|
ثقافة
المواطنة
د. محمد السعيد إدريس (*)
ثمة علاقة في
المضمون بين مفهومي المواطن والمواطنة, وهما معاً مرتبطان بمفهومين آخرين هما
الوطن والوطنية، فعندما يغيب الوطن وتتوارى تجلياته على مواطنيه تتوارى الوطنية
كقيمة عليا حيث لا يكون للمواطن مكانته التي يكتسبها من مكانة الوطن، فلا
مواطنة ولا مواطن بدون وطن، ولا وطن بدون وطنية تعبر عن نفسها بدرجة عالية من
الولاء والاندماج الوطني والتماسك السياسي.
فالمواطنة التي هي التعبير القانوني عن الوجود السياسي للوطن والمواطن معاً هي
المدخل الأساسي للنهوض الوطني، هي حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداءً من نظامه
السياسي والاجتماعي والاقتصادي وامتداداً إلى النهوض الثقافي والارتقاء الحضاري،
لأن افتقاد المواطنة هو الوجه الآخر لافتقاد الوطن بمدلولاته المعنوية والرمزية
وليس فقط المادية، هذا يعني أن المواطنة تتجلى في أرقى صورها بارتقاء الاستقلال
الوطني وثبات العزة والكرامة الوطنية من ناحية، كما تتجلى بتثبيت الحقوق
السياسية للمواطن، ناهيك عن حقوقه الإنسانية، وتمتعه بالمساواة الكاملة في
الحقوق والواجبات دون تمييز، ووجود درجة عالية من الحريات الديمقراطية، وانتفاء
الحكم الاستبدادي والسلطوي، حيث تتوافق حرية الوطن مع حرية المواطن.
بهذا المعنى يتأكد لنا أن المواطنة مرتبطة بتفاعلات الداخل مع الخارج وتفاعلات
الداخل مع نفسه. ونعني بذلك أنماط العلاقات التي تربط الوطن بالقوى الأخرى،
ودرجة تمتع الوطن بالحرية والسيادة الوطنية والاستقلال وانتفاء التبعية، وأنماط
العلاقات الداخلية التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وطبيعة النظام
السياسي هل هو نظام استبدادي وسلطوي أم هو نظام ديمقراطي يتمتع بدرجة عالية من
الحريات وكفالة العدالة والمساواة في العلاقة بين كافة الأفراد والجماعات
والقوى السياسية دون تمييز.
المواطنة وفق هذا المنظور لا تبنى إلا في بيئة سياسية ديمقراطية - قانونية،
تتجاوز كل أشكال الاستفراد بالسلطة والقرار أو الاستهتار بقدرات المواطنين
وإمكاناتهم العقلية والعملية. والقاعدة العريضة التي تحتضن مفهوم المواطنة في
الفضاء السياسي والاجتماعي، هي قاعدة العدالة والمساواة. فكلما التزم المجتمع
بهذه القيم ومتطلباتها، أدى ذلك على المستوى العملي إلى بروز حقائق إيجابية في
طبيعة العلاقة التي تربط بين مكونات الوطن الواحد وتعبيراته. فمقتضى العدالة
الاعتراف بوجود التعددية في الفضاء الاجتماعي والسياسي وتنظيم العلاقة بين هذه
التعدديات على أسس المواطنة المتساوية.
فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية
والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع من منطلق
حقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية في الفضاء
الوطني. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة
متساوية مصانة بنظام وقانون يحول دون التعدي على مقتضيات المواطنة الواحدة
المتساوية ومتطلباتها.
والثقافة الوطنية تتشكل في خطوطها الرئيسية وآفاقها وأولوياتها من الثوابت
وطبيعة التفاعل والمثاقفة التي تكون بين مجموع التعدديات المتوافرة في الفضاء
الوطني. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هي التي تكون تعبيراً عن حالة التنوع
والتعدد الموجودة في الوطن، فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هي ثقافة الوطن
بكل تنوعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسساتها في هذا الإطار هو
توفير المناخ القانوني والاجتماعي وبناء الأطر والمؤسسات القادرة على احتضان
جميع التعبيرات لكي تشارك في صياغة مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقيم
المجتمع والعصر. فالمعنى البديهي لتعبير الثقافة الوطنية يأتي من كونه تعبيراً
عن حقيقة واقعة بالفعل، أي عن حقيقة اجتماعية- تاريخية قائمة وشاهدة.. بمعنى
أنه ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أي
ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك.
بهذا المعنى نستطيع الحديث عن "ثقافة المواطنة"، وهي تلك الثقافة التي ترتكز
على "مبدأ المواطنة" كمحور أساسي حاكم لمجمل تفاعلاتها.
ويترسخ مبدأ المواطنة بالتمييز بين نوعين من الحقوق هما:
1-الحقوق المدنية.
2-الحقوق السياسية.
الأولى: تهدف إلى تمكين الإنسان من العيش والحياة كمواطن داخل بلده بحكم عضويته
في الجماعة السياسية، أي عضويته في المكون البشري للدولة، وهي حقوق يجب أن يكون
في مقدور كل إنسان أن يمارسها بحرية دون تدخل من الغير أو من الدولة طالما أنه
لم يرتكب ما يخالف القانون مثل حرية الرأى وحق الملكية.
الثانية: فهي أكثر فاعلية، فهذه الحقوق تضمن لصاحبها المساهمة الإيجابية في
ممارسة السلطات العامة في بلاده من خلال المشاركة في مؤسسات الحكم السياسية
والقانونية والدستورية، ولا تكون المواطنة إلا لمن يكون له، طبقاً للدستور
والقانون، هذا النوع الثاني من الحقوق.
هنا يتأكد لنا أن المواطنة مقترنة بحق المشاركة، بمفهومه العام في كل ما يتعلق
بالوطن، وبمفهومه الخاص أي المشاركة في الحكم، أي أن يكون الإنسان طرفاً معترفاً
به في حكم بلاده وفي إدارة شئونها، وألا يكون محروماً أو معزولاً عن ممارسة هذا
الدور. فالأفراد المقيمون على أرض الدولة والذين يجبرون على الانصياع للأوامر
الصادرة دون أن يسهموا بشكل ما في إعدادها وإصدارها هم من الأجانب، فهؤلاء
السكان مع إمكانية تمتعهم بالحقوق المدنية لا يمكن اعتبارهم مواطنين، أي أعضاء
أصلاء في الجماعة السياسية ممن يساهمون في توجيه وإدارة حياتها السياسية.
ويتوقف ترسيخ مبدأ المواطنة كمبدأ حاكم لعلاقة الأفراد بالوطن على درجة وعي
هؤلاء الأفراد من المواطنين بحقوق المواطنة، ووعي الإنسان بأنه مواطن أصيل في
بلاده وليس مجرد ضيف أو زائر أو حتى مقيم يخضع لنظام معين دون أن يشارك في صنع
القرارات داخل هذا النظام.
ويعتبر الوعي بالمواطنة نقطة البدء الأساسية في تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه
وإلى بلاده وإلى شركائه في صفة المواطنة، لأنه على أساس هذه المشاركة يكون
الانتماء وتكون الوطنية.
فغياب حقوق المواطنة يؤدي إلى تداعي الشعور بالانتماء للوطن، وتباين امتلاك
الأفراد لهذه الحقوق يؤدي إلى تفجر قضايا التمييز التعسفي وتفكك روابط التكامل
الوطني.
وهكذا نستطيع أن نحدد ثلاثة مرتكزات أو أسس للمواطنة كما يعبر عنها "مبدأ
المواطنة" هي:
1-الانتماء للوطن.
2- والمشاركة.
3- والمساواة.
الوعي بهذه المعايير الثلاثة هو الذي يجب أن يحكم مناقشة قضية المواطنة، ونعني
بها تأثير وجود المواطن على حقوقه التي يجب أن يحصل عليها كونه يتمتع بالمواطنة,
من جهة, وثقافة المواطنة لدى الفرد ـ المواطن ـ نفسه من جهة أخرى, والتي تمثل
المرجعية الروحية, والقوة الدافعة, لكل فعل بناّء, يتمظهر في أي شكل من أشكال
الاندماج والتفاعل بين المواطن وبين الوطن.
فثمة ـ إذن ـ علاقة جدلية, تكاملية, بين ثقافة المواطنة, مصدر الدافع الوطني
لدى الأفراد, وبين طبيعة المنظمة السياسية والاجتماعية من حيث مدى حمايتها
لحقوق المواطنة ومرتكزاتها, أو هدرها والتفريط بها.
(*) كاتب من مصر.
المصدر: من موقع (كفاية) المصري 26/08/2006 (بتصرف).
|