|
الإثنين
:
31/05/2010
الإضحاك السياسي : الاحتجاج بالسخرية والنقد بالتهكم
ثامرعباس(*)
(خاص للمعهد)

(( إن من يبلغ ذروة القوة يضحك من مأسي الحياة
)) – نيتشه
لطالما اقترنت غرائز عنف الحاكم
بهواجس خوف المحكوم ، وتواشجت مظاهر شخصنة الوطن بظواهر زعرنة المواطن
، وتلازمت عوامل تفكك العلاقات بمعطيات تهتك السلوكيات ، وترابطت شعائر
تدنيس الثقافات بطقوس تقديس الخرافات ، وتعالقت أنماط خذلان العقل
بمشاهد طغيان الانفعالات . وهو الأمر الذي ضربت عليه أبلغ الأمثلة
أنظمة السلطنات العربية بمختلف مسمياتها السياسية وتغاير عناوينها
الإيديولوجية ، منذ أن شرعت تتسلط على مصائر الناس وتتحكم بخياراتهم ؛
باسم المصالح القومية تارة ، والوحدة الوطنية تارة ثانية ، وضرورات
التنمية البشرية تارة ثالثة ، ومستلزمات النهضة الحضارية تارة رابعة ..
الخ . للحدّ الذي أضحى معه التعبير عن الهموم الاجتماعية والمعاناة
الاقتصادية للإنسان المنتهكة كرامته والمهدورة حياته ، يشكل في عرف
السلطة خيانة وطنية عظمى ، تتطلب أن يتصدى لها النظام بكل ضراوة ويعاقب
عليها القانون بكل قساوة ، ليس فقط لأنها تعد خروجا"عن مألوف المجتمع
وإرباكا"لاستقراره وتهديدا"لأمنه فحسب ، بل لكونها مؤشرا"لانتهاك شرعية
تلك السلطة وتجاوزا"على مشروعيتها أيضا". ولذلك فقد اعتبرت مظاهر القمع
السياسي والتعصب القومي والتطرف الديني ، التي ما انفكت أنواعها تتناسل
وأشكالها تتوالد ، في رحم الواقع العربي الموبوء بشتى ضروب المفاسد
والانحرافات ، بمثابة مصادر طبيعية تمتح من معينها بنى الثقافة الشعبية
والسيكولوجيا الاجتماعية ، المعول عليهما ليس فقط امتصاص الصدمات
وتخفيف الضغوطات ، التي يتعرض لوطأتها كاهل الإنسان المغلوب على أمره
فحسب ، بل والمناط إليها مهمة تأجيج مظاهر الاحتجاج وترويج أنماط
الممانعة ضد كل ما يمت للأنظمة القائمة بصلة ، عبر تطعيمها بمذاق
النكتة الساخرة وتسويقها بنكهة التهكم النقدي ، طالما إن التصدي الفعلي
والمواجهة المباشرة لمؤسسات التنكيل السياسي والتكبيل الاجتماعي
والتجهيل الديني والتضليل الإيديولوجي والتطبيل الإعلامي ، أضحت
مجازفة ليس من الذكاء تجاهل مخاطرها كما ليس من الحكمة الاستهانة
بعواقبها . وعليه فقد اعتبر أستاذ الأثنولوجيا في السوربون (دنيس كوش)
إن (( الثقافات الشعبية ، بهذا المعنى ، هي ثقافات احتجاج )) . هذا في
اعتبر منظر النقد الأدبي الروسي (ميخائيل باختين) (( إن الثقافة
الشعبية هي القناة الأساسية التي تعبّر الجماعات والشعوب من خلالها عن
نفسها ، وينتشر هذا التعبير منها بعد ذلك إلى كل المستويات )) . ولعل
السائد في الاعتقاد التقليدي إن ظاهرة التفكه والتندر هي من علامات ما
يشعر به المرء من حبور ومؤشرات على ما يحس به من انشراح ، عاكسا"بذلك
طبيعة البيئة الصحية التي يعيش في كنفها ونمط العلاقات السلمية التي
يتغذى على قيمها . وهو ما يبيح الاستنتاج – تبعا"لذلك - إن المجتمعات
التي يتعاطى أفرادها الإضحاك وينغمسون في إنتاج الكوميديا ، عبر تداول
النكتة وإشاعة الطرفة ، تمتلك من مقومات الرفاه الاجتماعي والكفاية
الاقتصادية ، وبالتالي مسوغات السعادة الشخصية والطمأنينة الجماعية ،
أكثر مما لدى أقرانها من المجتمعات الأخرى التي يغلب عليها طابع الجفاء
في العلاقات والحذر في التوقعات ، بحيث إن مجرد تفكيرها بهذه الأمور
وانشغالها بتلك القضايا ، يعدّ ترفا"لا مسوغ للانخراط في مسلكه ،
وملهاتا"لا مبرر للارتماء في أحضانها . وهو ما سمح للفيلسوف الفرنسي
(هنري برغسون) أن يعطي الانطباع عنه بالقول (( لا يمكن للمضحك أن يحدث
هزته إلاّ إذا سقط على صفحة نفس هادئة تمام الهدوء ، منبسطة كل
الانبساط ، فللامبالاة وسطه الطبيعي ، وألد أعدائه الانفعال )) . بيد
إن حصيلة التجارب والممارسات تشير إلى أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية
وتراكم المنغصات الاجتماعية وتعاظم المعاناة النفسية ، التي يكابد
مرارتها ويتلظى بجحيمها الإنسان على مدار حياته ، فضلا"عن الشروط
المجحفة والظروف اللاانسانية التي تحيط بوجوده وتؤطر علاقاته ،
غالبا"ما تلجأه لابتكار ضروب شتى من التحايل على الواقع للتخفيف من
وطأته والهزأ من المجتمع للتلطيف من غربته . ولهذا فقد سبق للفيلسوف
الألماني (فردريك نيتشة) أن قال ذات مرة (( ربما أعلم أكثر من غيري
السبب في إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك ، لأنه وحده الذي
يتألم أشد الألم الذي أجبره على اختراع الضحك )) . ولأجل أن تكون
الفكاهة ذات مغزى نقدي / ساخر ، بحيث تتخطى عتبة مدلولها العفوي /
الترفيهي ، وتكتسب من ثم شيفرة التمويه التي تناسب الغرض السياسي
المطلوب والغاية الاجتماعية المنشودة ، فان تحقيق هذا المطلب يستدعي
تغيير نمط الآلية الذي تمارس من خلاله وظيفتها النقدية / التهكمية ،
بحيث تتحول من طابعها الفردي المخصوص إلى نطاقها الاجتماعي العمومي ،
وتنزاح من حيزها الانعزالي الضيق إلى رحابها الإنساني الشمولي . ذلك
لأن (( الفكاهة – كما جاء بكتاب (الفكاهة والضحك) للباحث المصري
الدكتور(شاكر عبد الحميد) – دائما"نشاط اجتماعي ، ويظهر ذلك مثلا"في
نتاجات فكاهية كالنكتة ، فلا يستطيع شخص أن يرويها لنفسه ؛ بل لابد من
آخر ، أو آخرين ، حتى يكتمل موقف التنكيت . بل انه حتى في تلك الأشكال
من الانعزالية من الفكاهة ، أي غير الاجتماعية ، أي التي يستطيع
الإنسان الاستمتاع بها بمفرده ، مثل الرسوم الهزلية والقصص الفكاهية ،
غالبا"ما يكون هناك تصور بصري لشخص آخر ، أو جماعة أخرى من البشر)) .
وهذا ما أكده (برغسون) ذاته في كتابه ( الضحك : بحث في دلالة المضحك)
حين أوضح انه (( لكي نفهم الضحك يجب أن نردّه إلى بيئته الطبيعية ، وهي
المجتمع ، ويجب خاصة أن نحدد وظيفته النافعة وهي وظيفة اجتماعية )) .
وبصرف النظر عن كون إن النكتة اللاذعة هي منتج اجتماعي بامتياز ، إلاّ
إن طابعها الساخر لا يستهدف في الغالب سوى الآخر الجواني من المجتمع
المعني ؛ سواء أكان آخر السلطة / النظام ، أو آخر الحزب / الجماعة ، أو
آخر القومية / العنصرية ، أو آخر الدين / الطائفية ، أو آخر القبيلة /
العشيرة ، أو آخر الجهة / المنطقة . لذلك فهي تبقى مدينة في صيرورتها
إلى تبلور موقف معارض أو نزوع رافض ، استخدم الحيلة وانتهج التمويه
واستعان بالترميز ، لمناهضة وضع قائم أو مقاومة حالة سائدة ، ما انفكا
يلقيان بظلالهما الداكنة على وجدان الإنسان ووعيه الجمعي ، لاسيما وان
(( الكوميديا – كما أجاد الوصف الشاعر والكاتب المسرحي الإنكليزي (بن
جونسون) – تهتم بالانحرافات التي تصدر عن الحماقة ، وتشغل نفسها
بالأعمال التي تخرج عن السلوك الاجتماعي )) . بمعنى ثان إن معظم الصيغ
السردية الساخرة ( نكتة ، طرفه ، نادرة ، تهكم ) ، لا يمكن أن تفبرك
بلا معنى مقصود أو تنسج بلا مغزى مستهدف ، والا لاستحالة إلى نوع من
أنواع التهريج الممل والمسخرة السمجة ، وهو الأمر الذي لفت الانتباه
إليه رائد مدرسة التحليل النفسي (سيغموند فرويد) ، الذي كتب في دراسة
له بعنوان (النكات وصلتها باللاوعي) يقول (( إن النكات التي يطلقها
الناس في أساسها نوعا"من (التطهير) أو المتنفس للمكبوت من العواطف ،
وليست النكات على هذا النحو مجرد تسلية أو إثارة )) . لذلك فهي (
=الصيغ) تتضمن – وان بصورة مضمرة - وجهة نظر معينة ، تتوخى من خلالها
الجماعة ترويج الاستنكار من حيث تروم الترويح ، وتسعى عبرها لتسويق
التنديد من حيث تريد التسلية . وعلى ذلك فان الشخص الذي لا يتفاعل مع
محيطه ولا يتواصل مع أقرانه ، نادرا"ما يستسيغ النكتة وقلما يستذوق
الطرفة ، ليس فقط من باب تبلد إحساسه وتجمد مشاعره حيال ما يجري فحسب ،
وإنما من منطلق إيثاره التقية الفكرية واللامبالاة السياسية ، دون أن
يخالجه الشك إزاء تبعات ما قد يتمخض عن حالة الهلامية (اللاموقف) ،
التي يعتقد بأنها تجنبه بطش السلطة وتقيه غضب السلطان . ولذا فقد عدّ
الباحث في شؤون النظرية الأدبية (عبد المطلب صالح) إن (( اللامبالاة
تأييد صامت للقوي المسيطر )) . ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الإطار
هو إن النكتة الساخرة ذات الطابع التحريضي ، لا يقتصر تأثيرها المضحك
على حقل اجتماعي دون سواه ، كما لا يتحدد مضمونها التهكمي ضمن سياق دون
آخر ، بل إنها تمتلك ما يسوغ لنا وصفه (بالسيولة) بين الأمكنة
و(الترحال) عبر الأزمنة ، طالما إن الدافع على وجودها يبقى نفسه ، وان
الباعث على تداولها يتكرر ذاته . فحيثما (( توجد حياة – كما ألمح
بعبارة مكثفة فيلسوف الوجودية المؤمنة (سورين كيركجارد) – يوجد تناقض ،
وحيث يوجد تناقض ، يكون المضحك موجودا")) . ولكي تمارس النكتة وظيفتها
النقدية دون أن يفتضح أمرها ، وتجيد بمهارة لعب دور المحرّض دون أن
تكشف أوراقها ، فان بنيتها مسوقة لاستبطان كل ما في الرموز من خصائص
التمويه للمعنى والتورية للمغزى والتشفير للمعطى ، بحيث يكون من
السهولة بمكان تحويل دلالاتها وانتقال ايحاءاتها ؛ من الملموس إلى
المجرد وبالعكس ، ومن المقدس إلى المدنس وبالعكس ، ومن الواقع إلى
الفكر وبالعكس ، ومن التاريخ إلى الأسطورة وبالعكس ، ومن الخاص إلى
العام وبالعكس . وهنا يكون بوسعها أن تطال عوالم الممنوعات السياسية
والمحرمات الدينية ، دون أن تضطر للإفصاح عما ترمي إليه من خلال
أسلوبها الساخر وطريقتها التهكمية ، وذلك بفضل ما تشتمل عليه من آليات
الإضمار وأساليب المواربة وطرائق التأويل . فنقد التزمت الديني وهجاء
التعصب الطائفي ، على سبيل المثال لا الحصر ، قد يرد بصيغة استهجان
لحالة سياسية مرفوضة أو ظاهرة اجتماعية مدانة ، خصوصا"حين يسود بينهما
مبدأ التخادم المصيري والتفاهم المصلحي ، على خلفية تجرد المرجعيات
الدينية عن قداستها وتخلي الرموز السياسية عن وطنيتها . كما يمكن
لأشياء عادية لا تقع ضمن مدى الاهتمامات الإنسانية الملحة ، أن تكون
بمثابة دال عرضي لا يثير الريبة ولا يستدعي المساءلة ، لمدلول خطير
محاط بكل أنواع التحذيرات والممنوعات والمحرمات ، طالما انه يمثل
إيحاءا"جماعيا"يستلزم نمطا"موحدا"من الاستجابة ، ويستدعي صيغة مشتركة
من الإدراك المتامثل . إذ قد تكون مادة النكتة – وهذا ما يحدث في
الغالب - مستقاة من موضوعات الحياة اليومية للناس ، ليس فقط لجعلها
أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال فحسب ، وإنما لتسهيل عملية انتشارها
وتسريع إجراءات تداولها ، وحشد الرفض والإدانة ، من ثم ، عن طريق تعميم
الضحك الساخر وتشديد النقد المتهكم . ذلك لأن (( هناك قدرة مدمرة
للنكتة – يوضح أحد المتخصصين في هذا الحقل (كرستوفر فراي) – من حيث
أنها قادرة على أن تفشي وتفضح )) . وهو ما تخشاه الحكومات المستبدة
وتحاربه الأنظمة الشمولية منذ أن دق إسفين الانفصال بين الرعايا
والسلاطين والحكام والمحكومين .
.....................
(*) كاتب وباحث من العراق ، البريد الإلكتروني:
thamir1951@yahoo.com
|