الحضارية «دراسات فلسفية»
الخميس: 30/08/2007

 

نشأة الفلسفة وإشكالية البداية

د. أحمد شيال(*)
(خاص للمعهد)

متى بدء التفلسف ومن الذي أثار السؤال الفلسفي الأول؟ هذا السؤال الذي حير الفلاسفة والمؤرخين، حول أصل البداية، لذا فقد انقسموا إلى فريقين، الأول يرى أن بداية الفلسفة كانت يونانية، في حين رجح الآخرون القول بأن بداية الفلسفة كانت من الشرق. الفريق الأول ينتمي إلى ما يسمى (التمحور حول الذات المركزية الأوربية) وهم رسل(1872-1970) وفكتور كوزان (1792-867) وسانتهيلر (1805-1895) هؤلاء اتفقوا في أن أصل البداية كانت مع اليونان، ولكنهم اختلفوا في أول من تفلسف، برتراند رسل جعل طاليس أول الفلاسفة تماشياً مع أرسطو، في حين ذهب الآخرون إلى أن بداية التفلسف كانت مع المدارس الايونية، الأيلية الفيثاغورية. باعتبار أن الفلسفة خلق عبقري يوناني أصيل(1) جاء على غير مثال سابق، وأنهم بحثوا المعرفة لذاتها،بمعنى أن العقل يتجه إلى كشف الحقيقة بباعث من اللذة العقلية، بدون أية أغراض عملية وغايات دينية، وهذا النوع من المعرفة النزيهة نشأ في ظل اليونان(2)، في المقابل فإن الشرق ذو نزعة عملية دينية، وأن النظر العقلي كان وسيلة لغاية أخرى هي إصلاح الدين والنجاة من الشر. هذا الدافع كان وراء القول أن الشرق وإن أنشأ الحضارات الإنسانية،لكن العلم والفلسفة هي منتج أوربي محض، وهذا ما أكده رسل بالقول إن «العلم والفلسفة، اختراعان يونانيان»(3) ولذلك فهو يعزو عدم بروز التفكير في مصر وبابل إلى عدة أسباب هي:
أ ـ افتقار هذه الشعوب إلى العبقرية.
ب ـ الأوضاع الاجتماعية لا تساعد على بلوغ هذه المعرفة.
ج ـ وظيفة الدين لم تكن تساعد على ممارسة المغامرة العقلية(4).
في حين يذهب باحث أخر، اويرفيبج إلى أن الفلسفة كمنهج عقلي، لم يكن في الامكان ظهورها عند الشعوب الشمالية التي وإن تميزت بالقوة والشجاعة، فإنها كانت تفتقر إلى الرغبة الصادقة في تحصيل الثقافة.. ولم يكن ممكنا أن تظهر عند الشعوب الشرقية التي حققت درجات عليا في ميدان الفكر، الا أنها استلمت ما اكتشفت بروح سلبية، بل كان حتماً أن تزدهر عند اليونان الذين جمعوا بين خصائص هذه الأمم(5). هنري بيير، يرى أن الشرق، كانوا على جهل بالتفلسف والتأمل في الوجود لمعرفة طبيعة أو الوقوف على كنه موجودات(6).
هذه النظرية التي جعلت الفلسفة معجزة يونانية غربية، لم تقتصر على المؤرخ والفيلسوف الأوربي فقط، فقد انعكست على الفكر العربي الإسلامي، فهذا عبد الرحمن بدوي مثلا، يقول إننا لا نزال عند رأينا أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ عن فلسفة شرقية مزعومة، إن بداية الفلسفة عند اليونان في فجر القرن السادس ق.م لذلك قد رجحنا أرسطو(7).
أما الذين يعتقدون أن الحضارات القديمة في الشرق كانت، ذات طابع فلسفي، يتجلى في أساطيرهم و عقائدهم الدينية، فهم:
ول ديورانت، مؤرخ حضارات.
جورج سارتون، مؤرخ علم.
بول ماسون أورسيل، أستاذ الفلسفة الشرقية.
ولتر ستيس ومرجعية النموذج المعرفي الواحد
ولتر ستيس، فيلسوف أمريكي ولد عام 1886 بلندن، درس في انجلتره واسكتلنده وايرلندة، عام 1935 أصبح أستاذ الفلسفة في جامعة برنستون. له مؤلفات عديدة ترجمت إلى اللغة العربية، منها: (الدين والعقل الحديث) (الزمان والأزل) مقالة في فلسفة الدين، (التصوف والفلسفة)، (تاريخ الفلسفة اليونانية)، (معنى الجمال).
لابد من القول في البدء إن ستيس واقع في دائرة (التمركز الحضاري الأوربي) وخاضع في قراءته لتاريخ الفلسفة لسلطة النموذج المعرفي الواحد، الرافض للاخر باعتباره منتج لحضارة وتفلسف. فهو يعتقد أن الافكار الواردة في الحضارة اليونانية تتملك قدراً من الحقيقة، لاتتقادم ولا تشيخ، وبذلك، رفض الموقف القائل: «إن الفلسفة جاءت من الشرق» وإن الشرق» عنده مصر وليس الهند، ورفض القول بأن الرياضيات والفلك هي نتاج مصري، وينكر زيارة فيثاغورس إلى الشرق، ويعتبر هذا كله داخل في النغمة الشرقية، يدفعهم (الشرقيون) إلى ذلك زهوهم القومي.
و الفلسفة عنده هي ذات طابع أوربي وليس شرقي، فاليونان هم الذين أنتجوا الفلسفة بأنفسهم، وأن بداية الفلسفة كانت في القرن السادس ق.م بالسؤال: ما هو تفسير العالم؟ وحتى الأساطير في نشأة الكون ولاهوتيات الشعراء، لا تحتوي على محاولة لطرح تفسير طبيعي للأشياء، فهي محاولات ترجح، الدين والشعر، ولكنها ليست فلسفة (8) ويرفض كذلك فكرة مادية الغرب ومثالية الشرق، وإن كانت صحيحة الى حد ما كما يقول، لأنه لا يوجد شعب مثالي خالص، والمادية مغروسه في جميع الأشياء، نحن نولد ماديين سواء كنا شرقيين أم غربيين(9) إن ستيس (برأينا) وقع في نفس الإشكالية التي رفضها وعدها عامل معيب ألا وهي الزهو القومي، وذلك بإرجاعه الفلسفة وبداية التفلسف إلى اليونان دون غيرهم، وبالتالي أصبح جزءاً من النظرة التفوقية الأوربية التي تنظر إلى الآخرين وكأنهم هوامش مقابل المركز (الغرب). يعتقد ستيس أن المذاهب الفلسفية يكمل بعضها البعض الاخر، لان الحقيقة ليست حسابية حتى تكون صادقة أو كاذبة،بل هي تكشف عن ذاتها في الزمن من خلال تعاقب الفلسفات، فمذهب أرسطو لا يلغي أفلاطون، اسبينوزا لا يلغي ديكارت، لذلك «أي تفكير فلسفي لا يتأسس على دراسة شاملة بمذاهب الماضي، سيكون بالضرورة ضحلاً وبلا قيمة»(10).
لكن حول أي شيئ تدور الفلسفة.
لا يوجد تعريف جامع مانع للفلسفة «لان محتوى الفلسفة اختلف اختلافاً كبيراً في حقب التاريخ المتباينة»(11) فاعطى تعريف معين للفلسفة هو محل خلاف، يكون مقبولاً من طرف، ومرفوضياً من الطرف الاخر. عندما نعرف الفلسفة بانها البحث عن المطلق، هناك من يوافق عليه وهناك من يرفضه، إذن ما هو الحل؟ هو تعريف الفلسفة ليس في البداية بل في النهاية، بمعنى عندما نكون قد اطلعنا على جميع الاراء والمدارس والمذاهب، فالفلسفة هي محاولة لتجاوز التفكير الرمزي والتصوفي والوصول الى الحقيقة العادية، والتقاط ما وراء الرمز كما هو في حد ذاته(12)، وهي الارتفاع من الحسي الى ما هو غير حسي.
لكن الأشكالية المعقدة، هي كيف يمكن تصور ما هو غير حسي باسلوب حسي، عندما نفكر في الاشياء غير المحسوسة بطريقة حسية، فاننا نقع في مشكل صعب، ألا وهو أن الصور الذهنية تكون صور غير ملائمة للتفكير، بمعنى غير واضحة لذلك يقع الفيلسوف في مشكلة، بل يفشل «عندما يريد ان يصور ما وراء الحس بطريقة حسية»(13) فالواجب هو أن نتحدث عن الاشياء بطريقة المماثلة. اذن في ضوء التعريف أعلاه للفلسفة، يذهب ستيس الى أن أرقى أشكال التفكير الفلسفي، موجودة عند اليونان وفي اوربا الحديثة، وحتى لو كانت هناك حضارات مثل الهند والصين، مصر، بابل، تمتلك ديناً وشعراً وفناً، ولكن لا تمتلك فلسفة. لذلك يتخذ موقف غاية في التطرف ويعبر عن النزعة الاحادية القائمة على الايمان وعقدة التفوق والتمركز الاوربي، أما التفكير الشرقي فهو تفكير (فلسفي ـ ديني) وبالتالي فهو خارج خارطة الفلسفة لأسباب عديدة، منها:
أ ـ إنه وسيلة للخلاص، ومن ثمه لا توجد معرفة لذاتها، فإذا كان التفكير الفلسفي قائم على الدهشة والرغبة، فان التفكير الهندي قائم على الخلاص من شرور الحياة، وهذه نزعة عملية وليست علمية، وهي السبب في ولادة الأديان.
ب ـ إنه تفكير شاعري، والشاعرية تفكير بالرموز والاستعارات، بدلاً من التفكير العقلاني، وهو لا يرتفع من الحسي الى اللاحسي، وهذا يدل على أنه ديني لا فلسفي(14).
هذه الاسباب هي التي دفعت ستيس لإخراج الفلسفة الهندية بل الشرقية بالعموم من دائرة الفلسفة، لذا يضع لنا ستيس ملامح عامة للفلسفة التي تميزها عن غيرها من المعارف، وهي:
1 ـ الرؤية الكلية، عكس المعارف الأخرى ذات الرؤية الجزئية.
2 ـ تبدأ الفلسفة من نهاية العلم.
3 ـ لا يوجد في التفكير الفلسفي شيئ يؤخذ كقضية مسلم بها.
4 ـ الفلسفة هي محاولة للارتفاع من الحسي الى ماهو غير حسي من خلال عالمين مختلفين:
أ ـ العالم الفيزيائي الخارجي، تكون معرفته بالخبرة
ب ـ العالم الذهني الداخلي، تكون معرفته بالاستبطان. العالم الواقعي أكثر أُلفة، لان الانسان البدائي مدفوع بالضرورة الى الطعام، في حين أن الانسان المعاصر يقضي معظم أوقاته في التأمل بالاشياء الخارجية، اذن بالاعتبار وبالعامل الوراثي يميل الى اعتبار العالم الخارجي أكثر حقيقة من العالم العقلي(15). اذن الفلسفة هي رؤية شمولية كلية، تبدأ من نهاية العلم، ولا يوجد فيها قضاية ثابتة، وتقوم على قاعدة الارتفاع من الحسي الى اللاحسي، وأن وظيفة الفلسفة والفيلسوف هي الفهم العقلاني للمسائل، والاستيعاب العقلاني هو مانطلق عليه اسم الفلسفة أو المعرفة.
لقد سيطرت على تفكير ستيس ثلاثة مصادر أساسية صاغ فلسفتة وفقاً لها، وهي: أرسطو، هيجل، ونزعته الدينية باعتباره رجل دين.
فهو يعلي من شأن أرسطو، ويعد فلسفته أعظم الفلسفات، وهي الذروة التي وصلت اليها الروح اليونانية، وهي أكبر عرض للحقيقة في العصور القديمة، وهي وإن كانت لا تحل كل المشاكل ولكنها تجعل العالم معقولاً أكثر من ذي قبل. ويوجه نقداً الى أرسطو لكنه خجول، لانه قال بالثنائية وقد فشل في إيضاحها، مثل أفلاطون الذي وصف فلسفته بأنها مثالية ساذجة فشلت في تفسير العالم وأن وجود الاساطير دليل ضعف في فلسفته، باعتبار أن الفلسفة الناضجة يجب أن تحقق شرطين؛
الأول: أن تتحدث عن المطلق، وان المطلق قادر على تفسير العالم.
والثاني: أن المبدأ لا يقتصر على تفسير العالم، بل يجب أن يفسر نفسه. الملاحظ هنا أن ستيس يؤمن بفكرة الواحدية، التي تحاول تفسير الكون من خلال مبدأ واحد، في المقابل فلسفة أفلاطون قائمة على الثنائية؛ عالم حس، عالم مثل، وهنا يتضح الخلاف بين من يؤمن بالواحدية ومن يؤمن بالثنائية.
عقدة التمركز الاوربي لم تقتصر على الشرق، بل شملت الفلسفات التي تأثرت بافكار الشرق مثل الرواقية و الابيقورية، فيصفها بالخراب والانهيار، فالفلسفة بعد ارسطو هي فلسفة انهيار قومي لأسباب عديدة، هي:
1- وفاة الاسكندر، تحطم الامبراطورية.
2- البداوة، التي بدأت تلتهم حضارة جميلة.
3- دخول اليونان مرحلة الشيخوخة الفكرية.
4- سيادة النزعة الذاتية وغياب الروح العلمية.
من الواضح أن اهتمام الرواقية والابيقورية بالاخلاق جاء لاسباب تتصل بإعادة بناء المجتمع، بسبب حروب الاسكندر، ومالحقها من خراب ودمار،
وظهور كيانات سياسية جديدة، والانفتاح عن الشرق، التي أثمرت مدرسة الاسكندرية التي أصبحت نقطة مزاوجة بين الشرق والغرب، وكانت
الهيلنستية(16).
إن حروب الاسكندر، ثم وفاته وانحلال امبراطوريته، وظهور كيانات جديدة، كل هذا أدى الى هدر كرامة الانسان، فلا قيمة للانسان إلا بوصفة مقاتلاً، محارباً،غازياً، فاتحاً، فكان من الطبيعي وفي ضوء منطق التاريخ ظهور الرواقية و الأبيقورية بوصفها محاولة لإعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي مزقته الحروب وإعادة البعد الأخلاقي الذي غاب عنه، فجاءت هاتان الفلسفتان للاهتمام به من جديد وعده قيمة عليا، لا كما هو تصور ستيس بأنها فترة انحلال بل هي فترة لانتصار الفلسفي على الديني وتوظيفة لخدمة الفلسفة، يدفعنا إلى ذلك قول أبيقور المشهور: «ليس الكافر من ينتقد آلهة الجمهور، بل الكافر من يؤمن بها». هنا الخطاب الفلسفي في مواجة الخطاب الديني، لكن الذي أرق ستيس وجعله رافضاً لهذه الفترة، هو أنه لا يستطيع تحمل رؤية فلسفات يونانية تستلهم التراث الشرقي، وتعيد قراءته من جديد وتوظفه لبناء فلسفة جديدة، محورها الأساس: الإنسان. فهوغير قادر على استيعاب أن الشرق يمكن أن يقدم للغرب ما يستعين به على قراءة ذاته، وهو الرافض لكل ما هو شرقي أصلاً.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أن النزعة الهيجلية واضحة عنده، في تعريفه للفلسفة، وتوظيفة للجدل الهيجلي، القائم على فكرة (الأطروحة، النقيض ، مركب الأطروحة). فالفلسفة كانت في بدايتها مادية (الأيونيون) ثم الانتقال إلى مثالية شبه حسية (إلأيليين) ثم انتقال التفكير إلى المثالي الحسي عند أفلاطون وأرسطو، اذن البداية مادية، ثم مثالية شبه حسية، ثم حسية مثالية، إن الاتجاه الواحدي قد سيطر على تاريخ الفكر الإنساني في الفلسفة، الدين، العلم. الدين يبدأ بتعدد الآلهة ثم ينتقل إلى الإله الواحد، في العلم رد الحقائق الكثيرة إلى مبدأ واحد، لكن الواحدية ضرورية في الفلسفة حسب ستيس لكن واحدية مجردة مستحيلة، فالواحد يجب أن يكون كثرة في الوحدة، مثل الثالوث المسيحي؛ الله كثرة في واحد(17) ورفض أن يكون المطلق مجرد، ويحل المشكلة، باعتباره رجل دين، وان كان يؤمن برأي الأيليين، بان الوجود واحد، باعتبارها الحقيقة المطلقة، أما القول بان الوجود ليس فيه صيرورة ولا حركة ولا كثرة فمرفوض، لان القول بالكثرة في المطلق يعني أننا لا نستطيع تفسير الكثرة الموجودة في الخارج، وأن الوجود بلا كيفية، ولا خصائص، إنه مجرد فراغ، الواحدية ضرورية باعتبارها ليست مجردة بل هي كثرة في الوحدة، وهو هنا حل المشكلة بوصفه رجل دين مسيحي أكثر منه فيلسوفاً.
تعقيب ونقـد
ثمة حقيقة لا منازعة فيها، هي أن الدافع وراء ستيس و غيره إلى تبني نظرية (التمركز الأوربي) و(مرجعية النموذج الواحد)، بلا شك هو الانحياز والتعصب والانغلاق، وهذه كلها عكس الموقف الفلسفي، الباحث عن الحقيقة بغرض النظر عن منشئها. وإنّ رد الشعوب إلى أجناس تتفاوت بطبيعتها بعضها قادرة على الإنتاج العقلي، وأخرى غير قادرة على الحكم بطبيعتها، هو جزء من التعصب الديني، لا الفلسفي. كذلك تضييق معنى الفلسفة هو الذي حال دون إطلاقها على حكمة الشرق القديم. ولو اتسع مدلوها، حتى شمل الحياة العقلية والروحية، لما استطعنا أن نؤرخ لنشأتها مع شعوب الشرق القديم، كما يذهب ما سون أورسيل، أستاذ الفلسفة الشرقية(18)، فالتفلسف نشاط عقلي محض، غرضة الأساسي الوصول إلى الحقيقة كما تبدو، لاكما نريد نحن، ذلك أن التفكير الفلسفي حق إنساني، لا علاقة له بخطوط الطول والعرض، ولا علاقة له بمسائل الدين واللون(19).
إذن الفلسفة الغربية تعبر عن آراء فلسفية وعملية، مثلها الفلسفة الشرقية القديمة، التي قدمت إجابة عن تساؤلات كونية كانت تعترض الإنسان في حياته، مثل أصل العالم، مصير الإنسان، حياة ما بعد الموت، همومه وأحلامه، هذا إن أخذنا في نظر الاعتبار أن بداية الفلسفة كانت في حضن العقائد الدينية من خلال أشعار هوميروس وهزيود، معتمدة على مقولتي الخطئية والعدالة وبعدها بدأت الفلسفة الحقة(20). هذا من جانب، من جانب آخر التناقض الذي وقع فيه ستيس هو اتهام الشرق بالنزعة الدينية المعبرة عن حاجات عملية وبعيدة عن المعرفة النزيهة لذاتها، وأن الغرب ذو نزعة عقلية خالصة، ولكن التدقيق في تاريخ الفلسفة يبين أن هناك نزعات دينية واضحة لدى الغربيين، مثل قول طاليس: إن العالم حافل بالآلهة. في حين أن الفلسفة هي بحث عقلي قائم بالحجة المقنعة والترتيب المنطقي للأفكار، والتفلسف يعني البحث عن الاصل في الأشياء والعوامل المؤثرة في تشكيله وتكوينه. إذن فلا يوجد مبرر منطقي للقول بأن نشأة الفلسفة كانت يونانية لأنهم أثاروا السؤال الفلسفي، وأن الشرق القديم فقد ميزة البحث الفلسفي والقدرة على إثارة السؤال، وأنه لم يكن لديه بحث عن المعرفة لذاتها، أو أن الذهنية الشرقية كانت ذات طابع أخلاقي عملي ـ ديني هدفها الأساس الفرار من آلام الحياة ومتاعبها فقط، وفي المقابل القول بمركزية (الغرب العقلاني) والذي يهتم بالبحث في المعرفة لذاتها، بعد فترة تراجع عن هذا الموقف ستيس، في كتابه (الدين والعقل الحديث)، عندما ربط قيمة الفلسفة بالإسهامات التي تستطيع تقديمها للحياة الخيرة والصالحة(21)، أصبحت الفلسفة التعبير المجرد عن قضايا وردت في الأساطير والحكايات والتصويرات والمشاعر(22) هنا أصبحت الفلسفة وسيلة لغاية أخرى هي التعبير عن حاجات عملية وكذلك وجود فلسفات مثل الاورقية والفيثاغورية، ذات الأسس الروحية والطابع الأخلاقي العملي السلوكي، أكثر منه مجرد معرفة لذاتها. ونجد ذلك واضحاً في الفلسفات المعاصرة مثل الوجودية، البراجماتية، الماركسية، فهي تحمل طابع عملي غائي، بعيد عن التأمل العقلي المجرد، فالماركسية ترى أن مهمة الفلسفة ليس فهم العالم بل تغييره، والوجودية جعلت الإنسان في قمة الهرم، واهتمت به وبعلاقته بالآخرين، وكذلك البراجماتية ربطت الفكرة بالفائدة، «اذن فالفكرة ما لم تحقق منفعة فهي باطلة» وهذا هو بالضد من موقف ستيس القائل بعقلانية الغرب الباحث عن المعرفة لذاتها، ولا عقلانية الشرق الذي تساوي فيه المعرفة خدمة الحياة.


المصادر
ــــــ
(*) مدرس فلسفة الجمال، قسم الفلسفة، الجامعة المستنصرية.
(1) أحسن المصادر لمراجعة ونقد فكرة المعجزة انظر، فلسفة الوجود في الفكر الرافديني القديم وأثرها عند اليونان د. محمد حسين النجم، بيت الحكمة بغداد، 2000.
(2) الطويل توفيق، أسس الفلسفة، ص38، دار النهضة العربية ط4، القاهرة، 1964.
(3) رسل، برتراند، حكمة الغرب، ص22، جزء أول، ت:فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، شباط- 1983.
(4) رسل، برتراند، حكمة الغرب،ص27 سبق ذكره
(5) ubeiweq- F. History of philosophy , Gng ـ Trans ـ by Geo morri / p-14 نقلاً عن المدخل إلى المعاني الفلسفة، د. عرفان عبد الحميد
(6) الطويل، توفيق، أسس الفلسفة، ص41.
(7) بدوي، عبد الرحمن، ربيع الفكر اليوناني، ص45، وكالة المطبوعات الكويت، ط(5)، 1979.
(8) ستيس، ولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص26، ت:مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1984.
(9) المصدر نفسه، ص20
(10) ستيس، ولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص10.
(11) المصدر نفسه، ص13.
(12) المصدر نفسه، ص22.
(13) ستيس، ولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 22.
(14) المصدر نفسه، ص22
(15) ستيس، ولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص24
(16) الجابري، علي حسين، الحوار الفلسفي بين حضارات الشرق القديمة وحضارة اليونان ص16، دار أفاق عربية للصحافة والنشر بغداد - 1985
(17) ستيس،ولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص67.
(18) الطويل، توفيق، أسس الفلسفة، ص45.
(19) عبد الحميد، عرفان، المدخل إلى معاني الفلسفة، ص15، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ـ 1986.
(20) الألو سي، حسام، بواكير الفلسفة من الفلسفة إلى الميثولوجيا ص17 ط(2) 1988.
(21) ستيس، ولتر، الدين والعقل الحديث، ص190، ت: أمام عبد الفتاح امام، مكتبة مدبولي ـ القاهرة ـ 1988.
(22) المصدر نفسه، ص165.