الحضارية «دراسات فلسفية»

الاثنين: 25/08/2008

 

العدم المخلّق
أو حوار الأنطولوجيا والعلوم
دراسة في فكرة العدم الإيجابي عند الأب بيير تياردو شاردان

د. عباس حمزة جبر(*)
(خاص للمعهد)

توطئة:
يهدف هذا البحث إلى تبيان واقعة أن في وسع الفكر الديني الانخراط في جدل خلاق جنباً إلى جنب مع النظرية العلمية شريطة أن يكون صاحبه مستعدا للذهاب إلى أبعد مدى في استيعاب المسلمات البحثية التي أتت بها حركة العلوم البحتة منذ عدة قرون. وليس بوسعنا، رغم ما في هذا الهدف من إغراء للباحثين عن الحقائق الكبرى أن نندرج هنا في حوار العلم والدين، بقدر ما نحاول أن نبين أن الإيمان الديني المنفتح، أي ذلك الذي ينبغي عليه أن يتوسط الأشياء ولا يقفز فوقها أو يلغيها قادر على مد الجسور مع جميع الاتجاهات الفكرية المعاصرة. وما اختيارنا لمفكر بارز من وزن تياردو شاردان إلا تصديق عملي لهذا الرأي. لم يكتف هذا الأب اليسوعي بالخوض في المعنى الميتافيزيقي لموضوعة الحياة، وهو المفهوم المركزي في منظومته الفكرية، بل خاض وتوسع في غمار الحقائق العلمية التي تناولت نشوء الحياة وارتقائها. ولم ينجر إلى مقولات عقائدية جاهزة قابلة للدحض أو حتى معرضة للتآكل في أجواء البحث العلمي الحديث، بل كان مأخوذا بما فُتح عليه من علوم تخصصه في علم المتحجرات والجيولوجيا. ومن هنا فلا مناص من التسليم بأن الخطاب الروحي غدا بحاجة اليوم إلى انطلاقة جديدة لكي لا يصبح علماً مندثراً من علوم الأولين، وهو الذي يمتلك على مدى الدهر ذلك اللمعان وتلك الجاذبية. ولكي يتسنى وضع هذا النمط من التفكير في وسط يسمح له بالتعاطي مع السبك الابستيمولوجي، فإن على الخطاب الروحي أن ينفتح بأقصى ما يمكنه ذلك على حقيقة أن الإنسانية سائرة في دروب الكشف عن الحقائق الكبرى، وإنها والحالة هذه مأخوذة سواء بأعضائها العلمانيين أم المتدينين، بالجمال الفذ الذي تنطوي عليه الأشياء وبالتناسق المتصاعد الذي درجت عليه بنى الكون. وإذا كانت مقولتا البحث عن الحقيقة وإدراك الجمال هما سدى ولحمة العقل الذي عشّش على هذا الكوكب فلِمَ القطيعة إذن، ولمَ التفرق في دروب لا تفضي إلى شيء؟ لقد آن لعقلاء العالم أن يدركوا أن مقولة ديموقريطس في الصيرورة المتجددة إنما تجمع كلا الديالكتيكيين المادي والروحي وأن بإمكاننا أن نتصور وجودا قبليا افتراضيا للبيضة والدجاجة، وأن كلتيهما وبدل السؤال عن سبق أيهما الأخرى إنما يتعايشان في لحظة حضور وتحقق دائم، فما بالنا إذن لا نحاول أن ننظر إلى تلكم التخوم الجديدة التي أزالت عنها غبار الزمان والمكان صفوف متراصة من صغرى الحقائق التي تأتينا من عالم المختبرات العلمية؟
ذلك هو المحور الأول الذي أنيط بهذا العمل، أما بعد ذلك فلنا الحق أن نقر بأن المعرفة البشرية، مثلها في ذلك مثل جميع الاشياء التي تحيط بناء، محكومة باتجاهات محددة وهي في نهاية المطاف مجبولة على الانطواء والانضواء في نقاط تجمع خلاقة convergence لأنها وببساطة مبجولة على التوحيد مثلها في ذلك مثل جزيئات الذرة في ذلك الحساء البلازمي الأول الذي خلقت في فورته الأشياء، والتي بفضل زخم الانفجار التخليقي العظيم والفتق الذي أصاب رتق الوحدة الفوضوية الأولى، وجدت نفسها محكومة بقوانين الاتحاد مع بعضها والتزاوج والإنجاب، إنجاب ما يتجاوز ذاتيتها المحضة صوب استيعاب أكبر للوسط أو النقل لكل ما في المشيمة الكونية التي تسبح فيها. إن هذه الجزيئات مجبولة إذن على الارتضاع من الوسط الذي يحتضنها ليتجاوزها هو ذاته نحو وحدة جديدة هي على الدوام نفي للبسيط وتتويج للمعقد وخلق مستمر لأشكالٍ جديدة من الطاقة.. وهكذا نكون قد أشرفنا على طاقة الدماغ وما يحفل به في أسرار.
«..وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا»
1. الكينونة وصيرورتها:
يضطر أي فيلسوف من القدماء أو المحدثين إلى تحديد موقفه من أصل المادة لكي يمكن له بعدها الشروع في بناء شبكة العلاقات الخاصة بمفهومها، وفي عصر العلوم الحديثة تتجذر فكرة المادة باعتبارها امتداداً كوسمولوجيا لتعنى بتحديد ملامحها العلوم البحتة والفلسفة بعد ذلك، وهذا يعني أن ليس في مقدور الفيلسوف، أياً كان مشربه، أن يتخلى عما جاءت به النظريات الفيزيائية والرياضيات المعضدة لها وإلا لسقط في هوة الدوغمائية، ولاستحالت محاولات التفسير لديه إلى دائرة مفرغة هي للعبث واللاجدوى أقرب منها إلى أي شيء آخر. وحتى قدرة الحدس على الإتيان بشيء جديد في هذا المضمار إنما ترتبط بدرجة اقتراب أو ابتعاد صاحب الحدس من تراكم المعارف العلمية، وإلا لتحول عمله إلى اجترار لما جرى عليه الأقدمون، بل سيجد نفسه أقل جدارة من أولئك الذين اقتربت حدوسهم كثيرا مما يقول به العلم الحديث. ولعل في الفلاسفة منذ طاليس ومن جاء بعده، خير مثال على ما نقول، بيد أن هؤلاء وحتى مقدم المتأخرين من أمثال جيوردانو برونو، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مأخوذين بفكرة اللانهائية تلك المصيدة الفلسفية الهائلة؛ ذلك أن اللانهائي هو منقذ وجلاد الفلاسفة بامتياز.
وعلينا قبل الشروع في شرح فكرة العدم القابل للتخليق، مثلما جاء بها الأب تياردو شاردان، أن نسلم ابتداءً بأن الكون، وبفضل التقدم الكبير الذي أحرز في ميدان دراسته، بات يفرض نفسه ككلية ديناميكية، غير أننا يجب أن نحدد فيما إذا كانت هذه الكلية مكتفية بذاتها أم أن تناسقها المنظور يرتضع ويدار من مصدر إلهي؟!
إن قراءة متأنية لنصوص تياردو شاردان تعطينا شعوراً قوياً بأن هنالك كلية كونية تتجاوز مفهوم المادة وتحولاتها.
يقول تياردو شاردان بهذا الصدد؛ إن «الكل يتمظهر ككائن أكبر من مجرد حاصل جمع أجزائه المكونة لكليته الظاهرة».
يأتي مبدأ تحول الكائن إلى كلية قائمة بذاتها من سيطرة فكرة الكلي على ما هو محيط بالإنسان لحظة تفكيره، بيد أنه وللهرب من التشيؤ الحتمي الذي تفرضه الكلية السديمية للكون فإن الكوزمولوجيا تأخذ على عاتقها أثقل مهمة تقوم على ضرورة التعريف بالمتغيرات.
ولكن ومن باب آخر، فإن مشكلة التشيؤ لا تتوقف فقط عند أعتاب هذه الصعوبة في التفكير، ذلك أن المتغيرات والتشابه يمكن أن يختفيا شيئا فشيئا كلما أمعنا النظر في محيط الطاقة الكونية اللامتناهي، هنا يرتد إليك البصر خاسئا وهو حسير! ثم إن من الواضح تماماً أن العلاقات الرابطة ما بين المتغيرات وبين التجربة العلمية-العقلانية تبقى محدودة وضيقة المجال مهما تقدمت العلوم، وتلك خلاصة أولية محبطة ولكنها بناءة لما نريد طرحه بعد الآن.
في الكوزمولوجيا الحديثة يكون مبدأ تكون الكلية Totalisation حاضرا بالضرورة عند معالجة أي إشكالية: يرى البروفيسور رينيه بوارييه بهذا الخصوص، أن علماء الكون «يبنون ترسيماتهم Schemas المجردة والرياضية البحتة بطريقة مكانية وعبر مجموعة متراصة من التجارب، غير أن هذه الترسيمات هي بعينها نوع من إضفاء طابع الكلية على صورة الكون لديهم».
من هنا يتوجب على العالم والفيلسوف أن يستعدا للحظة تصاغ فيها بؤرة فكرية ابستيمولوجية الطابع، يمكنها إلقاء الضوء على جزء من الغيب الذي يلف تاريخ العالم، تلك هي لحظة الانطلاق الأولى لمعرفة أعمق ولرؤية شمولية. إذ يمكن في مثل تلك اللحظة للفكر أن ينسلخ عن ذاته لأنه متجه إلى طريق الواحد عبر المتعدد، وحيث يجري الإقرار بهيمنة المعقد على البسيط والعقل على الإرادة. هنا سيتمتع العقل بثراء أوساط متعددة ولا يبقى حبيس وسط ما مهما كان امتداده، وسيفهم العالِم كيف أن ظهور عنصر الحديد في نجوم الجيل الأول مرتبط بتخليق عناصر مغايرة مثل الكربون وغيره. إنه مروق سريع من الكثرة إلى الاتحاد، ولأن تعقيد المادة الحية عند عالم الكيمياء العضوية إنما يقاس بقدرة خلايا الجسم الجذعية على تخليق أخرى أقل تعقيدا منها هي الخلايا المتخصصة، وهنا سيدرك الفيلسوف من بين كل ذلك أن العلم سائر من العماء المبعثر إلى العقل المنير.
ذلك هو أنموذج، الفهم الذي حدا بعالم المتحجرات بيير تياردو شاردان إلى القول بأن المادة الكونية مجبولة على الكدح طبقا فطبقا حتى بلوغ نقطة التلاقي الكبرى Convergence عند أقدام الكائن الأعلى، فالكون بحسب الأب تياردو شاردان سار في دروب دمج ما هو منظور من متغيرات عناصره وأنواع من الطاقة لا تزال في علم الغيب وبعيدة تماما عن إدراكنا الحاضر، لأننا ومثلما قال فردريك نيتشه محاصرون بسور خلايانا العصبية (السور العصبوني)!
وبهذا فإن منظومة تياردو شاردان الفكرية إنما تضم بعد الآن الإنسان والمادة الهامدة والصيرورة، وهذا الثلاثي منساق إلى درجات متواصلة من التسامي ولأن الكون مأخوذ ومنذ البداية بأنفاس تخليقية دفعته إلى ما هو عليه، فإن بحث العلم كما الفلسفة يتوجب أن يصب على فهم طبيعة هذا التخليق والذي يعود بأصله إلى الواحد الضروري. ومن هنا يأخذ البحث العلمي لدى تياردو طابعه المبارك لأن في أي عمل معرفي مسحة صوفية ولا شك.
ويريد تياردو شاردان من العالم والفيلسوف أن يذهبا كل على طريقته إلى موعد لا يخالفانه هو ذلك الذي يحدده لقاء الأنطولوجيا وروح العلم. ويرى تيارد أن تكوكب الأرض بما فُلق على سطحها من مادة غنية ومن مخلوقات عضوية توجت لاحقا بظهور الدماغ الإنساني، إنما يدل على أن للتطور الكوني غاية كبرى وله وجهة سير على رغم أن هذا التطور كان قد ولد من وهم الحتميات وبتداخل المصادفات، بيد أنه تكلم بعد خلق الأرض بأبجدية بيولوجية تحتم على كل باحث عن سر الكينونة وعلى الفيلسوف، البحث من خلال سياقات هذا التطور عن وحدة الأضداد الصاعدة صوب حقل كوني موحد.
وتقوم قاعدة انطلاق منظومة تياردو شاردان الفكرية هنا على مبدأ أسماه «بالوحدة الخلاقة» Creative Union تلك التي تعطي الأولوية للكينونة أولاً ثم للكينونة الفضلى.
فالمادة بحسب هذا المبدأ مجبولة على التطور حتى بلوغ مرحلة «خلق الوعي»، والوعي هو المحرك الأول لأي كينونة فضلى، ومن هنا فإن للكون قطبين أحدهما سفلي وتمثله بعثرة المادة، والآخر علوي وتمثله الروح، وبينهما محور يمثل الصيرورة المتجهة إلى أعلى درجات التعقيد والالتحام. لم يُعط تياردو شاردان الاولوية للمتعدد، بل أسبغها على الواحد الخلاق الذي يتمركز وسط كل متعدد: «وكما نرى في مثال الجسم الحي فإن الخلايا شديدة التخصص إنما تنتمي إلى المخلوقات الأكثر تطوراً».
وستبدو الكلية الكونية وفق هذا المفهوم التطوري كما لو أن لها أصولا Geneses قديمة ولا شك، ولكنها تعود إلى ما قبل المادة التي نعرفها ذلك أن الكون يعيش على جدل التناسق-اللاتناسق، هو ليس متجانسا بعد، ولم يتمتع حتى هذا اللحظة بهورمونية مطلقة، وهذا يعني أنه لم يخلق مرة واحدة وللأبد بل هو صيرورة متصاعدة صوب أعلى تناغم ممكن، وعلى إيقاع أعقد مادة ممكنة.
ومن هنا فإن الكون ليس بالكائن الأزلي، وفيزياؤه ليس نهائية، لا بل إن ثوابتها مثل سرعة الضوء وثابت بلانك عرضة للتصحيف والتغيير.
ويمكن للقارئ أن يستنتج هنا أن الكون الذي يصفه تياردو يميل إلى الاقتراب في النظرة التوحيدية أكثر مما فيه من عناصر فلسفة الإغريق.. إن كلية سائرة إلى الكينونة، وليس كلية كائنة.
2- تخليق العدم
للعدم المحض في مخيلة المتفلسف جاذبية وإغراء لأنه يعاكس الكينونة ويلغيها، وهو اختراع جاء به العقل الإنساني لغايات متعددة، بيد أنه سريع العطب والتلاشي أمام الحدس الذي ينمو ويزدهر في الكثرة والغنى ونور الوجود، ولذا فليس بمستغرب على عالم مثل الأب بيير تياردو شاردان أن يغادر دائرة العدم المحض ذلك الذي شغل الفلاسفة، إلى عدم من نوع آخر أسماه بالعدم الإيجابي Neant Positif أو العدم القابل للخلق الذي هو ليس إلا افتراض خلق Virtualite أو إمكانية خلق تحت أقدام الكائن الأعلى الذي يقول للشيء كن فيكون.. بيد أن فكرة العدم الايجابي ليست بتلك البساطة التي ذهبت إليها التفسيرات اللاهوتية لفكرة كن فيكون، إنه –أي هذا العدم- مرتبط بحقيقة أن الكون تطوري النزعة قام وسيؤول إلى حالاته المقبلة بفضل الكرم الإلهي الذي فرض على المتعدد أن يحيد وأن يصبح مطاوعا لقوانين التتابع والتفاضل، والعدم القابل للخلق رهين هنا بقابليته على أن يصبح حنيفا فينساق، تماماً مثلما تناسق الكواكب بفعل تحدب الجاذبية، إلى صور الاكتمال والتفرد وبالتالي جمال سحر التفريد وظهور المخلوقات في نور دارة الزمان.
بيد أن الكون وكما ترسمه لنا النظرية الفيزيائية الحديثة عبارة عن نظام متحرك وله بهذا المعنى بداية، وأن كل شيء فيه سائر إلى الاستهلاك والشيخوخة (القانون الثاني للديناميكا الحرارية)، وهذا يعني أن النجوم لم تعد جواهر ربانية تمتنع عن التوالد والفساد كما أراد لها أرسطو.
يقول البروفسور أن. أم. ويلدييه بهذا الصدد: «إن الموضوع الرئيس الذي شغل الأب تياردون شاردان هو إثارة الانتهباه إلى ضرورة أن يتم محو ذاكرة الإنسان القديمة عن الكون، على أن تحل الذاكرة العلمية الحديثة محلها». وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ الكون باعتباره كائنا مطلقاً، وبما يعني أن القضية الفلسفية ستعود إلى مربعها الأول وستبرز حتما مشكلة المبدأ الخالق من جديد. غير أن فلسفة تياردو شاردان تريد التركيز قبل ذلك على الكيفية التي يبدو فيها العالم الظاهري دون حدود يمكن تلمسها تجريبيا، وكيف يمكن الإحاطة بمبدأ الخلق إذا ما تحدبت اللانهائية الممتدة لكي تقدم لنا كوناً محدباً مثلما تخيله اينشتاين. لقد قدم تياردو شاردان المبدأ الخلاق على أنه محرك مبدئي يجعل من الكون استمرارية وجود وديمومة عضوية ومحاطا برعاية ربانية فياضة وتطورية، بمعنى أن هذا المبدأ الخلاق ليس هو من يصنع الأشياء ولكنه يدفع لصنع الأشياء، إنه يحرك الوجود باعتباره مشروع وجود متعدد، أو هو قوة تفكيكية تدخل على رتق المادة الأولية فتفتقه بما يجعل الوحدات البنائية في حالة انبثاق. وهذا الرتق هو في نظر تياردو شاردان ليس غير العدم الإيجابي الذي هو مشروع وجود أكثر منه عدما وأكثر منه وجودا ملموسا، إن وجود سيلمس عما قليل، وفي كل لحظة مثلما يلاحظ البروفيسور غوستاف مارتيليه:
«تتحدث الفيزياء المعاصرة عن وجود أولي للمادة في حالة هياج شديد [قبل الانفجار العظيم] هناك تتصادم جزيئات المادة في بلازما ما قبل المادة مع نظيرتها من المادة المضادة التي تحول دون أي تزاوج محتمل بين الجزيئات وتمنع انبثاق النور وتعرقل تشكّل نوى الذرات، تلك كانت لحظة اللاخلق». ترى هل كان الأمر يتعلق بمشروع كائن ما، ذلك الرتق من العدم القابل للخلق مثلما حدسه تياردو شاردان حتى قبل تأسيس المسارعات الذرية الحديثة التي أوصلت مادة كوننا الحالي، وبعد 14 مليار سنة من تطوره، إلى تلك اللحظة الهلامية؟
يبدو أن الأجواء الصوفية التي صاغ فيها تياردو شاردان فكرته عن العدم المخلّق توحي بأن الكاتب أراد بالتحديد الإشارة إلى الكرم الإلهي، والى امكانية وجود قبل الوجود، والى امكانية تنظيم لوجود مبعثر أو اتجاه نحو الكينونة.
ويؤكد مارتيليه أن العدم الإيجابي شبيه بما تقول به فيزياء الكم عن الفراغ الكمي (الكوانتي)، خاصة وأن تياردو شاردان أراد قبل وضع نظريته في التطور المقاد، بناء أساس فكري صلب يمكن من خلاله تصور أصل محدد للوجود. يقول الأستاذ إميل ريدو في معرض شرحه لهذا الأساس النظري، إن تياردو شاردان «تخيل، وبناءً على المفاهيم العلمية، حالة للمادة تتصف بالبعثرة شبه المطلقة والامتداد الهائل، ولكنه زاوج هذه الرؤية بأفكار عن قوة شديدة الكثافة روحية الطابع أو هي مادة الروح أو روح المادة حتى قبل انبثاقها».
من كل ما سبق ذلكره يمكن استخلاص أن العدم عند تياردو شاردان ليس هو عدم الأفكار أو عدم المنظومات الفلسفية الذي بُني على قضية موهومة من مثل: لماذا يتوجب هنالك وجود شيء ما يدل لا شيء؟ إن العدم الإيجابي الذي يقول به شاردان هو ذلك الذي ينقل الكينونة من الفراغ إلى الامتلاء، ولكنه أيضا ذلك العدم الذي يستجيب لنوازع الفيلسوف الدينية التي لا تسمح للجدة المطلقة أن تكون هي النعت الاساسي للكون. فالفكر الديني الذي يحمله تياردو شاردان يقوم على فكرة الامتلاء الأصيل ما يجعل عملية الابتداء المطلق للخلق من أعقد المشكلات اللاهوتية. وإذا كان الأمر على هذا المنوال يحق لنا أن نتساءل فيما إذا كان هذا العدم الإيجابي هو ناتج من نواتج الكائن المطلق أو أنه يتموضع في نقط وسطى بين الكائن واللاكينونة؟
لا يمتلك هذا العدم هوية الكائن، ولا شيء يمكن أن يميزه عن المخلوق، وهو بعد هذا يتماهى عن أي تحديد إلا إذا عُين على أن متعدد لا شكل له. وهنا بالتحديد يمكن أن يبرز هذا العدم إلى المخيلة العلمية وكأنه دوامة لا حد لها ولا زمان، تدور حول مركز مشع إشعاعا أبديا خالداً.. ويكأن الأمر يتعلق بجوهر فقير غاية الافتقار لدرجة أن تحول إلى مشروع وجود، أو هو عالم «الذر» كما تخيله الفكر الشرقي الصوفي.. لكنه وبكل تأكيد القاعدة التي انطلق منها تطور العالم. إنه إذا وجود منضوٍ مثلما تصوره عالم الفيزياء الكمية ديفيد بوهم، والذي يعود إلى الكائن الضرورة وضع ترسيمة تطوره اللاحق على شكل ذرات وسدم ومجرات وأنظمة شمسية وكواكب ومخلوقات حية ودماغ إنساني ومجتمعات تغذي السير في دروب تطور مستمر.
لاشيء إذا من عدم الفلاسفة في هذا العدم الإيجابي، ذلك أن العدم المحض بحسب تياردو شاردان عبارة عن مفهوم فارغ، فيما يكون العدم الحقيقي هو العدم الفيزيقي أي ذلك الذي يقود للكينونة، هو ذلك الذي تلتقي عند نقطة انطلاقه إمكانات وجود جميع العوالم الممكنة، أو هو المتعدد، المتعدد المحض.
في البدء، يقول تياردو شاردان، كان هنالك، عند قطبي الوجود، الرب والمتعدد، والرب بفيضه وكرمه وبوحدة وجوده وبإرادته التي لا يسبر غورها، أراد للأشياء أن تكون. فبعث اللحمة في المتعدد ثم فتقه، ذلك أن المتعدد مخلوق وبذاته لا يمكنه الوجود، بل هو عدم يمكن تخليقه مثلما يمكن خلق الخلية الجنينية غير المخلقة لتغدو بعد ذلك خلايا مخلّقة متخصصة..
ويرى البروفيسور فيليب دولا ترينيته «إن العدم الخلاق هو في الأصل عدم توحيدي، ذلك أن المتعدد في أصله ليس عدما محضا».
كان هنالك إذن في البدء كون بلا هوية محددة، غير أنه خاضع لاستقبال نفحة روحية لكي تكتمل كينونته ولكي يحظى بكليته. وهنا حدث وما زال يحدث الانفجار التخليقي العظيم.
إن العالم في أصله كلٌّ مصغر أو عالم صغير هو أقرب إلى التغضن البسيط في محيط الطاقة اللامتناهي ولكنه يمتلك مقوماته الفيزيقية، أو هو كائن مشارك يحظى من مولاه الذي سواه بالمعنى الدفين لصيرورة تناسقه.

(*) أكاديمي وباحث بالفلسفة الحديثة- جامعة بواتييه- فرنسا (سابقاً)، استاذ الفلسفة المساعد/ كلية الأداب / جامعة واسط حالياً.