االحضارية « دراسات إجتماعية »

الاثنين: 30/07/2007

الإيزيدية

إعداد: إسراء أسد
(خاص للمعهد)

جماعة دينية ـ عرقية، تتمركز في الموصل (شمال العراق) بوادي لالش، بشيخان وجبل سنجار، حيث تنتصب أماكنهم المقدسة تعلوها قباب بيضاء مخروطية الشكل ومشوفة.
ليس لديهم تاريخ مكتوب، لذا اعتمدوا في تسجيل حوادثهم وعقائدهم على ما يعرف عندهم بـ«علم الصدر» أي الرواية الشفاهية، ويحرمون تعليم القراءة والكتابة ما عدا بيتاً من بيوتات شيوخهم لغرض تسهيل المعاملات الدينية وقراءة الأدعية والصلوات.
«مصحف رش» و«الجلوة» هما كتابيهما المقدسين، وتناقضت الآراء حول تاريخهم وطقوسهم...
مما قيل في تسميتهم
كلمة يزدان أو إيزد، والتي تعني في الزرادشتية الإله المقدس «والفعل يزد معناه يعبد ويضحي»(1) و«خليق بالعبادة، وهي تطلق على الملائكة التي تتوسط بين الله والبشر، وفي اعتقاد الإيزيديين أنهم من أتباع تلك الملائكة»(2).
ففي صلاة الفجر يقولون:« باسم الله (يزدان) المقدس الرحيم الجميل، إلهي لعظمتك ولمقامك ولملوكيتك، يا رب أنت الكريم الرحيم الإله ملك الدنيا جملةً، الأرض والسماء، ملك العرش العظيم»(3).
أما صلة نسبتهم بالمكان فيذكر عن مؤرخ يوناني عاش في القرن السابع الميلادي، ومرّ بمنطقة الموصل، وزار مدينة تدعى (يزدم) تقع على مقربة من حدياب(4) وهي أربيل حالياً، فيكون اسم الإيزيدية نسبة إلى ذلك المكان.
وقال الشيخ علي الشرقي: «اشتهرت هذه الفرقة باسم اليزيدية، فقيل إنه للأموي يزيد بن معاوية، وإنهم يقدسونه، ويمكن أن يكون وهماً نشأ بين جماعة من الكتـّاب»(5).
وهناك من يرى صلة بين اسم الإيزيدية، وبين الكلمة السومرية (A-Zi-da) التي تعني: الروح الخيرة، وغير الملوثين، والذين يمشون على الطريق الصحيح.
وما يقوله الإيزيدية الحاليون: «نحن على دين الحق والطريق الصحيح... بيضاء ملابسنا، الجنة مكاننا»(6). وهذه التسمية (أهل الحق) موجودة في المنطقة الجبلية من غرب إيران، تتشابه معتقداتهم مع معتقدات الإيزيدية ويوصف هذا المذهب بالعلي إلهية، أو الكاكائية.
أما عن تسميتهم بالأمويين، فتعود إلى علاقتهم بالشيخ عدي أو اَدي،وكما تذكر المصادر أنه هو مؤلف كتب الإيزيدية المقدسة، ومؤمناً بعقيدتهم القديمة في الخلق والتكوين، كقول مصحف رش (الكتاب الأسود): «في البداية خلق الله درّة بيضاء من سره العزيز،وخلق طيراً اسمه أنغز،وجعل الدرة فوق ظهره، وسكن عليها أربعين ألف سنة»(7).
والشيخ اَدي، والذي عرف بعدي بن مسافر الأموي، هو عن الإيزيديين المتأخرين نسبيا رمز إله المطر والخير والبركة.. وينسبون عبادته إلى الآشوريين، وأن الآشوريين كانت لهم محبة خاصة للشيخ اَدي لذا فأنهم لم يصوروه في نقوشهم وحسب، بل ورد عنه الكثير في كتاباتهم، ولهذا تواجد معبده في قلب آشور في لالش(8).
نبذة عن عقائدهم
يؤمن الإيزيدية بالله الواحد، ملك السماوات والأرض، ففي دعائهم الذي يرتلونه في صلاة الفجر كل يوم: «باسم الله (يزدان) المقدس، الرحيم الجميل، إلهي؛ لعظمتك ولمقامك ولملوكيتك يا رب أنت الكريم الرحيم، الإله، ملك الدنيا جملةً، الأرض والسماء، ملك العرش العظيم». فهذا نص توحيدي واضح مفعم بالتقديس، زاخر بالأسماء الحسنى التي يألفها أهل الديانات السماوية ويقدسون الله بها.
وللإيزيدية كتابان مقدسان، هما «مصحف رش» و«الجلوة»، ويعتقدون أن مصحف رش انزل على إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وأن اليهود أحرقوه بعد زمن نبوخذنصّر، لأن الإيزيديين كانوا من أنصار نبوخذنصّر. ومشايخهم يحفظون هذا الكتاب المقدس في صدورهم، وأن الصحائف الموجودة الآن كانت عرضة للتحريف والتزوير.
يعتقد الإيزيدية أنهم شعب الله المختار، أو الأمة المصطفاة ذلك باعتقادهم أنهم ولدوا من آدم فقط دون حوا «فبعد الجدل بين الزوجين بأيهما يلتحق النسل قررا الاستمناء في جرتين منفردتين، وبعد تسعة أشهر تمخضت جرة آدم عن (شيت وهورية)، ومنهما تناسلت الأمة الإيزيدية، أما جرة حواء فتمخضت عن ديدان فقط».
وجاء في الأسطورة عن أحد شيوخهم ما معناه: «أن أصل الإيزيدية قديم شريف يتصل بأوائل خلق الإنسان، وذلك أن الله عزوجل بعد أن خلق آدم وحواء وقع بينهما خصام في شأن ذريتهما، فآل بهما النزاع إلى أن افترقا في مكان معلوم، يبعد الواحد عن الآخر مسافة أربعين يوماً، فرزق آدم بنوع عجيب ولداً قسيماً (جميلاً) فاستاءت لذلك حواء وانفردت بخلوة وطلبت من الله ألا تكون ذليلة في عيني زوجها، فولدت طفلة غادةً أخذ حسنها في قلب آدم، فزوجا الشاب بالطفلة فجاء منها نسل الإيزيدية»(9).
أما عن إبليس وما يشاع عن احترامهم له فقد قالوا: «لا نؤمن بوجود الشيطان، ولا نعرف للشر إلهاً، ولا للظلام إلهاً.. إنه يزدان إله واحد أحد».
أما تسميتهم بعبدة الشيطان فأساسها أن الإيزيديين يرفضون الجمع بين حرفي الشين والطاء، ويحرمون البصاق على الأرض علناً، وفي القضية بالذات للإيزيدية فلسفة خاصة مفادها: أن الملك المعني برفض السجود لآدم هو أحد الملائكة السبعة لديهم.. ومعروف بطاووس ملك، وتقديراً لهذا الرفض أنعم الله عليه بمنصب رئيس الملائكة.
وقال الكرملي، مستبعداً عنهم عبادة إبليس: «إن الإيزيدية يعتقدون بإله واحد ضابط الكل بيده، كل ما في السماء، وكل ما في الأرض، ويسمونه بالكردية خدا (أي الله) وبالعربية رب العالمين، ودونه الملك طاووس، والشيخ عادي، ويزيد، وهؤلاء ثلاثتهم ليسوا إلا إلهاً واحداً من الرتبة الثانية في ثلاثة فروع لا غير»(10). ومن هنا يدخل الأب الكرملي التأثير المسيحي عبر مقالة الأقانيم الثلاثة، الأب والابن، والروح القدس.
وربما تعود تسميتهم بعبدة الشيطان إلى سنة 1791م، يوم غزاهم وزير العراق العثماني سليمان باشا، فأطلق عليهم هذا الاسم(11).
وللإيزيدية في بعض الملائكة اعتقادات خاصة.. فحسب الباحث الإيزيدي حسو أمريكو فإنهم يعتقدون: « أن الملاك سن أو (الشيخ سن) حسب التعبير الدارج هو المسؤول عن العلم والقلم والمعرفة، وهو نورائيل، الذي يقابل يوم السبت، وهو ناقل الوحي إلى كل الأنبياء، وأطلقت الإيزيدية تعظيماً له اسم فخرالدين، أي أنه افتخار للدين ومصدر له، بصفته ناقلاً للوحي، وتقر الإيزيدية بأن القمر هو مسكن فخر الدين»(12).
ورئيس الملائكة هو عزرائيل المعروف بطاووس الملك، وهو أول مخلوقات الله يوم الأحد.
وطاووس الملك، الذي يرفع الإيزيديون تمثاله في طقوسهم، كان معروفاً في الأديان العراقية القديمة، فالطيور المقدسة «من خصائص ديانة البابليين، وقد تكون من خصائص ديانة الآشوريين، وكانت عندهم أرواح ذات سلطة على أعمال الناس.. وكان لها في قصر ملك بابل صور من الذهب على ما قاله فيلوسترانس، ووصلت عبادة الطيور من آشور إلى الإسرائيليين..»(13).
قال أحد الإيزيدية: «الطاووس عندنا هو الراية السماوية، رمز الإله ناشر السماوات السبع، والمسيطر على الأرض، التي يحكمها بالعدل والمعرفة»(14).
وفي المعبد يقضي أوقاتهم المعتكفون الذين يحق لهم أن يكونوا شواويش، لا يتزوجون ولا يعرفون طريقاً للذة دنيوية، وإنما يعزفون عن الزواج «خدمة للشيخ عادي، فقد مات عازباً».
وفي الختام الديانة الإيزيدية غير تبشيرية، أي لا تتجاوز على أديان الآخرين، ومحافظة على الكيان فهم لا يسمحون أن يتزوج الإيزيدي بغير الإيزيدية ولا الإيزيدية بغير الإيزيدي، وليس من حق الآخرين أن يصبحوا إيزيديين.
أعيادهم
يعتبر عيد رأس السنة الإيزيدية، في شهر نيسان من كل عام، عيداً لملاك طاووس، الذي يفسره الآخرون أنه بمثابة إبليس، وهو أهم عيد من أعيادهم الموزعة على فصول السنة، فأعياد الربيع هي: عيد «سَر سال»، أو رأس السنة، ويعرف بعيد «طاووس الملك»، و«عيد ملك زين» و«الأربعاء الأحمر»، ويحتفل به في أول أربعاء من شهر نيسان.
وأعياد الصيف:عيد أربعانية، بعد الصيام يبدأ من (25 حزيران، وحتى الثالث من أغسطس)، بعده يأتي العيد لثلاثة أيام في وادي لالش(15).
وأعياد الخريف: عيد الجماعية، أو العيد الكبير من (6 – 14تشرين الأول).
وأعياد فصل الشتاء: هو عيد أربعانية الشتاء(26 كانون- 4 شباط)، وعيد صوم إيزيد، بعد صيام ثلاثة أيام، ولابد أن يصادف يوم الجمعة، وعيد خاص بسلالة البير، وهي طبقة من المجتمع الإيزيدي، منهم دراويش المعبد، وخدمته(16).
أما تقديسهم وإجلالهم للشمس فينبع من أهمية هذا الكوكب وعلاقته المباشرة بالحياة والضياء، ولهذا يكرهون الألوان الغامقة بشكل عام ويميلون للون الأبيض لون النور، ويعتبرون الشمس نوراً لطاووس ملك.
التشابه في الأحكام والمعتقدات بين الإيزيدية والمندائية
ثمة تشابه في بعض الأحكام الدينية لدى الطائفتين، الإيزدية والمندائية، يشمل أحكاماً ومعتقدات مهمة، منها: تحريم الزواج في شهر نيسان، وحبس المرأة النفساء عند المندائية في دائرة من الحصى، وتحبس عند الإيزيدية داخل حبل على شكل دائرة، ووضع حفنة من تراب أول حفرة في فم المتوفي، وعند الإيزيدية حفنة تراب من تربة الشيخ اَدي، وتحريم ذرف الدموع على الأموات، وكراهية لبس الثياب الزرقاء، وتفضيل لبس البيضاء منها، والديانتين تقدسان الشمس باعتبارها قوة الخير.
وللماء عند الإيزيديين وقع مقارب لوقعه عند المندائيين، فجميع معابد الإيزيديين بنيت في أماكن وجود الماء.
ويذهب الباحث العراقي الأصل «دل كوفان» بالتقارب بين الديانتين إلى أكثر من ذلك، منطلقاً من مفردة «مند» عند الإيزيديين، فهي لديهم اسم لأحد القديسين القدماء، والمعروف بـ «شيخ الافاعي» إذ ينسبون إليه الشفاء من لذعات الافعي، وله مرقد يزار، وقد تجلى «مند» في شخص الشيخ فخر الدين كتجلي طاووس ملك بشخص الشيخ «آدي» عدي بن مسافر.
المفردة نفسها «مند» تشير أيضاً إلى اسم قبيلة كردية، واسم لعشيرة مندائية هي (المندوية) بالعمارة في جنوب العراق، وكلمة «مند» هي الأصل لذي اشتق منه «المندى» وهم المعبد عن المندائيين، هذا بالإضافة إلى اشتقاق اسم الديانة المندائية من المفردة نفسها، والتي تعني عندهم: المعرفة، أو العلم.
من هذه الملاحظات يعتقد كوفان أن المندائيين انحدروا من «ميديا» «كردستان» إلى جنوب العراق، ومن هناك تأتي جذور الصلة بين الديانتين(17).
لكن مع ذلك تبقى الطائفتان متميزتان عن بعضهما بعقائد أصلية وأحكام وطقوس كثيرة، على سبيل المثال:
الاختلاف بين الديانتين
يأتي تحريم الختان عند المندائية تحريماً باتاً، بالمقابل يتشدد الإيزيديون في الختان، والتعميد عند المندائية شعيرة رئيسية، بينما لا خصوصية له عند الإيزيدية، وغير ذلك كثير.
طقس الختان:
تحاط شعيرة الختان عند الإيزيدية بنوع خاص من الطقوس يجعل منها مناسبة لتعميق علائق جديدة بين اُسرهم أو مع اُسر الأديان الأخرى، بما يعرف بالكريف، بمعنى الصديق الديني أو «صديق الدم»(18).
فمن التقليد أن يختار أهل المختون كريفا (صديقاً) لمختونهم، يضعه في حجرة عند عملية الختان، لتنزل قطرات من الدم على ثيابه، ومن ذلك تنشأ علاقة دم بين الأسرتين يحرم بينهما التزاوج إلى عدة أجيال.
المراتب الروحية
يتفاوت الروحانيون في مراتبهم الدينية، والتي على أساسها تتوزع مهامهم الدينية، فهناك مراتب متعددة، كل مرتبة لا تتعدى صلاحيتها ومهامها إلى صلاحيات ومهام المراتب الأخرى، وهي كالآتي:
(مير ميران) أو أمير الشيخان، الذي يعنى بأمور المجتمع الدينية والاجتماعية.
وأدنى منه مرتبةً يأتي (شيوخ الدين) وأكبرهم يدعى بابا شيخ، ومن اختصاصه القيام بمهام الدين العليا.
وبعدهم يأتي (البيرات) وهم كهنة لهم أمور كإدارة أمور الصوم والإفطار.
ثم (الفقراء) القائمون على خدمة ضريح الشيخ آدي، ويملكون (الخِرقة) المشهورة عندهم كوسيلة للتبرك والقسم.
ثم (القوالون) ومهامهم إحياء الطقوس الدينية بالعزف وحمل السناجق السبعة.
ثم (الكواجك) مهامهم شؤون الجنائز كتلقين الأموات والتكفين والدفن وكذلك تفسير الأحلام.
معبدهم المقدس
يحاكي الإيزيدية بصلادتهم صلادة صخور واديهم المقدس، رغم عشرات فتاوى القتل ضدهم، والتي أسفرت عن هجمات شرسة لم تسلم منها عظام شيخهم الجليل التي اُحرقت غير مرة. في وادي الإيزيدية المقدس يتوقف الزمن عن الجريان، ليتحول إلى دهر مقدس يولد الإيزدي فيه ويموت مشدوداً للشمس بين جـِرار من الزيت عمرها ألف سنة، مصفوفة داخل المعبد، تنبعث منها رائحة الأزل. زيّن باب معبدهم الرئيس في وادي لالش تمثال أفعى سوداء، يعتقدون ببركتها، وأسدان يحملان شمع دان وطير طاووس، وعبارة تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، خالق السماوات والأرض، هذا المنزل محل الشيخ عادي، الموقر 569هـ».
بعد المرور بأضرحة عدد من الشيوخ يصل الزائر إلى عمق المعبد حيث ضريح الشيخ اَدي، أو عدي، وسجادته التي يُعتقد فيها الشفاء لكل مريض يجلس عليها.. هناك ينقطع الجواويش والدايات إلى العبادة بمعبد داش، فلا زواج ولا متعة دنيوية، غير سد الرمق والعبادة والتمثل بأخلاق الشيخ اَدي العازب الطاهر.
ماء زمزم
(ماء زمزم) و(جبل عرفات) و(الشيخ) من المصطلحات الإسلامية التي يرى الباحثون أن الشيخ عدي بن مسافر هو الذي أدخلها في مفردات هذه الطائفة سعياً منه إلى تغيير تدريجي في ثقافتهم؛ لكنها أصبحت ذات دلالات خاصة لديهم، فماء زمزم الذي يسيل داخل المعبد ووسط ضلام المغارة: من أين يسيل هذا الماء المبارك؟
يعتقد الإيزيدية أنه «انفجرت عين زمزم بعد أن زار الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي وشيوخ آخرون الشيخ اَدي وحجوا جميعاً إلى جبل عرفات (الجبل الذي يحيط بالمكان وليس الذي بمكة)، ولم يكن هناك ماء، فضرب الشيخ اَدي باطن الجبل بعكازه فأنفجر هذا الماء».
من هو الشيخ اَدي؟
ذكر ابن خلكان نسب الشيخ عادي الأموي بقوله: «عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان، كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته، الهكاري مسكناً، العبد الصالح المشهور، الذي تنتسب إليه الطائفة العدوية، سار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء والمشاهير، مثل عقيل المنبجي، وحماد الدباس، وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي،وعبد القادر الجيلي، و أبي الوفاء الحلواني، ثم انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله»(19).
وكان معلماً للخير، شديداً في الله لا تأخذه في الله لومة لائم، عاش قريباً من الثمانين سنة، كانت له غليله يزرعها بالقدوم في الجبل، ويحصدها ويتقوت، وكان يزرع القطن، ويكتسي منه»(20).
وان رجلاً خدمه سبع سنين، وطلب منه أن يحفظ القرآن، فضرب في صدره فحفظ القرآن كله في الوقت ذاته(21). ولد في بعلبك وقدم إلى الموصل في ظروف غير معروفة، وكان مسلماً على المذهب الشافعي ومتصوفاً. وقد تضاربت الأقوال حول مجيء هذا المسلم الأموي إلى المناطق الكردية وتغيير ديانتهم.
قال الكتبي: «وفي الأكراد طوائف إلى الآن (القرن الثامن الهجري) يعتقدون أن الشيخ لابد أن يرجع»(22).
وتؤكد إشارة مصحف «رش» إلى معاوية أن أموياً دخل عرضاً على الإيزيدية، فحول ما لإيزيد الإله إلى يزيد بن معاوية.
ويرى القس سليمان الموصلي أن لا صلة للإيزيديين بيزيد بن معاوية، أو أي يزيد غيره، و«الأصح أن ينسب تعليل تسميتهم بذلك إلى إله كانوا يعبدونه اسمه يزد أو يزدان»(23).
يجد جورج حبيب في تاريخ الإمارة الإيزيدية دليلاً على أصالة الدين الإيزيدي فيجيب على سؤال: لمن كانت الزعامة قبل أن يأتي الشيخ عدي إلى اللالش؟ بقوله: «ليس من شك أن اسم الشمسانية يشير بوضوح إلى الشمس، إيزيد، الذي ينتسب إليه الإيزيدية، ومن هنا يتضح أن الزعامة، قبل مجيء الشيخ عدي، كانت دائماً تتمثل في الزعيم الديني، الذي يمثل الإله الشمس،والتي لم تكن وراثية في النظام المثرائي. ولعلها أصبحت وراثية بعد امتزاجها بالديانات البابلية، في عهد متأخر نسبياً، أما وقد اُُزيحت الزعامة من العائلة الشمسانية، بأن جعلوا زعيمها وزيراً، فأصبح الشيخ الوزير هو لقب الشمساني»(24).
معبد لالش
قبل الوصول إلى المعبد، على جانب الطريق، خان قديم مهجور، يشير طراز البناء إلى عمارة عباسية أو أقدم من ذلك، ترفع سقفه سبعة أعمدة ضخمة من الطابوق، وهو مكان قديم لنزول الحجاج الإيزيديين في مواسم الأعياد. ومن مشاريع الإيزيديين المستقبلة الاهتمام بهذا الخان.
بدا الوادي المقدس خلف الخان، المحصور بين الجبال الثلاثة: عرفات، خررت، ومشت. وعلى مسافة ميل تظهر القباب المخروطية البيضاء تتوسطها قبة كبيرة تتألف من أربعة وعشرين خطاً منحوتاً بالحجر، كل خط يشير إلى ساعة من الزمن.
يُعد خلع الحذاء عند عتبة دار الضيافة من مستلزمات الزيارة، يوجد في المعبد مغارة تنبع داخلها عين ماء شديد البرودة ومقدس عند الإيزيديين.
يتكون المعبد من عدة ردهات مفتوحة على بعضها، عبر ممرات ضيقة ومنخفضة فالصخور قاسية ومسننة لذا لا يتم المرور إلا بوضع الركوع، وربما كان الأمر مقصوداً، ليجبر الزائر على اتخاذ هذا الوضع في الحضرة المقدسة مثلما يفعل بعض الملوك مع خصومهم الأقوياء.
يكسو دخان نيران الزيت القديمة المكان تماماً، يجمع الزيت في جـِرار سوداء منصوبة على الجانبين بشكل مائل، يعود تاريخه إلى ألف عام، يجمع ذلك الزيت من النذور والهدايا. ليستخدم في إضاءة المعبد.
هناك مرتفع من الحجر يعلو مقدمته ردهة الجـِرار، تستقر فوقه قطعة قماش خضراء مكورة، يعتمدونه لاختبار الحظ، الذي يعرف بالخيرة.
ورغم الاختلاط بين الجنسين، البائن في العلاقات الاجتماعية، إلا ان احترام المعبد يتوجب فصل النساء عن الرجال مع تغطية رؤوسهن بمنديل خفيف. وهناك نساء (دايات) (راهبات) نذرن حياتهن مثل الشواويش لخدمة المعبد، ويلبسن الملابس البيضاء.
والإيزيديون لا يمنعون تولي المرأة سلطة دينية أو دنيوية إذا اقتضت الضرورة، فقد أصبحت (ميان خاتون) زوجة الأمير علي بك وصية عل ابنها سعيد بك.. فلها منزلة الوصي المعروفة بالعراق في العهد الملكي.
أهم رجالهم
هناك شخصيات معروفة قد لعبت أدواراً في تكوين الإيزيدية، فهم:
- صخر بن صخر بن مسافر.. وهو ابن أخ الشيخ عادي (عدي بن مسافر).
- عدي بن أبي البركات، توفي سنة 615 هـ / 1217م.
- وخلفه ابنه شمس الدين أبو محمد المعروف بالشيخ حسن، وعلى يديه تحولت الطائفة الإيزيدية من حب عدي بن مسافر إلى تقديسه، وإلى تصورات جديدة حول الشيطان وإبليس، وتوفي سنة 644 هـ / 1246م.
- الشيخ فخر الدين أخو الشيخ حسن.
- شرف الدين محمد الشيخ فخر الدين، قتل عام 655 هـ / 1257م، وهو في طريقه إلى السلطان عز الدين السلجوقي.
- زين الدين يوسف بن شرف الدين محمد توفي سنة 725 هـ .
- الشيخ زين الدين أبو المحاسن، عين أميراً للإيزيدية على الشام ثم اعتقله الملك سيف الدولة قلاوون بعد أن أصبح خطراً لكثرة مؤيديه، ومات في سجنه.
- جاء بعده ابنه الشيخ عز الدين ثم بايزيد الأموي.
- آخر رئيس لهم هو الأمير تحسين بن سعد أمير الشيخان.


الهوامش
ـــــــــــ
(1) ممو فرحان، الثقافة الجديدة العراقية، العدد 243.
(2) قيصر صادر، اليزيدية عقائدهم وتقاليدهم، مجلة المقتطف، مارس (آذار) 1936م.
(3) خدر سلمان، مجلة التراث الشعبي 5 / 1973م، عبد الرزاق الحسني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم: 152.
(4) محمد امين زكي، خلاصة تاريخ الكرد والكردستان1: 294.
(5) الدملوجي، اليزيدية: 387 ، عن علي الشرقي، مجلة العرفان المجلد 11: 1926م.
(6) خليل جندي، نحو معرفة حقيقة الديانة الإيزيدية: 20.
(7) كتاب رش، مقتبس من عبد الرزاق الحسني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم: 55.
(8) خليل جندي، نحو معرفة حقيقة الديانة الإيزيدية: 20 – 21.
(9) اليزيدية، مجلة المشرق، 1899م: 33.
(10) اليزيدية، مجلة المشرق، 1899م: 151.
(11) العزاوي، العراق بين احتلالين: 111، حوادث سنة 1791م.
(12) دين رئيس الملائكة المنانية والصراع الحضاري في ميزوبوتاميا، مجلة روش، ايلول 1997م.
(13) أحمد تيمور، اليزيدية أو عبدة إبليس، مجلة المقتطف، أكتوبر 1916، عن السر هنري ليرد.
(14) أبو هوري «الإيزيدية قدست الشمس والتقديس غير العبادة»، جريدة الإتحاد، العدد (375).
(15) نحو معرفة حقيقة الديانة الإيزيدية: 96 – 97.
(16) المصدر نفسه: 98- 99.
(17) دي كوفان، مجلة لالش الإيزيدية 4 / 1994م.
(18) اليزيدية: 64.
(19) ابن خلكان، وفيات الأعيان3: 354.
(20) الذهبي، سير أعلام النبلاء 2:342.
(21) ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب 6: 300.
(22) الكتبي، فوات الوفيات 1:335.
(23) تاريخ الموصل: 295 – 300.
(24) اليزيدية بقايا دين قديم: 49.
المصادر: (1) كتاب الأديان والمذاهب بالعراق، رشيد الخيون
(2) /www.mesopotamia4374.com