|
الاربعاء: 24/09/2008
التثمين الأنسني
لجوهر الأديان(2\2)
د.حازم خيري(*)
(خاص للمعهد)
هل الثقافة
الدينية من انتاج الآخر؟
البون شاسع بين الدين والثقافة الدينية، فالدين هو ما تحدثنا عنه فى
الجزئية السابقة، وعرفنا جوهره بأنه معرفة الإله، أما الثقافة الدينية
فأعنى بها فهم الانسان لدينه وتعاطيه مع الحياة على أساس هذا الفهم.
وأرانى قانعا أن الاغتراب الثقافى يتجلى أكثر ما يتجلى فى الانقياد
الأعمى من جانب المغتربين، لما يُلقيه الآخر فى روعهم على أنه ثقافة
دينية، موهما إياهم أن أية محاولة لتناولها بالنقد والتطوير خطيئة وإثم
عظيم! فهذه الثقافة الدينية التى ينتجها الآخر ويلقيها فى روع الذات
المغتربة غالبا ما توفر غطاءا دينيا لممارساته غير المشروعة، فبدونها
يغلي مرجل الغضب في صدور المغتربين، ويصبح وجود الآخر وأعوانه مهددا.
وأقصد بأعوان الآخر محترفي التبرير الديني الذين يخدمون بدورهم مصالح
أسيادهم، حتى لو جاء ذلك على حساب آلام المغتربين وأوجاعهم.
ولعل فى ذلك تفسيرا منطقيا للسؤال الذي اختتمت به الجزئية السابقة من هذا
المقال، وهو: كيف لنا أن نفسر تأجج العداء بين أنصار الدين وأنصار
الفلسفة، في المجتمعات المغتربة، رغم أن البائن أنه قد حيل بين الانسان
وبين معرفة الحقيقة على وجه اليقين بحجاب صلد ليس يمزقه سوى الموت، وأن
أقصى ما يطمح إليه الإنسان إزاء معرفة الحقيقة هو الوثوق بما يفضي إليه
به عقله وقلبه في نُشدانها؟! الآخر هو إذن من يحرص على هذا التأجيج
المستمر لنيران العداء، بين أنصار الدين وأنصار الفلسفة، فبدون هذا
العداء يتهدد رسوخ الثقافة الدينية التى يلقنها أتباع الآخر من محترفى
التبرير الدينى للذات المغتربة، ومن ثم تتهدد مصالح الآخر وتنكشف
ممارساته غير المشروعة، والأخطر من ذلك هو أن توقف الذات عن معاداة
الفلسفة ينال بالضرورة من قدرة الآخر على تكريس اغترابها الثقافي، إذ كيف
سيتسنى له المضى قدما فى الترويج لثقافة دينيه، ينتجها لتخدم مصالحه
وممارساته على حساب مصلحة الذات، في ظل استبدال الذات العقل الفلسفي
بعقلها الفقهي، واستعادتها لحقها في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة.
الآخر إذن في كل بقعة مغتربة هو من يُبدى حرصاً محموما على تلقين الذات
ثقافة دينية، ليس للذات نقدها أو تطويرها. وعادة ما يتم التلقين بطبيعة
الحال عبر تجار الآلام المتشحين بعباءة الدين. فلا يكاد يوجد آخر، إلا
وقد أحكم قبضته على حظ طيب ممن يعتبرهم مواطنوه رموزاً دينية. ونظرا لما
يحيط به الآخر هؤلاء التجار ـ أقصد محترفي التبرير الديني ـ من أسباب
الإجلال والتكريم، بزعم صلاحهم وتقواهم، يبيت عسيرا، إن لم يكن مستحيلا،
النيل من مصداقيتهم في عيون مواطنيهم، لدرجة تجعل أية محاولة للتشكيك في
تلك المصداقية من جانب الأنسنيين جريمة مخزية، يدفعون ثمنها غاليا.
فغالبا ما يغري الآخر المغتربين ـ وهو الأمر المدهش ـ بهؤلاء النبلاء
فيذيقونهم الهوان أصنافا، أو يتكفل هو بهم، وساعتها يجنى الآخر الثناء
الجزيل من مواطنيه المغتربين!
وغالبا لا يكتفي الآخر بتجار الآلام، فيعمد لإحكام سيطرته على المؤسسات
الدينية، في محاولة لإخضاعها أو على الأقل تحييدها. وقد تكون مؤسسة
الأزهر الشريف نموذجاً للمؤسسة الدينية، التي لطالما سعى الآخر إلى إحكام
قبضته عليها، رغم مكانتها الرفيعة في عيون الشعوب الإسلامية. ولا يعنيني
في هذا الصدد ما إذا كانت مساعي الآخر قد نجحت أم لا، فهذا أمر يخرج عن
نطاق اهتمام هذا المقال، إنما يعنيني رصد قبس من تلك المساعي، والتى قد
يكون أبرزها سن القانون الشهير رقم 103 لسنة 1961، وهو قانون تُفضي
مواده، التى نُورد بعضها على سبيل المثال، لقارئه بمحاولات الآخر المصري
في ستينيات القرن المنصرم إحكام قبضته على الأزهر الشريف(11):
مادة 2 ـ الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ
التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية
إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقي
الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا وفى
الآخرة. كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة
العربية..ومقره القاهرة، ويتبع رياسة الجمهورية.
مادة 3 ـ يعين بقرار من رئيس الجمهورية وزير لشئون الأزهر.
مادة 5 ـ يختار شيخ الأزهر من بين هيئة مجمع البحوث الإسلامية (إحدى
هيئات الأزهر) أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة في أعضاء هذه الهيئة،
ويعين بقرار من رئيس الجمهورية، فإن لم يكن قبل هذا التعيين عضواً في تلك
الهيئة صار بمقتضى هذا التعيين عضواً فيها.
مادة 7 ـ يكون للأزهر وكيل يختار من بين هيئة مجمع البحوث الإسلامية أو
ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة لأعضاء هذه الهيئة. ويعين بقرار من رئيس
الجمهورية، فإن لم يكن قبل هذا التعيين عضواً في هيئة المجمع صار بمقتضى
هذا التعيين عضواً فيها. ويعاون الوكيل شيخ الأزهر ويقوم مقامه حين
غيابه.
مادة 12 ـ يكون للمجلس الأعلى للأزهر (إحدى هيئات الأزهر) أمين عام، يصدر
بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية.
مادة 18 ـ يعين بقرار من رئيس الجمهورية أعضاء مجمع البحوث الإسلامية في
أول تشكيل له، بناء على عرض الوزير المختص باقتراح من شيخ الأزهر. ويكون
شيخ الأزهر رئيسا لهذا المجمع. ويجوز لرئيس الجمهورية خلال سنة من تاريخ
العمل بهذا القانون أن يصدر قرارات بتعيين أعضاء بالمجمع بناء على اقتراح
شيخ الأزهر وذلك حتى يتم تعيين جميع أعضائه وفقاً لنص المادة 16 من هذا
القانون.
مادة 23 ـ يكون للمجمع أمانة عامة دائمة، يرأسها أمين عام ويشغل هذا
المنصب مدير الثقافة والبعوث الإسلامية بشرط أن تتحقق فيه شروط العضوية
المنصوص عليها في المادة 17 من هذا القانون ويصدر بتعيينه قرار من رئيس
الجمهورية، بناء على عرض الوزير المختص وموافقة شيخ الأزهر ويكون الأمين
العام للمجمع ـ بمقتضى قرار التعيين ـ عضواً في المجمع ما دام شاغلاً
لهذه الوظيفة.
مادة 27 ـ يجوز منح لقب عضو فخري لأعضاء المجمع السابقين، أو لمن يؤدي
للإسلام خدمات علمية ذات أثر، ويصدر بمنح هذا اللقب قرار من رئيس
الجمهورية بناء على عرض من الوزير المختص باقتراح من مؤتمر المجمع.
مادة 41 ـ يكون تعيين رئيس الجامعة ( جامعة الأزهر وهى إحدى هيئات الأزهر
) بقرار من رئيس الجمهورية، بناء على ترشيح الوزير المختص واقتراح شيخ
الأزهر، ويشترط فيه أن يكون قد شغل أحد كراسي الأستاذية بجامعة الأزهر أو
بإحدى الجامعات في الجمهورية العربية المتحدة. وتسري عليه جميع الأحكام
التي تطبق على رئيس الجامعة في الجمهورية العربية المتحدة.
مادة 44 ـ ...ويكون تعيينه (رئيس جامعة الأزهر) لمدة أربع سنوات قابلة
للتجديد، ويعتبر خلال مدة تعيينه شاغلا وظيفة أستاذ على سبيل التذكار،
فإذا لم تجدد مدته أو ترك منصبه قبل نهاية المدة عاد إلى شغل وظيفة أستاذ
التي كان يشغلها من قبل إذا كانت شاغرة، فإذا لم تكن شاغرة شغلها بصفة
شخصية إلى أن تخلو.
مادة 45 ـ يكون للجامعة أمين عام يعين بقرار من رئيس الجمهورية، بناء على
عرض الوزير المختص بعد استطلاع رأي رئيس الجامعة.
مادة 51 ـ يعين الوزير المختص عميد الكلية (في جامعة الأزهر) من بين
أساتذة الكلية، بناء على ترشيح رئيس الجامعة وموافقة شيخ الأزهر، ويكون
العميد مسئولاً عن تنفيذ القوانين واللوائح الجامعية، وكذلك عن تنفيذ
قرارات مجلس الكلية ومجلس الجامعة في حدود هذه القوانين واللوائح، ويقدم
إلى رئيس الجامعة في كل سنة جامعية تقريراً عن شئون التعليم والبحوث
العلمية وسائر نواحي النشاط بالكلية.
تداعيات إنتاج الآخر للثقافة الدينية:
ها أنا فى الجزئية السابقة قد ضربت مثلا على انتاج الآخر للثقافة الدينية
بمساعى الآخر المصري الرامية إلى إحكام قبضته، ليس فقط على حظ طيب ممن
يعتبرهم مواطنوه رموزا دينية، وإنما أيضا على مؤسسة الأزهر الشريف، رغم
مكانتها الرفيعة في عيون الشعوب الإسلامية، وذلك في ستينيات القرن الماضى.
وها أنا أُؤكد أنه لم يكن لمثل هذه المساعى المحمومة الرامية لانتاج
ثقافة دينية بعينها، تُلقى فى روع الذات المغتربة، على أنها يقينات
مسلمة، ومعلبة، ومغلقة على النقاش، ومشفرة على نحو غير نقدي ـ أقول انني
أُؤكد أنه لم يكن لمثل هذه المساعي المحمومة أن تخلو من تداعيات سلبية
تترتب عليها. فكون الثقافة الدينية التي ينتجها الآخر ترمى لحماية مصالحه
هو وأعوانه، وكونها تُنتج بأيدي محترفي التبرير الديني، الذين عادة ما
يخضعون للآخر ويدينون له بالولاء، كل هذه الأمور، وخاصة عندما تقترن
بتحريم النقد والتطوير، لابد وأن يكون لها العديد من التداعيات السلبية،
وفيما يلى نعمد لرصد أخطر هذه التداعيات وأهمها:
1ـ تكريس الاغتراب الثقافي:
يقترن انتاج الآخر للثقافة الدينية، وحرمانه الذات حقها في التصدي لها
بالنقد والتطوير، بتكريس اغتراب الذات ثقافيا، أي تكريس تنازلها عن حقها
فى امتلاك ثقافة حرة ومتطورة. وعليه، لا تجد الذات أمامها سوى الايغال فى
اغترابها، تساعدها على ذلك آليات تكريس الاغتراب الثقافى، سواء كانت
بوليسية أو تعليمية أو اعلامية أودينية. فنجد الذات المغتربة وقد صبغها
الاغتراب الثقافي بصبغة خاصة، حتى أنها تكفى ناظرها عبء التفكر في
هويتها، فهى قلما تنبهت إلى أفضلية ستر عورة اغترابها، فنراها تُفاخر
باغترابها أينما حلت، معتقدة أنه تاج يزين جبينها والحق أنه تاج شوك يدمي
صاحبه. وقد يتساءل القارئ الكريم عن كيفية تمييز المغترب عن غيره،
والجواب أن الاغتراب كداء يحل بصاحبه، غالبا ما تصاحبه أعراض بعينها، لا
تُخطئها العين، رصدت بعضها فى كتابي «الاغتراب الثقافى للذات العربية».
وتتمة للفائدة أُورد فيما يلى، عرضا موجزا ومكثفا لأهم هذه الأعراض
الاغترابية كما وردت فى الكتاب المذكور(12)، فالواضح أن بالامكان رصد مثل
هذه الأعراض في كل المجتمعات المغتربة، عربية كانت أم غير عربية. لأن هذه
المجتمعات المغتربة ثقافيا غالبا ما تتشابه فيها أعراض الاغتراب، وإن بدا
الأمر لغير المدقق خلاف ذلك، وأظن أن هذا الرأى هو ما يمكن أن تُثبته
القراءة المتأنية لأوضاع هذه المجتمعات:
[1] إدمان لعبة إلقاء التبعة بالكامل على الآخر غير المحلي.
[2] اغتيال المبدعين و معاداة الإبداع.
[3] غياب العقلانية و الشغف بالشكلية البسيطة.
[4] العجز عن التعاطي مع الآخر العالمي.
[5] افتقاد الرؤية النقدية أو الجبن العقلي.
[6] اعتياد التناقض والرؤية التجزيئية للأمور.
2ـ هدر الثروة العقلية:
مادام انتاج الآخر للثقافة الدينية يقترن ـ كما أوضحت ـ بتكريس اغتراب
الذات ثقافيا، فلابد أنه يقترن أيضا بهدر ثروتها العقلية. لأنه عادة ما
يكون الاغتراب الثقافي مصحوبا بهدر الثروة العقلية للمغترب، وتلك مقولة
اهتديت إليها فى مقال سابق لى بعنوان «هدر العقل العربي»، انتهيت فيه إلى
القول بوجود علاقة وثيقة بين الاغتراب الثقافي للذات العربية وهدر الثروة
العقلية لتلك الذات، وانتهيت فيه أيضا إلى القول بأن جذور هذه العلاقة
إنما تكمن فى تعريف مصطلحي الاغتراب الثقافي والهدر العقلي. فتعريف مصطلح
«الاغتراب الثقافي» بأنه تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة
حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وتعريف مصطلح «الهدر العقلي»
بأنه إعتقاد الإنسان، سواء امتلك عقلا فلسفيا أو عقلا لاهوتيا/فقهيا، أنه
قد استطاع بناء ثقافة أو أنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون أن
تخضع للنقد و التطوير(13). أقول إن تعريف المصطلحين على النحو المذكور
يشي بأن الهدر العقلي يُعد أحد العناصر المكونة للاغتراب الثقافي، غير أن
الهدر يمكن أن يوجد بدون اغتراب!
3ـ رفض الأديان ومعاداتها:
لعل من اخطر التداعيات السلبية لانتاج الآخر للثقافة الدينية، هى نفور
البعض من الأديان، فى مجملها، باعتبارها ـ من وجهة نظرهم ـ قد سقطت فى
براثن الآخر ولا سبيل لاسترجاعها! ومن ثم فالأفضل رفضها ـ أقصد الأديان
ـ، لكونها توفر حماية لمصالح الآخر، وتكرس اغتراب الذات ثقافيا، إضافة
إلى ما تسفر عنه من هدر للثروات العقلية للمغتربين. والأمثلة المعضدة
لقولى هذا عديدة، لعل أبرزها على الصعيد المحلى كتابات الشاعر المصري
الراحل نجيب سرور، فللرجل وكلنا يعلم شرفه ونبله كتابات تقطر ألما على ما
فعله الآخر بالأديان، وسعيه المحموم للافادة منها وتوظيفها، ولو كان ذلك
على حساب آلام الذات وأوجاعها. ومن ذلك قول نجيب في ديوانه الشهير «لزوم
ما يلزم»(14):
كل العقائد ـ كلها ـ قامت تندد باللصوص
ثم انتهت ـ عجبا ـ إلى أيدى اللصوص
أوزير، كونفشيوس، بوذا، زارادشت،
موسى، وعيسى..كم تطول القائمة!
ستموت آلاف العقائد،
لتجيء آلاف العقائد،
وتظل أرض الناس ملأى باللصوص!
وإذا كان نجيب سرور بحكم أنسنيته(15)، ولاعتبارات أخرى لا مجال لسردها،
لم يرفض الأديان ولم يناصبها العداء، فإن هناك من فعل ذلك صراحة وعلى
الملأ. فكارل ماركس مثلا ـ وهو مؤسس النظرية الشيوعية مع رفيقه فردريك
إنجلز ـ هاجم الأديان بحدة فى كتابات كثيرة، وهو سلوك أُرجعه إلى اعتقاد
ماركس في صعوبة ـ بل استحالة ـ استعادة الأديان من بين براثن الآخر وتجار
الآلام الموالين له. أقول هذا وأنا أعلم اختلاف مفهوم الآخر في الشيوعية
عنه فى الأنسنية. فالآخر فى الشيوعية هو من يُؤثر نفسه بالثروة، أما فى
الأنسنية فالآخر هو من يُؤثر نفسه بالأنسنية وثمارها. ولنقرأ سويا حديث
كارل ماركس الشهير عن الأديان، لنلمس مدى رفضه إياها وإدراكه لما تصوره
تأثيرا سلبيا لها، وهى قناعة أظنه وصل إليها بعد رصد دؤوب لقدرة الآخر
المخيفة على إنتاج وتوظيف الثقافة الدينية، واتخاذه لها ستارا يحمى به
مصالحه وأنانيته فى مواجهة الذات المغتربة. يقول ماركس(16): «الدين هو
تنهدات المقهورين، وهو القلب في عالم تعوزه الرحمة، والروح في عالم تعوزه
الروح، انه بحق أفيون الشعوب».
حماية الذات عبر التأكيد على جوهر الأديان:
قد يعن للقاريء الكريم بعد كل ما ذكرته أن يتساءل ـ وهذا حقه ـ: لماذا
التثمين الأنسني لجوهر الأديان؟ والاجابة هى أن الأنسنية تثمن جوهر
الأديان، وهو معرفة الإله، حماية للذات، وقد أوردت فى الجزئية السابقة
بعض أهم التداعيات السلبية لانتاج الآخر للثقافة الدينية، وكلها خطيرة،
تنال من الذات بشدة، وذلك لانطوائها على تكريس مهين لاغتراب الذات
ثقافيا، وهدر مؤلم لثروتها العقلية، علاوة على كونها تدفع بالبعض إلى رفض
الأديان ومعاداتها، اعتقادا منهم فى صعوبة ـ بل استحالة ـ استرداد الدين
من بين براثن الآخر!
وبانارة المناطق المظلمة فى ثقافتنا الدينية، وأقصد بها جوهر الأديان،
بمصابيح الأنسنية، يصبح ممكنا ـ إلى حد يُعتد به ـ تمكين الذات المغتربة،
المغلوبة على أمرها، فى شتى أنحاء العالم، وبصفة خاصة فى عالمنا العربي،
أن تخلع عنها نير الاغتراب الثقافي الذى يُثقل الآخر كاهلها به، فنراها
وقد رفضت انتاج هذا الآخر لثقافتها الدينية، عبر تعهدها هذه الثقافة
بالنقد والتطوير الدائمين، مستفيدة فى ذلك بالثروة العقلية التى وُهبت
إياها. وكاتب هذه السطور واثق ـ كل الثقة ـ أنه فى ظل مناخ كهذا سيصبح
ممكنا الحديث عن الرفقة الانسانية الصحيحة بين طلاب الحقيقة من كل حدب
وصوب، مهما اختلفت الطرق التى يسلكونها فى نشدانهم لما اتفقنا سلفا على
أنه لا سبيل لبلوغه، وهو معرفة الحقيقة على وجه اليقين..
الهوامش:
ــــــــــ
(*) استاذ جامعي/القاهرة.
(11) أنظر نص القانون ومذكرته الإيضاحية: الإدارة العامة للشئون
القانونية بالهيئة، القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر
والهيئات التي يشملها ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية
رقم 250 لسنة 1975 وفقا لآخر التعديلات، ( القاهرة: وزارة الصناعة
والثروة المعدنية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1999)، ص ص 1 ـ
48.
(12) لمزيد من المعلومات عن الاغتراب الثقافي راجع للكاتب: الاغتراب
الثقافي للذات العربية، (القاهرة: دار العالم الثالث، عام 2006).
(13) مقال للكاتب بعنوان «هدر العقل العربي»، منشور على شبكة الانترنت.
(14) نجيب سرور، الأعمال الكاملة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة
للكتاب، المجلد الثالث، 1996)، ص 228.
(15) راجع للكاتب: دون كيخوته المصري (دراسة علمية وثائقية لحياة وفكر
الشاعر المصري الراحل نجيب سرور)، تحت الطبع.
(16) karl Marx, " Contribution to the Critique of Hegel's Philosophy
of Right : Introduction " , in Robert C. Tucker ( ed ) ,The Marx –
Engels Reader , ( New York : W.W.Norton & Company . INC ., 1972 ) ,
PP.11-12 .
|