|
الاربعاء: 03/10/2007
فلسفتنا التربوية
بين جذب الماضي وضغوط الحاضر
الدكتور جبار علي السيد(*)
(خاص للمعهد)
المقدمة
التربية علم من العلوم الحديثة ذات الجذور البعيدة في تاريخ الفكر الإنساني
والحضارات القديمة، ولما كان لكل علم إطار فلسفي يستقي منه منطلقاته الفكرية
ومرتكزاته الأخلاقية وأهدافه الاجتماعية استقامت التربية على فلسفة وقواعد فكرية
طبعت هذه التربية، أو تلك بلون خاص ينطوي على تلك الفلسفة ومكوناتها.
وإذا كانت الفلسفة هي البناء الفكري النظري فإن التربية هي المادة المستخدمة في
تطبيق تلك الفلسفة، يجمع عليها العلم والعمل والنظرية والتطبيق، ومثل هذا الفهم
يفسر لنا حديث فلاسفة الإسلام عن العمل الذي يقترن بالعلم وعن التطبيق الناشئ عن
النظر من الصعب تصور بناء مجتمع من غير عناية جادة بالنشء والشباب منذ مرحلة
الطفولة، أدركنا أهمية المنهج التربوي الهادف إلى تحقيق غايات وبمقدار ما تستقم
الأسس التربوية و الأخلاقية في إعداد الشباب بقدر ما يضمن المجتمع مستقبلاً آمناً
يحفظ له كينونته ووجوده وحقوقه وهويته
وجميع النظم التعليمية في جميع المجتمعات لا يمكن اجتزاؤها من نسقها التاريخي
ومحيطها الثقافي فلكل مجتمع نمطه التربوي أو أنماط الثقافة فهناك علاقة جدلية بين
الثقافة والتربية في أي مجتمع فالتربية هي المرآة للثقافة في أي مجتمع، وأداة
للحفاظ على هويته وتنقيتها من الشوائب. وهذا الإطار ينطبق على المجتمع العربي
الإسلامي كما ينطبق على غيره من المجتمعات، وتأكيداً لهويتنا وأصالتنا لابد من ربط
أنظمتنا التعليمية بمبادئ وقيم ديننا، وفي الوقت نفسه لابد من الانفتاح على الآخر
والاستفادة من تجاربه النافعة والصالحة،دون الاستعارة الكاملة والاقتباس الخاطئ.
لابد لنا أولاً أن نعرف ما المقصود بفلسفة التربية؟ وما علاقة الفلسفة بالتربية؟
فإذا كان علم التربية يهتم بالطرق التربوية، والفلسفة ُ تعني البحث عن الحقيقة
المطلقة وعن الجوهر واللامتغير فإن فلسفة التربية تعني البحث عن الثوابت
واللامتغيرة والجوهر الحقيقي للتربية، وهذا لا يعني ان يعيش الفيلسوف في عزلة عن
الواقع حتى يبحث عن الحقيقة المطلقة المجردة وتنعزلَ الفلسفة عـن الحياة ومشكلاتها.
الفلسفة التربوية " هي تطبيق النظرة الفلسفية والطريقة الفلسفية في ميدان الخبرة
الإنسانية التي نسميها التربية" (1)
فالتربية " لايمكن لها أن تنمو وتكمل وتتواءم في ميدان التطور ما لم تستند إلى فكر
فلسفي يغذيها بالخبرة والابتكار والإبداع في عالم يسابق العلم ومنجزاته وللفكر
وتطلعاته. وما دمنا نسأل: لماذا نتعلم؟ وكيف نتعلم؟ فستبقى حاجة التربية إلى
الفلسفة ملحة وضرورية" (2)
ويذهب (جون ديوي) إلى أبعد من ذلك فيرى إن كل تربية هي عملية فلسفية بطبيعة الحال،
ولابد أن كل نظريات التربية وممارستها يجب أن تكون أهم ما يشغل بال الفيلسوف.
فبالتربية يمكن الوصول إلى أي هدف فلسفي ذي تأثير على حياة الإنسان، ويجب على
الفيلسوف أن يهتم بمشكلات التربية قبل غيرها (3)
وهكذا يريد (ديوي) من الفيلسوف أن يكون مربياَ، ومن المربي أن يكون فيلسوفاَ. ولابد
من إعادة الثقة بالفلسفة في قدرتها على معالجة المشكلات الخطيرة التي نواجهها
معالجة ناجحة وإنزال الفيلسوف من برجه العاجي، وان لا يستعمل اللغة الخاصة التي لا
يفهمها إلا طلاب الفلسفة المختصون فيها. ولابد من لغة مغايرة تلك اللغة التي يعبر
بها الناس عن الصعوبات المباشرة في حياتهم (4).
وربما يقال عن الفلسفة إنها كلام وإنها فقط تقول. نقول نعم الفلسفة هي ما تقوله
وليس الفلسفة شيئاَ آخر سوى ما تقولهُ. ووظيفة الفلسفة أن تقول ما ينبغي أن يقال،
وما تراه واجباً ان يقال. ولابد للفيلسوف أن يستنطق الصمت وفي هذا الاستنطاق ينتج
الفيلسوف أفكاراً ولا يكفي الفلسفة أن تنتج أفكاراً بل يجب أن نوجهها لمهمتها التي
أنتجت من اجلها ويحاول فكر الفيلسوف أن يضيء الطريق لذوي الاختصاص كل في مجال تخصصه
لان لكل نظرية، فلسفة تهتدي بها على الأجمال، ولكل نظرية تربوية فلسفة تهتدي بها
على وجه الخصوص.
فالخطاب الفلسفي هو خطاب. ومهمة الخطاب أن لا يدفع الأشياء عن موقعها، بل يعبر عن
وجهة نظر الفيلسوف تجاه مشكلة ما. فالفلسفة مثلاً لا تعالج عسر القراءة والفهم، بل
من أين تأتي أهمية فعل القراءة وهي أيضاً لا تعالج مسألة العلاقة بين الوالدين
والأولاد بل تبحث في طبيعة الأسرة وقيمها وحدودها. وهكذا حتى نكون أمام مسألة أكثر
أصالة وهي من هو الإنسان لكي يحتم علينا أن نربيه(5).
فالذي يميز الإنسان عن الحيوان العمل واللغة والثقافة والحال أنه لا وجود لهذه
الأشياء من غير التربية. وخير من يعبر عن هذه الفكرة قول كانت " إن ما يميز لإنسان
عن الحيوان هو إن الإنسان لا يستطيع أن يصبح إنساناً إلا بالتربية " (6).
أما السؤال الأكثر أهمية من هذا كله هو ما مهمة الفلسفة إزاء علم التربية؟ ويجيب
(أوليفه بول) (7).
1. عن تبين الفلسفة نسبية علم التربية فإن علم التربية يصبح جزمياً ومضراً فور
اعتبار نفسه علم التربية مطلقاً لان الإطلاق هنا يعني الجمود يعني اللا تغيير
وبالتالي يعني لا حوار بين التقليدي والحديث وبهذا تفقد التربية صفتها التطورية.
2. أنْ تذكّر الفلسفة علم التربية باستمرار بقوانينها الخاصة أي احترام المتعلم غير
المشروط واحترام القيم والحقائق التي تحتم على المتعلم أن يصل إليها وبدون هذين
الاحترامين تنحط التربية وتصبح تقنية ترويض.
3. و أخيرا تقوم مهمتها في التفكير في التركيب الممكن بين قطبي التربية أي المتعلم
والثقافة.
منذ اكثر من قرن لم يتوقف المفكرون العرب والمسلمون في البحث في مسألة الأصالة
والمعاصرة أو مسألة الحداثة والتراث.ودارت مساجلات فكرية كثيرة بين دعاة الأصالة
ودعاة المعاصرة. واخذ كل مفكر ينظر إلى المسألة من زاويته الخاصة ومن منهجه الخاص
ومرجعيته الأيديولوجية فمنهم الإسلامي السلفي والاسلامي المستنير ومنهم الماركسي
ومنهم الليبرالي …… الخ.
وهكذا أصبحت لدينا مواقف ورؤى ومناهج متعددة بتعدد الاتجاهات الفكرية المتبناه
ومختلفة باختلاف المصالح والانتماءات السياسية والاجتماعية.
فالبعض يرى الأصالة هي الالتصاق بالماضي أو" الانتساب إلى الأصل والارتباط بعجلة
الأجداد والتميز بسمات تحدد هذا الأصل وتعبر عنه ابلغ تعبير" (8) وهكذا يرث الإنسان
من تراثه عيوبه ومزاياه.
والأصالة عند (محمد عابد الجابري) هي التحرر من التراث.ومن الغرب وهو ما نصنعه في
حياتنا كل يوم.ويبقى الأصل التراث مهما بقدر ما يساعدنا على حل مشكلاتنا وتلمس
مستقبلنا.(9)
والذي يعنيه الأستاذ الجابري بالتحرر من سلطة التراث من خلال الالتزام عند التعامل
مع التراث بأكبر قدر من الموضوعية والمعقولية والذي يعنيه بالموضوعية هو جعل التراث
معاصرا لنفسه أي نفصل هذا التراث عنا (أي نحتويه بدل من أن يحتوينا) أما المعقولية
فتشتق من خلال جعله معاصرا لنا ليكون موضوعا قابلا لان نمارس فيه وبواسطته عقلانية
تنتمي إلى عصرنا وبذلك نتحرر من سلطته علينا ونمارس سلطتنا عليه (10)
ويحتوي التراث على عناصر قابلة للحياة والتطور وأخرى انتهى دورها بانتهاء لحظتها في
سلسلة التطور، وهو خزان للأفكار والرؤى والتصورات.ويحتوي على عناصر تساعد على
التقدم والتطور وأخرى معيقة (11)
وما يراه الجابري أيضا أن تراثنا الإسلامي يمتلك صفة العالمية والشمولية فهو تراث
حضاري بأوسع معاني كلمة حضارة.وهو أيضا يضم رؤى وتصورات دينية وفلسفية ومفاهيم
انتقلت من حضارات أخرى.ومثله أيضا في عالميته وشموليته وتاريخيته، فالفكر الأوروبي
المعاصر.بالرغم من المفاهيم والمقولات والتصورات التي تؤسس الفكر الأوربي المعاصر
ذات طابع أيديولوجي واضح تصدر عنه نظره استعلائية.كل ذلك لا يمنعنا من البحث فيه عن
أجوبه لكثير من الأسئلة التي تهم واقعنا الحالي ومستقبلنا المنشود. (12)
وبذلك يخلص الجابري إلى أن أي فصل بين الفكر الغربي والفكر الشرقي في الثقافة
المعاصرة فصل تعسفي فالطابع العالمي لكل منهما يجعل طرح الأصالة في مقابل المعاصرة
بمثابة وضع الفكر الإنساني مقابل نفسه.
والأصالة لا تعدم أصولا وليست خلقا من لاشيء وإنما هي عملية دمج وصياغة جديدة بجملة
من العناصر أو الأصول المعروفة تؤدي إلى بنى جديدة تطبعها الذات الدامجة بطابعها.
وخلاصة القول أن الدكتور محمد عابد الجابري يرى في التراث أو الأصالة وأيضا
المعاصرة والتي يمثلها الغرب أمور لايمكن الانفلات منها.ولكن يجب التعامل مع التراث
بالرؤية النقدية والموضوعية، والتعامل مع الحداثة أو المعاصرة بأخذ أدواتها
ومناهجها وإنجازاتها العلمية والتقنية.
ويذهب الدكتور (محمد عماره) إلى أن في التراث ما هو ثابت وما هو متغير أما القسمات
الثابتة في الشخصية الحضارية أو ما نسميها بالهوية فهي ثابتة تستعصي على التطور
والتغير حتى لو كان غزوا كالذي شهدته هذه الأمة من قبل. (13)
ولو تصفحنا أفكار التيارات السلفية لوجدنا على العموم ثلاثة تيارات رئيسية في
نظرتها إلى الأصالة والمعاصرة مع التقاطع بعض الأحيان بين اتجاهات هذه
التيارات.فهناك سلفيون رافضون لكل نظم العصر ومؤسساته وفكره وثقافته وتنطلق هذه
النزعة من أن الأسلاف لم يتركوا شيئا نوعيا للإخلاف ويجب مواجهة جميع مشكلات العصر
بالعودة إلى النبع الصافي للإسلام،ففيه حل لجميع مشكلات العصر وعندما وجدوا الحضور
الغربي العميق والغامر في جميع مناحي الحياة العصرية،السياسية والاقتصادية والعلمية
والتقنية اضطروا إلى تبني مقولة الاستذة؛ أي أن العرب والمسلمين أساتذة أوربا وان
إنجازات الغرب الحالية فيها شراكه للعرب والمسلمين.وما كان عندنا اصبح عندهم والآن
(بضاعتنا ردت إلينا).
وهنالك التيار الثاني أو مايسمى بالتيار المعتدل الذي يقبل من حضارة العصر ومؤسساته
ما لا يخالف الشريعة الإسلامية أو ما يمكن أن يكون له تبرير شرعي وفي نفس الوقت
تتسع لديهم دائرة السلف الصالح ليشمل العصور الإسلامية المزدهرة التي كان فيها
الخليفة (صالحا) يعمل بأوامر الدين ويستشير أهل الحل والعقد.
أما التيار السلفي الأخير فهو التيار الذي يبحث عن أشباه ونظائر لمؤسسات ونظم
الحضارة الغربية داخل الحضارة الإسلامية معتبرا هذه المؤسسات والنظم في حقيقتها
عربية إسلامية وصفت بأسماء جديدة فالديمقراطية تصبح شورى والتمدن هو عمران والنواب
هم أصحاب الحل والعقد …… الخ.
بالإضافة إلى ذلك نجد من يذهب إلى ابعد من ذلك فيردون على المركزية الغربية بمركزية
شرقية أخرى فيصبح الحديث عن الأصالة والمعاصرة هو من قبيل الخطأ والوهم. فالحديث
الجدي لا يمكن أن ينطلق إلا من (الأصالة الإسلامية أو الإسلامية العربية والأنتهاء
بها) وبذلك يعد الشرق هو الأصل ويصبح الغرب رافدا أو فرعا. وبذلك تتحول إشكالية
الأصالة والمعاصرة إلى وهم (غبي) (14)
وفي مقابل النسق السلفي نجد في فكرنا العربي المعاصر نسقا فكريا آخر يدعو وبكل قوة
للتحرر من التراث والاندماج والتماهي في المعاصرة (الحضارة الغربية)، لان شروط
حياتنا في عصرنا تخالف شروط الحياة في الماضي،وان التراث يمثل عبئا ثقيلا. فعن
طريقه ورث العقل العربي الإسلامي العيوب والتي ربما سيعيش بها مهمشا أبدا على هامش
التاريخ.فلا سبيل للنهوض إلا من خلال الاندماج بحضارة العصر (الحضارة الغربية)
ونسيان الماضي عن ظهر قلب. وإحداث قطيعة شاملة مع الماضي لان ما فات قد مات. وهؤلاء
الذين ابدوا انبهاراً شديدا بالغرب وبحضارته بل وحتى في ماضيه انتهى الأمر باستلاب
كلي.
وهناك محاولات قليلة تبنت المنهج الماركسي في رؤيتها إلى التراث فهي لا ترى في
الفكر العربي الإسلامي غير اتجاهات مثالية ومادية.
ويرى هذا النسق استلهام الجوانب المشرقة من التراث والجوانب المشرقة هي كل ما يكشف
عن وجود فكر مادي في مقابل الفكر المثالي الذي يعتبر دائما مرادفا للجوانب
المظلمة(15).
وهكذا تتلون الساحة الفكرية العربية الإسلامية في نظرتها للتراث والحداثة والأصالة
والمعاصرة. ولكن ليس ما ذكرناه هو وجود حدود فاصلة بين نسق أخر وإنما تتداخل
وتتقاطع في بعض الأحيان فنجد السلفي ذا ميول ليبرالية، والليبرالي ذا ميول للسلفية
والماركسي الاممي والماركسي العربي والقومي الليبرالي والاشتراكي القومي والسلفي
العربي و العروبي العلماني،والعروبي العلماني ذا ميول للسلفية. إلى غير ذلك من
التركيبات المختلفة.ففي حضارة وثقافة أي مجتمع هي في حقيقة الأمر نتاج ومحصلة
المعارف التي حصل عليها أبناء ذلك المجتمع من خلال التربية أو النسق التربوي.والذي
يثبت حقيقة هذا الأمر هو ما نجده من اهتمام كبير في اطروحات المفكرين والفلاسفة
والمصلحين والأدباء وحتى الناس العاديين.
ونتفق مع الدكتور الجابري فيما يراه في معالجة هذه القضية المهمة والحساسة عندما
يرى " أن قضايا التراث والفكر المعاصر وقضايا التربية والتعليم من ابرز القضايا
التي تتطلب معالجتها وعيا أيديولوجيا عميقا ومنهجية علمية سليمة.أن الطرح
الأيديولوجي لهذه القضايا،وهي قضايا أيديولوجية بطبيعتها ضروري لفهمها والاستفادة
منها ولكن شريطة التزام المنهجية العلمية بكل ما تفرضه من موضوعية وترو في إصدار
الأحكام واتخاذ المواقف " (16) وهذا ما يجعلنا نتعامل معها بفاعلية وموضوعية.
وكما مر بنا سابقا تتلون الرؤى إلى التراث بحسب المنهج والمرجعية الأيديولوجية أيضا
تتلون هنا النظرة إلى التربية باعتبارها قضية تراثية وقضية معاصرة والأمر المجمع
عليه عند اغلب مفكرينا المعاصرين أننا نعيش إشكاليات تعوق حركتنا النهوضية.ومن هذه
الإشكاليات ولدت أزمتنا التربوية وكما خلص الدكتور عبد الله عبد الدائم أن أزمة
مجتمعنا العربي المتفاقمة هي في حقيقة الأمر أزمة تربوية (17). فالخلاص إذن
بالتربية.فهي سلاحنا في مواجهة الغزو الثقافي والاستلاب الفكري وهي الدافع والمحرك
للمجتمع وهي المدخل للتنمية الشاملة ولا نعني هنا العصا السحرية التي تحل جميع
مشكلاتنا وأزماتنا.وإنما الأمر يتغلب العديد من الشروط، فيجب على جميع مجتمعاتنا أن
تضع التربية في أولويات سياساتها وتبذل كل ما بوسعها من اجل اختيار نسق تربوي يضع
في أولى أولوياتها الإنسان كقيمة وثروه حقيقية،فالإنسان هو العامل الحاسم أن احسنا
تربيته وان حدث العكس فهي الطامة الكبرى واختيار مناهجنا التعليمية وفق معايير خاصة
بنا كمجتمع عربي إسلامي يواجه تحديا كبيرا على جميع الأصعدة.
إن تربيتنا المعاصرة تعيش في حيرة من أمرها فهي بين قطبي جذب الماضي وسلطانه وضغوط
الحاضر ومتطلباته. ولو أردنا أن نبحث قضية التربية وعلاقتها بالتراث لابد أن نتعامل
مع التراث على محورين رئيسيين الأول هو ما وصلنا من تراث تربوي وكيف نظر مفكرونا
الأسلاف إلى التربية وكيف تعاملوا مع الطفولة وكيف كان يتعامل المعلم مع المتعلم
وكيف يتعامل الاثنان مع المنهج. والمحور الثاني هو نقل التراث إلى الناشئة، وكيف
يمكن بناء الطفل تراثياً.
عندما نستدعي الماضي نجد أن تراثنا شهد فكراً تربوياً نظرياً وممارسة تربوية
وتعليمية، فقد تجسد الأول بما وصلنا من أفكار تربوية بعضها أُفردت له مؤلفات خاصة
وبعضها جاء متضمناً في النتاج الفكري المتمثل بالفقه والفلسفة والتاريخ والسياسة
والعلوم الأخرى فأمثلة النوع الأول في مؤلفات أبن سينا حيث افردَ جزء كبيراً من
كتاب الشفاء لدراسة أحوال النفس وما جاء في مؤلفات الغزالي مثل أيها الولد واحياء
علوم الدين وميزان العمل وأيضاً مؤلف ابن مسكويه تهذيب الأخلاق، وهنالك أفكار
تربوية لابن حزم الظاهري في طوق الحمامة في الالفة والآلاف، وكذلك ما جاء في رسائل
أخوان الصفا، ولنصير الدين الطوسي _ آداب المتعلمين، وله أيضاً تذكرة السامع
والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، ويعتبر من أفضل المؤلفات الإسلامية التي وصلتنا
في هذا المجال لغزارة أفكاره وتنوعها وما تحمله هذه الأفكار من تقدمية. وللقابسي
وصلنا أحوال المتعلمين و أحكام المعلمين و المتعلمين، ومؤلفات ابن خلدون وغيرها.
وفي هذا المجال يذكر أحمد الشلبي أنه لطالما قرأ كتباً ضخمة بعضها يقع في عدة أجزاء
لعله يجد ما يفيده في موضوع التربية فتكون حصيلته ضئيلة وربما يخرج بعض الأحيان بلا
شيء، ويرى سبب ذلك هو إهمال المؤرخين للإصلاحات التعليمية وتركيزهم على تسجيل
النشاطات السياسية، العسكرية للخلفاء والملوك والعظماء (18)
أما من شهده فكرنا التربوي من ممارسة تربوية على ارض الواقع فقد تمثل بعدة مؤسسات
تعليمية بعضها وكانت تعتبر جامعات عالمية يقصدها طلاب العلم من كافة أرجاء العالم
الإسلامي وبعضها لازالت تحتفظ بمكانتها العلمية،ومن أمثلة ذلك بيت الحكمة الذي أسسه
الخليفة العباسي المأمون، والذي كان بمثابة مؤسسة للترجمة والتأليف. و المدارس
النظامية التي أنشأها الوزير السلجوقي نظام الملك حتى بلغ ما أنفقه نظام الملك
(600,000) دينار في السنة مما أدى بالوشاة والحساد،بالوشاية عليه بأنه انفقها
لتجهيز جيش للأطاحة بملك شاه السـلطان السلـجوقي.(19)
وفي الوقت نفسه تم تأسيس مدرسة النجف الدينية على يد الشيخ أبو جـعفر الطوسي (ت 415
هـ). و أسس الفاطميون الجامعة الأزهرية التي افتتحت عام 972 هـ أي بعد عامين من
وجود القاهرة وقد نظمت على أساس ديمقراطية سليمة فقد حققت فرصاً متكافئة للفقراء
والأغنياء عـلى سواء، فيجد الفقراء كـل
التسهيلات، من معلمين ومخصصات تساعدهم على متابعة دراستهم. ولم تكن الدراسة مقتصرة
على التعليم الديني. فحسب بل كان الطلاب ينتظمون في حضور برامج الشعر وقواعد اللغة
العربية والحساب والهندسة والفلك.
أما على صعيد ما وصلنا من فلسفة تربوية عربية اسلامية فيلخص (الدكتور نبيل علي)
مسار التطور في تراثنا الفكري على المسارات التالية: الفلسفة الأخلاقية، والفلسفة
العقلانية الروحية، والفلسفة البراجماتية (20).
فالفلسفة الأخلاقية هي الفلسفة التي صاغ من خلالها علماء الدين نمطاً تربوياً في
صدر الإسلام ذات طابع تأديبي وذا توجه أخلاقي محض وهدف التربية هنا الحصول على
العلم النافع في الآخرة والمرغب في الطاعة.
والعقلانية الروحية كانت وليدة امتزاج المعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي اليوناني
وخصوصا بعد أن شيد المأمون دار الحكمة،وما أنتجه الفارابي في تربية مدينته الفاضلة،
ومن بعده أبن سينا و أخوان الصفا، وعلى الرغم من التوجه الفلسفي لهؤلاء إلا انهم
اتفقوا مع الأخلاقيين في أن الغاية من التربية والتعليم تبقى غاية دينية لا تحتمل
جدلا ولا نقاشا(21)
والبراجماتية يمثلها ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الإنساني الذي أقام رؤيته للتربية
على مفهوم (العمران البشري) على اعتبار التربية ظاهرة حضارية وعنصرا من عناصر تكوين
الدولة بل يمكن أن تكون وظيفتها السياسية بديل عن القوة القاهرة.
أن الجدل الدائر على ساحتنا الثقافية بين الأصالة والمعاصرة انعكس أيضا على ساحتنا
التربوية أن لم يكن العكس فتربيتنا اليوم حائرة ما بين التبعية للمنظومة الغربية
التي هي بدورها تابعة لفلسفات غريبة مختلفة وبذلك أصبحت تربيتنا تابعا لتابع.وما
بين الطوبائية الإسلامية التي تحاول التوفيق بين متناقضات.
ففي مطلع القرن الماضي سعى رجال الإصلاح وتعالت صيحاتهم بان الإصلاح لابد أن يسبقه
التعليم وتحرير العقول من جبروت القيود بشتى أنواعها، ومثل هذا الاتجاه كل من رفاعه
رافع الطهطاوي ومحمد عبده فقد ضَمَّ الأول أفكاره التربوية في مؤلفه المعروف
(المرشد الأمين في تربية البنات والبنين)، فهو يؤيد أفكاره تارة بالرجوع إلى التراث
العربي الإسلامي والى الفكر الأوروبي تارة أخرى، فانه يرى بأن النهضة الأوروبية
قامت من إحدى الزوايا على تمثل واستيعاب التراث العربي الإسلامي والإضافة
إليه،وبذلك أصبحت لنا شراكه مع هذه الحضارة ولنا الحق في الحوار معها والأخذ منها
(22).
وقد اهتم محمد عبده اهتماما شديدا بالتربية والتعليم كوسيلة لتكوين الرأي العام
وطريق إلى النهضة، فهو يرى أن في التربية الحل ومن " يريد خير البلاد فلا يسعى إلا
في إتقان التربية وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه، أن كان طالبا حقا بدون اتعاب
الفكر ولا إجهاد النفس" (23) فبالتربية وحدها يمكن التدرج من الانحطاط إلى الرقي.
ومن جهوده التربوية أيضا قيامه بنقل كتاب التربية لهربرت سبنسر عن الترجمة
الفرنسية.
ومن بين المعاصرين فقد سعى القباني في مصر إلى تطبيق فلسفة جون ديوي ذات الطابع
البراجماتي، وجاء من بعده كثيرون حاولوا التوفيق ما بين الفكر التربوي الغربي
والتربية العربية الإسلامية.
وسعى أيضا الدكتور محمد فاضل الجمالي على تأكيد دور التربية الدينية في إنقاذ البشر
من الظلام الروحي والظلال العقائدي ودعا إلى العودة إلى القرآن الكريم لما يحتويه
من ثروة تربوية عظيمة وأساليب آية في النفاسة والإعجاز، وحذر من الاقتباس الخاطئ
للتربية الغربية بدون ربط كاف لهذه التربية بالقواعد القومية الأساسية التي تشمل
الدين واللغة والتاريخ والفنون والآداب، وقد وجه العناية إلى العلل المتأصلة في
الفكر الغربي، فهو_ أي الفكر الغربي_ بالرغم من حسناته يحمل جراثيم التفسخ
الاجتماعي والأخلاقي والروحي للعالم الإسلامي ولهذا يؤكد الجمالي على دراسته دراسة
نقدية.وبكلمة مختصرة أن الجمالي يرى أن يكون تعاملنا مع الغرب بطريق ذي اتجاهين
(24).
لقد اختلطت أزمتنا التربوية مع أزماتنا الأخرى،وظلت إشكالياتها مع اشكالياتنا
الأخرى تبحث عن الحل، مرة نذهب للغرب لعلنا نجد الدواء الشافي ومرة نعود إلى التراث
ونقلب أوراقه ومرة نجمع بين هذا وذاك.وهكذا تعددت الرؤى وتداخلت الأفكار، ولا دواء
……؟ بل تفاقم الداء من تسرب الصغار من الفصول، إلى نزيف العقول وغلبة الفساد في
مجالات التعليم، حيث العدد الهائل من أصحاب الشهادات العلمية دون كفاءة، والتردي
والضعف الذي أصاب مؤسساتنا التعليمية، فالأستاذ الضعيف ينقل ضعفه إلى الطالب وكذلك
الطالب الضعيف سوف يؤثر على مستوى الأستاذ ويضعفه لأن الأستاذ مضطر إلى النزول إلى
مستوى الطالب وهكذا يتفاعل الضعف ويزداد، وهناك سبب آخر لضعفنا التربوي عندما يعطى
الطلاب جزءاً من المقرر دون إكماله ويعطى الطالب إجازة ببعض المواد لم يحصل الأعلى
أطراف من هذه المواد، ومن الآفات الكبرى استشراء ظاهرة الغش التي لم تُعد سراً
وتفشّيها وممارستها دونما خجل. وينتقل الطالب من مرحلة إلى أخرى معتمداً على الغش
حاملاً معه ضعفه الذي يرافقه في مسيرته العلمية وربما يأتي يوم يكون فيه أحد أركان
العملية التعليمية، معلماً أو مربياً فماذا تكون حال مؤسساتنا التربوية وهي تحمل
بين طياتها هذه الحالات المخجلة؟ وليت عند هذا الحد تتوقف أزمتنا التربوية إذ لا
يزال بعضنا متشبثاً بأساليب وأفكار بالية من قبيل أساليب الحفظ والتلقين والتمسك
ببعض المناهج القديمة، وتباطؤ مؤسساتنا التربوية في استيعاب المتغيرات العلمية
والتكنولوجية والاقتصادية.
وأخيراً وليس أخراً هل يمكن لنا أن نحدد العلاج الشافي لأمراضنا التربوية؟ وما يراه
الباحث أن الحل يكمن في إشعال فتيل الثورة في نظمنا التربوية ويجب أن يكون في مقدمة
الثوار المسؤولون والقادة السياسيون قبل رجال الفكر والتنظير، وهذه الثورة يجب أن
تستند إلى فلسفة اجتماعية تبنى عليها فلسفة واقعية تربوية متماسكة.
إذا كانت أزمتنا هي إغفالنا لقيمنا الإسلامية والعربية واستعارتنا لقيم غريبة عنا
أضعفت ثقافتنا وقوضت بُنانا الفوقية، فالحل هو في عودة قيمنا إلى واقعنا التربوي،
وليس هنالك تناقص بين التحديث والعودة إلى التراث لاستلهام الجوانب الحية
والديناميكية وخصوصاً الجوانب الأخلاقية المتمثلة في أخلاق وصفات وأحوال المعلمين
والمتعلمين وصفاتهم وأحوالهم والحض على طلب العلم. وضرورة توظيف العلم بما ينفع
الناس. والاستفادة الكاملة من منجزات الحضارة المعاصرة كلّها وكل متغيراتها العلمية
والتقنية واستيعابها وتمثلها والتعامل معها في إطار ثقافتنا وقيمنا وما تمليه علينا
شريعتنا وديننا من تشجيع الإبداع والابتكار وتوفير كل اللوازم المادية والمعنوية
للمبدعين وتشجيع العقول المهاجرة على العودة والمساهمة في البناء.
الهوامش والمصادر
ـــــــــــ
(*) استاذ جامعي، بغداد.
1. النجيحي،محمد لبيب،فلسفة التربية،ط 2، القاهرة:دار الطباعة الحديثة،1974ف،ص36.
2. النجار،حسين فوزي،فلسفة التعلم في دولة عصرية،مجلة الفكر المعاصر،العدد
72،1971ف،ص14.
3. انظر: الجمالي،محمد فاضل،تربية الإنسان الجديد،تونس: الشركة التونسية
للتوزيع،1967ف،ص192.
4. النجيحي،فلسفة التربية،ص18_20.
5. انظر،بول،اوليفية فلسفة التربية،ترجمة جهاد نعمان،سلسة زدني علما (53)،ص7.
6. كانت،عمانوئيل، تأملات في التربية،ص73(عن بول،فلسفة التربية)،ص 6.
7. بول،فلسفة التربية،ص96.
8. المسناوي،احمد،المحرر الثقافي،(24_11_1976ف).
9. انظر الجابري، محمد عابد،نحن والتراث،بيروت، دار الفارابي،ص47.
10. الجابري، محمد عابد،التراث والثقافة، ط1،بيروت: المركز الثقافي
العربي،1991ف،ص17.
11.أيضاً،ص38_39
12.أيضاً،ص40
13.الهوية والتراث، ندوة أقامها ((المركز العربي للبحوث والتوثيق بالقاهرة))،
بيروت: منشورات دار الكلمة، 1984،ص41.
14.التزيني، طيب في السجال الفكري الراهن، ط1، بيروت:دار الفكر الجديد ((سلسلة كتب
في مختلف مجالات المعرفة والإبداع))، 1989 م، ص 25.
15.يمكن الرجوع إلى مؤلفات العرب الماركسين مثل: حسين مروة في نزعاته المادية في
الفكر الإسلامي، والطيب التزيني في دراسته للفكر العربي والعصر الوسيط.
16.أيضاً انظر محمد عابد الجابري (إشكاليات الفكر العربي المعاصر)،منشورات مركز
دراسات الوحدة العربية،1989م،ص16.
17.الجابري، التراث والحداثة، ص42.
18.انظر: عبدالدائم، عبدالله، نحو فلسفة تربوية عربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة
العربية، 1991 م، ص17.
19.انظر: علي، سعيد اسماعيل، الفكر التربوي العربي الحديث، الكويت: المجلس الوطني
للثقافة والآداب والفنون، سلسلة عالم المعرفة العدد 113، 1987م، ص111.
20.داود، عزيز حنا، مائة عام من التعليم في مصر، صحيفة التخطيط التربوي (العدد
السابع) شباط 1985م، ص71.
21. انظر: علي، نيل، الثقافة العربية وعصر المعلومات، الكويت، المجلس الوطني
للثقافة والآداب والفنون، سلسلة عالم المعرفة، العدد 265، ص 302 _305.
22. أنظر: شكري، غالي، النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، ص148
23. أيضاً، ص 149.
24. أيضاً، ص 183.
|