأخرى. وخلال بقية هذا القرن، من المرجح أن تعمر إفريقيا تحت الصحراء حتى أكثر من أوروبا اليوم.
السقوط الحر
إن السبب الأساسي لهذا الميل للانخفاض يكمن في هبوط معدلات الولادة، واليوم تنجب المرأة على مستوى العالم من الأطفال نصف ما كانت تنجبه نظيرتها في عام 1972م، وليس هناك أي بلد صناعي الآن ينتج من الأطفال ما يكفيه للحفاظ على تعداد سكانه مع الزمن، أو للحؤول دون الشيخوخة السريعة لسكانه. وخلال نصف القرن المقبل، فإن ألمانيا يمكن أن تفقد بسهولة ما يعادل سكان ما كان يسمى ألمانيا الشرقية. وسكان روسيا في انكماش بمعدل ثلاثة أرباع المليون في العام. ويتوقع أن يصل عدد سكان اليابان إلى ذروته عام 2005م، ليتناقص بعدها بمقدار الثلث خلال الخميسين سنة التالية، ويعادل هذا الميل كما يلاحظ الديموغرافي هيديو إيب ما حصل في أوروبا القرون الوسطى خلال وباء الطاعون.
وعلى الرغم من وجود عوامل كثيرة فاعلة، فإن التبدل الحاصل في اقتصاديات الحياة العائلية، يبقى هو العامل الرئيسي لتثبيط المهمة في إنجاب الأطفال في جميع الدول الغنية والفقيرة وتحت جميع أشكال الحكم والمحكومات عندما تنتقل أعداد أكثر فأكثر من سكان العالم إلى مناطق المدن، حيث لا يحقق الأطفال أية منافع اقتصادية لذويهم، وتحصل المرأة على الفرص الاقتصادية وعلى وسائط التحكم بالحمل، كما أن التكاليف الاجتماعية والمالية لإنجاب الأطفال مستمرة في الارتفاع.
في الولايات المتحدة، وبحسب وزارة الزراعة، فإن التكلفة المباشرة لتربية طفل واحد من الطبقة الوسطى إذا ولد هذا العام، وحتى يبلغ من العمر 18 سنة تتجاوز 200 ألف دولار، وذلك دون تكاليف الدراسة الجامعية. ويمكن أن تزيد التكلفة في الأجور المسبقة على مليون دولار حتى للعائلات ذات الدخل المتواضع. في غضون ذلك، وعلى الرغم من أن الضمان الاجتماعي، وخطط ضمان التقاعد الخاصة تعتمد بشكل حاسم على الرأسمال البشري الذي يخلقه الآباء، فإنهم يقدمون الفوائد ذاتها، وفي أحيان كثيرة إلى هؤلاء الأفراد الذين يتجنبون أعباء تربية عوائل.
والآن يعيش العالم النامي، مع تزايد الصناعة والمدنية فيه، التحول الديموغرافي ذاته، إنما بخطى أسرع، واليوم على سبيل المثال عندما يفكر الأمريكيون بالمكسيك، فإنهم يفكرون بالصور المتلفزة لمجموعات الشبان العاطلين عن العمل واليائسين، وهي تسبح عبر ريوغراند، أو تتسلل عبر أوتاد السياج الحدودية، مع أنه بسبب الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة المكسيكية، فإن هذا البلد يشيخ أسرع من الولايات المتحدة بخمسة أضعاف لأن متوسط العمر للفرد الأمريكي 30 سنة ليزيد بمقدار  خمس سنوات، من 50 إلى 35 سنة. وفي المقابل، فإن متوسط العمر للفرد المكسيكي، وبحسب تنبؤات الأمم المتحدة سوف يرتفع بمقدار 20 سنة بين عام 2000م وعام 2050م، ليتجاوز عمر نصف عدد السكان 42 سنة، في حين أن عمر الأمريكي المتوسط في عام 2050م يتوقع أن يكون 39.7.
بشكل مماثل، تعطي الصور التلفزيونية المنشورة في الشرق الأوسط لشباب عاطلين عن العمل، ويائسين انطباعا خادعا. إن معدلات الخصوبة في الشرق الأوسط تتناقص بنسب أسرع من أي مكان آخر على الأرض. وبالنتيجة، فإن شعوب المنطقة تشيخ بمعدلات لا سابق لها. على سبيل المثال، بحلول منتصف هذا القرن، فإن متوسط العمر في الجزائر سيرتفع من 21.7 إلى 40 سنة بحسب توقعات الأمم المتحدة.
وشهدت إيران بعد الثورة انخفاضا منحدرا في معدلات الخصوبة فيها بلغت الثلثين، وبالتالي سيكون عدد كبار السن فيها أكثر من عدد الأطفال بحلول عام 2030م.
ثمة بلدان مثل فرنسا واليابان أتيحت لها الفرصة على الأقل لتصبح بلدانا غنية قبل أن تشيخ، لكن اليوم تشيخ معظم البلدان النامية قبل أن تصبح غنية. إن خصوبة الصين المنخفضة تعني أن قوتها العامة ستبدأ بالتقلص بحلول عام 2020م، وسيتجاوز عمر 30 في المائة من سكان الصين الـ 60 سنة بحلول منتصف القرن، والأشد قلقاً أن ديون نظام الضمان الاجتماعي الصيني، والذي لا يغطي سوى جزء من السكان، قد تجاوزت 145 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
كما يأتي الاستخدام  المتزايد للتقنيات فوق الصوتية وسواها بهدف تحديد جنس الجنين ليزيد الوضع الديموغرافي سوءاً، كما هو حاصل الآن في الهند وفي مناطق كثيرة من العالم، هذا الاستخدام الذي يقود إلى زيادة كبيرة لنسب إجهاض الأجنة المؤنثة مقارنة بأجنة الذكور.
ففي الصين، تشكل نسبة ولادات الذكور إلى ولادات الإناث نسبة 117 ذكراً إلى 100 أنثى، مما يعني بشكل تقريبي أن ذكراً من بين كل ستة ذكور من جيل اليوم الجديد لن ينجح في التكاثر.
وهناك الآن 59بلدا تضم نحو 44 في المائة من إجمالي عدد السكان في العالم لا تنتج أطفالاً بما فيه الكفاية لتعوض التناقص في  تعداد سكانها، وهذه الظاهرة تتزايد باستمرار.
وبحلول عام 2045م وفقاً إلى آخر التقديرات المستقبلية للأمم المتحدة، فإن معدل الخصوبة على مستوى العالم ككل سوف ينخفض إلى أدنى من مستويات تعويض التناقص في السكان.
ربحية العائد الديموغرافي
ما الأثر الذي تتركه هذه التوجهات على الاقتصاد الكوني، وعلى توازن القوة؟ لندرس أولاً الاحتمالات الإيجابية. تقدم حالة تباطؤ النمو السكاني فوائد كثيرة، بعضها تحقق بالفعل. ويؤمن كثير من الاقتصاديين مثلا أن هبوط معدلات الولادة أعطى الفرصة لاقتصادات كبيرة بالازدهار،وهذا ما حصل في اليابان، ومن ثم في بلدان آسيوية كثيرة، ابتداء من أعوام الستينيات من القرن الماضي. فمع هبوط العدد النسبي للأطفال، هبط العبء الناجم عن إعالتهم وبالنتيجة حرر هذا الأمر موارد أكبر للاستثمار ولاستهلاك الكبار. وفي شرقي آسيا زاد عدد السكان في سن العمل بسرعة تعادل نحو أربعة أمثال على السكان الواجب إعالتهم بين 1965م و1990م، وحرر ذلك احتياطياً ضخماً من قوة العمل الأنثوية والموارد الاجتماعية الأخرى، والتي كانت لولا ذلك مكرسة لتربية الأطفال، بشكل مماثل، فإن عملية التصنيع السريعة التي تشهدها الصين اليوم قد ساهم فيها الهبوط الدراماتيكي في العدد النسبي للأطفال الواجب إعالتهم.
خلال العقد المقبل يمكن للشرق الأوسط أن يستفيد من عائد ديموغرافي مماثل، لقد هبط معدل الولادات في كل بلد مفرد من بلدان الشرق الأوسط خلال أعوام التسعينيات من القرن الماضي، وكان هبوطاً دراماتيكياً في الغالب. وبالنتيجة، فإن «سن الشباب»، في المنطقة سوف يخفض نسبة الاعتمادية الإجمالية خلال السنوات الـ 10 إلى الـ 20 المقبلة، مما سيحرر موارد أكثر من أجل البنية التحتية، وعملية التنمية الصناعية. وإن إغراء التطرف يمكن أيضاً أن يتناقص كون الشباب الصغار سيشكلون نسبة أقل من  عدد السكان، وسيهيمن السكان من متوسطي العمر بشكل متزايد في مجتمعات الشرق الأوسط، على هؤلاء المهتمين بالأمور العملية، مثل العناية الصحية، ومدخرات التقاعد، تماماً كما حصل في الغرب في الثمانينيات من القرن الماضي، حيث ترافقت الشيخوخة السكانية مع اختفاء المجموعات الإرهابية المكونة من الشبان من السكان الأصليين، مثل الألوية الحمراء ومجموعة ويزر إنر غراوند، فإن هبوط معدلات الولادة في الشرق الأوسط يمكن أن ينتج مجتمعات أقل ميلاً للعنف السياسي بكثير.
في البداية تعطي معدلات الخصوبة المنخفضة «عائداً ديموغرافياً»، وفي حال استمرار هذا الميل للمعدلات سيتوجب إعادة تسديد هذا العائد. فعلى الرغم من أنه للوهلة الأولى سيكون هناك عدد أقل من الأطفال لإطعامهم وإكسائهم وتعليمهم وسيترك ذلك موارد أكثر للبالغين، لكن سرعان ما سيهبط عدد العمال المنتجين أيضاً، وسيزداد عدد كبار السن القاصرين في حال هبطت الخصوبة إلى أدنى من مستويات الاستبدال. وكبار السن هؤلاء يستهلكون من الموارد الأكثر مما يستهلك الأطفال، ففي الولايات المتحدة يستهلك الأطفال العادي، حتى مع تكاليف التعليم البالغة 28 في المائة، أقل من الشاب العادي في سن العمل، في حين يستهلك كبير السن 27 في مائة أي أكثر من الشاب، وبشكل أساسي مصاريف العناية الصحية.
إلى حد كبير، وبسبب هذا الاختلال في التوازن تشكل شيخوخة السكان حالما يبدأ التوازن بالميل ليكون في المجتمع عدد الكهول أكبر من عدد العاملين، عوامل إجهاد حادة على موازنة الحكومة. على سبيل المثال في ألمانيا، فإن الإنفاق العام على المخصصات التقاعدية، حتى بعد احتساب التخفيضات في  الإعلانات المستقبلية المنصوص عليها في القانون الحالي، يتوقع أن تبتلع 15.4 في المائة في عام 2040 من مجمل الناتج المحلي، وهي الآن تبلغ 10.3 منه مع أن عدد العمال المتاحين لإعالة كل متقاعد سوف يتقلص من 2.6 إلى 1.4، وفي الوقت ذاته، يتوقع أن ترتفع تكلفة إعانات العناية الصحية الحكومية لكبار السن من 3.8 من مجمل النتاج المحلي اليوم إلى 8.4 عام 2040م.
كما أن تقدم السكان في العمر يستنزف نمو العائدات الحكومية. يشكل النمو السكاني المصدر الأساسي للنمو الاقتصادي. وكلما كان عدد الناس أكثر، كان الطلب على السلع التي يبيعها الرأسماليون، وكلما كان عرض العمل الذي يشتريه الرأسماليون أكبر، يمكن أن يكون الاقتصاديون قادرين على بناء نماذج لكيفية احتمالات نمو الاقتصاديات وسط ظروف تناقض عدد السكان، لكن في العالم الواقعي، لا يحصل ذلك مطلقا.
يتكون الناتج الإجمالي المحلي لدولة معينة بشكل دقيق من مجموع قوة العمل في هذه الدولة مضروبة بمتوسط إنتاجية العامل، وبالتالي فإن الهبوط في عدد العمال يؤدي إلى انخفاض في إمكانية النمو الاقتصادي، وعندما ينخفض حجم قوة العمل، فإن النمو الاقتصادي يحصل فقط في حالة كانت الزيادة في إنتاجية العمل كافية للتعويض. كما يجب أن تكون هذه الزيادة كبيرة بحيث تعوض عامل «الشيخوخة». ففي إيطاليا مثلاً، تشير التوقعات إلى أن نسبة السكان في سن العمل سوف يهبط إلى 41 في المائة بحلول عام 2050، مما يعني ضرورة زيادة إنتاجية كل عامل بالنسبة ذاتها على الأقل فقط للحفاظ على معدل للنمو الاقتصادي الإيطالي من الهبوط إلى دون الصفر. ومع تقلص عرض العمل، فإن النمو الاقتصادي المستقبلي لأوروبا سيعتمد بشكل كامل على الاستفادة أكثر من كل عامل متبق(معظم هؤلاء العمال غير مهرة، وهم مهاجرون حديثو الوصول)، وسيكون على الدول الأوروبية فرض ضرائب أعلى على هؤلاء العمال، وجعلهم يدفعون معدلات أعلى لضمانات الشيخوخة والعناية الصحية.
نظرياً، يمكن لرفع سن التقاعد أن يساعد تخفيف العبء الناتج عن إعانات الكهولة غير المببرة. لكن التدهور في اللياقة البدنية وسط عموم السكان يجعل هذا التكتيك أقل غير ملائم، ففي الولايات المتحدة مثلاً أخذ يسبب الارتفاع الحاد في السمنة، وأسلوب الحياة الكسولة ارتفاعا في معدلات العجز الجسدي وسط السكان بسن 59 والأصغر سنا. ويقدر الباحثون أن هذا الميل بسبب زيادة مقدار 10-15 في المائة على مصاريف العناية الطبية، إضافة إلى البرنامج الموجود ذي التكاليف الهائلة. في غضون ذلك، وعلى الرغم من الدعاية الصاخبة حول «ثروة التعمير لسن كبير»، فإن توقعات العمر وسط كبار السن في الولايات المتحدة تقول بتحسن يلاحظ بصعوبة. وفي الواقع، نتيجة التغير الذي أصاب عوامل أساليب الحياة، فإن التوقعات العمرية وسط النساء الأمريكيات بسن 65 سنة، كانت أقل في عام 2002 مما كانت في 1990 بحسب إدارة الضمان الاجتماعي.
ويمكن أن نشاهد الآن الانخفاض ذاته في اللياقة البدنية السكانية لدى كثير من الدول الأخرى، وهذا الانخفاض من المرجح أن يمتص أية عوائد للصحة العامة يحققها التقدم التكنولوجي الصحي. وبحسب الجمعية الدولية لدراسة البدانة «يمثل الارتفاع المقلق للبدانة وباءً أوروبيا شاملاً»، 35 في المائة من الأطفال الإيطاليين زائدو الوزن. وفي حالة الرجال في أوروبا، فإن نسبة البدناء أو زائدي الوزن تتراوح بين 60 في المائة في فرنسا إلى 70 في المائة في ألمانيا. ومع انتشار نمط الحياة الغربي إلى الدول النامية كذلك تنتشر طرق الموت الغربية. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن نصف حالات الوفيات في أماكن مثل المكسيك والصين والشرق الأوسط هي الآن ناتجة عن أمراض غير معدية ذات علاقة بأسلوب الحياة الغربية، مثل أنواع الأمراض السرطانية والسكتات القلبية الناتجة عن التدخين والسمنة.
الشيخوخة العالمية والقوة الدولية
من المرجح أن يكون لاتجاهات انخفاض عدد السكان الحالية تأثير أساسي آخر، وستزيد من صعوبة العمليات العسكرية لمعظم الدول، فأحد أسباب هذا التحول هو سبب سيكولوجي. ففي البلدان التي تملك العائلات فيها ولداً واحداً وولدين سيغدو كل جندي فيها «الجندي الخاص بريان» ـ جندي خسارته سوف تعني عاملاً مدمراً تماماً لعائلته أو لعائلتها. في السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفييتي، على سبيل المثال، أدى الانخفاض الحاد في الولادات في روسيا بحلول عام 1990م، إلى انخفاض عدد الروس من الفئة العمرية 15-24 سنة بمقدار 5.2 مليون فرد عن عددهم قبل 25 سنة. وإذا أخذنا قلة الأبناء بالاعتبار لن يكون مفاجئاً أن الأمهات الروسيات شكلن وللمرأة الأولى في تاريخ روسيا حركة تناهض الحرب، وقرر المجتمع السوفييتي أن الخسائر في أفغانستان غير مقبولة، والسبب الآخر للتبديل سيكون مالياً. يعتبر الأمريكيون اليوم أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة المتبقية والتي هي كذلك، مع التكلفة المتزايدة لضمانات  الشيخوخة والعناية الصحية والتي تلتهم أكثر فأكثر من ثروة الأمة، ومع توقف قوة العمل عن النمو، سيزداد الأمر صعوبة أمام واشنطن في الاستمرار في المستويات الصرف العسكرية الراهنة أو استمرار الاحتفاظ بهذه الأعداد من الرجال والنساء تحت السلاح. وحتى داخل الموازنة العسكرية للولايات المتحدة. فإن التنافس بين البنادق والعكاكيز على أشده. يصرف البنتاغون اليوم 84 سنتيما على ضمانات التقاعد مقابل كل دولار واحد يصرفه على الأساسيات. وفي الواقع يشكل بند الضمانات التقاعدية البند الأكبر في موازنة البنتاغون ماعدا أيام الحرب في عام 2000م وصلت كتلة الضمانات التقاعدية إلى 12 ضعفاً لما صرفه البنتاغون على العتاد ونحو خمسة أضعاف ما صرفته القوات البحرية على السفن الجديدة، وخمسة أضعاف ما صرفته القوات الجوية على الطائرات الجديدة وعلى الصواريخ، صحيح أن الجيش الأمريكي الآن متقدم تقنياً أكثر من أية فترة خلت، مما يعني أن القوة الوطنية اليوم هي أقل اعتماداً بكثير على الأعداد الكبيرة للجيوش، لكن التقنية التي تستخدمها الولايات المتحدة اليوم لتدعيم قوتها، من قنابل موجهة بالليزر وطائرات سرية إلى الملاحة المدعومة بمنظومات تحديد المواقع الأرضية، وناقلات الطائرات النووية، جميعها نتائج أبحاث وتطويرات بالغة التكلفة، بحيث إن الولايات المتحدة ستجد صعوبة في تحمل تكلفتها إذا ما استمرت تكاليف استحقاقات الشيخوخة في الارتفاع.
تنطبق النقطة ذاتها على إمكانية الولايات المتحدة في المحافظة على مستويات تقديمها للمساعدات الخارجية أو زيادتها، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تواجه مشكلة الكهولة السكانية بالحدة ذاتها التي تواجهها مثيلاتها الدول الصناعية الأخرى، إلا أن نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة بالغ التكلفة إلى أقصى حد، ونظام الإعانات التقاعدية يعاني من نقص التمويل، مما يعني أن الولايات المتحدة أمام استحقاقات مربكة. وبحسب صندوق النقد الدولي فإن اختلال التوازن بين ما سوف تجمعه الحكومة الفيدرالية الأمريكية في الضرائب المستقبلية وفقاً للقانون الحالي، وما هو موعود لتسديده  على شاكلة إعانات  مستقبلية يتجاوز الآن نسبة 500 في المائة من مجمل الدخل القومي، ولسد الفجوة يحذر صندوق النقد الدولي من أن هذا الأمر «سوف يقتضي ارتفاعا حاداً مباشراً ودائماً لمجموع ضريبة الدخل الفيدرالية بنسبة تصل إلى 60 في المائة أو القيام بتخفيض تكلفة الضمان الاجتماعي والعناية الصحيحة بنسبة 50 في المائة»، كلا الاحتمالين مستبعد، وبالتالي بعد عشرين سنة لن تكون الولايات المتحدة قادرة على دفع تكلفة دور الشرطي الدولي أكثر من قدرة أوربا أو اليابان على فعل ذلك اليوم، كذلك لن يكون بمقدور الصين القيام بهذه المهمة، ذلك لأنها في المستقبل القريب ستعاني من فرط الشيخوخة الذي تعاني منه اليابان اليوم.
الشيخوخة السكانية وسرعة التقدم الاقتصادي
حتى في حال كان عدد العمال المتوفر أقل لدعم كل متقاعد في المستقبل، ألن تكون التقنية قادرة على تعويض الفرق؟ ربما، لكن على سبيل المثال هناك بيانات كثيرة تشير إلى أن شيخوخة السكان ذاتها تعمل على الحد من معدلات الابتكارات التنظيمية والتقنية. وعلى سبيل المثال، تشير المقارنات الدراسية بين البلدين إلى أنه عندما تزداد نسبة كبار السن عن نسبة معينة في مجتمع ما، فإن مستوى المقاولية والابتكارية في هذا المجتمع تبدأ في الهبوط. في عام 2002م نشر معهد بابسون ومدرسة لندن للأعمال مؤشرهم الأخير للنشاط المقاولي، كشف هذا المؤشر أن هناك ترابطاً متميزاً بين البلدان التي تشكل فيها نسبة العمال إلى المتقاعدين نسبة عالية، والتي فيها درجة عالية من المقاولية، والعكس صحيح، ففي البلدان التي فيها نسبة كبيرة من المتقاعدين يكون حجم التشكيلات الجديدة للعمل منخفضة، هكذا نجد على سبيل المثال أن البلدين من بين البلدان الأكثر مقاولية اليوم هما الصين والهند، وحيث نجد هناك خمسة مواطنين تقريباً هم في سن العمل مقابل كل مواطن في سن التقاعد. في حين نجد أن فرنسا واليابان من بين البلدان الأقل مقاولية على الأرض، ونسبة العمال إلى المتقاعدين فيها هي من بين النسب الأدنى في العالم.
يمكن إيجاد التفسير لهذا الترابط في عوامل متباينة كثيرة. كما أن الفطنة العامة والأدب في مجال المال والسيكولوجيا تسند وجهة النظر القائلة إن الإنسان مع اقترابه من سن التقاعد يصبح غير ميال للمغامرة المالية أو الوظيفية، لذلك ليس من المدهش أن نجد البلدان المتقدمة في السن مثل إيطاليا، فرنسا، واليابان تتميز بمعدلات منخفضة بشكل استثنائي في إعادة هيكلة العمل وباستخدام محافظ جداً لرأس المال، وذلك لأن عامل الحذر يكون قائما لدى المستثمرين من كبار السن، بحيث يبتعدون عن المجازفات الاستثمارية، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إنه يفضل الانتقال تجاه الاستثمار في ميدان سندات التأمين والأرصدة البنكية، ويبتعد عن أسواق المضاربات وتمويل المشاريع التي تتسم بالمغامرة، كذلك مع تقدم الأفراد في السن الأكثر، فإن القسم الأكبر منهم يبدأ في تحويل استثماراته إلى أرصدة ثابتة ويأخذون بصرف مدخراتهم.
يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضاً حالات العجز العامة الضخمة المتصور أن تقع فيها البلدان المصنعة الرئيسية خلال العقود القليلة المقبلة. ومن المرجح أن تهبط بشكل حاد مصاريف الحكومات على قضايا البحوث والتنمية، وكذلك التعليم، وذلك بسبب التكاليف المتزايدة لضمانات العجزة والعناية الصحية، أضف إلى ذلك أن سياسة الاقتراض الحكومي الضخم يمكن ببساطة أن تستنزف رأس المال الاقتصادي الذي كان يمكن أن يذهب للقطاع الخاص للاستثمار في حقل التقنية الجديدة. لقد أجرى أخيراً مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية حسابا وجد بنتيجته أن تكلفة الإعانات الاجتماعية لكبار السن سوف تستهلك حصة متزايدة بشكل حاد من النتاج الإجمالي المحلي في البلدان المصنعة. ففي الولايات المتحدة تستهلك مثل هذه الضمانات حاليا ما نسبته 9.4 في المائة من مجمل الدخل الوطني، لكن في حال استمرار التوجه الحالي، فإن هذا الرقم سيقفز إلى 20 في المائة، وفي بلدان مثل فرنسا وألمانيا واليابان وإسبانيا فإن برامج ضمانات التقاعد والعناية الصحية، سوف تستهلك نسبة تتراوح بين ربع وثلث مجمل الناتج الوطني.
نظريا، فإن سوقا نقدية عالمية عالية الفاعلية يمكن أن تقدم الموارد من البلدان الغنية والعجوزة والتي تعاني من النقص في قوة العمل إلى البلدان الشابة والفقيرة التي يعوزها رأس المال، وتحوّل هذه السوق العالم بمجمله إلى عالم أفضل. لكن ليحدث هذا الأمر، على البلدان العجوزة أن تقوم باحتواء العجز عندها وتوظف مدخراتها في أماكن هي نفسها، أما على حافة فرط الشيخوخة (الصين، الهند، المكسيك)،أو في بلدان غير مستقرة إلى درجة عالية بسبب الأصوليات الدينية، الأمراض والحروب (معظم الشرق الأوسط، إفريقيا تحت الصحراء وإندونيسيا) أو في كليهما. ومن سيشتري السلع المنتجة عبر هذه الاستثمارات؟ لقد اعتمدت اليابان وكوريا الجنوبية والبلدان المصنعة حديثا على صادراتها المكثفة إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتحقيق تنميتها. لكن إذا تناقض عدد سكان أوروبا واليابان وسكان أمريكا كبروا في السن بشكل كبير، فمن أين سيأتي الطلب لدعم التنمية في أماكن مثل الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء؟
من المرجح أيضاً أن تخلق شيخوخة السكان تكاليف موروثة هائلة بالنسبة لأرباب العمل، نلاحظ هذا الأمر بشكل جلي في الولايات المتحدة، حيث يتحمل القطاع الخاص بشكل أساسي تكاليف ضمانات الشيخوخة والعناية  الصحية، مثلا لدى شركة جنرال موتورز الآن 2.5 متقاعد على قوائم التقاعدية مقابل كل عامل فعلي لدى الشركة، كما يبلغ دين التقاعدات غير المسددة فيها 19.2 مليار دولار. وفي حال قيام هذه الشركة بتسديد المستحقات التقاعدية عليها الآن، سيضيف ذلك 1800 دولار على سعر كل سيارة تصنعها الشركة، وذلك حسب تقديرات 2003م لمورغن ستانلي. وعندما قررت الحكومة الأمريكية تحمل المسؤولية القانونية على المدى القصير لتسديد المستحقات التقاعدية المترتبة على القطاع الخاص بين عام 2001م وعام 2002م ارتفعت التزامات الحكومة في هذا الحقل من 11 ملياراً إلى 35 مليار دولار مع وجود تخلفات كبيرة جدا عن التسديد من قبل صناعة الفولاذ والطائرات، كما أن قوة العمل المتقدمة في السن يمكن أن تكون أقل قابلية أو ميلا للاستفادة من التقنية الجديدة. ويبدو أن هذا الميل يشكل سببا من أسباب ميلان معدلات نمو الإنتاجية اليابانية للانخفاض خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي. قبل عقد التسعينات كان كبر سن قوة العمل اليابانية عالية التعليم ضئيلا، لا بل يشكل قوة موجبة لزيادة الإنتاجية الوطنية بحسب الدراسات ذات العلاقة. إن تعلم كبار السن من العمال عبر الممارسة وتنمية معارف ومهارات حرفية متخصصة، بالإضافة إلى حيوية الشركات اليابانية المشهورة ساهم ذلك كله في جعل اليابان قوة تصنيع لا منافس لها، لكن بحلول عقد التسعينيات غدا استمرار تقدم قوة العمل اليابانية في السن سبباً أساسياً لتراجع روح المنافسة للبلاد.
يعمل أيضاً تقدم السكان في العمر «الشيخوخة السكانية» ضد الإبداع بطريقة أخرى. فمع تضاؤل النمو السكاني، تتضاءل الحاجة إلى زيادة العرض في جميع الميادين عدا ميدان العناية الصحية. وبعبارة أخرى، سيكون الدفاع أقل للبحث عن سبل لجعل غاليون البنزين يكفي لمسافة أطول، أو لزيادة إمكانات البـُنية  التحتية مثلاً،تبقى زيادة عدد السكان هي أم الضرورة، دون ذلك لماذا الاكتراث بالابتكار؟ كما أن المجتمع المتقدم في السن لديه حاجة متزايدة للحصول على مردود أكبر من كل عامل متبق، لكن مع انعدام انتعاش الأسواق لن يكون للشركات الفردية حافز كاف للبحث عن كيفية تحقيق إنتاج أكبر بوجود أقل، ومع وجود عرض متضائل للرأسمال البشري، لن يكون لدى هذه الشركات أفكار كثيرة للاعتماد عليها.
استيراد الرأسمال البشري
إذا لم تكن التقنية  العالية  هي الجواب، ماذا بشأن الهجرة؟ يبدو أن عملية استقدام عمال فتيان وجدد في أفضل الأحوال لا تشكل سوى جزء من الحل، بالتأكيد تحصل الولايات المتحدة والدول المتطورة الأخرى على فوائد ومنافع كثيرة عبر استيراد الرأسمال البشري. وفي مطلق الأحوال، فإن الهجرة تقدم أقل بكثير مما يعتقد في سبيل تلطيف التحديات الناتجة عن شيخوخة السكان. أحد الأسباب هو أن معظم المهاجرين يصلون هذه البلدان ليس كأطفال، بل ككبار تركوا خلفهم ثلث أو نصف حياتهم، وسرعان ما سيغدون هم أنفسهم  كبارا في السن. على المدى القصير يمكن للمهاجرين أن يساعدوا في رفع نسبة العاملين إلى المتقاعدين، لكن  على المدى الطويل، فإن الفتوة التي يضيفونها إلى السكان هي أقل بكثير مما يمكن أن يضيفه المولودون الجدد من الأطفال.
في الواقع، وبحسب دراسة قام بها قسم السكان في الأمم المتحدة، فإنه إذا كانت الولايات المتحدة، فإنه إذا كانت الولايات المتحدة تأمل بالمحافظة على النسبة  الحالية من العمال إلى المتقاعدين، فإن عليها أن تستوعب ما معدله 10.8 مليون مهاجر سنويا، حتى عام 2050م، سيصبح عدد سكان الولايات المتحدة 1.1 مليار نسمة، 73 في المائة منهم من المهاجرين الذين وصلوا إلى البلد منذ 1995م، أو من أحفادهم، ستتطلب عملية إسكان مثل هذا التدفق وحده ما يعادل بناء مدينة بحجم مدينة نيويورك كل عشرة أشهر. وحتى مع إمكانية بناء المنازل فإنه، من غير الواضح إدراك إلى متى تستطيع الولايات المتحدة والدول المتطورة الأخرى القيام بأعباء حتى المعدلات الراهنة للمهاجرين. أحد الأسباب بالطبع هو المخاوف الأمنية المتنامية، والسبب الآخر هو آفاق ردة الفعل الثقافية المعادية للمهاجرين، واحتمالات مثل هذا الأمر تزداد مع تراجع معدلات الولادات للسكان الأصليين. في العشرينيات من القرن الماضي عندما انتشر بشكل واسع التخوف بخصوص الخصوبة المتناقصة للسكان الأصليين، ووجد هذا التخوف صدى له في كتب مثل كتاب أوثروب ستودارد (موجة الألوان الصاعدة ضد سيطرة العالم الأبيض)، كانت ردة فعل النظام السياسي في الولايات المتحدة أن قام بإغلاق أبواب الهجرة جميعها. وأقدمت ألمانيا والسويد وفرنسا على العمل ذاته في السبعينيات من القرن الماضي، مع بدء ظهور واقع الهبوط في عدد السكان الأصليين.
المحدد الآخر للهجرة إلى الولايات المتحدة يتعلق بمسألة العرض. إن معدلات الولادة، وبعد أن هبطت في أوروبا وآسيا إلى أدنى من مستويات التعويض، تهبط الآن وبشكل انحداري في أمريكا اللاتينية، بكاملها أيضاً، مما يعني أن المصدر الأساسي الأخير للولايات المتحدة لاستيراد القوة العاملة قد أخذ بالنضوب. يمكن أن يحصل هذا الوضع قبل أن تتوقف دول أمريكا اللاتينية عن النمو السكاني، كما يدل مثال ببورتيريكو، يخطر على أذهانهم تلك الجزيرة المشمسة مفرطة الإزدحام التي ترسل ملايين المهاجرين إلى الجانب الغربي لمدينة نيويورك أو فلوريدا، لكن مع بلوغ معدلات الخصوبة مستويات أدنى من إمكانية التعويض السكاني بكثير ومعدل عمر لا يتجاوز 31.8 سنة، فإن بورتيريكو  لم تعد تؤمن تدفقا صافيا من المهاجرين إلى البر الرئيسي، رغم الحدود المفتوحة ومستوى الحياة المتدني فيها. من الواضح أن بروتوريكو الآن تؤمن فرص عمل كافية لامتصاص سرعة زيادة السكان  المتباطئة، كما أن جاذبية البر الرئيسي قد بهتت إلى درجة كبيرة.
من جانب آخر، لا تزال أفريقيا جنوب الصحراء مصدرا ينتج الكثير من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وكذا حال الشرق الأوسط وأجزاء من جنوب آسيا، لكن لتجذب المهاجرين من هذه البلدان على الولايات المتحدة أن تنافس أوروبا، التي هي أقرب جغرافيا وحاجتها ماسة أكثر حاليا للعمل المستورد. كما تقدم أوروبا أجورا أعلى للأعمال التي لا تتطلب مهارات، كما أنها أكثر سخاء في تقديم الإعانات الاجتماعية وفيها أيضاً جاليات مستقرة من المهاجرين السابقين من هذه البلدان. حتى لو استطاعت الولايات المتحدة منافسة أوروبا على المهاجرين، فإنه من غير الواضح معرفة كم من المهاجرين  المحتملين الذين ستنتجهم هذه المناطق في المستقبل، فمعدلات الولادة في انخفاض سريع في أفريقيا جنوب الصحراء، كما هو الحال في جميع بلدان العالم، بالإضافة إلى أن الحروب والأمراض قد جعلت معدلات الوفيات هناك عالية بشكل استثنائي، وتشير التصورات المستقبلية التي أعدتها الأمم المتحدة للقارة الإفريقية إلى أن الخصوبة تتخفض إلى 2.4 طفل للمرأة الواحدة مع حلول نصف القرن الحالي، والتي ستكون أدنى من معدل التعويض السكاني إذا لم يطرأ تحسن دراماتيكي على معدلات الوفيات. ومع بقاء على مسار مرض الإيدز عبر إفريقيا جنوب الصحراء غير واضح، فإن الـ «سي آي إيه» تتصور أن الإيدز والأمراض المرتبطة فيه يمكن أن تقتل ما يصل إلى ربع عدد سكان المنطقة بحلول عام 2010م.
إشكالية أساسية
يقدم بعض علماء البيولوجيا حاليا تصورات تقول إن الكائنات البشرية الحديثة قد خلقت بيئة «الأصلح» أو الأنجح فيها هم الأفراد الذين لديهم عدد أقل من الأطفال أو لا أطفال لديهم. ومع تزايد عدد الناس الذي ينتهون للعيش تحت ظروف المدينة حيث لا يحمل الأطفال أية فوائد اقتصادية لذويهم، لا بل يشكلون عائقا مكلفا للنجاح المادي، نجد أن من يتأقلم من هؤلاء مع هذه الظروف الجديدة لن يميل لإعادة إنتاج نفسه، وسوف يقلدهم في ذلك كثيرون ممن هم أقل نجاحا.
والسؤال هو: من أين سيأتي أطفال المستقبل؟ الجواب هو من الناس الذين يخافون البيئة الحديثة، من أولئك الذين لا يفهمون قواعد اللعبة الجديدة، التي تجعل من العائلات الكبيرة عائقا اجتماعيا واقتصاديا، أو من الذين يرفضون اللعبة انطلاقا من قناعات شوفينية أو دينية جملة وتفصيلا.
نجد اليوم ثمة ترابط قوي بين القناعة الدينية والخصوبة العالية، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يقول 47 في المائة من الناس الذين يذهبون إلى الكنيسة أسبوعيا إن حجم العائلة المثالي هو ثلاثة أطفال كحد أدنى، في حين 27 في المائة فقط من الذين نادرا ما يذهبون إلى الكنيسة يحملون هذا الرأي. ففي ولاية يوتا، حيث 69 في المائة من السكان مسجلون أعضاء في كنيسة يسوع المسيح لقديسي يوم الآخرة (المارمون)، تعتبر معدلات الخصوبة فيها الأعلى بين الولايات الأمريكية. تنجب يوتا سنويا بمعدل طفل لكل 1000 امرأة في سن الإنجاب. وبالمقارنة فإن فيرمونت هي الولاية الأمريكية  الوحيدة التي ترسل اشتراكيا إلى الكونغرس والأولى التي تبنت اتحادات المثليين المدنية ـ تنجب 49 طفلا فقط لكل 1000 امرأة في سن الإنجاب.
هل يعني هذا أن المستقبل هو لمن يؤمن بأنه خاضع لأوامر بالتكاثر من قوة عليا؟
استنادا إلى الميول الحالية، يبدو أن الجواب نعم. مرت فترة اعتقد الديموغرافيون فيها أن هناك قانوناً يحكم طبيعة البشر، ويمنع معدلات الخصوبة من الاستمرار لفترات طويلة أدنى من مستوى الاستبدال والتعويض، ضمن أي مجتمع معافى صحيا. في نهاية المطاف، ألسانا نحن من يحمل جينات أسلافنا من العصر الحجري الذين تمكنوا بطريقة أو بأخرى من إنجاب ما يكفي من الأطفال لاستمرار الجنس؟ واليوم غدا واضحا أنه لا يوجد قانون طبيعي كهذا يضمن أن تنجب الكائنات البشرية، التي تعيش في مجتمعات متطورة وحرة، ما يكفي من الأطفال لإعادة إنتاج نفسها. إن معدلات الخصوبة اليابانية أدنى من مستويات التعويض منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، وآخر مرة أنجب الأوروبيون ما يكفي من الأطفال لإعادة إنتاج أنفسهم كانت في أواسط السبعينيات، ولا مفر أمام المؤسسات الحديثة سوى أن تتأقلم مع هذا الواقع الجديد.
تعمل الميول الديموغرافية الحالية ضد الحداثة وبطريقة أخرى أيضاً، ليس انتشار المدنية والتصنيع هو السبب الرئيسي للهبوط الحاد في معدلات الخصوبة فقط، بل هو السبب الأساسي لما يسمى بأمراض الوفرة، مثل الشراهة المفرطة، نقص الحركة والتمارين الفيزيائية، وسوء استخدام المخدرات، هذه العوامل التي تركت نسبة مئوية عالية تزداد ارتفاعا من السكان مصابين بحالات طبية مزمنة، لذلك يبدو أن الذين يرفضون الحداثة يتمتعون بأفضلية ارتقائية، سواء أكانوا من الموريين* أو المسلمين، أو من أعضاء الطوائف الدينية والحركات  القومية المتشددة التي تظهر  وتركز على مسائل معدلات الخصوبة العالية وتقف ضد المذهب المادي.
حلول علمانية
كيف يمكن للمجتمعات العلمانية أن تتجنب تناقص عدد السكان؟ المشكلة هي أن ليس معظم الناس في هذه المجتمعات قد فقد الاهتمام بالأطفال. على سبيل المثال بلغت نسبة الأمريكيين في سن 41 سنة وأكثر عام 2003م الذين قالوا إنهم يتمنون لو كان لديهم أطفال 76 في المائة، وكانت هذه النسبة 70 في المائة عام 1990م. وفي عام 2000م قالت النساء في سن  الأربعين في الولايات المتحدة وفي جميع الدول الأوروبية خلال استطلاع للآراء بأنهن قد أنجبن عدد أطفال أقل مما كنّ قد خططن له. وفي الواقع لو تمكنت النساء الأوروبيات البالغة أعمارهن من 40-50 سنة من إنجاب العدد المثالي لهن من الأطفال، لما واجهت القارة الأوروبية مشكلة فقد سكانها.
ولا تكمن المشكلة في رغبة المرء التي يحملها، بل المشكلة أن المجتمعات الحديثة وفي ذات الوقت الذي تطلب فيه توظيفات متزايدة في ميدان الرأسمال البشري، فإن هذا الطلب يهدد دعمه الخاص. إن الميل الواضح للتنمية الاقتصادية هو في اتجاه اقتصاد متماسك ومستند إلى المعرفة، تقوم فيه صناعة القرار، وتحمل المسؤولية ضرورة متزايدة على المستويات الدنيا في مثل هذه الاقتصادات غالباً ما يبقى الأطفال معتمدين مادياً على أبويهم بشكل كبير خلال سنوات تربيتهم لأن ذلك يستغرق وقتا طويلا حتى يكتسب الأولاد مجموعة المهارات التقنية، التجارب، الوعي الإجتماعي والنضوج الشخصي والذي يتطلب فرص عمل متزايدة. للسبب ذاته يكتشف كثير من الأزواج أنه عندما يصبح بإمكانهم تحمل أعباء الأطفال، لن يكون باستطاعتهم إنجابهم بعد، أو أن عليهم أن يكتفوا بطفل أو طفلين.
في غضون ذلك، حتى ازدياد اعتماد المجتمعات التي تشيخ على الرأسمال البشري الذي يقدمه الأبوان، فإن الآباء أنفسهم مجبرون على الاحتفاظ أقل فأقل من الثروة التي يخلقونها عبر الاستثمار في أطفالهم. يستفيد أرباب العمل من الآباء ذوي المهارات والموهوبين بالأطفال لكن دون أن يقدموا أية تعويضات للأهل. كما تعتمد الحكومات على الآباء لتأمين الجيل التالي من دافعي الضرائب، لكن لا تقدم أية إعانات للآباء بعد أن يتقدموا  في السن أكبر من الإعلانات التي تقدمها لمن ليس لديهم أطفال، إلا فيما ندر. لتغيير هذا النموذج تحتاج المجتمعات العلمانية لإعادة التفكير حول مسائل تعليم الشباب وإدماجهم في قوة العمل، بحيث تخف التوترات بين العمل والعائلة. يجب أن يكون التعليم مهنة مدى الحياة، بدلاً من أن يكون تركيزه في السنوات الإنتاجية الأولى من عمر الفرد، كما يجب أن تكون هناك فرص عمل لتوظيف جزئي ومرونة في أوقات الدوام، ويجب أن تدفع الضمانات الصحية والتقاعدية الكاملة لقاء هذا النمط من الوظائف وكذا يجب أن يكون الترقي الوظيفي كاملا وذا معنى.
ويجب أيضاً على الحكومات أن تقوم بإعفاء الآباء من دفع الضرائب إلى أنظمة الضمان الاجتماعي، فالأهل يساهمون وبشكل كبير في دعم هذه الانظمة «على شكل الرأسمال البشري» عبر تربيتهم وتعليمهم للأولاد. وغالبا ما تصل تكلفة مساهماتهم، بالنفقات المباشرة والأجور المؤجلة إلى الملايين من الدولارات، لذلك فإن مطالبة الآباء أيضاً بالمساهمة في دفع الضرائب لا تعتبر طلبا غير عادل وحسب، بل وغير حكيم بالنسبة للمجتمعات التي أخذت تستهلك من رأسمالها البشري أكثر مما تنتج منه.
ويجب على المجتمعات الغنية أن تبذل جهوداً أكبر لتدعيم الصحة العامة، إذا أرادت هذه المجتمعات التصدي لأمراض الرفاهية التي جعلت العمال الأكبر سنا أقل إنتاجية. على سبيل المثال، لماذا لا تقوم هذه المجتمعات بتقديم علاوة العناية الصحية المخفضة لمن يقلعون عن التدخين، يخفضون وزنهم، أو لمن يستطيعون الحضور المنظم إلى البرامج الرياضية؟ لماذا لا تعمل هذه المجتمعات على إعاقة نماذج التنمية العشوائية والمعتمدة على السيارات، والتي لها آثار ضارة بالصحة من ضمنها التلوث، المعدلات العالية للإصابات في حوادث السير، أسلوب الحياة المتثاقل، والعزلة الاجتماعية؟ كما أن الطب الحديث المتقدم، حتى لمن يستطع تحمل التكاليف، لا يفعل الكثير لدعم الشيخوخة المنتجة لأنه مع مرور الزمن معظم الناس يصبحون بحاجته، فأجسادهم قد فتك به الإجهاد، والعادات المفرطة في إشباع الرغبات، والأخطار البيئية والإصابات. فرغم كل ما يصرفه  الأمريكيون على العناية الصحية، فإنهم لا يتمتعون بتوقعات عمرية أطول من مواطني كوستاريكا، حيث المصروف هناك على العناية الصحية أقل من 300 دولار للفرد واحد.
في كتابه واسع الانتشار «القنبلة السكانية» حذر باول إيرليش عام 1968م قائلا: «لقد انتهت معركة إطعام جموع الإنسانية. في أعوام السبعينيات  سيشهد العالم حالة مجاعة، مئات الملايين من البشر، سيجوعون حتى الموت رغم من أية برامج مستعجلة يمكن أن يطلق الآن». لحسن الحظ تبين أن نبوءة إيرليش كانت خاطئة.  لكن بإجهاض مخاطر فرط عدد السكان، تواجه العالم اليوم المشكلة النقيض: سكان في حالة تناقض وهرم. نحن محظوظون إلى حد ما لكون هذه هي مشكلتنا وليست تلك التي حذر منها إيرليش. لكن ذلك لا يجعل المشكلة أقل خطورة، أو الحلول أقل ضرورة.

المصدر: مجلة الثقافة، العدد: 129. الكويت.