|
السبت:
26/01/2008
تحدي الحرية الإيجابية/ حوار مع فرنسيس فوكوياما
ترجمة
وإعداد محمد حبيب
NPQ:
لقد فرّق أشعيا في برلين مؤخراً بين الحرية(السلبية) و(الإيجابية. فوصف
الأولى بأنها التحرر من الطغيان والتدخل، والثانية هي «الحرية في أن يفعل
المرء ما يريد في منطقته ـ منطقة عدم التدخل، حرية إدراك الذات». لقد
حاججت في كتابك «نهاية التاريخ»، إن الحرية السلبية، ومنذ نهاية الحرب
الباردة، هي الأكثر قبولاً على صعيد العالم أجمع من حيث المبدأ إن لم يكن
من حيث الممارسة. فقد ازدادت مساحة منطقة المجال الشخصي بشكل كبير حتى في
الصين. لكن الحرية الإيجابية، حرية أن تفعل ما تريد، وفقاً لتعريفها في
عالم مختلف، ليست حرية جامعة. فهناك من يريد أن يلبس الحجاب وآخرون
يريدون الزواج المثلي. ألا ترى أن معظم النزاعات بعد «نهاية التاريخ»
تدور حول الحريات الإيجابية؟
فوكوياما: صحيح.
لقد نجحت معظم الديمقراطيات الليبرالية في تفادي سؤال ماذا تفعل بالحريات
الإيجابية التي تريد تشجيعها لأنها لم تكن تواجه تحديات.
والآن هي تواجه
الأقليات ـ المهاجرين المسلمين في أوروبا، على سبيل المثال، أو الثقافات
الصاعدة في آسيا، تلك الثقافات التي تمتلك حساً قوياً بقيم مجتمعها
الأخلاقية إضافة إلى قيمها غير الليبرالية. لقد أصبحت قضية حية الآن.
ففي أوروبا
خصوصاً، تتلاقى قضيتي الهجرة والهوية مع مسألة أكبر تفاهة وهي ما بعد
الحداثة. كما زاد ظهور النسبية في صعوبة تأكيد القيم الإيجابية وبناءً
عليه مشاركة المعتقدات التي يطلبها الأوروبيون من المهاجرين كشرط
للمواطنة. لقد طورت النخب المابعد حداثوية هويات أرقى مرتبة تقع ماوراء
تلك المحددة بالدين والأمة. لكن وبمعزل عن احتفالهم بالتنوع اللانهائي
والتسامح فإنهم يجدون صعوبة في الاتفاق على جوهر الحياة الكريمة التي
يطمحون إليها عموماً. ولأكون أكثر وضوحاً فقد جادلت في كتاب «نهاية
التاريخ» بأن هيغل كان يمتلك مفهوماً للحرية أكثر إيجابية مما هو عليه
مفهوم الحرية في مصطلحات إدراك الكرامة الإنسانية الأساسية، والمقدرة على
اتخاذ الخيارات الأخلاقية. وهكذا فإن «نهاية التاريخ» بشكل ما يعني بداية
إعادة بناء فكرة أكثر إيجابية وديمومة مما يعنيه العيش في ديمقراطية
ليبرالية.
NPQ:
عندما يدافع المهاجرون عن هويتهم يُدخلون صراعات جديدة إلى المجتمعات
الليبرالية، ثم ألا تعتقد أن إدخال تفاهة مابعد الحداثة الغربية-
النسبية، العلمانية، الإباحية permissiveness،
المادية ـ إلى الثقافات الأخرى عبر وسائل الإعلام والتسلية تولد صدامات
عالمية المدى؟ يأتي المهاجرون إلى هنا، وتذهب وسائل إعلامنا إلى بلادهم.
وأسامة بن لادن، في نهاية المطاف، لم يأت إلى أميركا لكنه عرفها عبر
هوليود. لق شكل تضافر وسائل الإعلام المعولمة معاً المجال الذي يُقَولب
فيه الإدراك ويتم التخلي عن الكرامة. فإذا كانوا هم العملة الجديدة ،
أفليسوا أيضاً أرضية الصراعات الجديدة؟
فوكوياما:
بالتأكيد. لقد كان هذا الموضوع أساس حرب ثقافية جديدة في الولايات
المتحدة. فقد انتقد المثقفون المحافظون ومناصرو الحقوق الدينية هوليود
لأنها قوَّضت القيم الأسرية والصدق. وبشكل من الأشكال تجد أن موقعهم لا
يختلف إطلاقاً عن موقع أسامة بن لادن. فالتفاهة التي تبرزها وسائل
الإعلام الثقافية الأمريكية هي مشكلة قائمة بحد ذاتها.
من الواضح أن
المتطرفين المسلمين لا يقبلون الإطار الأساسي للتسامح الليبرالي الذي تشن
فيه الحروب الثقافية الأمريكية. لكن هناك ارتباط؛ فما نراه اليوم على
المسرح العالمي هو بمعنى من المعاني امتداد للحروب الأمريكية الثقافية
بحد ذاتها.
NPQ:لقد
شنت إدارة بوش بعد حادثة 9/11 حملة «دبلوماسية عامة» قالت فيها، لو فهم
العالم الإسلامي أمريكا لما كرهنا المسلمون. إلا أن هذه الدعاية المابعد
حداثية للثقافة الجماعية كانت موجودة منذ زمن طويل. لكن المشكلة الحقيقية
هي أن المسلمين يفهمون أمريكا. وربما مطلوب من أمريكا أن تكون أكثر
تواضعاً وانتقاداً للذات. فليس كل ثمار الحرية جذابة.
فوكوياما: أعتقد
أن الوجه الأسوأ لأمريكا معروف جيداً في العالم أجمع. فالصورة التي
يحملها العديد من النقاد المسلمين المتطرفين منهم وغير المتطرفين ليست
مغلوطة. كما أن أحد أوهام السياسة الأمريكية بعد 9/11 هو الافتراض بأن
معاداة أمريكا موجودة في العالم ليس بسبب سياساتنا أو الصورة التي نقلتها
هوليود، بل لأنه قد أسيء فهمنا. ذلك دافع مضلل لأنه يعني أننا لسنا
مضطرين أن ننظر داخلنا ونغيّر أنفسنا أو سياساتنا.
من جهة أخرى،
أعتقد أن صورة أمريكا في العالم تختلف من مكان إلى آخر. ففي المناطق التي
نجحت في التحديث يجني حشدنا الثقافي فوائد صرفة لأنهم يرون في الحرية أو
الموسيقا المقدمة في أفلامنا مثلاً أعلى يطمحون إليه. وهذا لا يخلق
استياءً. أما المشكلة الكبيرة التي يمكن أن تواجهها فهي في البلدان التي
تفشل في التحديث؛ إذ ترى فينا تلك الشعوب أرض الأحلام التي لا يستطيعون
الوصول إليها وهذا ما يخلف فيهم الاستياء ومعاداة أمريكا.
NPQ:
يمكن أن نمضي أبعد من ذلك. فالبلدان التي نجحت في التحديث بفعل العولمة،
خصوصاً في آسيا، يتحدثون عن المزيد من الحرية، مزيد من الحراك والرفاهية
الذي يمكن أن يُعزى إلى الطريقة الأمريكية-. وكونهم يفعلون ذلك فهم
يرغبون في أن يشاهدوا على الشاشة قصتهم لا قصة أمريكا. ألا يقلل ذلك،
نسبياً، من قوة ـ أمريكا ـ اللطيفة؟ فوكوياما: نعم. لكن هل هذا هو الأمر
الأسوأ في العالم؟ لقد أعمتنا القوة العارية عن الأشكال الأخرى للقوة
اللطيفة. إن مطربي البوب ونجوم السينما الكوريين مشهورين جداً في اليابان
وأماكن أخرى من شرق آسيا. وتمتلك الصين صناعة سينمائية هائلة. وما وراء
البحار يعاود الصينيون تعلم لغة الماندرين.
يجب ألا نفكر في
عالم القوة اللطيفة هذا بالطريقة نفسها التي نفكر فيها بالقوة العسكرية.
فتوازن القوة الثقافي ليس لعبة محصلتها صفر. إن مشاهدة الصين لمزيدٍ من
أفلامها بدلاً من الأفلام الأمريكية يجب ألا يُعتبر بالضرورة تهديدا
للمصلحة القومية الأمريكية.
NPQ:
أليس مهماً، كما تعتبر الولايات المتحدة دورها في العالم، أن تأخذ في
الحسبان الحقيقة القائلة بأن مضمون ثقافتنا الجماعية يؤثر على العلاقات
الدولية؟
فوكوياما: لا
جدال في أهميته. لكن لا أعرف إن كان من السهل على الثقافة الليبرالية أن
تفعل أي شيء حيال ذلك.حتى إذا افترضت أن هوليود تسيء إلى مصالح أمريكا
السياسية الخارجية فليس باستطاعتك أن توقف تدفق ما تصنعه هوليود إلى
الخارج. كما أنك لا تستطيع أن تمنع جانيت جاكسون من تعرية صدرها في
السوبر بول. ليس باستطاعتك فعل المزيد. هذه مشكلة لكن لا يمكن حلها
بالضرورة عبر السياسة الخارجية. نأمل أن تنجح آلية السوق بطرد الرديء
خارج سوق الأفكار. لكن ليس هناك حتى الآن أية أدلة على حصول هذا.
NPQ:أحد
الأسباب، وهذا مثل اللغز، هو أن المجتمعات العلمانية الليبرالية تواجه،
كما افترضت، صعوبة حقيقية في النهوض ،بالمزايا الإيجابية التي تضع حدوداً
للسلوك الثقافي، مثل أغاني الراب المعادية للزواج، أو الاستنساخ.
فالصدام مع
الإسلام يؤكد هذا الشلل الأخلاقي لأننا نعيش في أزمنة ليست متوازية
تاريخياً. ونتيجة ذلك نشهد هذا التناقض: فقد هرب
Ayaan Hirsi Ali، شارح سبينوزا، من الإيمان
إلى العقل باسم الحرية، ارتد من رحم الإسلام وأصبح «متنوراً أصولياً» ثم
ملحداً. ويجادل هابرماس، أعظم فلاسفة أوروبا العلمانيين الآن، بأن مجتمع
ما بعد الحداثة عاجز عن إنتاج قيمه وبالتالي فهو قادر فقط على إنعاش نفسه
من المصادر الدينية. فالقيم الغربية، بالنسبة إليه، الحرية، الضمير، حقوق
الإنسان- متجذرة في إرثنا المسيحي اليهودي.ووفقاً لهابرماس، فإن «نزع
لجام الذاتية»- النسبية السائدة اليوم، تصطدم اليوم مع «ما هو مطلق- حق
كل مخلوق بأن يحظى بالاحترام لكونه صورة الله». فما الذي تصنعه في هذه
الحركة المزدوجة في التاريخ؟
فوكوياما: لقد
كانت المادة الأساسية لعمل اثنين من أشهر مفكري جامعة شيكاغو- ألان بلوم
مؤلف (إغلاق العقل الأمريكي) وليو شتراوس- كيف استطاعت مجتمعاتنا ما قبل
الدينية أن تنتج قيماً.
لقد سمى شتراوس
هذه المسألة «أزمة الحداثة». والسؤال هو إذا ما كان هناك طريقة لإرساء
القيم عبر التفكير والنقاش الفلسفي بدون العودة إلى الدين. وانصب جداله
الأساسي على أن الفلسفة الحديثة قد رفضت الفلسفة السياسية الكلاسيكية-
الإغريق مع تأكيدهم على «الحق الطبيعي» أو حل شيفرة الطبيعة بالعقل كمصدر
للقيم-حتى قبل أن تنضج. يجب أن نعترف بأن لدينا مشكلتين عميقتين: مشكلة
فلسفية ومشكلة سياسية عملية. وقد تكونان مترابطتين، لكن ليس بالضرورة.
المشكلة الفلسفية
العميقة هي فيما إذا كان بوسعك أن ترد الفلسفة الغربية إلى الوراء من
هايدجر ونيتشه وتقول بأن العقل يسمح بتأسيس قيم إيجابية- بعبارة أخرى أن
تستطيع أن تثبت حقيقة أفكار معيّنة.
المشكلة العملية
هي فيما إذا تستطيع أن تولد مجموعة قيمٍ تخدم سياسياً توحيد الأهداف
السياسية التي تريدها أنت. وهذا أمر معقد لأنك تريد تلك القيم أن تكون
إيجابية وتعني شيئاً ما، لكنك لا تستطيع أيضاً أن تستخدمها كأساس لإقصاء
مجموعات معيّنة في مجتمع. من الممكن أن ننجح في فعل واحدة دون الأخرى.على
سبيل المثال إن أرضية نجاح التجربة السياسية الأمريكية هو أنها خلقت
مجموعة قيم إيجابية شكّلت أساس الهوية القومية لكنها تقبّلت أيضاً أناساً
ليسوا بيض أو مسيحيين، أو لنقل إنهم سلالة تنحدر من مؤسسي الدولة
البروتستانت الأنجلوساكسون. هذه القيم هي مضمون العقيدة الأمريكية-
الإيمان في الفردانية، الإيمان بالعمل كقيمة، الإيمان في حرية الحراك
والسيادة الوطنية.
يسمي صوئيل
هينتغتون هذه القيم «الأنجلوبروتستانتية»، لكنها أصبحت عند هذه النقطة
مسلوخة عن جذورها. يمكن أن تؤمن بها بصرف النظر عن هويتك أو جنسيتك. وهذا
أمر مجدي كحل عملي لمشكلة القيمة الإيجابية.
ما يسحرني في
الأمر هو أن الأوربيين، وبعيداً عن شرب البيرة ولعب كرة القدم الأمريكية،
يجدون صعوبة في تحديد الفضائل التي ينتسبون إليها. في النهاية هذا أمر
يدور حقاً حول الفضائل-ما نوع الناس الذين تعجب بهم في قصصك الشعبية التي
تبني مجتمعك. إلى أي نوع من السلوك تنتسب الكرامة في ثقافتك؟ أعتقد أن
هذا النوع من تحديد الحياة الجيدة تستطيع أن تقرره بدون حل القضية
الفلسفية الأعمق. وما كان يقلق شتراوس في أعماق عقله هو رسوخ حل عملي
كهذا في غياب حل فلسفي حول كيفية الوصول إلى الحقائق.
NPQ:
إن تكن التعريفات الإيجابية للحرية- خيارات الحياة الكريمة- خلافية في
العالم،فلماذا لا نعود إلى نظام مثل الذي ساد في العصور الوسطى حيث كانت
قيم مختلفة تُطبَّق في السلك القضائي وكل منها حسب الفكر الخاص بالدولة؟
فوكوياما: هذا
ليس حل. فنحن نعيش في جاليات قومية كبيرة حيث ينبغي أن نمارس حواراً
ديمقراطياً لطيفاً تداولياً. فأنت لا تستطيع أن تتفدرل في مجتمعات كثيرة
وكلها تعنى بمصلحتها الذاتية. هذا ليس حل وعلى الأخص في عالم كعالمنا
المخترق من قبل هذا الكم الهائل من البشر والمعلومات. وهذا ما يحاوله
الهولنديون، جوهرياً،مع «أساطينهم» في مجموعة في المجتمع. هذه الطريقة من
الحل ليست مجدية أبداً.
NPQ:
المهاجرون المسلمون في أوروبا شديدو التمسك بهويتهم. وللأمريكيين
قانونهم. فلماذا يعاني الأوربيون من هذا الضعف بهويتهم وثقتهم الثقافية؟
فوكوياما: تمتلك
أوروبا تقاليد قومية عميقة. لكن جرى تشويه هذه التقاليد القومية من خلال
الحروب الدموية. وهم يحاولون الآن إقامة «اتحاد أوروبي» لكنه يفتقر إلى
الأهداف القوية. لقد حاول بعضهم أن يعيد إدخال فكرة الإرث المسيحي إلى
الدستور الأوروبي المقترح. فكان موضوعاً جدالياً كبيراً. لم تقبله
المراجع المسيحية، كما أن الشعبين الفرنسي والهولندي رفضوا مسودته
بالمطلق لأنها تتدخل كثيراً بطريقة حياتهم القومية التي تزوي في الأصل.
NPQ:
هل انتهت الآن فكرة روح الشعب volksgeist،
طريقة الحياة المتميّزة للناس المشتركين في الجذور العميقة، في عالم ما
بعد الحداثة مع كل ثقافاتها الهجينة؟ فقانون الإيمان المسيحي الأمريكي هو
حقيقة روح geist بدون
ناس volk.
فوكوياما: لطالما
كانت روح الشعب نوع من الفانتازيا. جون جوتفريد هيردر، الذي وظف الفكرة.
جادل في أن «روح الشعب» كانت إحساساً اجتماعياً قديماً، مادون الوعي.
الهوية الألمانية بحد ذاتها لم توجد فعلاً حتى القرن التاسع عشر. وما لم
يعجبه هو أن هذه الميزات قد بُنِيَت اجتماعياً في جزء منها ثم مُزجت مع
التكوّن الألماني.
روح الشعب هي
مجموعة معايير اجتماعية غير مكتوبة يطمح إليها المجتمع. وكما قلت،فإن
قانون الأمريكي يفتقد «الشعب» بمعنى طريقة الحياة المشتركة بين أعراق
وثقافات مختلفة.
مقابلة محرر مجلة
NPQ ناثان جاردل مع
فرانسيس فوكوياما (مؤلف: ما بعد الحرب الباردة، نهاية التاريخ، والرجل
الأخير).
عن: المدى.
|