|
الاحد: 08/07/2007
الصابئة
المندائية في أرض السواد(*)
إعداد: إسراء أسد(**)
(خاص للمعهد)
هي جماعة عرقية ودينية،
تقطن ضفاف دجلة والفرات جنوب العراق، لعبت دوراً مهماً في صناعة القوارب
وصياغة المينا (النقش على الفضة).
اتخذ المندائيون، مدى زمن طويل، من الصمت ومن لغتهم المندائية (أي
الآرامية وهي لغة إبراهيم الخليل) في ممارسة طقوسهم، سبيلاً للحفاظ على
كيانهم الديني، لغتهم التي لا يفقهها مواطنوهم من الأديان الأخرى، يهمسون
بها للرد على سخرية جاهل ينال من عقيدتهم، أو معتد قصد ديارهم لفرض ما
يريدون وما لا يطيقون. فكثيراً ما يحدث الاعتداء عليهم لقلـّتهم ولشبهات
عقائدية تدور حولهم، أقلها أنهم يعبدون الكواكب والنجوم، أو يزهقون أرواح
المحتضرين منهم، هذا ما يشاع عنهم بجنوب العراق.
كتابهم المقدس:
كتاب الصابئة هو زبور «كنزاربا» أي الكنز العظيم، وهو كتاب اُنزل بواسطة
هيبل زيوا (جبرائيل) على آدم وشيت وإدريس ونوح، كمجموعة من الصحف نزلت
بفترات مختلفة، إلا أن أسماءً وأحداثاً عديدة دخلت في الكتاب تصل إلى زمن
يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، ومع أن الصابئين يعتقدون أن كتاباً من
كتبهم نزل على يحيى بشهادة القرآن: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه
الحكم صبياً). غير أن المفسرين المسلمين كافة يشيرون إلى أنه كتاب «التوراة»
لا الكتاب المندائي.
وكبير كهنتهم هو أنوش دنقا، يقال أنه قتل في بداية الدعوة الإسلامية.
وتعتبر الحروف الصابئية في كتبهم وطلاسمهم مقدسة «يمثل كل حرف من الحروف
بالنسبة قوة من قوى الحياة والنور، والحروف تبدأ بـ «آ» وتنتهي بـ «آ»،
وهم يقولون بأنهما يمثلان كمال النور والحياة، وأن هذا الكمال لم يخلق
بذاته، بل خلق بأمر من الله سبحانه وتعالى» (2).
وإذ كانت الحروف المندائية مقدسة فحبر الكتابة من القداسة إذ لا يصنعه
غير الكهنة...«وأن لكل كاهن تقريباً تركيبه الخاص لعمل الحبر (ديوثا)،
الذي يحفظ على شكل بلورات تذاب في الماء، حين يراد استعمالها» (3).
شعائرهم:
من شعائر المندائية الثابتة:
1- العماد، ويمارس بثلاثة أنواع وهي: «مصبوتا» (العام) ومن مستلزماته
الماء الجاري، الذي عوض عنه فيما بعد بأحواض الماء التي تقام عادة داخل
المندي، مع إكليل الريحان أو الآس إشارة إلى الحياة والطيب.. (3)، يقول
المندائي عند المصبوتا : «رسمي لا يكون بالنار ولا بالزيت ولا بالمسح ،
رسمي بالماء العظيم ماء الله الحي».
والنوع الثاني؛ العماد الشخصي ويسمى «طماشة»، وهو مجرد إغتسال عن
النجاسات كالجنابة وغيرها.
والنوع الثالث؛ يسمى «رشامة» وهو الوضوء ويمارس ثلاث مرات يومياً، وتغسل
خلاله أعضاء الجسم الخارجية.
2- صلاة المندائي؛ عبارة عن قراءة وتبريكات مع الإنحناء كلما وردت كلمة
السجود في النص المقروء كقولهم :«قوموا أيها المسلمون المؤمنون، اسجدوا
وسبحوا لله العظيم» والقبلة عند الصلاة جهة الشمال.
3- الصدقة من المال فتقدم كهبة لأبناء الملـّة المحتاجين، ومن شروط
ثوابها أن تقدم سراً، والإعلان عنها يُعد خطيئة تعادل خطيئة الكفر.
4- الصوم: هو ستة وثلاثون يوماً، متفرقة على مدار السنة، تحتم عادة
بالأعياد. ومن تعاليمه: «أمسكوا افواهكم عن قول الكذب... لأن الذي يحل في
قلبه البغض ليس مسلماً»، والامتناع عن اكل اللحوم فقط ويحرم في ايامه ذبح
الحيوان.
ومن شعائرهم أيضاً تغسيل المحتضر وإكساءه الكسوة الدينية البيضاء
المعروفة بالرسته، اعتقاداً منهم أن ذلك يمكـّن روحه من الصعود إلى
مكانها في مشنوي كشطا السماوي، وهي مطهرة من فساد العالم الأرضي، وكلمة
كشطا كلمة مندائية تعني العهد أو الحق وتكرر كثيراً في كتاب «الكنزاربا».
وتأتي مركبة: مشنوي كشطا، أي الحق المتسامي،وهو عالم مثالي وموطن
الآدميين السماويين، وفيه أشباه المخلوقات والأدوات الأرضية، ويكون موقعه
في الشمال من الكون، حيث يقع العالم النور...
والمندائيون أثر من آثار التاريخ الحية، فوجودهم يذكر بأنبياء ورسل نسخت
الأديان المتعاقبة شرائعهم، ولم يبق منهم غير صحف نوح وإبراهيم.
فقول المندائيين : إنهم أقدم ديانة سماوية على وجه الأرض، وإن كتبهم هي
صحف سادة البشر الأولين: آدم وشيت وإدريس و نوح، يرفعهم إلى مصاف بدايات
الأديان والشرائع الموحدة في التاريخ، والكل نحل من منحلهم، لذا من الصعب
أن يعرف للصابئة المندائية مؤسس، وهذه الخاصية، التي ميزتهم عن اليهودية،
والمجوسية، والمسيحية، والمانوية، والإسلام وغيرها من الديانات العالمية.
رسلهم
وتشير روحانيتهم الصافية إلى فلسفة خاصة قد تنفي سفارة البشر بين السماء
والأرض؛ لخص تعلقهم بالروحانيات لذا قيل «إنما مدار مذهبهم على التعصب
الروحانيين» (4).
لأن ميل الصابئة إلى الرسل من الكائنات النورانية مثل هيبل زيوا (جبرائيل)،
فالبشر لخطاياهم وما يتعلق بأبدانهم من فساد، لا يصلحون للسفارة بين الله
وخلقه.
قال الشهرستاني في مذهب الصابئة: «إن للعالم صانعاً، فاطراً، حكيماً،
مقدساً عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله،
وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون
المقدسون جوهراً، وفعلاً، وحالة» (5).
ويفند هذا القول ما جاء في كتبهم من الصحف التي نزلت على آدم والكتاب
الذي نزل على أحد النوصرائيين إدريس الذي يسمونه (دنانوخت) ويصدقه في
الوقت نفسه انهم لم يسموا أحداً من البشر بالنبي أوالرسول والكل عندهم
كانوا نوصائيين من آدم إلى يحيى بن زكريا.
فالكتابات الصابئية المندائية اشارت إلى «الاعتقاد بان المعرفة أو العلم
الرباني – مندادهيي – إنما يؤتيه الله عباده المختارين الصادقين أما وحياً
أو إلهاماً، وذلك هو صوت الحي الاقدم أو فيضاً سماوياً وكشفاً وهو التجلي،
أو بواسطة رسل أثيرين نورانيين» (6).
من عقائدهم:
والصائبة لا يهتمون بالمقابر والأضرحة، وإن الاحتفاظ بالقبر لا يستمر
أكثر من خمسة وأربعين يوماً، فهو فما يتخلف في التراب لا يعني شيئاً بعد
صعود الروح خلال ثلاثة أيام.
واختص الصابئة المندائيون، دون غيرهم من الديانات بالقول بأكثر من آدم
وأكثر من كوكب مأهول بالبشر، فهو آدمنا الذي خلق من طين أرضنا ونزلت روحه
من عالم النور بأمر الحي الأزلي، وآدم الخفي (كسيه)، وبهذا أجابوا بسهولة
على تساؤل أبي العلاء المعري:
إذا ما ذكرنا آدماً
وفعاله
اوتزويج بنتيه في الخن
علمنا بأن الناس من
نسل فاجر وان جميع الخلق من عنصر الزنا(7)
فحسب العقيدة المندائية «لم يتزوج الأبناء أخواتهم، إنما أرسلت البنات
إلى عالم آخر فيه أناس مثلنا، يسمونه مشنوي كشطا، أي أرض العهد، وجيء
بفتيات من مشنوي كشطا إلى أولاد آدم فتزوجوهن، وعلى هذا الأساس فالمرأة
في نظر الدين من عالم غير عالمنا فقد أتت من عالم الطهارة» (8)، وان آدم
خلق من طين وحواء خلقت من جسمه، وعلى هذا الأساس فتسمية الأبن بإسم أمه
أعلى واسمى لأن آدم من طين وزوجته حواء من نفسه وبذلك فهي أطهر من الطين.
وإن عقيدتهم حرمت الجنة على من يعزف عن الزواج، ولا يولون عاقراً منصباً
دينياً وكما ورد في البوثة (الآية) من كتابهم المقدس: «أيها العزاب أيتها
العذارى، أيها الرجال العازفون عن النساء، أيتها النساء العازفات عن
الرجال، هل وقفتم على ساحل البحر يوماً؟ هل نظرتم إلى السمك كيف يسبح
أزواجاً؟ هل صعدتم إلى ضفة الفرات العظيم، هل تأملتم الأشجار واقفة تشرب
الماء على ضفافه وتثمر؟ فمالكم لا تثمرون...» (9).
واعتقد المندائيون بوجود بشر خارج كوكب الأرض، فالكواكب السماوية عندهم،
مادون عالم النور، اتخذت سكناً للبشر (الشبه روحيين) والكائنات النورية،
وكتبهم الدينية ترشد إلى عوالم يسكنها بشر مثلنا في عالم العهد مشنوي
كشطا وهم في هذا العالم يختلفون عنا كثيراً، وعلى هذا الأساس فقد أمر هيي
ربي قدمايي، الحي الأزلي بنقل بنات آدم من الأرض ويجلب زوجات من عالم
مشنوي كشطا لأولاده (10).
ويقول غضبان رومي وهو من أبرز المثقفين المندائيين أن «من ذريتهن تكوّن
الإنسان الحالي، الذي أخذ يزحف من عالمنا هذا نحو الكواكب الأخرى، وليس
ببعيد أن يصل في آخر المطاف إلى عالم مشنوي كشطا، وينزل ضيفاً على أخواله
هناك، مستقبلاً من ابناء عماته».
وحسب الكتب المندائية ان البشرية فنيت عدة مرات بكوارث سببها عالم الظلام
المنحوس، وانتقل ما فيه من شر إلى الآدميين عبر مادة الطين وهي من عالم
الظلام الماء الآسن وفي كل فناء يبقى رجل وامرأة ليتجدد الجنس البشري،
فبعد شيت قضي على هذا العالم بالحرب، ولم يبق منه إلا رجل وامرأته، هما
رام ورود، وبعد عشرات الالوف من السنين فني العالم بالنار، ولم يبق منه
إلا شوربي وزوجته شورهيبل، وبعد عشرات إلوف أخرى جاء الطوفان ولم ينج منه
إلا نوح وزوجته انهريتا وابنه سام.
وهذه الكوارث حسب اعتقاد المندائية ضرورية لغسل الأرض من خطايا البشر.
سفر الارواح
قالت الخبيرة بالشؤون المندائية، الليدي دراوور:
«اخبرني احد الكهان: أن لكل شخص على هذه الأرض شبيهاً (دموثه) في مشنوي
كشطا،ولدى الوفاة يفارق إنسان الأرض جسمه الترابي، ويلتحق بالجسم الاثيري
لشبيهه، فهو لدى وفاة صنوه الأرضي يغادر جسده الأثيري، الذي استقرّ به،
ويدخل في جسم نوراني، وحين تكون النفس البشرية قد أتمت دورتها التطهيرية،
وأذنت لها موازين أباثر بالانعتاق من اعبائها تدخل أيضاً في عالم الانوار،
ويتحد الاثنان» (11).
لدى المندائيين كتب دينية منها «ديوان اباثر» يحتوي على رسومات مندائية
أشارت إلى ناقلات الأرواح منها سفن على هيئة الشمس والقمر والزهرة،فلدى
الصابئيين سنة شمسية وأعداد شمسية مقدسة، ويدخل قرص الشمس في رسم الحروف
الابجدية، ويظهر شامس (راكب السفينة الرئيس) مطابقاً لياورزيوا، والصلوات
له ذات صفة شمسية والتقاليد تعين له بحارة سبعة اثري نورايين.
والشمس عندهم ليست مضيئة بل تستمد الضوء من أرواح أو كائنات نورانية
كونية، فهي تعكس ملكة زيوا وشامس، سيد جميع ملائكة الدنيا المادية.
وتسافر الارواح بعد الموت إلى المطراثي، لتحديد مصيرها، ومرورها على
الملاك أباثر النوراني المسؤول عن وزن الروح وتحديد منزلتها ان كانت في
جنة أو نار، فهو بمثابة الصراط المستقيم.
وتستخدم هذه الرسومات كطلاسم وتعاويذ لحفظ الاطفال وطرد الشرور القادمة
من عالم الظلمة.
معراج المندائيين
وللمندائيمين معراج هو معراج دنانوخت أو إدريس، إلى السماء السابعة، حيث
مكان الحي العظيم، وورد معراج إدريس في القرآن الكريم: (واذكر في الكتاب
إدريس، إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً) (12).
وكتابهم المقدس نزل على إدريس ويحتوي على المعرفة الكاملة بالله، فبعد
قراءته انتصب أمام دنانوخت ملاك نوراني هو هيبل زيوا، دعاه إلى العروج
معه إلى السماء، وتم العروج اثناء النوم، ومن كوكب إلى آخر كان آخرها
كوكب الشمس وهو مكان النور، ثم عرج إلى الجنة، مكان يسكنه النورانيين
الاربعة الكبار، وهم:
ارهام هيي – اين هيي – سروم هيي – زيوا هيي.
وكلمة هيي تعني: (الحي).
وهناك حاول دنانوخت التوقف عن العروج، لكن هيبل زيوا أمره في مواصلة
الرحلة حتى محل (ملكا ادنهورا)، ومن عالم نوري إلى آخر حتى وصلا إلى محل
مملوء بالأثري، حيث سماء السماوات، بحر الضياء ومياه النور.
وكانت غاية العروج أن يعود دنانوخت إلى الأرض فيقص ما شاهد من عجائب
العوالم السماوية.
ورد تعريف دنانوخت في «الكنزاربا» بـ «الكاتب الحكيم،حبر الآلهة، الفخور
المتكبر» أو «فقيه الدين الحكيم ودواة كتاب الآلهة والفخور والمرتفع» ولم
يصفه بالنبي أو الرسول.
وورد في «الكنزاربا» على لسان دنانوخت: «رأيت الحي الذي كان منذ الأزل،
ورأيت الكشطا التي منذ البداية، رأيت الموت ورأيت الحياة ورأيت النور،
رأيت الخطأ ورأيت الصواب،رأيت البناء ورأيت الخراب، رأيت المرض ورأيت
الشفاء، رأيت هذا الرجل الفاضل الشيخ الواقف منذ القدم بين الأرض والسماء».
ويتوقع ان هذا الرجل هو الملاك مندادهيي.
والذي شيد أو شارك بفاعلية في بناء السماء والأرض هو الملاك بثاهيل، «سجد
بثاهيل وسبح للخالق الجبار ثم امسك بسرة الأرض محاولاً ربطها بقلب السماء».
والمعراج المندائي مستمر لم ينقطع عند إدريس، وسيعرج كل البشر الطاهرين
أو بعد تطهيرهم، فكل روح تعرج بقارب سماوي...
ويتلخص من ذلك كله أن المندائيين أهل دين سماوي، ولم يجعلوا الكواكب آلهة
- كما هو شائع عنهم - بل أمكنة لكائنات النور والظلام، والله لديهم متعال
عرشه يطوف فوق بحار النور النقية، ومثلما للأديان الآخرى معاريجها لهم
معراجهم وجنتهم ونارهم. والحياة حسب كتابهم هي الفارق الأكبر بين الله
والبشر.
وتشبه كلمة «بشميهون ادهي ربي» المندائية المقدسة كلمة المسلمين «بسم
الله الرحمن الرحيم»، والتي تعني باسم الحي ربي.
ان المندائيين أهل دين وكتاب واعترف لهم به القرآن في ثلاث سور من سوره
منها:
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم
الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف علهم ولا هم يحزنون)
(13).
أن «الصابئة الذين ذكرهم القرآن إلى جانب اليهود والنصارى من أهل الكتاب
يعدون من المنديا، ولا شك في أن اسم الصابئة مشتق من الأصل العبري (ص ب
أ) أي غطس، ثم سقطت الغين، وهو يدل بلا ريب على المعمدانيين» (14).
ووجد مغنية أن التسمية مشتقة من «صبأت النجوم أي طلعت» (15).
وجاءت كلمة «المسلمين» في الكثير من صلواتهم وادعيتهم فقولهم: «يا شلماني
وامهيمنى... يا امهيمنى وشلماني... لا تيفخون من مملالخون» (16).
معناها :« أيها المسلمون والمؤمنون، وأيها المؤمنون والمسلمون، لا
تتراجعوا عن عهدكم الذي عاهدتم الله عليه» (17).
وهناك أكثر من نص في «الكنزاربا» يحرم الكنز، منها: «وأن حب الذهب والفضة
وجمع الأموال، صاحبه يموت ميتتين في موت واحد» (18).
ويصعب الاعتقاد ان الصابئة عبدوا الكواكب وكتابهم يقول: «بأسم الحي
العظيم، أشرق نور الحي وتجلى مندادهيي بأنواره، فأضاء جميع الأكوان، حطم
إلوهية الكواكب، وأزال اسيادها من مواقعهم» (19). وكيف عبد المندائيون
الاصنام والاوثان وكتابهم يقول: «من يقدم الضحايا والقرابين تعقد خطاه في
جبل الظلام (جهنم) فلا يرى نور الله، أما من آمن واتقى فله من النور
مرتقى حتى يبلغ بلد النور» (20).
وهم نهوا عن شرب الخمور، بالقول: «وليعلموا ان الخمرة يوضع شاربها في
قيود وأقفال، وتثقل عليه السلاسل والأغلال» (21). والمعروف عن الصابئة
أيضاً أنهم يحرمون الختان لاسباب تتعلق بتقديس ما خلقه الله ،
والمندائيون لا يشهرون طقوسهم، فهم ديانة أقرب إلى السرية. والمندائية
اختصوا بالقول بخطيئة ذبح الحيوان، فأوجدوا صلاة عُرفت بصلاة أو دعاء
الاستغفار أو مغفرة الذبح، وهو طقس يمارسه الذابح، دون أن يعمدوا إلى
تحريم اللحوم مع وجود نزوع إلى ذلك، وعلى وجه الخصوص لدى المتدينين
والكهنة، جاء في دعاء الاستغفار: «ليباركني اسم الله المتعال واسم الملك
ملكا مندادهيي المقرب من عرشه، إنني قد أديت عمل الذبح بسكين حديدية بأمر
من الله تعالى، وأنه غافر لذنوبي، اللهم اغفر لي ذنوبي وأرحمني، ولا
تحرمني من شفاعتك، ليبارك اسم المتعال وملكا مندادهيي فلان بن فلانه
دائماً».
ويعد صابئتنا الحاليون كتابهم كتاب آدم، كما يعدون إدريس ونوحاً من
عظمائهم، ويذكر المسعودي ان الصابئة «تزعم أخنوخ بن يردهرمس، ومعنى هرمس
عطارد، وهو الذي أخبر الله في كتابه انه رفعه مكاناً علياً، وكانت حياته
في الأرض ثلاثمائة سنة، وهو أول من درز الدروز، وخاط بالابرة، واُنزلت
قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة، واُنزلت على شيت تسع وعشرون صحيفة،
فيها تهليل وتسبيح» (22).
تقترب رواية المسعودي إلى حد كبير من قصة «الكنزاربا» فأخنوخ بن يرد هو
دنانوخت نفسه وهو هرمس، وهرمس هو إدريس.
وسمى أبو فرج النديم المندائية بالمغتسلة، وهو أقرب الأسماء تعبيراً عن
ماهية طقوسهم، قال: «هؤلاء القوم كثيرون بنواحي البطائح (الاهوار) وهم
صابئة البطائح، يقولون بالاغتسال، ويغسلون جميع ما يأكلونه» (23).
ويطلق على الصابئة تسمية المندائية نسبة إلى مكان عبادتهم المندي، وتتصل
بالملاك مندادهي، وهو الاثري العارف بالحي الأزلي، وتتصل بالمانا وتعني
العقل،وبالتالي المندائي يعني الموحد أو العارف بالله (24).
المعبد المندائي
هو «كوخ صغير من القصب المطلي بالطين، يبني على الأرض غير المبلطة،
والفتحة الوحيدة فيه هي الباب التي تواجه الجنوب، ولكنه يتجه من داخله
نحو الشمال، نحو النجم القطبي، حيث يتجه المندائيون في صلواتهم، ولا تجري
فيه أي شعائر دينية يجوز للعامة أن تشارك فيها، وأمامه بركة أو حوض من
الماء يرتبط بقناتين في مجرى الماء الجاري، تسمحان بجريان الماء في
البركة» (25).
عند المندائيين الإله واحد، هو الحي القديم، يكون منه يردنا (الماء الحي
العظيم) ومن الماء كانت الحياة الثانية وهي الملاك مندادهي، العارف بالله،
وبقدرته ظهر الأثريون، ينزل هؤلاء إلى عالم الظلام حيث المياه الآسنة
والشياطين، أرض العوز والنقصان، ثم يأتي ملاك هيبل زيوا (واهب النور)
لمطاردة ملكة الظلام الروهة، وبعد القضاء عليها يأمر الحي المتسامي
الملاك بثاهيل (الذي ينسب له مع كائنات نورية آخرى تكوين السماء والأرض)
بخلق جسد آدم، ينتظر الجسد بلا حراك حتى يجلب مندادهي الروح من موقعها
العلي، ويتم خلق الكون ليظهر فيه الإنسان ليبعد الحي الأزلي (26).
قال البيروني في الصابئة: «نحن لا نعلم منهم إلا إنهم أناس يوحدن الله
وينزهونه عن القبائح، ويصفونه بالسلب (منزه من الصفات) لا بلإيجاب،
كقولهم: لا يحد ولا يُرى ولا يظلم ولا يجوز، ويسمونه بالأسماء الحسنى
مجازاًً، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه،
ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها ويعظمون الأنوار» (27).
ما قاله البيروني صحيحاً وينطبق تماماً على المندائيين اليوم، لكنهم لا
يحسبون للكواكب هذا الحساب إلا من باب التنجيم، وفي هذا الباب يشترك معهم
أهل أديان أخرى. أما تعظيمهم للأنوار فلأنها فيض من النور الأزلي و هو
الحي القديم أي الله.
إن للمندائيين علاقة بنهر الفرات ودجلة بسبب ارتباط القيامة والعذاب
بجفاف النهرين، جاء في «كنزاربا»: «كل من عمل باطلاً سيبقى هنا... مكبلاً
بعذاب ربه إلى أن يجف الفرات من منبعه إلى مصله، ويجري دجلة خارج مجراه
إلى أن تجف جميع المياه في البحار،وفي الجداول والأنهار والعيون والآبار
بعدها» (28).
عرف الصابئة المندائيون بارتباط طقوسهم بالماء، إذ نحت إسمهم من عملية
الإرتماس في الماء الجاري، ويسمى مصبتة ، وهو مأخوذ من صبأ الآرمية، أي
اغتسل.
وقال محمد جواد مغنية: «فمعنى الصابئة عبادة الضيائية أي الأجرام المضيئة،
وهي عبادة الكواكب والأجرام السماوية...»(29).
وورد في «الكنزاربا» ما نصه: «سمح لي العظيم بعظمته أن أنشر الضياء،
العظيم سمح أن أنشر النور وأن أنشر الضياء» (30). وأن هناك أكثر من نص
مندائي يحذر من عبادة الكواكب والنجوم، منها: «لم أسجد لربين» (31).
أعيادهم
وحسب المرسوم الجمهوري رقم 10 العام 1972، يتمتع الصابئة بأربعة عطل
رسمية، هي يومان للعيد الكبير، يصادف 27 و 28 من شهر تموز (يوليو)، ويوم
واحد للعيد الصغير يصادف 11 تشرين الأول (أكتوبر)، ويومان لعيد الخليقة (البنجة)
يوم 24 آذار (مارس)، يوم واحد لعيد يحيى أن المعمد يصادف 28 أيار (مايو)
(32).
فضائلهم
كان المندائيون وما زالو مثالاً للوداعة والسلام، ينبذ دينهم الحرب حتى
إذا كان دفاعاً عن النفس، تمرسوا على الصبر المرير ليقاوموا به استفزازات
المحيطين... مكنهم ذلك من الاحتفاظ بكيانهم عشرات القرون وهم حسب رجل دين
مسيحي وصفهم بالمبتدعين والضالين «يمتازون بعدة فضائل منها العفة، ولذا
تراهم يفرقون عن غيرهم من سيمائهم، فإن ملامح وجوههم تنطلق بحسن آدابهم،
وبشاشتهم تترجم عن نقاء سرائرهم، ولسانهم يفصح عمّا في ضمائرهم، ومن
فضائلهم أيضاً محبة بعض لبعض وهي فيهم على نوع لا يشاهد إلا في الرهبان»
(33).
وشاهد صبرهم على الاضطهاد ما أوصاهم فيه «الكنزاربا»: «إذا اضطهدتم
فقولوا: نحن منكم ولكن لا يكون ذلك قلبياً، ولا تنكروا صوت سيدكم ملك
النور الأعلى، فالسر لا يمكن أن يعيش إلى ظهور المسيح الدجال» (34).
وهذا ما مارسه الصابئي المندائي خلال السيطرة البريطانية على العراق فأخذ
الصاغة يكتبون على حوانيتهم عبارة «مسيحي من اتباع يوحنا المعمدان» (35).
كهنتهم
وربما كان الصابئة المندائيون من بين الأديان الحية بالعراق يشكون
باستمرار من نقص في رجال دينهم، ويبدو أن المذابح والاضطهادات كانت
تستهدف كهنة الطائفة.
وهناك سبب آخر لقلـّة رجال الدين هو صعوبة الوصول إلى الكهانة حسب العرف
الديني، فدرجة من الدرجات الدينية تفرض على المتقدم إليها أن يسهر ستة
أيام متواصلة.
الهوامش
ـــــــــــــــ
(*) مقتبس من كتاب الأديان والمذاهب بالعراق، رشيد خيون.
(**) كاتبة من العراق.
(1) الصابئة : 117 - 118.
(2) الصابئة المندائيون : 69.
(3) مجلة مندائي، 4 / 1994.
(4) الشهرستاني، الملل والنحل2 : 5.
(5) المصدر نفسه : 6.
(6) ناحية المراني، مفاهيم صابئية مندائية : 99.
(7) تاريخ اليعقوبي2 : 59.
(8) أداموف،ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها :215، غضبان رومي، الصابئة :
167.
(9) كنزاربا اليمن، الكتاب الثاني : 38 – 39.
(10) آدموف، مصدر سابق : 180.
(11) دراوور، الصابئة المندائية : 110.
(12) سورة مريم : 56 – 57.
(13) سورة البقرة : 62، وانظر سورة الحج : 17، سورة المائدة ك 69.
(14) فضل الله، من وحي القرآن 2 : 69.
(15) مغنية، التفسير الكاشف : 117.
(16) برنجي، الصابئة المندائيون : 42.
(17) مراني، مفاهيم الصابئية مندائية : 24، ترجمة عن النسخة الألمانية
للكنزاربا.
(18) كنزاربا اليمن : 264.
(19) المصدر نفسه : 117.
(20) المصدر نفسه : 265.
(21) المصدر نفسه : 264.
(22) المسعودي، مروج الذهب والمعادن والجوهر1 : 43.
(23) الفهرست : 403.
(24) مصطلحات كنزاربا، اليمن.
(25) عزيز مباهي، أصول الصابئة : 65.
(26) الكنزاربا اليمن، قصة الخلق.
(27) الآثار الباقية عن القرون الخالية :305.
(28) كنزاربا اليسار (ترجمة بغداد) التسبيح الثامن : 64.
(29) مجلة المشرق، حزيران 1901.
(30) الكنزاربا اليمن : 61.
(31) المصدر نفسه : 84.
(32) الصابئة : 191 – 192.
(33) الأب أنستاس الكرملي، اليزيدية، المشرق، الكانون الثاني 1902.
(34) الصابئة المندائيون : 57.
(35) المصدر نفسه : 57.
|