|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
الثلاثاء:
06/05/2008
ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة
د. صلاح الجابري(*)
(خاص للمعهد)
ما بعد البنيوية
في منتصف القرن العشرين كان هناك عدد من النظريات البنيوية حول الوجود
الإنساني. ففي دراسة اللغة، افترض علم اللغة البنيوي فرديناند
سوسير(1857-1913) إن المعنى يوجد داخل بنية اللغة الكلية وليس في تحليل
الإعمال الفردية. وبالنسبة للماركسيين يمكن فهم حقيقة الوجود البشري عن
طريق تحليل الأبنية الاقتصادية، وحاول علماء التحليل النفسي وصف بنية
النفس بموجب اللاوعي.
حاولت الحركة البنيوية، التي تأسست في فرنسا في ستينيات القرن العشرين،
أن تؤلف بين أفكار ماركس، وفرويد و سوسير. فهؤلاء لم يؤيدوا زعم الوجودية
بأن كل إنسان هو الذي يشكل ذاته، ويذهب البنيوي إلى أن الفرد متكون من
بنيات سوسيولوجية وسيكولوجية ولغوية لا يمتلك السيطرة عليها، يمكن
إيضاحها باستخدام مناهج تلك العلوم في الاستقصاء.
يعد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وهو بنيوي في الأصل، الممثل الأكثر
أهمية للحركة ما بعد البنيوية، فهو يوافق على أن اللغة والمجتمع يتشكلان
بواسطة أنظمة محكومة بالقانون، لكنه لا يتفق مع البنيويين في نقطتين:
أولا، لا يعتقد بوجود بنيات ضمنية محددة يمكن أن تفسر الوضع الإنساني،
وثانيا، يعتقد بأن من المستحيل أن نخطو خارج الدراسة ونستطلع الموقف بشكل
موضوعي.
طور جاك دريدا (1930- ) التفكيك بوصفه آلية لإيضاح الشرح المضاعف للنصوص.
وفترض، متأثرا بـ هايدجر ونيتشه، بأن كل نص غامض؛ ولهذا السبب فإن
إمكانية شرح كامل ونهائي له تكون مستحيلة.
ما بعد الحداثة
يمكن النظر إلى ما بعد البنيوية والتفكيكية بوصفهما الصياغات النظرية
لشرط ما بعد الحداثة. حاولت الحداثة، التي بدأت فعليا مع عصر التنوير، أن
تصف العالم بمفاهيم عقلانية، تجريبية وموضوعية. وافترضت أن هناك حقيقة
بارزة، بعيدا عن الحصول على أجوبة على السؤال المطروح من قبل الوضع
الإنساني. لا تبدي ما بعد الحداثة هذه الثقة، لقد غربت اليقينيات
الشمولية التي وثق بها العقل. ويُنظَر إلى العقل نفسه الآن بوصفه شكلًا
تاريخياً خاصاً، محدود الطريقة مثل التفسيرات القديمة للكون عن طريق
الآلهة.
إن الشخص ما بعد الحداثي لا يمتلك أسلوبا عقلانيا لتقييم الأفضلية فيما
يتعلق بأحكام الحق، والأخلاق، والخبرة الجمالية أو الموضوعية. وكما أسقط
الهرمية القديمة للفكر، كوَّن إيضاحا جديدا حول الحدود النهائية للفهم:
ما يستولد الفكر تماما، وما سوف يمسخه، ويهجنه وينميه سيقرره هذا الوضوح
في المستقبل.
ميشيل فوكو: جينالوجيا المعرفة
حاول فوكو تحليل (( الممارسات الكلامية)) أو أفعال الكلام الحرجة التي
تدعي كذبا إبلاغ المعرفة. وبدلا من تحليل تلك الممارسات الكلامية بموجب
صدقها، فهو يحللها بموجب تاريخها وأصولها. فقد ادعى بأنه يحاول أن يؤسس (أركيولوجيا
archaeology) المعرفة، لإيضاح تاريخ الإدعاءات الحقة.
في هذا العمل الأخير، استعار من نيتشة الأسلوب الأصولي(الجينالوجي
genealogical)، ومن ماركس تحليله للأيديولوجيا. لقد بحث فوكو من أجل أن
يوضح كيف كان تطور المعرفة مشتبكا مع آليات القوة السياسية. وهو على
العكس من ماركس لا يضمر الاعتقاد ببنية أو حقيقة ضمنية عميقة: ليست هناك
وجهة نظر موضوعية يستطيع المرء انطلاقا منها أن يحلل الكلام أو المجتمع.
ركز فوكو على النهج الذي يذهب إلى أن المعرفة وتزايد قوة الدولة على حساب
الفرد قد تطور في العصر الحديث. في كتابه تاريخ الجنس(History of
Sexuality) جادل بأن نشوء العلوم الطبية والنفسية أبدع خطاب الجنسية،
كخطاب غرائزي وسري عميق. وقد أصبح هذا الخطاب أو اللغة مقبولا بوصفه
تفسيرا ميدانيا، وبدأت فرضياته تنتشر في خطاب الحياة اليومية. بهذا
الأسلوب تشكلت خبرة الذات البشرية بجنسيتها الخاصة وتمت السيطرة عليها عن
طريق الخطابات التي تهدف إلى تفسيرها. فالبحث عن المعرفة لا يكشف ببساطة
موضوعات سبق وجودها، بل هو تشكيل وخلق فعّال لها.
لم يقدم فوكو أي نظرية شاملة عن الطبيعة البشرية. فكان ناقدا للنظرية
الفوقية: الاعتقادات التي تدعي إعطاء تفسير موضوعي وشامل للواقع.
وبالنسبة لـ فوكو لا توجد إجابة نهائية ننتظر الكشف عنها. إن الممارسات
الكلامية ليست مستقلة عن الموضوعات المدروسة، ويجب أن تكون مفهومة في
سياقها الاجتماعي والسياسي.
جاك دريدا: التفكيك
التعريف:
التفكيك مدرسة فلسفية نشأت في فرنسا في نهاية الستينيات، كان لها تأثير
عظيم على النقد الأنجلو ـ أمريكي. وقد أنهت التفكيكية التقليد
الميتافيزيقي الغربي. فهي تمثل رد فعل معقد على تنوع الحركات النظرية
والفلسفية للقرن العشرين، وبشكل ملحوظ الظاهراتية الهوسرلية، والبنيوية
السوسورية والفرنسية، والتحليل النفسي الفرويدي واللاكاني .
يشير مصطلح التفكيك إلى نوع خاص من الممارسة في القراءة، وهو من ثم طريقة
في النقد ونموذج من البحث التحليلي. توضح باربارا جونسون في كتابها
الاختلاف النقدي (1981) المصطلح بقولها: ((التفكيك ليس مرادفا للهدم
destruction ، فهو أقرب كثيرا إلى المعنى الأصلي لكلمة تحليل analysis
نفسها، التي تعني اشتقاقيا ((يلغي)) to undo المرادف الفعلي لـ ((يفك))
to deconstruct… إذا كان هناك شيء يدمَّر في القراءة التفكيكية، فهو ليس
النص، بل الادعاء بهيمنة واضحة لنموذج واحد من الدلالة على الآخر.
القراءة التفكيكية هي قراءة تحلِّل تمييز الاختلاف النقدي للنص عن ذات
النص)) .
ربما يمكن وصف التفكيك بشكل أفضل كنظرية في القراءة تدعي تقويض منطق
التعارض داخل النصوص .
أثارت النظرية النقدية في بعض الأحيان نوعا من الهلع والهستيريا دفعتها
إليه التفكيكية منذ بدايتها في سنة 1967.
أصبح التفكيك مصطلحا يضيف علامة تجارية، وقيمة فائضة ((للحداثة)) إلى
مجالات لم يرها من قبل مؤلف ومفكر التفكيك كليا. من الملاحظ أن الكلمة
مشتقة من تفكير فلسفي، ذلك الذي لدريدا، لم يمكث طويلا في الفلسفة، بل هو
نتاجات أسلوبية عائمة، أشياء تافهة، ألعاب إضافية، ومواقف سياسية.
باختصار إن الكلمة التي تهجر ساحلها الأصلي، تدور من الآن في بحر العالم
.
التفكيك كمنهج
اللغة أو النصوص عند دريدا لم تكن انعكاسا طبيعيا للعالم. النص يركب
تفسيرنا للعالم. يعتقد دريدا، متبعا في ذلك هيدجر، إن اللغة تشكلنا:
النصوص تخلق الوضوح الذي نفهمه كواقع. ينظر دريدا إلى تاريخ الفكر الغربي
على أنه مبنيا على ثنائيات: الخير مقابل الشر، العقل مقابل المادة، الرجل
مقابل المرأة، الكلام مقابل الكتابة. تلك الثنائيات محددة بشكل متدرج:
ينظر للمصطلح الثاني كإفساد للأول، والمصطلحات لم تكن ثنائيات متكافئة.
يعتقد دريدا بأن كل نص ينطوي على تركة تلك الفرضيات، وكنتيجة لهذا، فإن
تلك النصوص يمكن أن يعاد تفسيرها عن طريق الوعي بالتراتبيات المضمرة في
اللغة. لا يعتقد دريدا بأننا نستطيع الوصول إلى النقطة النهائية للتفسير،
الحقيقة. بالنسبة لدريدا كل النصوص تعرض اختلافا (difference): فهي تسمح
بتفسيرات مضاعفة. المعنى مشاع diffuse وليس ثابتاsettled. النصية تعطينا
دائما فائض من الإمكانيات، ولذلك لا نستطيع الوقوف خارج النصية محاولين
اكتشاف الموضوعية.
النتيجة الأولى للتفكيك هي إن اليقين في التحليلات النصية يصبح مستحيلا.
ربما هناك تفسيرات متزاحمة، لكن ليس هناك طريقة غير مفسرة يستطيع المرء
أن يقيم من خلالها مشروعية تلك التفسيرات المتزاحمة. وبدلا من ذلك يؤسس
فهمنا الفلسفي على حقائق لا يمكن إنكارها، فالتفكيكي يقلب الصخرة الراسخة
للعقلانية إلى رمال متحركة من التفسيرات المضاعفة.
تفكيك الميتافيزيقا
يبدأ دريدا نقده بإنكار الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شيء ما
خارجه. فهو ينكر أن اللغة منزل الوجود، ومعنى منزل الوجود في نظره الطاقة
على سد الفجوة بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله.
أي أن اللغة لن تصبح أبدا نافذة شفافة على العالم كما هو في حقيقته.
فاللغة كما يقول دريدا نقلا عن سوسير عملية إطلاق أسماء على الأشياء بحيث
ينفرد كل دال بمدلوله، ولكنها تعمل عن طريق التمييز والتفريق بحيث لا
تبرز دلالة الكلمة إلا من خلال علاقتها بالكلمات الأخرى في اللغة
باعتبارها نظاما مستقلا.
وقد لاقت جهود البنيويين الأوائل لبناء علم عام للعلامات (السيميولوجيا)
هجوما وسخرية من قبل دريدا، إذ انتقد بقوة ما زعمه من طموح دعاة البنيوية
إلى اتباع المنهج العلمي، فالعلم في رأيه مثله في ذلك مثل الدين والفلسفة
الميتافيزيقية، يقيم نظامه على ما يسمى بالحضور، ومعناه التسليم بوجود
نظام خارج نطاق اللغة وإطار عملها بحيث يبرر ما تدعيه من الإحالة إلى
الحقائق أو الحقيقة.
ويرى دريدا أن سوسير نفسه أنكر نظرية الإحالة واستبدل بها مبدأ الاختلاف،
لكن كلود ليفي شتراوس، وجان لاكان قد أحالا اللغة نفسها إلى نشاط بنائي
عالمي كامن في عقل الإنسان نفسه، وهو ما اعترض عليه دريدا بشدة قائلا إن
اعتبار اللغة نشاطا بنائيا لا يخضع لسيطرة الذهن الواعي بل يتبع قوانين
اللاوعي، وكانت محاولة شتراوس ولاكان هذه آخر محاولة تقوم بها الفلسفة،
في رأيه، لإرساء ما يسميه بـ ((ميتافيزيقا الحضور)).
ويذهب دريدا إلى أن سوسير أوحى بأسبقية المدلول على الدال، إذ قصر وظيفة
الدال على رمزيته أو قدرته على الإحالة إلى المدلول، مما يؤكد تصور سوسير
أن ثمة مفاهيم حاضرة أي موجودة خارج الألفاظ، وهذا الحضور هو الذي ينعيه
دريدا على مذهب سوسير، إذ إن الحضور يعني أن العلامات ذات قدرة ذاتية أو
أن قيمتها تكمن في قدرتها الكامنة على العمل خارج حدود اللغة، و دريدا
يرفض ذلك أو يضعه قيد الشطب .
ترتبط الميتافيزيقا بالحضور، أي بالمفهوم أو الماهية، وهذا ما يجعلها
مساوقة للاهوت على حد زعم دريدا. وهو ما جعل الكتابة أيضا أمرا ثانويا،
لأنها لا ترتبط مباشرة بالحقيقة أو المعنى إن لم تكن عاملا مشوشا للحقيقة.
فالمفهوم أو الماهية شيء منطوق، سواء بالنطق الظاهري أو بالنطق الداخلي،
ولذلك فالعلامة تمتلك دلالة أو معنى مباشرا ذا ارتباط مباشر بالمدلول.
فحضور المعنى في الذهن يمنح الحقيقة طابع المباشرة. أما إذا حولنا هذه
الدلالات المنطوقة إلى علامات خطية (كتابة)، فإنها تفقد مباشرتها
وراهنيتها فتبتعد عن الحقيقة، أي عن العلامات الذهنية، بمعنى آخر، إذا
كانت تلك العلامات المنطوقة دالاً، تكون الكتابة دال الدال، وهذا ما
يمنحها رتبة ثانوية. وهذا هو السبب أيضا الذي جعل أفلاطون و روسو، و
سوسير وغيرهم من مفكري الغرب يعطوها دوراً ثانوياً، بل إن روسو يعتبرها
شراً.
ماذا يريد دريدا إذن؟ يريد أن يقلب العملية رأسا على عقب، على غرار ما
فعل نيتشة مع نظام القيم، فيجعل من الكتابة أمراً أساسياً على حساب فلسفة
الماهية أو الحضور. وهذا الرفض لفلسفة الماهية مقتبس من الفلسفة
الوجودية. وعلى هذا الأساس يرفض ثبات المعنى. فالكتابة نظام من العلامات
الخطية تتمتع بخاصيتين، الأولى الاختلاف، والثانية التأجيل أو الإرجاء.
ويقصد بالاختلاف عدم انطباق العلامات على معنى محدد، وإنما هي يمكن أن
تأخذ، في داخل أي نص، سلسلة لامتناهية من المعاني المختلفة. أما الإرجاء
أو التأجيل، فيعني إن اقتناص المعنى، عبر الكتابة، يعبر عن عملية مؤجلة
دوما، مثلها مثل الصياد الذي يطارد حوتا تبدو عملية اصطياده مؤجلة.
والإرجاء عكس الحضور، أي إننا حين نعجز عن الإتيان بشيء أو بفكرة فنحن
نشير إليها بكلمة، ومن ثم فنحن نستخدم العلامات مؤقتا ريثما نتمكن من
الوصول إلى الشيء أو الفكرة، وعلى هذا فإن اللغة هي حضور مُرجَأ للأشياء
والمعاني، ولا يمكن إذن افتراض حضورها في وجود اللغة .
إذن التفكيك يلغي المعنى، وتصبح الحقيقة مجرد سراب لا يمكن بلوغه، ألا
يعني ذلك الوقوع في شكّية عدمية مناقضة لكل فلسفة واقعية؟ ألا يعني
الوقوع في مثالية النص الذاتية، وتتحول الفلسفة من رؤية واقعية إلى مجرد
مسألة ذوقية وخيال شعري لا يتقيد بقواعد المنطق، ولا ينتسب إلى قوانين
الواقع؟ الواقع كل ذلك من النتائج المباشرة والحاسمة للتفكيك.
(*)
استاذ الفلسفة المساعد، جامعة ذي قار، العراق.
|
|
|