الحضارية «دراسات فلسفية»

الثلاثاء: 30/09/2008


بيرغسون وأينشتاين

جان مارك ليفي لبلوند(*)
ترجمة: د. عباس حمزة جبر(**)
(خاص للمعهد)

حين ظهرت نظرية النسبية، وجد أستاذ فلسفة الزمان- بيرغسون- نفسه في مواجهة حقيقية مع مفاهيم فيزيائية تضع لغة الفلسفة وإنجازاتها في هذا المضمار في زاوية حرجة، فصور بعضهم موقفه على أنه رافض لهذه النظرية العلمية، لكنه في الحقيقة نقد النسبية نقداً لا يمكن تجاهل مفرداته، حيثما نشر.
في عام 1922 ضمّن بيرغسون كتابه «الزمان والتزامنية» فصلاً عن النظرية النسبية، لتبدأ بعد ذلك المواجهة الحقيقية بين الفيلسوف بيرغسون وعالم الفيزياء أينشتاين. فحين قدم أينشتاين إلى فرنسا في أبريل 1922 مكللاً بغار الشهرة، دعي بيرغسون إلى محاضرة أعدتها الجمعية الفرنسية للفلسفة لمناقشة «النسبية»، واقتصر أينشتاين في مداخلته على التشكيك في جدوى ذلك التمييز الذي اقترحه بيرغسون بين زمانين: أحدهما زمان الفيلسوف، والثاني زمان الفيزيائي، متجنباً الدخول في معترك الحجج التي ساقها بيرغسون، ربما بسبب عدم امتلاكه ناصية اللغة الفرنسية لتوضيح أكثر أفكاره عمقاً، فلم تطل المناقشة، لكنها تركت أصداءها على العلاقة بين الرجلين.
من هنا جاءت تلميحات أرينوس في كلمته التي ألقاها في أثناء حفل تقيدم جائزة نوبل لأينشتاين سنة 1922، إلى أسباب استبعاد «النسبية» من دوافع منحه الجائزة واقتصار حيثيات قرارها على تكريم أعمال أينشتاين في مجال فيزياء الضوء، فقال: «إن جميع النقاشات التي دارت حول مفاهيم النسبية والتي تعود إلى الأبستمولوجيا، ما زالت محتدمة في الأوساط الفلسفية، فلم يعد سراً تشكيك بيرغسون بتلك النظرية وتأييدها بشدة من قبل فلاسفة آخرين».
وظلت أحاديث أينشتاين الخاصة ورسائله تشير إلى موقف بيرغسون من نظريته، حيث يقول في رسالة إلى صديقه سولوفين عام 1923: «ليسامح الله بيرغسون، لقد ارتكب في أحد كتبه بعض الأخطاء الفاحشة بحق النسبية».
في السنوات التالية، توافرت عدة فرص جمعت بين الرجلين، خاصة عندما ترأس بيرغسون اللجنة الدولية للتعاون الفكري التابعة لعصبة الأمم في الفترة 1922-1925، أبدى فيها أينشتاين احتارمه الكبير لبيرغسون لكنه لم يتراجع عن حججه في قضية النقاش الأبستمولوجي، كما تبدي رسائله التي قيل إنه بعثها إلى بيرغسون والتي ربما واجهت المصير نفسه الذي حل بأوراق بيرغسون الخاصة عندما أمر بإتلافها قبيل وفاته. أما بيرغسون فقد استمر في طرح حججه على الفيزيائيين الذي أخذوا بفكرة «النسبية»، وخاصة على العالِمَين بيكيرل وأندريه ميتز، كما عمد إلى إدراج إجاباته عن الموضوع في كتابه «الزمن والتزامنية» الذي ظهرت آخر طبعة له عام 1931، وبعد ذلك رفض بيرغسون إعادة طبع الكتاب الذي لم يعاود الظهور إلا بعد فترة طويلة من وفاته وبالتحديد سنة 1968.
فهل حكم على سير الحوار بين هذين العلمين من أعلام القرن العشرين البارزين أن يكون كحوار الطرشان مثلما صورته الفكرة الشائعة، حيث يظهر ضعف كفاءة الرجلين في الحقل المعرفي لكل منهما؟
فبيرغسون فشل في الإحاطة بكل أبعاد فيزياء الزمن النسبي، وأينشتاين بدا غير قادر على الإحاطة بالنقاط الغامضة في المفهوم البيرغسوني عن الزمن. لكن إذا كانت هذه النقطة تحمل الكثير من جوانب الحقيقة، فإن فكرة حوار الطرشان بحاجة إلى إعادة نظر، لأن التفحص الدقيق لمفاهيم الزمان والتزامنية يظهر قبل كل شيء خطأ ما ذهب إليه أرينوس من وجود تشكيك بيرغسوني تجاه أفكار أينشتاين.
والحقيقة أن بيرغسون لم يعمد إلى معارضة «النسبية»، فنسق أفكار كتابه يوضح أن «طروحات أينشتاين غير متناقضة»، بل إنها تؤكد وتواكب بداية برهانية تدعم الإيمان بوجود زمان كوني خاص بالبشر، هو الزمن نفسه الذي يستشعر وجوده الإنسان ويحس بانسيابيته، والذي أشبعه بيرغسون نقاشاً عبر جميع أعماله، في الوقت الذي عاب فيه بعض الفلاسفة على بيرغسون (أستاذ فكرة الزمان)، عدم قدرته على تلقف أفكار النسبية التي لاقت رواجاً كبيراً منذ الاعلان عنها في عام 1919. فأصبحت موضوع شغف الناس وهدفا لتأويلات لا نهاية لها، لكن هذه التأويلات لا يمكن الاعتداد بها؛ فالأمرسيصبح مدعاة للسخرية لو كان موقف بيرغسون نابعاً من عدم فهم فاضح، فطروحاته في كتابه - آنف الذكر- حازمة أشد الحزم في تحديد استراتيجية الفيلسوف في تعامله مع هذه المعضلة الكبرى، حيث أن التبصر العميق في قراءة الكتاب يكشف عن وجود لحظة نقدية لا يمكن تجاهلها، ذلك أن أكثر النصوص التي عالجت النسبية والتي توافرت لبيرغسون في ذلك الوقت، كانت بعيدة عما أسماه غاستون باشلار السبك الأبستمولوجي الضروري لاكتمال أركان أي نظرية حديثة، فالكتب والمقالات التي اضطر بيرغسون للاستناد إليها قدمت النظرية النسبية بتعابير غير موفقة في أغلب الأحيان، فمفاهيم من مثل: «الأزمنة المتعددة» أو «تقلص الأطوال» و«تمدد الأزمان» تبدو كأنها تنم عن جهل فاضح، أو أنها ناجمة من اخطاء ترجمة لم تفلح في الارتقاء إلى الدلالات اللغوية المقصودة، فالنسبية - وهي تسمية غير موفقة، كما اعترف أينشتاين بعد ذلك- تعني في مبدئها من بين ما تعنيه، تأكيد التناسق المطلق بين مراقبين لبعضهما يتحركان حركة نسبية متجانسة، لكن بيرغسون كان على حق حين أوضح أن هذا التناسق لا يفترض التعادل بين الإدراكين الزمنيين لكلا الشخصين، ولا بين الادراكات التي يعزوها أحدهما للآخر، ما يعني أن إدراك كل منهما للزمان يأخذ شيئا من التفضيل على الإدراك المغاير، مع ذلك ظلت النسبية تقول إن هذه الأزمان ذات طبيعة متعادلة، لكن هذا التعادل كان كافياً لبيرغسون لتأكيد مفهومه عن الزمان الكوني بطريقة بدت متعارضة.
وقد يبدو من المؤسف حقاً، أن بيرغسون الذي بذل مجهوداً رائعا للإمساك بتلابيب الموديل الرياضي البحت للنظرية النسبية، لم يستطع الذهاب إلى أبعد مدى ليفرض سيطرته على المفهوم المركزي للزمن البحت، ما دعا أينشتاين إلى الحديث عن أخطائه الفاحشة.. من هذه الأخطاء رفضه للمثال الذي كان يستشهد به دعاة النسبية، وهو افتراض وجود مجموعة من المسافرين ينطلقون من نقطة واحدة في دروب مختلفة ليعودوا في اللحظة نفسها إلى نقطة الانطلاق، حيث إن زمن الرحلة هو نفسه لكل واحد من هؤلاء ويعتمد على طبيعة المسارات التي اتخذوها.. هذا المثل على الرغم من بعده عن إمكان التطبيق على مستوى الحياة الأرضية، أخذ على محمل الجد، إذ إنه يدل على حقيقة فيزيائية، صارت بديهية، بعد أن جرت مراقبتها في عدد كبير من الظروف، ثم إدراكها عبر لغة الهندسة التي ليست هي إلا هندسة زمانية، فوقت الذهاب والعودة الذي يعتمد على المسار الحقيقي ليس أكثر غرابة من تلك المتغيرات التي تطرأ على المسافة المقطوعة.
ومع وجود تلك الأخطاء الفادحة في كتاب بيرغسون، إلا أنه يظل حافلاً بالأفكار المهمة عن الزمان، لكنه لم يأخذ حقه من القراءة المتأنية الحاذقة ما يجعل اتهام بيرغسون أمراً متسرعاً.

(*) أستاذ قسم الفيزياء والفلسفة - جامعة نيس- فرنسا.
(**) أكاديمي وباحث بالفلسفة الحديثة- جامعة بواتييه- فرنسا (سابقاً)، استاذ الفلسفة المساعد/ كلية الأداب/ جامعة واسط حالياً.