الحضارية «دراسات فلسفية»

الأحد: 28/10/2007

 

البعد السياسي للفلسفة الاسلامية (نحو مجتمع افضل)

الدكتورعلي عبدالهادي المرهج(*)
(خاص للمعهد)

شغل مبحث الفلسفة والسياسة أهمية كبيرة منذ افلاطون وارسطو الى يومنا هذا، وكان الفيلسوف مشغولا بالسياسة لدرجة حلمه ان يكون حاكما، وكان هناك تنافسا على السلطة بين الفيلسوف والسياسي ولربما كانت علاقة ارسطو بالاسكندر فيها سعي من ارسطو لتحقيق شئ من هذا، وما كان باقي الفلاسفة ببعيدين (لربما) من شكل هذه العلاقة التي اقامها ارسطو مع الاسكندر فاغلبهم اما كان مشاركا في السلطة واما قريبا من السلطان. والحاكم كما يبدو لي كان في خشية من الفيلسوف ولربما تكون لنا محنة ابن رشد فيلسوف قرطبة خير دليل.
وضع الفيلسوف هذا بوصفه راغبا في السلطة او ناقدا لها يمكن ان يعطينا الحق في القول ان الفلسفة عاشت غريبة عن المجتمع لهذه الاسباب، اي خشية السلطة من فصاحة الفلسفة واهليتها في ان تكون محركة للوعي المجتمعي في سبيل تحقيق العدالة والسعادة بوصفهما غاية والفضيلة بوصفها اداة لتحقيق هذه الغاية ولنا في سقراط خير دليل حينما جرع السم من اجل احترام القانون وتحقيق العدالة. ولم يكن سعي تلميذه افلاطون (على الرغم مما في فكر افلاطون من نخبوية ولغة تبريرية للحكم الفردي) سوى صدى لرغبة سقراط في تحقيق العدالة. ولم يكن سعي فيلسوفنا الفارابي على خطى افلاطون سوى محاولة نقدية لشكل الحكم في زمانه والا لما سعى الى البحث وطرح شروط تكون (المدينة الفاضلة) في مقابل المدن الجاهلة، او الفاسقة وغيرها من مضادات "المدينة الفاضلة" وهؤلاء الفلاسفة وحتى وان اعترض معترض بانهم اشتغلوا على مستوى المثال لا على مستوى الواقع فاننا نقول وبلغة مدني صالح (ان كل متمنى هو "مثال" وما ان يتحقق المتمنى حتى يصبح "واقعا") فالفصل بين المثال والواقع هو السعي الى تحقيق المتمنى ونحن في تراثنا الاسلامي نجد هناك من تعامل مع "الواقع" فقهاء السلطة والمنظرين والمبررين لايديولوجيا السلطة ولا يمكن تسميتهم فلاسفة السياسة مثل ابن ابي الربيع والماوردي اللذان يميلان مع السلطة حيثما تميل، فهذا ابن ابي الربيع يقول "ان الله حضى الملوك بكرامته ومكن لهم من بلاده وخولهم عباده وحينئذ اوجب على علمائهم تبجيلهم وتعظيمهم وتوقيرهم كما وجب عليهم طاعتهم"(1)
اما الماوردي فانه يقول "ان الدولة تحتاج الى سلطان قاهر تأتلف برهبته الاهواء المختلفة ويسوس الدولة نحو تحقيق اهدافها العليا ويحفظ الدين ويحرس الناس ويحقق لهم امنهم ويحفظ عليهم ارزاقهم "(2). هذا النوع من الفكر يمكن تسميته بالفقه السلطاني او كما سماه الماوردي "الاحكام السلطانية" ولايدخل في اعتقادنا ضمن الفلسفة السياسية لانه تنظير لكيفية اعتلاء السلطان دفة الحكم وسلب لإرادة الامة ودورها في الحياة السياسية "بعد ان نجح في اعادة تشكيل عقل الفرد المسلم وفق مفاهيم ومقولات تقتل الوعي وتدعو الى السكون وتفرض الطاعة بناء على جبرية الانسان في افعاله وصحة جميع الممارسات السلطانية لانها صادرة ليس باختياره لذلك ينبغي قبولها والرضا بها ما دامت امتدادا لطاعة الله تعالى"(3)
لكننا لو نظرنا الى فلسفة الفارابي لوجدناها لاتسعى الى تحقيق حكم الفرد بقدر ما تسعى لتحقيق الفضيلة في ذات الفرد وبالتالي في المجتمع، لذلك نجده دائم الدعوة الى تحصيل الفضائل، والفضائل عنده صنفان: فضائل نظرية تأتي عن طريق التعلم، وفضائل عملية تأتي عن طريق التأدب.. والتعلم والتأدب هما طريقا تحصيل السعادة التي يعيشها افراد المدينة الفاضلة التي لايبلغ الانسان فيها كمالاته الا عن طريق الاجتماع والتعاون، فـ " كل واحد من الناس مفطور على انه يحتاج في قوامه وفي ان يبلغ افضل كمالاته الى اشياء كثير لايمكنه ان يقوم بها كلها وهو وحده بل يحتاج الى ان يقوم كل واحد منهم بشئ مما يحتاج اليه وكل واحد من كل واحد بهذه الحال"(4)، والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون كلها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه كما ان البدن اعضاءه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى وفيها عضو واحد رئيسي هو القلب... "(5) .
هذا يعني ان التعاون والاجتماع على اختلاف افراد المدينة هو السمة الغالبة للمدينة التي يبتغيها الفارابي مع الاعتراف بدور كل فرد في هذه المدينة حسب الفطرة والقدرة، وقد جعل عضوا واحدا (رئيسا) هو القلب، ولم يقل العقل على الرغم من ان الفارابي يفسر الوجود من خلال العقول ولكن اعطاء صفة القلب بكونه رئيس البدن هي رغبة الفارابي بان يكون رئيس الدولة يمتلك الوجدان والعاطفة التي يجتمع حولها الناس لتحقيق اكبر قدر من الالفة والمحبة بين افراد المدينة الفاضلة فيكون صناعته "اي رئيس الدولة" صناعة غرضها المواءمة بين الصناعات كلها ويكون الرئيس بذلك "انسانا قد استكمل فصار عقلا ومعقولا بالفعل..."(6) .
"اما المدينة الجاهلة فان الاجتماع فيها بين الناس يكون قائما على ان يكون هناك قاهراً واخر مقهور لذلك رأى هؤلاء القوم ان الاجتماع والمؤازرة ينبغي ان تكون بالقهر وان يكون الذي يحتاج الى مؤازرين يقهر قوما فيستعبدهم ثم يقهر بهم اخرين فيستعبدهم ايضا، وانه لاينبغي ان يكون مؤازره مساويا له بل مقهورا، مثل ان يكون اقواهم بدنا وسلاحا يقهر واحدا حتى صار ذلك مقهورا به واحدا واخر ونفرا ثم يقهر بأولئك اخرين حتى يجتمع له مؤازرون على الترتيب فاذا اجتمعوا صيرهم آلات يستعملهم فيما فيه هواه"(7) .
مما هو جدير بالذكر ان الفارابي قد ساوى بين وظيفة الحكيم الفيلسوف والنبي المنذر من جهة رئاسة كل منهما للدولة ولكن بطريقتين مختلفتين لاسيما من الناحية المعرفية ومن دون الخوض في تفاصيل هذه العلاقة وفي صفات حاكم المدينة الفاضلة التي جميعها تربط بين الجانب المعرفي والجانب الاخلاقي منطلقا من حب المعرفة الى حب العدل الى حب البطولة والتعلق بها فضلا عن الابتعاد عن دناءة النفس وضعفها.
ولرب سائل يسأل هل توجد هذه المسائل في حاكم من هذا الزمان؟ ونحن نجيب ان هذه الصفات هي نادرة في كل الازمنة ولكن المشكلة هي ان حكامنا هم على النقيض تماما فنجده جاهلا ظالما جبانا ضعيف النفس ! ولرب قائل يقول كيف يصعد مثل هكذا حاكم الى سدة الحكم، الا يعني هذا سوء المجتمع نفسه؟ والرد الممكن على هذا القول هو ان الشعوب عندما تمتلك ارادة الاختيار يوجه مثل هذا السؤال، اما ان يوجه لشعوب مثل شعوبنا، مستلبة ومقهورة لفترة طويلة من تأريخها، وبعبارة الفارابي مجتمعنا مقسم الى صنفين الاول قاهر والثاني شعوب مقهورة، الاول كان يمتلك الكثير من آليات السطو والغلبة بحيث استطاع ان يقهر مجموعة من الناس، هذه المجموعة قهرت مجموعة اخرى وهكذا، ولربما حصل هذا حينما نصب الحاكم من نفسه منفذا لحكم الله في الارض اي منذ اليوم الذي اصبح فيه الحكم قميصا يلبسه الله للحاكم!!
وفي هذا الصدد يرى ابن رشد "ان الحاكم الظالم هو الذي يحكم الشعب من اجل نفسه لا من اجل الشعب"(8) ، وللخلاص من هؤلاء الحكام لابد من ادارة الفلاسفة للمدينة حتى يتم الانتظام في ادارة شؤونها، لذلك يذهب ابن رشد الى القول: "ان لمن الملائم ان يأخذ الحكماء والكبار على عاتقهم سياسة المدن وادارتها "(9) . ولكن هذا لايعني ان ابن رشد لايؤمن بحكم المشرع أو الإمام لذلك هو يستشهد بهذا الصدد بقول النبي (ص): "انما بعثت الى الاحمر والأسود"(10). وحد الفيلسوف عنده "هو بعينه حد الملك والشارع والإمام ما دام الإمام في لغة العرب يعني الرجل المتبوع في افعاله والذي يؤتم به، ومن هذا صنعته بصورة تامة فيلسوف وهو الإمام بصورة مطلقة "(11) وهذا يعارض ما ذهب اليه البعض من ان ابن رشد يفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، والدليل على هذا فضلا عما تقدم ان حكم الإمام او الخليفة لا يختلف عنده عن حكم الفيلسوف، لذلك نرى ابن رشد يقول: "ان الحكم الفاضل في الاسلام كان في بداية عهده الاول مع الخلفاء الراشدين... حتى جاء معاوية فتحول حكمهم الى حكم قائم على المجد والشرف وهو ما يشبه الحكم القائم الان في جزيرتنا"(12) هذا فضلا عن اعتقاده بقدرة النساء على ان يكن "محاربات وحكيمات وحاكمات وما شابه ذلك"(13) .
ختاما نستطيع القول ان المهمة النقدية للفلسفة تجعل السياسي في ازمة، لذلك نرى ان الفسحة التي منحت للفكر الفلسفي في ثقافتنا هي فسحة ضيقة جدا لان الفيلسوف والفلسفة تترك الابواب مشرعة تنفتح على الاراء والثقافات لاتعيش عقدة الانغلاق على الذات، اما السياسي فانه دائم البحث عما يجعل المجتمع تابعا وخادما لمصلحته ومصلحة جماعته ،وحينما يكون الخطاب السياسي يدافع عن الجميع ويهدف الى احتواء المختلف وبما يحفظ له حق الاختلاف فهذا يعني ان السياسي خرج من مجال السياسة واصبح في مجال الفلسفة لان الفلسفة هي احترام الرأي المختلف والدفاع عن حق الاختلاف، وإن آمن فيلسوف بأنه امتلك الحقيقة فهذا معناه انه وقع في خطأ فلسفي لان الفلسفة هي البحث عن الحقيقة وليس ادعاء امتلاكها ولا تدعي "العصمة" لانها نتاج انساني ينتمي الى العالم الطبيعي، لذلك هي سعي دائم الى الاقتراب من الحقيقة وتؤمن بتعدد طرق الوصول اليها، والسياسي حينما يسعى الى هذا والتخلص من النظرة الذاتية الهادفة الى الدفاع عن مصالح جماعة معينة ويبحث عن مصالح الجماعات على اختلافها والانتقال من دائرة المصلحة الفردية الى دائرة المصلحة الجماعية، بمعنى اخر ترك الاطر المغلقة والانفتاح على جميع الدوائر او الاطر،بهذا المعنى يستطيع السياسي الخروج من قوقعة الايديولوجيا الى رحابة الفلسفة التي تدعو الى ضرورة بناء "المجتمع المفتوح" بعبارة كارل بوبر، ورفض نظم الحكم الكليانية لان هذه النظم "هي قبل كل شيء ارتكاس ورجوع الى نمط الحياة القبلية والقضاء على انسانية الانسان المتمثلة بروح النقد وحرية الفكر"(14) .
ولربما هناك قائل يقول ان من اخطار "المجتمع المفتوح" استبدادية الاغلبية التي تمنحها الديمقراطية!
فيجيب بوبر انه اذا تمت المحافظة على حقوق الاقليات وعلى حقوق الانسان في الاختلاف نستطيع ان نبتعد عن مثل هذا الاحتمال.
لذلك نحن نعتقد ان عدم الترويج للفكر الفلسفي نابع من كون هذا الفكر يقوم على مصارعة عقلية الاستبداد التي ترفض كل اشكال الحرية التي تريدها وتدعو لها الفلسفة لتحقيق مجتمع افضل.


الهوامش
ـــــ
(*) استاذ الفلسفة المساعد – الجامعة المستنصرية،بغداد.
(1) خصائص الفكر السياسي في الاسلام، تاليف د. محمد جلال شرف والدكتور علي عبد المعطي عهد، دار الجامعات المصرية / مصر 1975 ص 212.
(2) المصدر نفسه ص 287.
(3) الغرباوي،ماجد، اشكالية التجديد،سلسلة كتاب قضايا اسلامية معاصرة عدد 27، بيروت، ص 78.
(4) الفارابي، اراء اهل المدينة الفاضلة، تقديم ابراهيم جزيئي، دار القاموس الحديث، بيروت / بلا ص95.
(5) المصدر نفسه ص 96.
(6) المصدر نفسه ص 100.
(7) المصدر نفسه ص 122.
(8) فرح انطوان، ابن رشد وفلسفته، دار الطليعة أ بيروت ط 1 1981، ص78 ينظر ايضا رينان ارنست، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، دار احياء الكتب العربية، القاهرة 1957، ص.171
(9) ابن رشد، تلخيص السياسة لافلاطون، ترجمة حسن مجيد العبيدي وفاطمة كاظم الذهبي، دار الطليعة، بيرت، ط1 1998 ص 73.
(10) روى الحديث ابو ذر الغفاري واخرجه احمد بن حنبل في مسنده ج6، طبعة دار احياء التراث العربي، بيروت ط3،1993 ص203) ابن رشد المصدر السابق،ص 139.
(11) ابن رشد المصدر السابق،ص 139.
(12) المصدر نفسه. ص198.
(13) المصدر نفسه. ص124.
(14) فتحي التريكي، الفلسفة الشريدة، مركز الانماء العربي، بيروت، بلا ص52.