|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
الثلاثاء:
10/09/2008
الجذور والخلفية الحضارية والتاريخية للعلمانية في الغرب(2/1)
د.عبد الوهاب
المسيري
العلمانية الشاملة رؤية عقلانية
مادية للعالم ترى العالم في إطار مرجعية مادية كامنة فيه (فالعالم يحوي
داخله ما يكفي لتفسيره، والعقل قادر على استخلاص القوانين التي تلزمه
لإدارة حياته)، وهي ترفض المرجعية المتجاوزة وكلّ الثنائيات الناجمة
عنها، وضمن ذلك ثنائية الإنسان والطبيعة، فترد العالم بأسره (الإنسان
والطبيعة) إلى مبدأ طبيعي/ مادي واحد، إذ ثمة نزعة جنينية كامنة في
الإنسان نحو فقدان الحدود والهوية، وثمة نزعة قوية نحو الرغبة في الذوبان
في الكل، كما أن على الإنسان أن يتعامل مع بعض الجوانب الطبيعية/ المادية
لحياته الإنسانية من خلال نماذج طبيعية/ مادية.
والواحدية المادية، في تصوّرنا، إمكانية كامنة في كل المجتمعات وفي النفس
البشرية، وكان يمكن أن تتحقق في أي مجتمع إنساني، ومع هذا فإنها لم تتحقق
في بداية الأمر إلا في العالم الغربي، ثم انتشرت منه إلى بقية العالم
لعدة أسباب سنتناولها في هذا البحث.
الأصول الحضارية للحلولية الكمونية (الواحدية
المادية) في الغرب
يمكن القول إن ثمة سمات عامة للحضارة الغربية ساهمت في بلورة الرؤية
الحلولية الكمونية الواحدية المادية، وقد ساعدت بعض العوامل الاجتماعية
والثقافية والتاريخية على هيمنتها على المجتمعات الغربية في نهاية
الأمر.. ولنبدأ بتناول السمات الحضارية العامة التي يمكن تلخيصها فيما
يلي:
1- لم تعرف الحضارة الغربية في مراحل تكوينها الأولى التشكيلات
الامبراطورية الكبرى التي تضم عدة شعوب وديانات ولغات. وعادة ما تتسم
الرؤية السائدة في مثل هذه التشكيلات بقدر من غياب التجانس والإحساس
بوجود الآخر، وهي عناصر تتحدى طرق التفكير العضوية الواحدية الملتفة حول
نفسها. هذا على عكس ما يكون في المدن/الدول الصغيرة التي لا تعرف سوى
مواطنيها الذين يتحدثون لغة واحدة، ويدورون في إطار منظومة قيمية ومعرفية
ودلالية واحدة. ولذا، فإن هذه المدن/الدول عادة ما تتجه نحو التفكير
العضوي ونحو إثنينية الأنا والآخر. ومن المعروف أن بدايات الحضارة
الغربية كانت سلسلة المدن/الدول في اليونان، التي تشكلت فيها أولى مفردات
الخطاب الحضاري الغربي، ثم تلتها روما المدينة/الدولة التي كوّنت
امبراطورية، ولكن المدينة/الدولة ظلت المرجعية النهائية. وقد قال هايدجر
إن الأنطولوجيا الغربية تضرب بجذورها في المدينة/الدولة. ولا يمكن فهم
فلسفة أفلاطون وأرسطو إلا بفهم تجربتهما مع المدينة/الدولة، ورغم أن ثمة
مبالغة في هذا القول، إلا أنها مبالغة دالة، تلقي الضوء على جانب هام في
الحضارة الغربية.
2ـ ولعل هذا الوضع هو الذي يفسر بعض السمات المتصلة بالوثنية الغربية،
التي جعلت الآلهة كائنات مادية أو شبه مادية ملتصقة تماماً بالإنسان
والطبيعة، على عكس الوثنيات السامية البابلية والآشورية، حيث نجد أن
الآلهة فيها كانت تتسم بقدر من التجاوز والعالمية، خصوصاً بعد أن كان يتم
ضم أحد البلاد. إذ كان هذا يعني ضم آلهتها إلى مجمع الآلهة، ثم يصعّد إله
الدولة المنتصرة إلى درجة أعلى حتى يصل إلى درجة من العالمية والتجاوز
(كما حدث مع آشور إله الآشوريين، كما حدث في العبادة المصرية القديمة على
يد إخناتون). وقد كانت الوثنية الغربية (اليونانية والرومانية) تعبيراً
متطرفاً عن الواحدية الكونية والتداخل الكامل للطبيعي والإلهي (ربما لا
يتوفق عليها في هذا إلا الهندوكية، أكثر أشكال الواحدية الكونية تطرفاً).
وكانت مراسم السلطة في المدينة (البوليس polis) ذات طابع طبيعي كوني،
فالإله والإنسان لا يفصلهما فاصل عن الطبيعي والكوني.
3ـ التفسيرات الوثنية البدائية هي عادة تفسيرات مادية ساذجة ذات طابع
حلولي كموني، ولكن يلاحظ أن الوثنية الغربية أفرزت فكراً فلسفياً مادياً
يتسم بقدر عال من التبلور والصّقل والتماسك. وقد لاحظ أرسطو (374-322ق.م)
أن الفلاسفة الأيونيين الذين سبقوه بقرنين كانوا ماديين متطرفين وحاولوا
تفسير العالم من خلال مقولة واحدة. وقام دعاة المبدأ الذري (ليوسيبوس
وديموقريطس) ببلورة الفكر المادي. فقد ذهب ديموقريطس إلى أنه لا وجود
لشيء غير حركة الذرات في الفراغ، وأن الاختلافات القائمة بين مادة وأخرى
يمكن ردها إلى اختلاف في الذرات المكونة لكل منها، من حيث العددُ أو
الحجم أو الشكل أو طريقة التجمّع، وأن حركة الذرات في الفراغ تحكمها
قوانين ضرورية، كما ذهب إلى أن الروح نفسها تتكون من ذرات رقيقة ملساء
ينتج عن حركتها تلك الظاهرة المعروفة بالحياة. وقد تجاوزت الفلسفة
اليونانية القديمة الواحدية المادية الصارمة في بعض اللحظات، في فلسفة
أفلاطون وأرسطو، على سبيل المثال. ثم عادت وتكرست الرؤية الوثنية
الحلولية الكمونية من خلال الفلسفة الرواقية والأبيقورية التي هيمنت على
العقل الغربي لعدة قرون. الفلسفة الوحيدة الأخرى التي تنافست معهما على
العقل الغربي هي الأفلاطونية المحدثة، وهي فلسفة مثالية، حلولية كمونية
واحدية، لا تختلف عنهما في حلوليتها أو كمونيتها أو واحديتها. هذا الخطاب
الفلسفي الواحدي، المادي المثالي في آن واحد، كان مختزناً داخل الحضارة
الغربية. وفي عصر النهضة حل إسبينوزا مشكلة التسمية حين قال: «الإله
وبالأحرى الطبيعة»، أي أنه ساوى بين الروح والمادة، وهذا العالم والعالم
الآخر، ونظر إلى العالم باعتباره جوهراً واحداً يسميه البعض «الإله»
ويسميه البعض الآخر «الطبيعة»، وهو في واقع الأمر نفس الشيء. وبذلك سادت
الرؤية الواحدية المادية فعلاً، الروحية اسماً.
4ـ تجدر ملاحظة أن الرؤى الوثنية البدائية الحلولية الكمونية في العصور
الوسطى المسيحية لم تختف قط، بل استمرت على شكل عقائد غـُنوصية وحركات
هرطقة، ذات طابع حلولي كموني واحدي متطرف، كانت تتأرجح بين تأليه الكون
وإنكار الإنسان، وتأليه الإنسان وإنكار الكون.
5ـ الرافد الثاني في الحضارة الغربية هو العهد القديم الذي يحوي رؤية
حلولية واحدية كمونية (شبه وثنية) لإله مقصور على شعبه، يحُلّ فيه وحده،
ويدخل معه في علاقة تكاد تكون جنسية، ولا تفصلهما مسافة أو ثغرة. وتتضح
الحلولية الثنائية الصلبة في العبادة اليسرائيلية في هرَميتها الحادة،
وثنائيتها الصارمة، وفي طقوس التطهر الصارمة، وفي جعلها جماعية يسرائيل
مركزَ الكون. وقد قامت محاولة أولى لمحاصرة الحلول الإلهي على يد
الأنبياء (التوحيديين أو شبه التوحيديين أمثال عاموس وأشعياء) الذين
بينوا للشعب أن الإله هو إله العالمين، متجاوز للدنيا والتاريخ (أي أن
مركز النسق أصبح خارجه)، وأنه اختارهم لا بشكل مطلق، وإنما بشرط اختيار
فعل الخير وتحاشي الشر. أي أن أنبياءهم وضعوا حاجزاً ومسافة وحداً بين
الإله والبشر، وطرحوا إمكانية الاختيار الخـُلقي الفردي الحر. وهي
إمكانية غير مطروحة في إطار الحلوليات الوثنية ، حين يحل الإله في الشعب
الذي يصبح موضع المطلقية والقداسة، ويحيط نفسه بشعائرية برانية فارغة لا
علاقة لها بالخير أو الشر، وإنما هدفها تدعيم الحدود بين الأنا والمقدسة
والآخر المدنـّس. ولكن محاولة هؤلاء الأنبياء لم تعمر طويلاً، وسقطت
اليهودية في الحلولية مع كتب الرؤى (أبو كاليبس) والكتب المنسوبة (أبوكريفا)،
وعاد المركز إلى داخل النسق.
6ـ مع انتشار المسيحية، زاد تركز الصورة المجازية الحلولية الكمونية
العضوية الواحدية. فالمسيحية تدور حول فكرة الإله المتجسّد، وحلول
اللاهوت في الناسوت حين ينزل الإله إلى الأرض في هيئة ابن الإله (تجسد
الإله في الأرض)، ويتم صلبه، وهو بذلك يفقد تجاوزه ومرجعيته، ويبح
إنساناً عضوياً (ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه لاهوت موت الإله فيما
بعد: حين كان المسيح مصلوباً.. هل كان في هذه اللحظة هو الإله؟ وقبل قيام
المسيح.. هل حدثت لحظة انسحب فيها الإله من الكون تماماً؟). ومهما يكن
الأمر حاولت المسيحية الكاثوليكية حل هذه الإشكالية ومحاصرة الحلول عن
طريق الإصرار على أن الحلول الإلهي أمر شخصي (في شخص المسيح) مؤقت (حدث
مرة واحدة في حياته)، منته (بقيامه)، إذ يعود المركز ليصبح مرة أخرى خارج
النسق. وبعد هذه اللحظة، تصبح الكنيسة (كمؤسسة دينية) موضع الحلول (جسد
الإله في الدنيا)، ويصبح البابا هو موضع الحلول الوحيد، ومن هنا تكمن
عصمته. وبذلك تظهر ثنائية الإلهي والإنساني.. فالإلهي يتمثل في الكنيسة
ومؤسساتها المختلفة كالأديرة وهي التي تفيض من خلالها النعمة، أما الدنيا
فهي ما عدا ذلك. وبذا، تكون الكنيسة الحاجز والوسيط الذي يقف بين الخالق
والمخلوقات، بحيث يصبح التاريخ رقعة الاختيار الحر بين الخير والشر من
قِبَل بشر مسئولين، لكل هويتـُه ومسئوليتـُه الفردية.
ولكن تآكـُل نفوذ الكنيسة في العصور الوسطى، بسبب فساد بعض قياداتها
وتزايد هيمنة الملوك (السلطة الزمنية) عليها، سبّب نفوراً شديداً من
المؤسسات الدينية، وانصرافاً عن الدين، وتحولاً كاملاً إلى الدنيا وحدها
وإلى الفلسفات الواحدية المادية. وقد اكتملت الحلقة تماماً مع ظهور
الإصلاح الديني والرأسمالية والفلسفة الإنسانية الهيومانية، وكلها أنساق
(دينية أو اقتصادية أو إنسانية) تذهب إلى أن العالم يحوي داخله ما يكفي
لتفسيره. وساعدت هذه الأنساق على تصاعد معدلات الحلولية الكمونية
الواحدية مرة أخرى في الحضارة الغربية.
الترشيد والوحدانية المادية في الحضارة الغربية:
رؤية ماكس فيبر
يرى ماكس فيبر أن من أهم سمات الحضارة الغربية الأساسية وجود إمكانية
قوية داخلها نحو الترشيد، أي فرض النماذج الواحدية المادية، وهي سمة
غائبة في الحضارات الأخرى، وهو ما يعني أنها تشكل خصوصية الحضارة
الغربية. والنزوع إلى الترشيد في الحضارة الغربية يعود إلى مركب من
العناصر المتداخلة نوجزها فيما يلي (استناداً إلى كتابات ماكس فيبر):
1ـ يُعاد القانون الروماني، بمفهومه عن المِلـْكية كحق مطلق في الاستعمال
والإبطال، أحد المصادر الأولية لهذا النزوع. فهذا الحق المطلق المستمر
يبعد فكرة المِلـْكية عن أهواء الحكام وأطماع البشر، وعن المشاعر
الإنسانية، الأمر الذي يؤدي إلى استقرار الفكرة.
2ـ ثمة علاقة تبادل اختياري بين الاتجاه نحو الترشيد والإقطاع الغربي من
جهة، ويبن اللاعقلانية والنظام الأبوي من جهة أخرى. وبدون الدخول في
تفاصيل هذا التمايز، فإن فيبر ـ على ما يبدو ـ يعتقد أن ما يسميه
«المجتمعات الأبوية» ـ كما هو الحال في الصين والدولة الإسلامية ـ لم
تعرف المِلـْكية الفردية، وحتى إن وُجد مثل هذا الشكل من المِلـْكية، فقد
كان إما غير مستقرأ وغير وراثي، ولذا، لم تـَظهر طبقة إقطاعية مستقلة
مكوّنة من نبلاء لكل استقلاليته (ويجب أن نتذكر أن الملك في النظام
الإقطاعي الغربي لم يكن سوى نبيل إقطاعي مساو لأي من النبلاء الآخرين).
ومن ثم، لم تشهد هذه المجتمعات وجود قوة عسكرية ذاتية التجهيز تدين
بالولاء للإقطاعي، كما كانت هناك قوة عسكرية تجندها الدولة وتدفع لها
الرواتب. ولم تشهد هذه المجتمعات بالمثل وجود قانون شكلي أساسي شامل، بل
كانت هناك مبادئ عامة للعدالة أو مجموعة قوانين وضعت لحالات بعينها. ولم
يكن من شأن أي تشكيل اجتماعي اقتصادي كهذا أن يؤدي إلى ظهور النزعة
الترشيدية التجريدية، التي تفصل القانون عن المواقف المختلفة والمشاعر
الإنسانية.
3ـ ثمة صلة وطيدة بين مفهوم القانون الأساسي الشامل المستقل ذاتياً، وبين
مفهوم تكوين المدينة الغربية. فيرى فيبر أن المدينة الغربية (على عكس
المدينة الشرقية) قد تطورت بوصفها وحدة مستقلة ذاتياً، لها تشكيلها
الطبقي المستقل من المواطنين والطوائف، ولها قواتها الحربية المستقلة،
سواء أكانت جيشاً نظامياً أم قوات أهلية(ميليشيات)، ولها كذلك قانونها
المستقل الذي يتسم بالرشد أكثر من القوانين الإقطاعية. وعلى الرغم من أن
المدينة الغربية كانت محاطة بالنظام الإقطاعي من كل الجهات، إلا أنها
حافظت على استقلالها الذاتي حتى تنامت قوتها بما يكفي هدف السيطرة على
السلطة وإعادة تنظيم المجتمع ليصبح ذا طابع (رأسمالي) رشيد. أما المدينة
الشرقية، فقد ظلت في المقابل جزءاً عضوياً من المجتمع، ولم تطوّر قط آلية
منفصلة.
4ـ ويرى فيبر أن التقاليد الدينية لكل من اليهودية والمسيحية أحد المصادر
المهمة التي أدّت إلى تعميق الاتجاه نحو الترشيد في الحضارة الغربية.
فعلى عكس أديان آسيا القائمة في جوهرها على الواحدية الكونية والإيمان
بوحدة الوجود وكمون الخالق في المادة ، فإن التراث التوحيدي (الذي يؤمن
بالإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ) يحمل في طياته ـ وفقاً لرأي فيبر ـ
التسليم بوجود مسافة بين الخالق والمخلوق، وبين الحياة الدنيا والحياة
الآخرة، وبين الواقعي والمثالي. وفي السياق العَقــَدي القائم على
الإيمان بوحدة الوجود والكمون، يتمثل هدف المؤمن إما في الإنسحاب كلية من
«العالم» (النزوع نحو إنكار الكون والتمركز حول الذات)، أو في محاولة
التكيف الكامل معه (النزوع نحو تأليه الكون والتمركز حول الموضوع). أما
في السياق العَقــَدي التوحيدي المتجاور، فإن هذا الهدف يتمثل في السيطرة
على هذا العالم من أجل عالم آخر. ويـُعد هذا السعي للسيطرة على عالم
متغيّر من أجل مثال توحيدي بمنزلة خطورة على طريق الترشيد، إذ يتم النظر
إلى التغير اللانهائي بشكل كلي شامل، وإلى كل الظواهر ـ مهما بلغ تنوّعها
ـ بوصفها خاضعة لقانون واحد مجرد، وليس على أساس جزئي فحسب. وفي مرحلة
لاحقة، أدّت عملية الترشيد التي تضبطها القيمة (المطلقة) إلى ظهور النزعة
الترشيدية التي لا يضبطها سوى الإجراءات (أي أن عملية الترشيد تحررت من
القيمة تماماً، وأصبحت محايدة وإجرائية وحسب).
كما أن تحويل الحياة الدينية إلى نسق قد أدّى إلى نبذ الوسائل الأخرى في
السيطرة على العالم، مثل السحر والأشكال الفجة من العرافة وتبنـّي أشكال
للعبادة أكثر رشداً.. فحل النبي (الرشيد) محل الساحر (غير الرشيد)،
واستمرت هذه العملية حتى حل الموظف البيروقراطي (الذي يتسم بالالتزام
الكامل بالقواعد دون الأهداف) محلّ الجميع.
5ـ وقد ظلت الكنيسة المسيحية في الغرب ـ حسب تصوّر فيبر ـ قانعة بتشريع
السلوك الأخلاقي للفرد، ولم تهتم بالتشريع لكلّ من الحياة الدنيا والحياة
الآخرة (على غرار الإسلام واليهودية والكنفوشيوسية والهندوكية). فشئون
الدولة ينتظمها القانون القائل: «أعط ما لقيصر لقيصر». وقد كان هذا
الاستقلال الذاتي النسبي للقانون العلماني (أو الزمني) أمراً لازماً
ضرورياً لنمو نظرية تشريعية شكلية أساسية شاملة، بمعنى أن تتعامل هذه
النظرية مع كل الحالات القانونية المختلفة الممكنة، وتعطي إطاراً لإصدار
الأحكام بشأنها قبل وقوع الحالة نفسها، وبدون الالتفات إلى أية اعتبارات
إنسانية، عملية (المنفعة) كانت أم أخلاقية (العدالة)، فهي تتعامل مع
الشكل المجرد أو الهيكل العام لكل الحالات الممكنة، بغض النظر عن الظروف
العملية والأخلاقية. وذلك على عكس القوانين التي تـَصدُر بشكل عشوائي
استجابة لنشوء حالات قانونية مختلفة، الواحدة تلو الأخرى، وهي قوانين
مرتبطة بمفهومي المنفعة وإقرار العدل، ولذا، فهي تحول دون ظهور نظرية
تشريعية شكلية أساسية شاملة.
وكما نرى.. تؤدي كل العناصر السابقة إلى ظهور قانون ثابت موحّد، مجرّد
مستقل عن المواقف الإنسانية المتغير والمتعينة. والعناصر السابقة مرتبطة
ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً. فعلى سبيل المثال: ساهمت الرؤية الدينية
القائمة على فكرة الخلاص في دعم الاستقلال الذاتي للمدينة الغربية، وذلك
عن طريق تحطيم الروابط القائمة على صلات النسب والقرابة،وإحلال الروابط
الدينية الأوسع (ومن ثم الأكثر رشداً وتجريداً) محل رابطة الأسرة أو
روابط التجمعات القــَبَلية الضيقة المحلية المتعينة. وبينما ظلت المدينة
الشرقية ذات طابع عشائري أو قــَبَلي، فإن المدينة الغربية غدت تجمعاً
مهنياً من المؤمنين، له استقلاله الذاتي، ومنسلخاً عن كل المؤسسات
الوسيطة التقليدية. وإذا كانت الرؤية الدينية القائمة على فكرة الخلاص قد
ساعدت على ظهور الاستقلال الذاتي للمدينة، فقد ثبت أيضاً أن بعض الطبقات
المستقلة ذاتياً يمكنها ـ وحدها دون غيرها ـ أن تكون حاملة لنوع معيّن من
أخلاق هذا الدين. ويرى فيبر أنه لم يكن بمقدور الأرستقراطية العسكرية أو
ملاك الأراضي أو طبقة الفلاحين تطوير رؤية دينية رشيدة تؤكد المسئولية
الفردية والحساب الفردي، بدلاً من المكانة أو القداسة المتوارثة، أما
صغار الحِرَفيين، فهم وحدهم الذين لديهم سعة من الوقت للتأمل، ومن صميم
مهنتهم ممارسة عملية العد والحساب، كما أنهم على وعي تام بمكانتهم، ومن
ثم تستطيع مثل هذه الجماعة المدينية الحضرية (دون سواها) أن تتبنى رؤية
للعالم تقوم على الزهد داخل الدنيا، وعلى عمليات حساب الحسنات الرشيدة،
ومحاولة مراكمتها للحصول على الخلاص.
الجذور الاقتصادية والاجتماعية للثورة التجريدية
التفكيكية والواحدية المادية في الحضارة الغربية الحديثة
عملية التجريد هي عملية تفكيك وتركيب تتم في ضوء المرجعية النهائية
للإنسان، متجاوزة كانت أم كامنة، فهي التي تحدّد ما هو كلي وما هو جزئي،
وما هو جوهري وما هو عَرَضي (فالكلي والجوهري مفاهيم عقلية قيمية، لا
توجد جاهزة في الواقع). فإذا كانت مرجعية الإنسان متجاوزة، فستوجد مسافة
بين الإله والإنسان، وبين الإنسان والطبيعة، وسوف تظهر الحدود حتى تفصل
الإنسان عن الإله وعن الطبيعة، فلا يذوب في أيّ منهما. وهذا يعني ضبط
مستوى التعميم (التجريد) والتخصيص(التعين) في ضوء جوهر إنساني له حدود
مستقلة تجعله لا يذوب في أي كلّ متأيقن (سواء كان الإله أم الطبيعة).
ولكن إذا كانت مرجعية الإنسان مادية كامنة غير متجاوزة، فإن الباحث سيقوم
بعملية التجريد (التفكيك والتركيب) على هـَدْي النماذج الحلولية الكمونية
المادية، التي تجيب عن الأسئلة الكلية النهائية بطريقة مادية (الإنسان
مادة وحسب ـ لا توجد غاية مفارقة للحركة ـ لا يوجد سوى الصيرورة). وعادة
ما تدور هذه النماذج المادية حول مطلقات مادية لا إنسانية، أهمها
الطبيعة/المادة (والتنويعات المختلفة عليها: تراكم رأس المال ـ زيادة
الثروة أو المتعة الشخصية ـ مصلحة الدولة العليا.. إلخ). وتتم عملية
التجريد (التفكيك والتركيب) بطريقة تدريجية، فيستبعد الباحث كل ما هو
روحي ولا محدود ومبهم وغير قابل للقياس ومتجاوز للمادة وثابت أفلت من
الصيرورة، وكلّ ما هو مركب وخاص وفريد وكيفيّ، أي العناصر غير المادية
(الربانية) التي تميزه كإنسان، وتفصله عن الكائنات الطبيعية المادية وعن
المطلق المادي اللاإنساني، وبذلك لا يبقى سوى العام البسيط الواضح القابل
للقياس، أي العناصر الطبيعية/المادية التي تربط بين الإنسان وبين
الكائنات الطبيعية والمادية. ويُردّ الإنسان إلى ما هو مادي وبسيط ذو
بُعد واحد، ويُعاد تركيبه باعتباره كائناً طبيعياً.. جزءاً من كل
طبيعي/مادي لاإنساني، لا استقلال له عنه، خاضع لقوانينه وحتمياته، يهتدي
بهديه ويأتمر بأمره. وهو حين يتحول إلى مجموعة من الرغبات والدوافع
الطبيعية (الاقتصادية أو الجسمانية)، فإنه يصبح ذا بـُعد واحد، لا علاقة
له بأية إنسانية مركبة مشتركة، ومتمركزاً حول نفسه.
وتستمر عملية التجريد حتى تصل، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى
عالم الأرقام والذرات والثنائيات الرياضية المتعارضة (سالب وموجب) التي
لا تعرف الضحك أو البكاء، والتي ينحل فيها الواقع المركب المتعين
(الإنسان والطبيعة) ليصبح بـُنىً رياضية بسيطة مجردة واضحة ومعادلات
رياضية صارمة.. وهذه أعلى قمم التجريد إذ أننا نكون قد وصلنا بذلك إلى
المادة الأولية اللزجة وإلى الأميبا!.
ومن الإنجازات الأساسية للحضارة العلمانية أنها جعلت الإنسان يستبطن هذه
العملية التجريدية/التفكيكية التركيبية (في إطار النماذج المادية)،
ويقبلها باعتبارها أمراً طبيعياً نهائياً. فالإنسان الغربي أصبح قادراً
على تجريد ذاته، وإنكارها والإنسلاخ منها، والنظر إليها بشكل موضوعي
محايد، وحوسلتها في خدمة المرجعية الواحدية المادية، فيستجيب بحماس عاطفي
لمبدأ مادي مجرد واحد كامن فيه أو في الطبيعة، لا علاقة له به ككيان مركب
متعين له هويته وحدوده. وهذه المقدرة على تجريد الذات وتفكيكها وعلى
استبطان المرجعية المادية الكامنة هي، من وجهة نظر البعض، جوهر الحداثة.
وتاريخ الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر نهضتها هو تاريخ تصاعد معدلات
التجريد (والترشيد) والتفكيك والتركيب في إطار المرجعية المادية، وصولاً
إلى الوحدانية المادية التي كرست مسألة اختزال الواقع بأسره على مستوى
واحد (مادي) يمكن إدراكه بالعقل (المادي). وهي واحدية مادية تنكر الإنسان
ككيان حر مستقل متعين، ولاتدركه إلا بوصفه جزءاً من كل خاضع تماماً
لحتمياته وآلياته وحركياته.
المصدر: عبد الوهاب المسيري، العلمانية
الجزئية و العلمانية الشاملة، المجلد الأول، دار الشروق، القاهرة.
|
|
|