الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الإثنين : 15/06/2009

  

 

كيف حصلت "الثورة العلمية" في أوروبا؟ / 2

 

 

بناصر البعزاتي

 

 

د - تفاعل الأصعدة:

 بناء على الملاحظات السابقة يمكن الإقرار بأن تحولا مهما قد حصل في أوروبا خلال النهضة والفترة التي نقول إنها عرفت ثورة علمية. بيد أنه واضح أنه لا يمكن الحسم في مسألة بداية ذلك التحول وانتهائه. لهذا يتردد الدارسون المتأخرون في تعيين تاريخ بالضبط لبداية الحقب التاريخية ونهايتها.

فيمكن أن نعتبر أن التحول المفهومي في العلم حصل ما بين سنة 1609، وهي سنة الكشوفات الجديدة حول سقوط الأجسام على يد كاليلي وحركة المريخ على يد كبلر، وسنة 1638، حيث اكتملت أعمالهما ونشرت بالإضافة إلى كشوفات هارفي البيولوجية وديكارت الجبرية. ويمكن اعتبار أن التحول المفهومي الجريء قد حصل ما بين سنة 1597 وسنة 1650 بالنظر إلى أن الإنجازات المشار إليها تمت بعد تهييء وعمل منهجيين في إطار برامج علمية واضحة المعالم. ويمكن القول إن التحول حصل ما بين سنة 1543، وهو تاريخ صدور مؤلف كوبرنيك المجدد وسنة 1687، وهو تاريخ صدور مؤلف نيوتن الذي يتوج إنجازات السابقين وينشئ بناء متكاملا، وينظمها في نسق منسجم واحد.

ويمكن تعيين فترة تقريبية لذلك التحول بالقول إنه حصل خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. ولا يجب أن نغفل أن كل وجهات النظر الممكنة السابقة تقدم تبريرات لتصورها لا تنقصها الحجج القوية المقتبسة من سيرورة تطور المعارف العلمية. فكتب الن دبس بهذا الصدد، في بداية كتابه: "لم تدرس حقبة بتفصيل أكبر مما درست به [ فترة] الثورة العلمية، لكن حدودها الكرونولوجية لا تزال لغزا". ثم كتب في خاتمة الكتاب: "كانت هناك بالتأكيد ثورة علمية. لكنها، كثورة، كانت عملا طويل المدى. فالتغييرات الهيكلية التي أرخنا لها حصلت على مدى قرون بدل عشرات السنين"(21). فتلاقح المفاهيم وخصوبتها دينامية مسترسلة تحتاج زمنا.

الإقرار بأن التحول المفهومي العلمي حصل ما بين سنتي 1609 و 1638 يركز على التغير في النواة الصلبة للعلم، ويعزلها نوعا ما عن الدينامية المفهومية التي تطورت من عصر كوبرنيك إلى عصر نيوتن. وتتمثل هذه النواة بالأساس في الصياغة الرياضية المناسبة لنتائج التجريب الدقيقة والوصول إلى قوانين مضبوطة في علمي الديناميكا السماوية والديناميكا الفيزيائية. فقد صاغ كبلر قوانين ثلاثة تقدم تفسيرات لدوران بعض الكواكب ومسافتها عن الشمس وعلاقة هذه المسافة بسرعتها؛ كما صاغ كاليلي قانونه في سقوط الأجسام الذي توج جدالا دام أزيد من عشرين قرنا. والقوانين كلها تدعم البناء الفلكي-الكسمولوجي الذي شيده كوبرنيك، مع بعض التعديلات. وكانت عناوين الكتابات معبرة، إذ تعبر عن روح جديدة في التناول: كبلر عنون كتابا له علم الفلك الجديد، وكاليلي عنون كتابا له علمان جديدان، وباكون كتب أطلنتيد الجديدة ثم أركانون الجديد. فليس هذا التصور خاطئا ولا ناقصا إذا كان الغرض هو قياس جدة البناء العلمي الذي يتضمنه كتابا كاليلي وكبلر، بدون الالتفات إلى الجذور التاريخية التي جعلت التجديد ممكنا. غير أن وصف المعارف بوصف الجدة ليس مقصورا على هذه الفترة: فقد عنون تارتاليا كتابا له العلم الجديد سنة 1537،وفيه يتطرق لشكل حركة المدافع حسب طريقة أرخميدس؛ كما عنون ف. باتريزي كتابا له فلسفة جديدة للكون سنة 1591.

والقول إن التحول كان مفهوميا واجتماعيا شاملا ويمتد عبر أجيال كثيرة يأخذ بعين الاعتبار استرسال الجدل والتفاعل بين المجالات الفنية والفلسفية والاجتماعية والعقدية والعلمية؛ فالفعل الفني أو الجدل الفلسفي لا ينفصلان عن المقام الثقافي، ويتفاعلان مع كل مكوناته. وإذا أخذنا الأبعاد المتنوعة لشخصية الفنان الموسوعي آلبرتي مثلا، يمكن إدراك تفاعل الأصعدة المختلفة من النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفني والعلمي. ينتمي ليون بتستا آلبرتي إلى عائلة نشيطة في الميدان الفكري والمعاملات البنكية والمالية والتجارية، وقريبة من العائلات الفاعلة في القرار السياسي في فلورنسا، وقبل أن تبرز شخصيته الفنية كان له تكوين متقدم في الآداب والدبلوماسية، على إثر دراسته في جامعتي بولونيا وبادوا. ولا شك أنه أدرك ملابسات روح التنافس والمغامرة والتجديد التي تسود في عالم الأعمال. وعاشر آلبرتي جل فناني عصره من الجيل السابق ومن جيله هو؛ وجادلهم واستفاد منهم وأفادهم؛ ويمكن اعتبار مؤلفه في فن الرسم ثمرة هذا الجدل. واهتم بعلوم الرياضيات والفلك وقام بملاحظات وصلت إلى علماء الفلك مباشرة أو عن طريق الإخبار غير المباشر. ونجد في هذا المؤلف الصغير منهجا لاستخدام الرياضيات في فن الرسم، كما نجد في مؤلفه في المعمار تحليلات لأدوات البناء وطرق التأليف فيما بينها طبق قواعد هندسية من أجل إنجاز بنية هندسية-معمارية متينة؛ تؤطر كل هذه العمليات نظرة فلسفية جمالية ذات أصول فيثاغورية متطورة نشيطة. لقد جعل آلبرتي من الفلسفة الفيثاغورية الأفلاطونية التي تبناها فلسفة نشيطة تفعل في الواقع الطبيعي، تضفي عليه النماذج العقلية المشيدة بواسطة الأدوات الرياضية، بدل تأمل نماذج مفارقة للعالم الطبيعي. وتمثل شخصية صديقه الفنان توسكانلي شبكة ممثالة من العلاقات المثمرة. وإذا بحثنا في علاقات ليونردو دافنشي وجدنا عالما من التفاعلات بين فن الرسم والأدب والرياضيات والتقنية والنشاط السياسي… لم يكن آلبرتي وليونردو وأولائك الذين عاصروهما علماء يعملون في إطار برامج للبحث العلمي محددة المعالم لفهم وتفسير ظواهر تنتمي إلى مجال تجريبي محصور، مثلما أصبح عليه الأمر مع بينيدتي وستيفن وكبلر وكاليلي. لكنهم قدموا خدمات للفكر العلمي في كل الجوانب؛ لقد كانوا موسوعيين واعين بأسباب العلم ودوره في التقدم، وانشغلوا بما ساد آنذاك من جدل وحوار؛ بالإضافة إلى أن تقليد البحث العلمي كان آنذاك لا يزال يستعيد مكانته المفقودة. إن الانشغال بالواقعية والدعوة إلى التركيز على جزئيات الطبيعة وتناولها بالأدوات الرياضية في الفن يندرج في هذا التهييء المباشر للتحول المهم في المعارف العلمية. غير أن التغير الاجتماعي لم يفتح المجال لتطور العلوم فحسب، بل فتح المجال كذلك لممارسة السحر والشعوذة والمهن المشبوهة، أي لتلك الممارسات التي كانت تحاربها السلطة الدينية الرسمية.

وإذن فإن تطور الأنشطة في الميادين المتنوعة بلور أنوية (جمع نواة) متعددة: نواة صناعية لها منطقها ونظام العلاقات التي تحكمها؛ نواة الجامعات التي تغتني باستمرار عبر الجدل والمقررات المتجددة؛ نواة الأوراش الفنية التي تكون المتعلمين والمبدعين، ومجالس الحركات الأدبية الإنسانية. وتتمتع هذه الأنوية بتنظيم نسقي ذاتي، وفي نفس الوقت يتفاعل مع الأنوية الأخرى ويتبادل معها النفع والفائدة. إنها دينامية المجتمع الذي يفرز مؤسسات واعية بأدوارها لخدمة مصالح من تثملهم. وقد استفاد المهتمون بالعلوم من هذه الدينامية الجديدة، بل ساهموا في نضجها، فوجد الفعل العلمي الجو الذي يحتاجه، أي جو التعدد الفكري والحوار والتنافس. وفي هذا الجو المليء بالمستجدات التي تنتج عن الفاعلية الفنية والتقنية، كان آلبرتي يقول: "يستطيع الناس أن يفعلوا كل شيء إن هم أرادوا". ومثل هذا القول يعبر عن إدراك المفكر الأوروبي آنذاك لدور الفاعلية الفكرية في تحويل المجال الطبيعي وتغيير أحوال المجتمع من أجل نمط للعيش أفضل.

في الربع الثالث من القرن الخامس عشر عزم بورباخ ورجيومنتانوس(22) على تجديد النظرية الفلكية، بعدما تبين لهما أن النظرية البطلمية لا تعبر عن حقيقة أوضاع الأجرام السماوية وحركاتها. وقد استمر الثاني بعد موت الأول، في إنجاز ذلك البرنامج الطموح. اطلع رجيومنتانوس على إغناءات البتاني والفرغاني وجابر بن أفلح لفلك بطليموس؛ وربما اطلع على تعديلات مؤيد الدين العرضي ونصير الدين الطوسي ومدرستهما في علم الفلك القائم، وقد كانت متقدمة جدا مقارنة مع فلك القرن الخامس عشر الأوروبي. وكان متضلعا في اللغة اليونانية وصديقا للكردينال بيساريون، واحدا من أبرز منظري التنمية الفكرية النهضوية. وقد قال رجيومنتانوس إنه سيصلح أحوال السماء بينما يتكفل بيساريون بإصلاح أحوال الأرض (بمحاربة الأتراك). لكن الكردينال بيساريون لم ينظم غزو الأتراك العثمانيين؛ ورجيومنتانوس لم يصلح النظرية الفلكية، إذ فاجأه الموت وهو في بداية عمله(23).

إن ما أدركه رجيومنتانوس من عيوب التصور البطلمي، على إثر اطلاعه على تراكم الانتقادات لذلك التصور منذ قرون، يعبر عن وعي بمهمة البحث عن طريق الملاحظة والفحص المفهومي والمنهجي الرياضي للبناء الكسمولوجي القائم. لكنه إدراك لم يكن إلا في بداياته الجنينية. وقد واضب برنار فالتر خلال سنوات طويلة على إجراء ملاحظات فلكية دقيقة، وكان على علم ببرنامج رجيومنتانوس، لكنه لم يكن يهتم كثيرا بملابسات النشاط النظري(24). فأصبح الطريق معبدا لمراجعة ذلك البناء في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن اللاحق. إن جل المهتمين بعلم الفلك حوالي سنة 1500م. اصبحوا واعين بضرورة إعادة النظر في أسس النظرية الفلكية القائمة بكيفية جذرية. وكما كتبت ماري بواس: "لفلكيي القرن الخامس عشر الفضل في إدراك أن علم الفلك كان مقبلا على التغيير، رغم أنهم لم يستطيعوا أن يدركوا الاتجاه الذي يسير فيه التغيير"(25). بل إن الفضل يعود إلى مجهودات أجيال من الفاحصين، ولم يصبح ذلك الإدراك ناضجا حتى السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر. وكوبرنيك هو الذي قدم المراجعة التي مست البناء الكسمولوجي-الفلكي في الصميم، حيث وضع الأصبع على عيوبه، منذ العقد الثاني من القرن اللاحق، وصب ذلك في مؤلفه المشهور الذي صدر سنة 1543.

من الصعب إصدار تقييم دقيق لمكانة كوبرنيك في تاريخ النظرية الفلكية. بيد أن أغلب الدارسين يعتبرون أن التطور اللاحق الذي كان لكتابه المشهور كان أهم من مضمون الكتاب ذاته؛ لأن "النسق الكوبرنيكي يشكل تغييرا للنظرية التقليدية [نظرية بطليموس ] بدلا من أن يكون انفصالا ثوريا على الأفكار الفلكية السابقة"(26). ففي هذا التقدير لم يأت كوبرنيك بمعارف جديدة حول العالم، ما دام نسقه يؤول النظرية السابقة، غوص تأسيس نسقه على أدلة جديدة… (ولن نعلق هنا على هذا التقييم رغم مبالغته البينة، وسنتطرق له في دراسة نقدية خاصة).

في الوقت الذي كان كوبرنيك يراجع البناء الفلكي، كان آخرون يراجعون مبادئ العلوم الأخرى. فهذا أندرياس فيساليوس يراجع علم التشريح(27)؛ وهذا ن.ترتاليا يجتهد في بعض قضايا الميكانيكا(28)… لا تهمنا، في هذا العرض، التفاصيل المتعلقة بدرجة الجدة والتجديد في هذه الكتابات؛ لأن ذلك يحتاج إلى تحليل لسنا بصدده الآن. لكنه واضح أن وقعها لدى المعاصرين كان مهما لما أثارته من إقبال على البحث الدقيق ونقاش حول السبل المنهجية الموصلة إلى المعرفة العلمية. بل إن هذه الكتابات المجددة قد تمت في سياق مناقشات حول مكانة أعمال أرسطرخس وبطليموس والبطروجي والبتاني وغيرهم في الفلك، ومكانة أعمال أبوقراط وجالينوس وابن سينا والرازي وغيرهم في التشريح، ومكانة أعمال آرسطو وآرخميدس والخازني ومؤلف "مسائل الميكانيكا" (الذي كان ينسب لأرسطو آنذاك) في الفيزياء، ومكانة أعمال أقليدس وبطليموس وابن الهيثم والفارسي وغيرهم في علم البصريات…

ففي أواسط القرن السادس عشر استوعب الدارسون علوم الفلك والبصريات والستاتيكا والتشريح، التي ورثوها عن الأولين، ولم يتجاوزوها كثيرا. بيد أن ذلك الاستيعاب قد تم في شروط اجتماعية واقتصادية وفلسفية وسياسية جديدة. لقد أصبحت كروية الأرض حقيقة معاشة في الحياة اليومية، ولم تبق نظرية مجردة في عقول قلة من المفكرين. ووضع الخرائط وظروف الإبحار تغيرت بصورة جدية؛ وأدوات القياس والبوصلة والإسطرلاب والعجلة ثم التلسكوب والميكروسكوب أصبحت تلعب دورا متزايدا في ضبط المعارف ومراجعتها وتقنينها. وتطور الفنون والتقنيات قدم للفهمنة العلمية أساليب بناء المكان الهندسي الأقليدي الذي تتوقف عليه بلورة الظواهر وتناولها رياضيا. وقد كتب جان فرنل سنة 1545: "لقد أبحر حول العالم، واكتشفت أوسع القارات، واخترعت البوصلة؛ وفنون الطباعة زرعت المعرفة؛ وغير البارود فنون الحرب جذريا، وأنقذت المخطوطات القديمة وأصلح التعليم؛ كل شيء يشهد على انتصار عصرنا الجديد"(29). على أن التحول المفهومي العلمي لم يكن حصيلة هذه العوامل المذكورة هنا فقط، بل ساهم في ذلك كذلك الجدل الفلسفي والثورة الفنية والقيم الجديدة التي تلازمت مع تغير نمط النشاط الاقتصادي وتغير نسيج القيم الاجتماعية. ثم إن جل تلك العوامل المذكورة قد عرفت من قبل لدى مجموعات ثقافية أخرى؛ فتطورت ببطء إلى أن وجدت هذه البيئة الجديدة. فبخصوص الفن كتب وايتمن: "إذ كان الآن مقبولا القول بأن دفعة قوية وجديدة نحو الفكر العلمي الحديث قد تطورت في أحضان حلقة الفنانين في فلورنسا قبل أن يعبر عنها آلبرتي، فإن المسألة تكمن في ما إذا كانت تلك الدفعة هي العنصر الوحيد"(30). وكذلك كتب جيورجيو دي سنتيانا في نفس الموضوع: "[…] وضع فن الرسم في القرن الخامس عشر الإنسان داخل العالم، أي العالم الواقعي كما تشخصه القوانين الفيزيائية بالضبط، وأقر هذا الفن النظرة الطبيعية ضد الرمزية الوسيطية، وبذلك خلق المسلمات الطبيعية للعلم"(31). لقد شكلت الفنون حافزا أساسيا، بجانب حوافز أخرى، على اتساع الأفق لدى الإنسان الأوربي؛ وتطورت عنده القدرات الإدراكية، وتخلصت العقول نسبيا من سلطة المعارف الساذجة والأحكام الجاهزة، وصارت تطمح إلى الابتكار والاكتشاف. لذا تبلور اهتمام بالجدل بكونه منطقا إجرائيا، عوض الاكتفاء بأشكال القياس الصوري. كما اهتم المفكرون بخصوبة الخطابة من الزاوية المعرفية. ليس هذا الاهتمام النقدي جديدا، لكن تفاعله مع التجديد في الميادين المختلفة كان مثمرا بشكل بارز. كما كتب شيفولتي: "المسائل العلمية ميدان ممتاز للتطبيق بالنسبة لفن الخطابة، الذي يقيم القوانين التي يجب، إذن، أن تخضع لها"(32) فقد تطور الجدال بين التوجه الإسماني والتوجه الأفلاطوني في موضوع المفاهيم الكلية واكتساب المعرفة؛ وتركز الاهتمام على كتابات كيكرون وكونتليان بجانب أرسطو وأفلاطون، من أجل التمكن من آليات الاستدلال والبناء والحوار والإقناع.

هـ - تقليد البحث العلمي:

تفاعلت عناصر الدينامية الفكرية النهضوية وعناصر السيرورة الاجتماعية البرجوازية وشكلت التحول الشامل الذي نحن بصدده، وأثمرت ما يسمى "الثورة العلمية". فقد استوعب علماء القرن السادس عشر تلك النواة العلمية الصلبة التي تطورت ببطء وعلى مدى قرون كثيرة في مختلف العلوم.

 إذ تجمعت إنجازات قرون كثيرة في لحظة تاريخية محددة، وأصبح عدد الباحثين أكبر من مجموع عدد علماء الماضي. وتكثف التواصل والجدل والتنافس بين الدارسين، كما اقتنعوا بالفائدة العملية للعلم. وهكذا انبعث تقليد البحث العلمي شيئا فشيئا في المراكز الحضرية الأوروبية؛ ذلك التقليد الذي تعود جذوره إلى التقليد الأودكسي-الأرخميدي في البحث التجريبي والصياغة الرياضية. ولم يكن ذلك التقليد مذهبا كاملا من القواعد والتعليمات لممارسة البحث، بل كان مجموعة من الخطوات والإجراءات العملية تستضيء بالدقة الرياضية وتبلور مجالاتها عن طريق الفحص التجريبي الواعي، في إطار برنامج محدد لفهم ظواهر معينة بدل الغوص في التخمينات الميتافيزيقية البعيدة. فكان لا بد أن يتطور تقليد البحث العلمي ذلك على ضوء المستجدات التي يكشف عنها التنقيب، ويشحذ أدواته ويدقق آلياته. وفعلا فقد تطور لدى ابن الهيثم والبيروني والطوسي وغيرهم، نظريا وعمليا، قبل أن يكتشفه مفكرو النهضة الأوروبية خلال القرن الثالث عشر. غير أن الظروف الجديدة -تمفصل العلوم مع الجدل الفلسفي والفنون والتقنيات ونمط الإنتاج الجديد- قد أعطت لذلك التقليد وزنا مهما لم يجده في مجتمع أولائك السابقين.

لقد اغتنى النشاط التجريبي في القرن السادس عشر، وأصبح يتبنى طريقة التعبير التكميمي عن نتائج التجارب التي تجرى مجهزة بآلات مستحدثة. فالعاملون في إطار برامج لفهم وتفسير ظواهر محددة أدركوا أن لا فائدة للتحجر في نسق أفلاطون ولا نسق أرسطو، وأن التناول العلمي يقتضي مواصلة تتبع الملاحظة لتدقيق الأحوال المختلفة للوقائع المدروسة. لقد أصبحت سلطة التجريب أهم من سلطة المعلمين السابقين. ونجد تعبيرا عن هذه الفكرة لدى بعضهم كما نجد ممارسة لذلك. فقد كتب فنسنزو كاليلي (أب كاليلي الفيزيائي): "أتمنى أن أشير إلى رأيين خاطئين اقتنع بهما الناس عن طريق كتابات مختلفة، وأخذت بهما أنا كذلك، إلى أن تيقنت من الحقيقة بواسطة التجريب، التجريب معلم كل شيء"(33) وقبله ألح ليونردو دافنشي على الاستناد إلى التجربة "المعلمة الحقيقية"، وأن "الحكمة بنت التجربة"؛ كما ألح على أن لا علم بدون رياضيات؛ إذ "الميكانيكا جنة علم الرياضيات، لأنه بواسطتها يجني المرء ثمار الرياضيات"(34). بل إن كل الدارسين تقريبا فكروا بتلك الطريقة آنذاك.

مبدءان أصبحا يترددان على جل الألسنة: التعلم من التجريب بدل الكتب، واعتماد سبل الصياغة الرياضية للوقائع. ولهذا نجد علماء هذه الفترة يرددون عبارات من قبيل "الرياضيات المطبقة" و"الميكانيكا الرياضية" و"العلوم المختلطة" (أي التي تمزج بين الرياضيات والتجريب العملي)… ولهذا نجد الأفلاطوني يهتم بالتجريب، ونجد الأرسطي يهتم بالتناول الرياضي. فلم يكن ممكنا أن يظل الدارس النهضوي منغلقا في أحكام غير منتجة؛ لذلك ساد النقاش والتنافس بين الدارسين، بدل الاتباع والتقليد. وكما أن البحث الفلكي سار في خط واضح من رجيومنتانوس -فالتر إلى كبلر عبر كوبرنيك وريتيكوس ومستلان وآخرين، فإن البحث في الميكانيكا سار في خط واضح من ترتاليا إلى كاليلي عبر بينيدتي وكيدوبالدو وآخرين؛ وكذلك سار البحث في التشريح في خط واضح من فيساليوس إلى هارفي عبر آخرين…

كان هناك شبه إجماع بأن العلم لن يتقدم إلا عن طريق المزاوجة بين التجريب وبين الصياغة الرياضية. لكن المسألة الجوهرية تكمن في كيفية التعبير عن ظواهر العالم العيانية بواسطة المعادلات الرياضية. فالوقائع العيانية نطلع عليها بالإدراك،بينما الاستدلال الرياضي إنشاء عقلي؛ وإيجاد الصيغ المناسبة للتأليف بين القطبين يحتاج إلى محاولات وتعديلات وإعادات سبك متلاحقة. ولهذا نشط التفكير الإبستملوجي والمنطقي حول أسباب بناء المعرفة. اتخذ هذا التفكير وجهين، الأول حول المنهج، والثاني حول المضمون المعرفي.

1 - شكلت مسألة المنهج موضوعا مركزيا في المناقشات خلال القرن السادس عشر. فتطورت أفكار حول قواعد المنطق ومدى فعاليتها في إنتاج المعرفة العلمية؛ وكثرت الآراء في ذلك. فانتقد البعض المنطق الأرسطي ورفضه (مثل بتروس راموس)، ودعا آخرون إلى الجمع بين الاستنباط والاستقراء (مثل زابارلا)(35). وقد كان كتاب التحليلات الثانية لأرسطو في مركز المناقشات. تبين للكثير أن قواعد المنطق الصوري ليست بالضرورة مجدية في الممارسة الفعلية للعلم التجريبي. لهذا تطور رأي يدعو إلى التمييز بين "المنطق كما يعلم" و"المنطق كما يمارس"…(36).

2 - انصب الاهتمام حول مسألة حركة الأجسام؛ فدرست في علاقاتها بالكثافة ومقاومة الوسط والمسافة والزمن. كثير من العلماء انكبوا على دراسة سقوط الأجسام، ومن أبرز الذين هيأوا الطريق لكاليلي دومنكو دي سوتو الذي وجد أن تسارع الجسم متناسب مع الزمن المستغرق. فصنف الحركة إلى منتظمة ومتغيرة ومنتظمة التغير، تغيرا متزايدا وتغيرا متناقضا… غير أن هذا لم يكن يملك كفاءة كاليلي التجريبية ولا توظيفه للترسانة الرياضية في ذلك. وقد تكون كاليليو كاليلي في هذا الجو الغني بالأفكار والبرامج؛ فلا نجد حرجا من القول إن عمله تتويج لمجهود أجيال من العلماء؛ دون أن ينقص ذلك شيئا من كونه مؤسس علم الديناميكا الحديث الذي بقي ينتظر الإجراءات المنهجية المناسبة منذ زمن أرسطو.

لعل إنجاز كاليلي في أوائل القرن السابع عشر في الديناميكا استرعى أكبر قدر من الاهتمام. إن كاليلي مؤسسة علمية كان يلتقي عندها كثير من الباحثين؛ وتجديده أمر لا يمكن إنكاره. بيد أنه لا يمكن اجتثاثه من تقليد البحث العلمي الذي ذكرناه. ولا نجد أي حرج في نسبته إلى التقليد الأودكسي-الأرخميدي. فهذا التقليد لا يشكل مذهبا منغلقا؛ والذين نشطوا تحت مظلته انفتحوا على المذاهب الفلسفية المختلفة وناقشوا تعاليمها بمرونة البحث الواعي ببرامجه المعرفية المحددة. لقد كان كاليلي متفتحا على فلسفتي أفلاطون وأرسطو وغيرهما، لكنه ظل مستضيئا بالمنهج الأرخميدي الذي اغتنى من خبرة علماء كثيرين. كتب روز ودراك: "العنصر الأرسطي في ميكانيكا كاليلي الناضجة أهم مما يعترف به عادة"(37). يجب في نظرنا فهم هذا الإقرار كرد على الذين جعلوا كاليلي أفلاطونيا معاديا لأرسطو. ثم إن أرسطوgp ألح الحاضر لدى كاليلي أكثر هو الكتاب مسائل ميكانيكية الذي كان ينسب إليه آنذاك، والذي ينسب حاليا لسطراطون لامبساك. وقد عرف كيف ينشئ تأليفا بين التوجهات المختلفة وأن يوجهها لخدمة برنامجه في الفيزياء والفلك. أما السمة الغالبة على توجه النشاط المفهومي لدى كاليلي هو أخذه بسبل تقليد البحث العلمي ذي الأصل الأودكسي-الأرخميدي.

اكتسبت المؤلفات التي تنتمي إلى تقليد البحث ذي الأصل الأودكسي-الأرخميدي أهمية أكبر من المؤلفات الأخرى لدى دارسي القرن السادس عشر. فقد نشر ترتاليا مؤلفات أرخميدس وأقليدس سنة 1543، وهي السنة التي ظهر فيها كتابا كوبرنيك وفيساليوس، كما نشرت مؤلفات هيرون وبابوس قبيل وبعيد هذا التاريخ. لقد كانت في إيطاليا مثلا مجموعات من الباحثين، يمكن تصنيفها في توجهين: توجه من كانوا في الشمال، ترتاليا وكردانو وبينيدتي(38)، وكانوا يهتمون بالجوانب التطبيقية للميكانيكا؛ وتوجه من كانوا في الوسط، كماندينو وكيدو أو بالدو وبالدي(39)، وكانوا يهتمون بالتطبيق الصارم للرياضيات في الميكانيكا. وكلا التوجهين يركزان على بعث تقليد أرخميدس المثمر دائما في الميكانيكا التطبيقية والرياضيات الخالصة؛ وقد التقى التوجهان في فكر كاليلي(40). كتب س.دراك: "لقد كان التقليد الأرخميدي بالتأكيد أساسيا بالنسبة لميكانيكا كاليلي، لكن التقليد الأرسطي كان كذلك أساسيا له"؛ "يبدو أن التركيب الأخير كان ينتظر شخصا من الجامعة، عارفا بالتقليدين الأرخميدي والأرسطي ومعتبرا إياهما مهمين، ويمتلك معرفة بالتقاليد الفلسفية والتكنولوجية للميكانيكا. وكان كاليلي ذلك الشخص، إذ نبهه أساتذته ورؤساؤه من جوانب مختلفة إلى مصادر متنوعة لعلم جديد"(41).. وكتب و.والاس، مؤكدا على تأثر كاليلي بمنهجية البحث لدى آرخميدس منذ كتاباته الأولى: "كل هذه ترينا اهتماما واضحا من قبل كاليلي بالمبادئ والمناهج المستخدمة في العلم الأرخميدي"(42). بل إن كاليلي في بداية نشاطه العلمي اهتم بنفس المسائل التي اهتم بها أرخميدس، واقتنع بأن منهج العمل المثمر هو الذي يسير في خطى الاستدلال الأرخميدي. وسرعان ما أوجد حلولا لنفس تلك المسائل تبرز فيها شخصية كاليلي شيئا فشيئا؛ إلى أن أوجد حلولا غير موجودة في كتابات أرخميدس (مثل حل مسألة سقوط الأجسام وكشفه عن وجه القمر وأقمار المشتري). وفي نفس الاتجاه كتب ر.وستفال: "كتاب في الحركة [من المؤلفات المبكرة لكاليلي ] يكشف عن كون كاليلي قد ابتدأ طريقه كمنخرط في مدرسة القوة الدافعة في المياكينكا […] ثم أضاف إلى مفهوم القوة الدافعة تأثير أرخميدس، حيث وجد طريقا لتأويل القوة الدافعة في لغة ستاتيكا السوائل، وحاول بواسطة ذلك بناء ديناميكا كمية مضبوطة لإكمال ستاتيكا ارخميدس"(43). فإذن يحق اعتبار برنامج كاليلي أو برامجه التي غيرت علم الديناميكا جذريا، حصيلة تطور تقليد البحث العلمي المذكور في علوم الفيزياء. وعلماء القرن الرابع عشر لم يبتعدوا عن التقليد الأودكسي-الأرخميدي؛ بالإضافة إلى أن هذا التقليد والتقليد الأرسطي وإنجازات القرن الرابع عشر قد تطورت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر في جامعات أوروبية كثيرة قبل أن يستفيد منها كاليلي. كما أن برنامج كبلر الذي أرسى البناء الفلكي-الكسمولوجي على الملاحظة الدقيقة (التي ورثها عن تيكو براهي) والصياغة الرياضية المناسبة حصيلة تطور نفس تقليد البحث. بيد أن برنامج كبلر يختلف عن برنامج كاليلي نظرا لاختلاف الميادين واختلاف الإرث الثقافي لدى العالمين. ولا يخفى أنه متى تغير علم من العلوم استفادت العلوم الأخرى عاجلا أو آجلا؛ بيد أنها لا تتطور بنفس الوتيرة نظرا لاختلاف المجالات التجريبية والأدوات التقنية وكذلك اختلاف الحساسيات الثقافية والعقدية التي تصطدم بها.

مسألة اختلاف وتيرة التطور فيما بين العلوم أقل حدة من الاختلاف بين الفنون والفلسفة والعلوم. فإذا كان التحول المهم في الفنون التشكيلية قد حصل خلال القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر، فإن التحول في الموسيقى حصل في أواخر القرن السادس عشر والسابع عشر. ولا يتناقض هذا الإقرار مع القول بأن التحول الذي حصل في أوروبا كان شاملا، أي أنه مس جميع مرافق الحياة. فوزن المشاكل التي يعمل الباحث أو الفنان أو الفيلسوف على حلها لا تكون من نفس الطينة هنا وهناك. إذ يعتبر إنجاز كاليلي حدثا بارزا في تاريخ الفيزياء لأنه أوجد قانونا علميا لمسألة أزعجت العقول طوال عشرين قرنا. وكان القانون حلقة في شبكة من العلاقات المفاهيمية شكلت فيما بعد نسقا متكاملا. ولهذا نفهم الفارق بين تطور علمي الديناميكا والستاتيكا؛ فالأول لم يعرف تطورا يذكر منذ أرسطو؛ بل لا تعتبر أفكار أرسطو منطلقا لإنجاز كاليلي؛ ولم يتطرق أرخميدس لمسائل ديناميكية. بينما لم يعرف علم الستاتيكا هزة مماثلة للهزة التي أحدثها كاليلي منذ أرخميدس، رغم أن الستاتيكا عرف تطورا لا يستهان به، لكن هذا التطور كان بمثابة إضافات إلى البناء القائم منذ أرخميدس. فوصل الستاتيكا درجة ممتازة من الدقة على يد معاصر كاليلي وكبلر، سيمون ستيفن(44). ولم يعرف علم البصريات المقاومة (من قبل المعتقد الديني وبادئ الرأي والملاحظة العفوية) التي عرفها علم الفلك… ولهذا لا تتطور كل العلوم بنفس السرعة، ولا يكون لها نفس الإيقاع على الأذهان. أما الصدى الذي تركه كاليلي في التاريخ فإنه يرجع بالأساس إلى عمله في علم الفلك الذي قدم فيه وقائع وأدلة تدعم التصور الكوبرنيكي الذي يعارض التصورات الدينية والآراء العامة التي رسخها تراكم الملاحظات الساذجة. لهذا يعرف كاليلي لدى العموم كعالم أدت به أفكاره الفلكية إلى المحكمة أكثر من كاليلي الفيزيائي. وإذن فللعلوم خصوصيات مفهومية من حيث ارتباطاتها بالمقام ودرجة توقفها على التجهيزات.

يجرنا الحديث عن هذا الاختلاف بين الميادين المختلفة إلى اختلاف التطور لدى الحضارات المتغايرة. وأول ملاحظة في هذا الشأن أنه لم يحصل مثيل للتحول المفهومي الذي نحن بصدده في أية حضارة أخرى. وإذن فإن ما اصطلح على تسميته بالثورة العلمية يتمثل في التحول المفهومي الذي حصل خلال قرنين في أوروبا. فكان أن العالم الذي عرفه الإنسان في أواخر القرن السابع عشر يختلف كثيرا عن العالم الذي عاش فيه أجداده في أوائل القرن السادس عشر. والكائنات التي تعرف عليها بالبحث، وعلاقاتها وأبعادها وأحجامها غير التي تعود عليها أجداده. إذ تبلورت عناصر العالم الجديد على إثر انتقاد مكونات العالم القديم؛ غير أن عناصر العالم الجديد قد تبلورت تدريجيا على مدى قرون طويلة ساهمت فيها حضارات متعددة. ولهذا تبدو المقارنة بين سير الحضارات المختلفة مقبولة جدا من أجل فهم الشروط التي تحكمت في نمو الأفكار وفهم عناصر الدفع إلى التجديد والابتكار.

فما نسميه "ثورة علمية" يعبر عن سيرورة شاملة تندمج فيها تحولات اقتصادية متمثلة في بزوغ نمط اقتصادي جديد، تفعل فيه فئات مجتمعيةمتوسطة صاعدة تحمل طموحات مستقبلية بدل النظر إلى الماضي كمثال لتقعيد الممارسات. هذا التحول الاقتصادي-المجتمعي يتصل بتحول في سبل التواصل وإنتاج المعارف ويتمثل في تقنيات إنتاج وتوزيع الكتاب والتعبير بالخريطة والرسم والجدول؛ كما يتصل بتحول الإدراك الذي نتج عن ممارسة الفنون التشكيلية والموسيقى والتقنية والرحلات؛ مما نقل ذهنية الفاعلين فيها من التقديرات التقريبية التلقائية إلى ذهنية تنضبط للقياس واستعمال أدوات توخيا للدقة. وإذا كان بعض الدارسين قد طرح السؤال: لماذا لم تحصل الثورة العلمية في الصين؟(45) فإنه يمكن طرح السؤال: لماذا لم تحصل الثورة العلمية-أو التحول المفهومي الذي يعبر عنه المفهوم - في العالم الإسلامي؟

 

 


 

الهوامش:

 ......................... 

21 - Allen G. Debus, Man and Nature in the Renaissance, Cambridge University Pr., 1978, p. ix: “No period in scientific history has been studied in greater detail than the Scientific Revolution and yet it remains an enigma even as to its chronological limits”. & p. 140. “There surely was a Scientific Revolution. But as a revolution it was a long-term affair. The monumental changes we have chronicled took place over a period of centuries rather than decades”.

 

22 - Georg Peurbach (1423-61) & Johannes Müller (Regiomontanus (1436-76) ).

 

23 - Noel M. Swerdlow, "Regiomontanus on the critical problems of Astronomy", in T. H. Levere & W. R. Shea (eds.), Nature, Experiment, and the Sciences, pp. 165-195, Kluwer A.P., 1990, pp. 174, 188, 190.

 

24 - D. de B. PEAVER, "Bernard Walther: Innovator in Astronomical Observation", Journal of the History of Astronomy, 1, 1970, pp. 39-43.

 

25 - Marie Boas, The Scientific Renaissance 1450-1630, New York: Harper & Row, 1962, p. 49: “Fifteenth-century astronomers to their credit saw that astronomy would change, though they could not see in what direction".

 

26 - P.M. Harman, The Scientific Revolution, London & New York: Methuen, 1983, p. 14.

 

27 - Andreas Vesalius (1514-64): De Humani Corporis Fabrica (1543).

 

28 - Niccolo Tartaglia (1500-57): Nova Scientia (1537), Questi et inventioni diverse (1546).

 

29 - Jean Fernal, in Marie Boas, The Scientific Renaissance 1450-1630, p. 17.

 

30 - W.P.D. Wightman, Science in a Renaissance Society, London: Hutchinson U.L., 1972, p.21: “If it now be granted that a new and powerful impetus toward modern scientific thought had developed within the circle of artists in florence even before Alberti gave expression to it the question remains as to whether it was unique".

 

31 - Giorgio de Santillana, "The Role of Art in the Scientific Renaissance", in M. Clagett (ed.), Critical Problems in the History of Science, Madison: University of Wisconsin Press, 1959, pp. 33-65, p. 38. “It has been said, authoritatively, that quattrocento painting places man inside a world, the real world, exactly protrayed according to physical laws, that it asserts naturalism against medieval symbolism, and thus creates the natural presupposition for science".

 

32 - G. Cifoletti, op.cit., p. 1408.

 

33 - Vincenzo Galilei, in W.P.D. Wightman, Science in a Renaissance Society, p. 165: “I wish to point out two false opinions of which men have been persuaded by various writings and which I myself shared until I ascertained the truth by means of experiment, the teacher of all things".

 

34 - Leonardo da Vinci, The Notebooks of Leonardo D. V., Oxford & New York: Oxford University Press, 1991, pp. 1, 6, 9.

 

35 - Petrus Ramus (1515-72); Jacopo Zabarella (1533-1589).

 

36 - Logica Docens vs Logica Utens.

 

37 - Paul Lawrence Rose & Stillman Drake, “The Pseudo-Aristotelian Questions of Mechanics in Renaissance Culture", Studies in the Renaissance, (pp. 65-104), XVIII, 1971, pp. 95-96.

 

38 - N. Tartaglia (1500-57); Girolamo Cardano (1501-76); Gianbattista Benedetti (1530-90).

 

39 - Federico Commandino ( 1509-75); Guido Ubaldo (1545-1607); B. Baldi (1553-1617).

 

40 - Stillman Drake, Introduction to S. Drake & I. E. Drabkin, Mechanics in Sixteenth-Century Italy, The University of Wisconsin Press, 1969, pp. 12-13.

 

41 - S.Drake, op.cit., Introduction, p. 55-56.

 

42 - W.A. Wallace, Galileo’s Logic of Discovery and Proof, Kluwer A.P., 1992, p. 239 & Prelude to Galileo, Reidel, 1981, pp. 47, 129, 142, 146-151,…

 

.................

المصدر : مجلة فكر ونقد ، العدد 10 ، من الموقع : http://fikrwanakd.aljabriabed.net/1_10_table.htm