|
|
 |
االحضارية « دراسات
إجتماعية » |
|
الأحد: 12/08/2007
استغلال
الأطفال في العمل
محبوبة الموسوي(*)
(خاص للمعهد)
الطفل هو البرعم الجديد للحياة، وهو الثمرة لبقاء
النوع الإنساني، وهو الزينة والصورة الجميلة التي تملأ البيت المسلم بالمحبة
والسعادة والرضا.. وهو الأمل الذي يتطلع إليه الوالدان.. وهو فلذة الكبد. قال الله
تعالى في محكم كتابه (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
فأطفال اليوم هم رجال المستقبل.. وهم الذين يقرون المستقبل للمجتمع والأمة.. فيجب
أن نحافظ عليه وان نربيه التربية الصالحة السليمة، وأن نوفر له مستلزمات الحياة وأن
يعيش طفولته بعيدا عن العقد النفسية التي تسببها له الاسرة والمجتمع كي يستطيع أن
يخدم، وطنه وإسلامه ويخدم رسالته الإنسانية.
فإلزام الطفل بالعمل يفوت عليه فرصة التنشئة السليمة والتربية الصحيحة، إلى أن
الآثار السلبية لهذا الأمر كثيرة وخطيرة، منها: عرقلة النمو العضلي والجسمي بصورة
عامة بتعرض الطفل إلى مخاطر العمل.. مع احتمال إصابة الطفل بعاهة جسمية تؤثر على
مستقبله النفسي والمعاشي، ومنها أن استعداد الطفل النفسي والعقلي والعصبي لا يؤهله
مطلقا للتفاعل مع متطلبات الشارع، وأن العائلة التي تشغل طفلا سوف تشهد بعد سنوات
قصيرة مخلوقا مكونا من مزيج من الانهيارات النفسية والعصبية وحتى العضلية، مخلوقا
غير متوازن في المجتمع..
وأصبحت معالجة ظاهرة تشغيل الأطفال قضية عالمية للألفية الجديدة بحسب تقرير مختص
صادر عن الأمم المتحدة، إذ تشير الاحصائيات إلى ان حوالي (250) مليون طفل بالعالم
يشاركون في أعمال تعوق تعليمهم ونموهم ومعيشتهم مستقبلا، كما أن الكثيرين منهم
ينخرطون في أسوأ أشكال عمل الأطفال الذي يسبب لهم ضررا بدنيا أو نفسيا يتعذر علاجه،
أو قد يهدد حياتهم، ويمثل هذا الوضع انتهاكا صارخا لحقوق الطفل ناهيك لما يؤدي إليه
من الفقر وتعريض النمو الاقتصادي والاجتماعي للخطر..
ويعتقد الان أن حوالي (180) مليونا من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سن الخامسة
وسن السابعة عشرة (73% من الأطفال العاملين) يشاركون أو يستغلون في أسوأ أشكال عمل
الأطفال. ويقدر هذا العدد بطفل واحد من بين كل ثمانية أطفال في العالم. كما ان من
بين 171 مليون طفل يمارسون عملا خطرا يوجد نحو ثلثيهم دون سن الخامسة عشر، ومن ثم
وجب سحبهم فورا من هذا العمل وإعادة تأهيلهم لعلاج آثاره. وإذا كان 57 مليونا من
الأطفال الذين تتراوح اعمارهم ما بين الخامسة والرابعة عشرة يمارسون عملا غير خطر للاطفال، ما كان عليهم ممارسته بسبب سنهم، فإن عددا كبيرا من الأطفال يقدر بـ111
مليون طفل يمارسون عملا يعرض حياتهم فعلا للخطر.. كما ان التقديرات تشير إلى ممارسة
59 مليون طفل لعمل خطر من بين الأطفال الاكبر سنا (15-17) سنة ممن هم فوق الحد
الأدنى لسن الاستخدام، ويمثل هذا نسبة مثيرة للقلق تبلغ 42% من كل الأطفال العاملين
في هذه الفئة.. والى جانب مسألة تشغيل الأطفال تبرز قضية الأطفال المهمشين في
العالم والتي تناولها تقرير صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) للعام
2006، حيث وصف هؤلاء الأطفال المهمشين بأنهم بدون هوية، والذين يعتبرون عرضة أكثر
من غيرهم لكل الانتهاكات والتجاوزات.. ومن آثار هذا التهميش عدم حصول هؤلاء الأطفال
على الرعاية الصحية الكافية أو التعليم الاساسي الكافي بل حتى عدم القدرة على بلوغ
متوسط الاعمار السائد في المجتمع الذي ينتمون إليه.
وبلغة الارقام يورد تقرير اليونيسيف أن البلدان الاكثر فقرا تعرف وفاة طفل من بين
ستة قبل بلوغ الخامسة من العمر، وأن هذه البلدان لا توفر حق التعليم الا لـ 26% من
أطفالها في سن التعليم الأساس، بينما تصل النسبة في البلدان المتقدمة إلى 92%.
فهناك علاقة طردية بين عمالة الأطفال وأمية المجتمع.. لذلك نلاحظ في الدول النامية
والعالم الثالث كثرة الأطفال العاملين وزج العوائل لأطفالهم للعمل في أي مجال مقابل
أجر معين يعود إلى الاسرة. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى قصور النظرة التربوية أولا
لهذا المجتمع الذي يرمي أطفاله في ساحة العمل، ويسرق منهم براءتهم، ويعوّدهم على
الدخول في مجالات الكبار، والضغط على تلك السواعد الرقيقة والضعيفة الغضة والذي
عادة ما يكون الدافع إليه هو.. ولأن المدرسة تشكل عبئا اقتصاديا جديدا لهذه الاسر
المحرومة لغرض بعض الاجور والمصاريف المدرسية وبعض المتعلقات.
وأيضاً، نتيجة لكثرة الحروب الداخلية والخارجية التي تطحن الرجال، وربما غياب رب الاسرة سنوات من البلد طلبا للرزق، كل ذلك يؤدي إلى لجوء العوائل إلى تشغيل
أطفالها.وهناك عوامل أخرى أدت إلى ذلك كتفكيك الاسرة بالطلاق أو وفاة أحد الوالدين
أو تعدد الزوجات.. ومنها هجرة العائلة من الريف إلى المدينة نتيجة لتدهور الحالة
الاقتصادية.. ولا ننسى العامل المهم هو تفشي الأمية . وإن تردي المجتمع وعدم رفاهه
ثم بعده عن الثقافة والحضارة والتقدم وعدم اهتمامه بتربية الأطفال وعدم التفكير
بمستقبلهم واثره على تقدم الاسرة والامة ، كل ذلك يؤدي إلى هذه الظاهرة الخطيرة،
وهي دفع الأطفال للحصول على اجور معينة دون مبالاة بالمشاكل التي تحدث لهم في
المستقبل.. فالأسرة يجب أن تضع الطفل نصب عينيها ووضع اهتمامها وأن تعطيه حقه كطفل
وحقه الأول في التعليم.
نحن نعرف بأن الطفل منذ صغره يتشوق الى المدرسة والى المقعد الدراسي، وحمل الحقيبة
المدرسية والكتب والاقلام والقرطاسية وما شابه ذلك، فتشجيع الاسرة والمدرسة لهذا
الطفل يؤثر تأثيرا كبيرا على تفوقه في المدرسة والتزامه بالدراسة وانشداده لها،
ولكن في حالة إجباره على ترك المدرسة أو غيابه عن الدوام أو إجباره على العمل، كل
ذلك يؤدي إلى تحطيم نفسية الطفل، فحينئذ لا يستطيع ان يؤدي رسالته المدرسية بالشكل
الصحيح فيترك المدرسة ويجري وراء لقمة العيش من أجل إشباع حاجات أهله.. وتبقى احلام
المدرسة وآمال الطفولة معلقة في ذاكرته.. ويتمنى ان يعود.. ولكن المشاكل الاسرية
والاجتماعية هي الاقوى وهي العقبة الأساسية في حياته، لذلك تتولد عنده العقد التي
تكبر معه، فعندما يكبر يريد أن ينتقم من المجتمع الذي دفعه إلى ذلك الحرمان الدراسي
الذي لا يعوض ابدا بعد أن غادروا مقاعد الدراسة نزولا عند رغبة الاهل ليفقدوا
الكثير من أحلام الطفولة وأمنيات الفتوة التي سمعوا عنها من أصدقائهم وأبناء
محلاتهم من الأولاد المرفهين والمنعمين.. أطفال بعمر الزهور صاروا يتكلمون بلغة
المال ولغة التعاملات التي تغتصب براءتهم مبكرا.. أطفال يتعرضون في كل يوم إلى أبشع
صور الامتهان والذل من قبل أرباب عمل لا يرحمون.
ترى من المسؤول عن تفرغ الأطفال للعمل؟
لماذا يحرم الأطفال من حق التعليم؟
فان حوالي 50% من الأطفال أو ما يقدر بـ120 مليون طفل في الدول النامية يعملون لكل
الوقت، في حين يدمج العدد الباقي ما بين العمل والدراسة، ويعمل في بعض الحالات 70%
تقريبا من الأطفال في أعمال خطيرة وهناك من بين العدد الكلي هذا حوالي 50-60 مليون
طفل ما بين سن الخامسة والحادية عشرة يعملون في ظروف يمكن اعتبارها خطيرة نظرا لصغر
سن هؤلاء الأطفال وهشاشة قدراتهم.
إن هذه الظاهرة لها انعكاسات خطيرة على الطفل والأسرة والمجتمع، فهم محرومون من
التعليم المناسب والصحة الجيدة والحريات الأساسية، ويدفع كل طفل من هؤلاء ثمنا
فادحا لهذه المعاناة.. فقد تصدت ممنظمة مراقبة حقوق الإنسان لقضية تشغيل الايدي
العاملة من الأطفال الأرقاء فكانت نسبة 61% في آسيا و 3% في أفريقيا و7% في أمريكا
اللاتينية.. يعملون في قطاع الزراعة، والصناعة، وخدما في المنازل.. و70% في أعمال
خطرة. كل هذه الاعمال تؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على نمو الطفل أو تعوق تعليمه.
عودة إلى ديننا الحنيف.. إلى أسرتنا المسلمة.. وأبنائنا الصالحين.. إلى هذه
الريحانة العطرة.. وتلك الزهرة الشذية التي حباها الله إيانا كيف نرعاها وكيف
نغذيها ونربيها وننشئها النشأة الصالحة لتكون عضوا هادفا وعنصرا فعالا.. ورجلا
حاميا.. وشخصية قوية تدافع عن الرسالة والوطن.. يجب أن نفتح لها آفاقا جميلة.. أن
نعطيها أبسط الأشياء وأساسياتها.. أن نعلمه ونرشده، فالعلم نور والجهل ظلام.. أن
نهديه إلى المدرسة.. إلى العلم.. أن يكون طالبا في مسيرته الحياتية.. لا نبخل عليه
بذلك المقعد الدراسي الذي يظل يشتاق إليه ويحن إليه حتى الكبر.. أن نوفر له
مستلزمات الحياة وحقه الطبيعي فيها وفي طلب العلم، ولا نجبره على العمل.. وقبل أن
نقدم طفلا للمجتمع يجب أن نفكر ماذا في حوزتنا لخدمته.. وكيف نقدمه؟ وكيف نربيه؟.. لاننا المسؤولون أمامه اليوم وغدا..
هنا ينبغي أن تتظافر جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في توجه الاسرة أولاً:
فالاسرة تلعب دورا كبيرا ورئيسا في تربية الأطفال وهي التي تلبي حاجاتهم وتهيئ لهم
الظروف المناسبة للالتحاق بالمدرسة.. ثم تثقيف الأسر وتوعيتها وتعليمها وتوجيهها
بالشكل الصحيح والمناسب الاهتمام بالطفل وتعليمه وثقافته، وتوفير الضروريات
الأساسية للطفل من أجل مواصلة مسيرته الدراسية.. لأن الطفل من خلال مسيرته في
المدرسة والمجتمع يتكامل وتتكامل شخصيته الإنسانية والاجتماعية ويصبح عضوا معطاء في
المجتمع.. وحتى لو كانت هناك مشاكل أو صعاب يجب ان نتحملها وان نصمد أمامها من اجل ان نصقل شخصيتنا في هذه الحياة.
ونحن بدورنا نشيد بالمسؤولين والمحسنين والعاملين في هذا المجال أن نتعاون معا
لتخصيص موارد تسد حاجات الطالب في المدرسة ثم توفير المدارس الكافية والقريبة لكل
الطلاب ليتسنى للطالب أن يصل على مدرسته بدون تعب أو عناء.. وتقديم المساعدات للعوائل الفقيرة والمحتاجة وتوفير الخدمات العامة والمجانية لرفع مستواهم العلمي
والاقتصادي.
(*) باحثة من العراق.
|
|
|