الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاثنين: 17/11/2008


لماذا توقف العلم في الحضارة العربية الإسلامية ؟!

فتحي سيد فرج

ظاهرة العلم بلا مراء من أخطر ظواهر الحضارة الإنسانية وأشدها إيجابية وأكثرها تمثيلا لحضور الإنسان كوجود عاقل في هذا الكون، وتاريخ العلوم هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد دوما، ويتفق عديد من العلماء والمفكرون على أن العالم العربي قد كان أكثر مناطق العالم تقدما في اغلب ميادين العلوم خلال الفترة من القرن الثامن وحتى الخامس عشر الميلادي، ففي ميدان الكيمياء يكفي ذكر جابر بن حيان (ت813 م) وفي ميدان الطب برعت أسماء مثل الرازي ( ت932 م) وابن سينا (ت1037 م) وابن النفيس (ت1288 م).
ولما كانت الثورة العلمية في أوروبا قد قامت على أساس التطورات في علم الفلك، فأنه من المفيد أن نعرض لتاريخ التفكير الفلكي عند العرب خلال الفترة التي كانت أوروبا تعيش في العصور الوسطي، وفى ذلك يشير د. عبد الحميد صبره ـ أستاذ تاريخ العلوم عند العرب في جامعة هارفارد ـ إلى أن العالم الرياضي ابن الهيثم (ت1040م ) قد أدى دورا مهما في إثارة الفلكيين العرب كي يتجاوزوا بطليموس والنظريات اليونانية في الفلك، وقد فعل هذا بتوضيح شكوكه حول النظرية الفلكية لبطليموس، وكان لدى ابن الهيثم الجرأة ليقرر أن الترتيبات التي تفترضها حركات الأجرام كما هي في المجسطي خاطئة وأننا على وشك أعداد ترتيبات جديدة، ومن ثم فأننا نجد المفكرين العرب في الأندلس بعد قرن من ابن الهيثم قد قادوا ما يسمى بالتمرد على الفلك البطلمي، وبلغ التمرد العقلي مداه في كتاب البتروجى «مبادئ الفلك» حيث قام بمحاولة لإصلاح النسق البطلمي بتطوير فعلى للنماذج الرياضية.
هذا وقد حقق العرب تقدما ملحوظا في علوم الفلسفة والمنطق، وعلوم اللغة وعلم الكلام، إضافة إلى السبق الذي حققوه في إنشائهم علوم جديدة مثل علم التصوف وعلم الفقه الذي يعتبر من أهم إنجازاتهم التاريخية، وعلم العمران البشرى الذي كان مقدمة ومدخلا أساسيا لكل العلوم الاجتماعية والإنسانية.
ورغم كل هذه الإنجازات التي لم نذكر سوى أمثلة منها، وما حققوه في ميادين العلوم والآداب والفنون، إلا أننا نجد أن كل ذلك قد توقف، وفى الوقت الذي استطاعت فيه أوروبا أن تتخلص من ظلامية العصور الوسطي، وأن تحدث القطيعة المعرفية الكبرى مع ميراثها الغيبي، وأن يكون للثقافة العربية وإنجازاتها العلمية الدور الفعال في إرساء قواعد النهضة الأوروبية، نجد هذا الأمر المحير، بأن ينقلب الحال ويدخل العرب في قطيعة معرفية مع ميراثهم العلمي والثقافي، وبينما أوروبا تتقدم وتتطور، يدخل العالم العربي الإسلامي في مرحلة انهيار حضاري وتردى علمي وثقافي ما نزال نعيش أثارها حتى اليوم.
هذا وقد كان أمر توقف العلم في الحضارة العربية الإسلامية مثار عديد من الأسئلة والتساؤلات لمحاولة الوصول إلى تفسير لما حدث «فمحمد أركون» يتساءل: لماذا حصلت هذه الظاهرة التاريخية؟ ومن فرط اهتمامه بهذه القضية فأنه يدعوا إلى أجراء بحث معمق من أجل معرفة سبب فشل فكر ابن رشد في البيئة الإسلامية بالرغم من نجاحه في البيئة المسيحية بأوروبا؟ ويقترح تسمية ذلك بدراسة «سوسيولوجيا الفشل والنجاح» حيث أنه يرجع هذا الأمر إلى أسباب سوسيولوجية.
كما يتساءل «توبى أ. هاف» أحد تلاميذ د. عبد الحميد صبره: لماذا أخفق العلم العربي في أن ينجب العلم الحديث؟
ويرى أن هذا الموقف يمثل مشكلة محيرة للباحثين، أما عن العوامل التي تسببت في ذلك فيفترض في الجز الأول من كتابه «فجر العلم الحديث» أنها إما أن تكون عوامل عرقية أو إلى سيطرة السنية أو الطغيان السياسي وبعض العوامل المتصلة بالبواعث النفسية والاقتصادية والاجتماعية، ويناقش هذه العوامل باختصار، ولكنه أخيرا يركز على عامل يرى أنه أهم هذه العوامل وهو اخفاق فلاسفة الطبيعة العرب في أن يطوروا ويستخدموا المنهج التجريبي.
ومن أجل توضيح رؤيته يستبعد في البداية العوامل العرقية ويناقشها من الناحية الحيادية فهو يرى: «ان المعرفة العلمية الحديثة هي معرفة بكيف يسير الكون بدون ادعاء وجود حقيقة مطلقة، ومثل هذه المعرفة ليست موروثة لمجتمع قومي ولا لجماعة عرقية ولا لأمة معينة» أما عن سيطرة السنية فأنه يقول «توحي الصياغة العامة للأثر السلبي للقوى الدينية على التقدم العلمي في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي خاصة من حركة التصوف التي أفرخت قدرا من التعصب الديني تجاه العلوم الطبيعية والاهتمام فقط بعلوم الدين».
وأما بشأن اخفاق العرب في استخدام المنهج التجريبي فأنه يشرح ذلك باستفاضة، حيث يرى أن ابن الشاطر لم يستطع لا هو ولا خلفاؤه أن يقوموا بالوثبة الكبيرة نحو نظام مركزية الشمس والدورات التلقائية الثلاث للأرض مما يمكن أن نطلق عليه الباب الميتافيزيقي للثورة العلمية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي، وهذا يدعونا إلى التساؤل: لماذا لم يتابع العرب السير إلى الخطوة الأخيرة؟ والتي لم تكن تتطلب أكثر من نماذج رياضية، فنماذج الأجرام لابن الشاطر وكذلك تلك لدى كوبرنيكوس متماثلة إلى حد كبير مع اختلافات ضئيلة في بعض مقاييسها، ولكن الانتقال الميتافيزيقي كان سيحدث بلا شك انشقاقا فكريا مع النظرة الإسلامية التقليدية إلى الكون كما كان يفهمه علماء الدين باعتباره معطٍ الهى ومخلوق كامل ليس على الإنسان أن يفكر فيه أو يحاول فهمه وتفسير حركته التي تسير بفعل الإرادة الإلهية ، لقد توقف العرب عند حافة واحدة من أكبر الثورات الفكرية في التاريخ.
ويعود «توبى أ.هاف» مرة أخرى في الجزء الثاني من كتابه لمناقشة الأسباب الداخلية والخارجية لتوقف العالم العربي: هناك اتجاه لتفسير توقف العلم العربي بالإشارة إلى تطورات الجغرافيا السياسية، أي بسب غزو المغول لشرق البلاد الإسلامية في القرن الثالث عشر الميلادي، واستعادة النصارى لأسبانيا بدءا من القرن الحادي عشر الميلادي، ولكن هذا التفسير يهمل مسار التطور العلمي في الحضارة العربية الإسلامية خلال هذه الفترة، فبالرغم من أن التتار قد قاموا بتخريب بغداد عام 1258 ولكن بقت الحضارة العربية صامدة، حيث أعيد إحياء الثقافة والمؤسسات، بل الأكثر من ذلك فأن هؤلاء الغزاة بقيادة هولاكو من الخارجين عن صميم الإسلام هم الذين شجعوا بناء مرصد مراغة، ومن ثم غذوا تطور النماذج الفلكية غير البطلمية للكون.
أما عن أسبانيا فأننا نجد الشخصيات الفكرية البارزة مثل ابن ماجه (ت1338م ) وابن رشد (ت1198م) وابن ميمون (ت 1204م) كانت لهم أهمية بالغة للغرب أكثر مما كانت لهم بالنسبة للحضارة العربية الإسلامية. لقد اضطهد كل من ابن رشد وابن ميمون من مواطنيهم ومن رجال الدين.
وعن العوامل الخارجية والتي يقصد بها الهيئات والمؤسسات العلمية فأنه يركز الانتباه إلى مقولة«مرتون» عن روح العلم: فإذا كانت الوصفات والمحظورات لروح العلم قائمة، فأنها تعوق الهيئات والمجتمع عن التفاعل العلمي الذي يجب أن يقوم على الشك المنهجي وشيوع المعرفة والموضوعية إلى حد أن تصبح كأنها شعارات في البنية الموجهة للمجتمع، إذا توفرت هذه المفاهيم فأن هذا يعنى سيادة الروح العلمية في المجتمع، ولكن هذا أيضا لم يحدث في الحضارة العربية الإسلامية وكان سببا رئيسيا لإخفاق العلم العربي.
سياق العلم العربي
ولحل لغز مصير العلم العربي الإسلامي يجب أن نلتفت إلى تلك الأبعاد الاجتماعية في العصر الوسيط، كي نفهم تطور التركيب الاجتماعي لدور العلماء والمثقفين، وإلى الوضع الفريد للقرآن والحديث اللذان يعدان أساس العقيدة الإسلامية، ومن ثم كان المتخصصون في الشرع والذين عرفوا باسم الفقهاء وكانت لهم السيادة الفكرية في الإسلام. والذين رسخوا مفهوما مشوها للنظر للطبيعة وتصورات ميتافيزيقية عن خلق العالم، ونفوا الإرادة الإنسانية وقدرة البشر على فهم طبيعة الكون، والاعتماد على العقل في التوصل لقوانين الطبيعة، وهذا راجع إلى تصوراتهم العارضة عن خلق العالم، وضرورة الطبيعة المتضمنة في المبادئ العلية؟ وهل للإنسان إرادة حرة؟ وهل يمكن تحقيق قيم الأخلاق بواسطة العقل وحده؟ إلى الحد الذي أنكر فيه الفقهاء والمتكلمون الضرورة في العلية وفى الطبيعة.
فحسب عبارات الغزالي: «أن الصلة بين ما نعتقد أنه علة وما نعتقد أنه معلول لا تتضمن ضرورة بينهما، إذ لكل منهما ذاتيته، فلا إثبات أحدهم ولا نفيه، ولا وجوده ولا عدمه يتضمن اثبات الآخر أو نفيه، فلا الري متضمن في الشرب، ولا الشبع متضمن في الأكل، ولا الحريق متضمن في النار، ولا حز الرقبة والموت، ولا الشفاء من تعاطى الدواء، إذ الرابطة بين هذه الأشياء قائمة على إرادة الله أن يجعلها على النحو المتتابع، ولا ضرورة بينهما، والله قادر على أن يخلق الشبع دون أكل، وعلى الموت دون حز الرقبة، وأن يجعل الحياة تستمر مع حز الرقبة وهكذا الأمر في الصلة بين الأسباب والمسببات، كما انكروا على العقل أن يصل إلى الحقائق دون عون من الوحي، ومن ثم فقد تبنوا معارضة لما يمكن تسميته ميتافيزيقيا العلم الحديث أو تلك الأسس التي دونها لا يتسنى للمرء أن يكون عالما حسب تعبير «بيكون».
والحق يقال أنه خلال السنوات الأولى من الإسلام كانت هناك هوة عميقة بين العلماء ورجال الدين، ولم يكن عداء رجال الدين متمثلا لكل فروع العلم القديمة، إذ لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للحساب والهندسة والفلك، لما لها من نفع ديني، فللحساب أهمية في تقسيم المواريث، وللفلك والهندسة أهمية في تحديد مواقيت الصلاة واتجاه القبلة، ومن ثم تطورت هذه العلوم إلى أعلى درجة على أيدي أفراد تهمهم المسائل الدينية.
الكمال والثبات في الشريعة
التشريع الإسلامي قانون مقدس من مصدر علوي، وباعتبارها تعاليم مقدسة يفترض أن تكون كاملة غير متغيرة، وخلال تطور النظرية التشريعية فان الصيغ المقبولة من الاستدلال كانت تخضع للقياس، أي ايجاد النظير تحاشيا لفكرة الرأي الشخصي، وكان الشافعي أكثر الشخصيات التي صاغت تقنين الفكر التشريعي في الإسلام، فهو الذي شكل الاستدلال المستنبط من السنة، ومن ثم فلا مجال لرأي مخالف وبذلك فقد أغلق باب الاجتهاد، فلا إضافة لمبادئ جديدة لأن الشريعة الإسلامية صدرت مرة واحدة حاسمة من الله في القرآن ومن السنة بإجماع الفقهاء، إن القانون الإسلامي قد حال دون تغير جوهري أو اجرائي من خلال هيئة أو برلمان ويرجع ذلك إلى الكمال والثبات في الشريعة.
فعندما يقول الأشعري بأن الله خلق كل شيء، العدل والظلم، الخير والشر، فأن ذلك يعنى تقييدا للفعل الإنساني، وأنه يخلع المشروعية الإلهية على كل ما هو بشرى، بمعنى أن الله هو الذي يفعل والإنسان ليس إلا منفذا لا إراديا، إن ذلك حكم بهزيمة العقل البشرى وتراجعه عن حقه في التوصل إلى حرية الاختيار والإرادة، وهكذا يتم سجن العقل ضمن نظرية الجبر والحتمية باسم ايمان مقطوع عن تاريخيته.
وللقرآن في الحضارة العربية الإسلامية دور محوري فهو النص الأساسي الذي ساهم في تشكيل هذه الحضارة، وفى طبيعة علومها ومعالم تطورها، وقد كان للغزالي في صياغة المفاهيم والتصورات التي كتب لها الشيوع والاستقرار في مجال الفكر الديني، وذلك من خلال عزل النص عن الواقع وعن الحركة الثقافية «وإذا كان المجتمع الإسلامي الأول قد جعل همه الأساسي التكيف مع معطيات النص، وقد كان من الطبيعي أن يؤدى قيام الدولة واتساع أطرافها إلى تعدد في طبيعة القوى الاجتماعية، وهو تعدد سرعان ما تحول إلى صراع اقتصادي اجتماعي سياسي ديني، وقد أفضى هذا الصراع إلى تعدد الرؤى والتصورات حول طبيعة النص الديني وحول غايته وهدفه، وعلى حين ركزت الاتجاهات العقلية التي يعد المعتزلة أشهر ممثليها على إن الإنسان بوصفه المخاطب بالنص والمستهدف من تعاليمه، كما استوعبت النص على أساس أنه«فعل مخلوق»، نجد الاشاعرة قد ركزوا على الطرف الآخر، طرف القائل، ومن ثم كان تصورهم للنص أنه «صفة ذاتية للقائل لا فعلا من أفعاله، وكان من الطبيعي أن تتضاءل في هذا التصور قيمة الإنسان، أن حركة الوحي النازلة من الله والى الإنسان والتي تعنى الكشف قد تحولت لديهم إلى حركة صعود من جانب الإنسان إلى الله ذاته، وتحولت حركة الكشف إلى محاولة اكتشاف، وصار النص الكاشف مجرد أداة لاكتشاف قائل النص والتوحد به.
في تعليقه على أحداث كسوف القمر يوم 11/ 8 / 99 كتب «محمد حسنين هيكل» مقالا بعنوان«ضوء الشمس وظل القمر» لخص فيه الفارق بين التعامل مع هذا الحدث «ان الفارق بين العقل في الشرق والعقل في الغرب هو الطريقة التي اختار كل منهما أن يبحث عن الله، أدرك العقل في الغرب أن البحث عن ذات الله مطلب مستحيل وتوصل إلى أنه إذا لم يكن في مقدوره أن يبحث عن الله ذاته، فان في استطاعته أن يبحث عن الله في قوانين كونه، أي قوانينه في طبيعتة وحيث تجلت قدرته، ولذلك نشأت العلوم خارجة من دنيا الفلسفة.
أما العقل في الشرق فقد اختار طريقا أخر، فقد واصل بحثه عن ذات الله غير مدرك أنه مستحيل، وهكذا أخذ العقل في الغرب يدعو إلى الخروج لمشاهدة حالة حركة فعلية للكون، وخرج الناس بدعوة العقل وفى أيديهم بيانات وخرائط مفصلة لحركة فعل غياب الشمس وراء القمر، وكان يومهم كله تشوقا إلى المعرفة وإشراقا إلى النور، لكن كسوف الشمس وراء ظل القمر، كان تجربة من نوع أخر في الشرق، كانت دعوة اختباء في البيوت أو التجاء إلى المعابد حيث تقام الصلوات شفاعة وضراعة واسترحاما واستغاثة ودعاء إلى الله أن يزيح الهم والكرب وينقذ عباده عن عواقب ذلك الهول الأعظم الذي يرمز إلى تفاهة الحياة ويؤذن بنهايتها.
وتنشأ تصورات الغزالي للنص ولأهدافه وغاياته من منطلقين أساسيين أحدهما أشعري كلامي والثاني صوفي غنوصي، ويتحدد المنطلق الأشعري للغزالي من حقيقة تصور الاشاعرة للنص بوصفه صفة من صفات الذات الإلهية، في حين يتحدد منطلق الصوفي من حصر غاية الوجود الإنساني على الأرض في تحقيق الفوز والفلاح في الآخرة، وان ذلك يتحقق من خلال الزهد في الدنيا والانقطاع إلى الله وطرح ما سواه.
من هذين المنطلقين لا يتحدد فقط مفهوم الغزالي للنص، بل يتحدد طبيعة المشروع الفكري الذي أسسه من خلال كتاباته وتعاليمه، والذي يقوم أساسا على مفهوم الأحياء وذلك بالعودة إلى الماضي لحل معضلات الحاضر حيث أن الحاضر نموذجا للفساد والضعف والانحراف عن المعايير الأصلية للدين في حين يكون الماضي نموذجا للنضارة والطهارة والنقاء وتحقيق الوجود الفعلي للوحي، كما يتضمن صلب مشروعه ثنائية حادة تفصل ما بين الدنيا والآخرة. «أقل درجات العلم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادتان، وأنهما ككفتي الميزان إذا رجحت أحداهما خفت الأخرى، فان من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذاتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل».
من خلال هذا التصور الثنائي لعلاقة الدنيا بالآخرة يتم تصور النص وتحديد أهدافه وغاياته، ومن خلال هذا التصور أيضا يتم تصنيف العلوم عند الغزالي إلى علوم دنيا وعلوم آخرة، ورغم أنه يرى أن علوم الدنيا علوم لا يتوقف على معرفتها صلاح المعاش والميعاد، فأنه يؤكد أنها علوم مغترفة من بحر القرآن، وقد عرض الغزالي لتصنيف العلوم في مواضع متعددة في أكثر من مرحلة من مراحل تطوره الفكري، وتبدو نزعته إلى تمييز بعض أنواع المعرفة وقصرها على الخاصة بصورة واضحة في كتاب «جواهر القرآن» الذي حدد فيه علوم القرآن وما يتعلق به من معارف، حيث قسمها إلى علوم «القشر والصدف« وعلوم «الجوهر والدرر».
وعلوم القشر تخص كل ما يتعلق بقراءة النص وتفسيره الظاهر، أما علوم الجوهر فهي التي ترمى إلى معرفة الله، حيث صارت معرفة الله هي غاية الغايات، وأًصبح الوصول إليه هو الهدف الأسمى من الحياة ومن المعرفة والعلم، فصارت الآيات الدالة على معرفة الله هي سر القرآن ولبابه الأصفى، ولم تعد الغاية من الوحي «نزولا من الله للإنسان، أو تنزيلا لأوامره ونواهيه هدفها تحقيق الوجود الأمثل للإنسان، بل صارت غاية الوحي التعريف بالمتكلم، وكلما اقترب العلم من تحقيق هذه الغاية كلما تصاعدت قيمته ولا غرابة بعد ذلك أن يكون فدى القرآن آيات في الطبقة العليا من اللب وأخرى في الطبقة السفلى، وأن تكون الآيات الدالة على معرفة الله ها الآيات التي تقع في القسم الأول من الطبقة العليا من لباب القرآن، وتنتمي علوم الدين عند الغزالي إلى عالم الغيب والملكوت، بينما تنتمي علوم الدنيا إلى عالم الملك والشهادة.
هكذا أدى التوحيد بين القرآن وبين الصفات الإلهية إلى تحويل النص إلى بحر من الأسرار والعلوم لا يكاد العقل الإنساني يلتقط منها سوى بعض السطحيات، وفى هذا الإطار يتم التقليل من شأن العلم الإنساني، والتهوين من قدرة الإنسان على اكتشاف قوانين الطبيعة والكون، ولا شك أن هذا التحويل لطبيعة النص ولوظيفته يرتكز إلى مفهوم الأشعري لماهية الكلام الإلهي من جهة، كما أنه يرتكز إلى المفهوم الصوفي للخلاص الذاتي بالوصول على معانقة المطلق والفناء فيه من جهة أخرى، لم تعد غاية الوحي تأسيس مجتمع وبناء واقع يقوم النص فيه بدور المرشد والهادي، بل صارت الغاية هي الوصول إلى المطلق عبر فك شفرة النص ورموزه، لم يعد الإنسان عضوا في مجتمع حي متفاعل بل صار وحيدا مع المطلق أما عارفا متوحدا، أو جاهلا محجوبا، وصارت حياة الإنسان رحلة للوصول إلى المطلق، وصارت الدنيا مجرد طريق للسفر، ومعبر للآخرة.
وفى نهاية هذا السياق يمكن القول أنه لقد كان في الزمن المتقدم للإسلام عقلانيون هم المعتزلة، وكان هؤلاء مستعدين لمنح العقل كل القوى، بل والفصل بين العقل والوحي، وان العقل لديهم هو الصفة التي تجعل الإنسان خالق أفعاله وأن يميز بين الخير والشر، ولكن هذا التوجه العقلاني قد هزمه أنصار السنة بسبب تعاليم الأشعري وتصورات الغزالي التي أضفت السلطة المطلقة للشريعة إلى حد أن كل الممارسات العلمية والعملية والأخلاقية قد غدت من سلطة الشريعة، فلم يعد يسمح لفكر خالص أن يطالب بالتنقيب عقلانيا سواء عن طبيعة الكون أو في طبيعة الإنسان، بعد أن قيدت القدرات العقلية ومن ثم تم تقيد التطور في العلوم الطبيعية، والمثال واضح على ذلك تطور الطباعة عند العرب. لقد كانت النتيجة الطبيعية لوقف التطور في العوم الطبيعية هو الرفض التام لآلة الطباعة، فبالرغم من أن العرب قد نقلوا اختراع الطباعة من الصين وساهموا في انتشارها باتجاه الغرب، إلا أنهم رفضوا لأسباب دينية أن يطبعوا كتبهم المقدسة وعلومهم الدينية بوسائل ميكانيكية وذلك خشية أن تقع هذه الكتب في أيد ضالة، أو أن أسم «الله» الموجود في كل صفحة يمكن أن يهان بهذه العملية.
السياق العلمي في أوروبا
لمزيد من الإيضاح قام «توبى» بعمل مقارنة بين سياق العلم العربي وسياق العلم في أوروبا، وكيف توصلت أوروبا إلى إنجاب العلم الحديث: كانت محاورة «طيماوس» لأفلاطون أهم مصدر للدافع العقلاني لدى اليونان، ومع أن العرب عرفوا «طيماوس» فانه لم تكن لها نفس الشعبية ولم يتحمسوا لها بمثل ما فعل مسيحيو الغرب، وكان من أكثر ما أثار إعجاب المفكرين الأوروبيين في الفترة المبكرة من العصر الحديث تلك الصورة المنظمة المتكاملة عن الطبيعة، فقد بدا العالم الطبيعي كنموذج من النظام العقلاني، ومن الأسباب والنتائج، بينما سما الإنسان وهو جزء من النظام العقلاني، لقد أصبحت طيماوس مصدرا تاريخيا للاقتباس والتعليق (أن كل شيء يتغير أو يخلق بالضرورة من أجل علة، لأنه إذا لم تكن هناك علة ما ما كان هناك خلق، هل كانت السماء والأرض من الأزل موجودة ودون بداية، أم أن لها بداية) لقد أثرت الأفلاطونية في كل مجال بما يتضمن دراسة الطبيعة كتأثير الكتاب المقدس. وأنه لإنجاز له وزنه حين اكتشفوا وفصلوا بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، فلقد حصر أفلاطون البحث في العلة والمعلوم، وكان هذا التصور للطبيعة يتضمن فكرة النظام أو التسلسل وفكرة القانون الطبيعي حيث يفترض في قوانين الطبيعة أن تعمل جميعا مستقلة عن أي مصدر خارجي.
خلاصة القول لقد شكل أفلاطون في القرن الثاني عشر صورة للبحث تقوم على أن كل شيء طبيعي أو فوق الطبيعية لابد له من علل، ولا بد أن نجد سببا لوجوده. وكان «وليم كونشيس» أكثر صراحة حين أكد أنه ليس من شأن الكتاب المقدس أن يدلنا على طبيعة الأشياء حيث أن ذلك من شأن الفلسفة، وهكذا كانت عبارة جاليليو «أن هدف الروح المقدس أن يعلمنا كيف يذهب المرء إلى السماء لا كيف تسير السماء» ولم يقف التحديث عند هذا الحد، بل وصل إلى حد نقد الكتاب المقدس ذاته، إذا ناهضت نصوص الكتاب المقدس العقل ونظامه فينبغي ألا يفهم النص على ظاهره، ولكن وليم كونشيس ذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أولوية الاستدلال العقلي على النص.
وهكذا وجدنا أفكارا كثيرة عن تكوين الطبيعة وعن الوضع الفلسفي المعارض للدين وللكتاب المقدس، كلها ظهرت مع النهضة وكانت هذه الرؤية على النقيض من التفكير الإسلامي سواء تعلق الأمر بالفلاسفة أو المتكلمين خاصة الرؤية الاشعرية عن الإنسان والطبيعة القائمة على فكرة الذرية الإسلامية والتي تعارض تماما النظام الكوني.
في القرن الثاني عشر وضعت النهضة في أوروبا أسس برنامج البحث العلمي بعد أن نقل وهذب عن اليونان والعرب، وطورته الصفوة الدينية والعلمية التي سيطرت على الحياة الفكرية، والتي تتضمن كما يرى «تينا ستيفال» القضايا الآتية:
أن البحث العقلى والموضوعي للطبيعة من أجل فهم عملها ممكن ومرغوب فيه.
أن مثل هذا البحث أنما يوظف التقنية والرياضيات والاستدلال والاستنباط.
أن الباحث عن معرفة سير الطبيعة عليه أن يفكر منهجيا ويتحلى بالرزانة.
وعلى العالم أن يمارس الشك المنهجي ويتجنب كل أصوات السلطة والتقليد.
ومن ثم يمكن القول أن الفيصل إنما يتكون من مقدرة علمية عليها أن تضع برنامج للبحث من خلال سياق علمي يفترض أن الطبيعة أنما يشرحها شرحا عقلانيا أناس يستخدمون أدوات المنطق والعقل، فضلا عما تقتضيه خطة البحث من تسليم بالنظام السببي للطبيعة.
لقد تمكن أوربيو العصر الوسيط من إيجاد مؤسسات تعليمية لها استقلالها الذاتي مما مكنها من أن تضع علوما للكون قوية منهجيا، غنية ميتافيزيقيا، تحدت وتناقضت مع جوانب كثيرة من النظرة التقليدية المسيحية للعالم، هدفها الأقصى وصف وتفسير العالم ككل بعلله وآلياته، وبإدخال كتب أرسطو في علوم الطبيعة فأن مفكرة غير منحازة من البحث في الطبيعة قد تأسست، تقوم على أساس أن أعلى صور المعرفة قائم على «المبادئ والعلل والعناصر» وأنه بإدراكها يتسنى تحصيل المعرفة والفهم، لأننا لا نستطيع الادعاء بأننا نعرف شيئا حتى ندرك علله الأولية ومبادئه الأولى.
من هذا المنظور، فأن الشك المنظم، ونقد الكتب المقدسة قد ساد خلال هذه العصور، وكانت أشد الأعمال الفكرية جرأة في ذلك الوقت يقوم بها عدد من الدارسين الذين وضعوا الأسس المنهجية للعلم الطبيعي الجديد، ومن هذه الأسس وتلك الصور نجد أن عقيدة هذا العصر هي أن الإنسان كائن عاقل حاصل على العقل والضمير، وأنه بهذه الإمكانيات قادر على الفهم وفك رموز وأسرار الطبيعة بعون أو بدون عون من الكتاب المقدس.
لقد كانت الثورة الكوبرنيكية نقلة كبرى في التصور الغربي للكون ووضع الإنسان فيه، ذلك أن ابتكار كوبرنيكوس كان تحولا جذريا في الزمن الذي أعلن فيه، وكان عرضة للانتقادات على مستويات عديدة، وفى الواقع فأن وصف كوبرنيكوس للكون كان اقرب إلى الحقيقة من التصور البطلمي القائم على مركزية الأرض، كما كان خرقا للفروض اللاهوتية للمسيحية التي تبنت هذا الفرض، من هنا كان الصدام بين هذا النظام الجديد وبين الآراء الاهوتية المركبة من خليط الكتاب المقدس مع الأفكار الأوسطية التقليدية.
وهكذا يمكن القول أن كوبرنيكوس بحق من أكبر أعلام الثورة العلمية، وأنه وضع المبادئ الأساسية لفروض أو مقدمات عن العالم لابد أن تكون صحيحة «وأنه يجب أن نذكر أنفسنا بالمنظورين الآتيين اللذان صاغاهما «بنجامين نيلسون».
الأول: أن على الرواد في العلم والفلسفة أن يكافحوا من أجل اليقين والحقيقة.
الثاني: أن معنى أن تكون عالم أو فيلسوفا مبتكرا هو أن تجازف بالدخول في صرا عات خطيرة مع السلطات ألاهوتية إلى حد أن تضع حياتك في كفة مقابل الفكرة التي اعتنقتها، ولو أن الرواد لم يجازفوا بكل شيء في صراعا تهم ضد الغيبيات، لما أصبح علماء اليوم أحرار وكأبطال ضد الأوضاع الغيبية والظنية.
ربما يكون الأمر أكثر تحديدا في أطروحة د. السيد نفادى في كتابه «العلم ولنظرة إلى العالم» والذي تناول فيه نفس القضية، حيث حظيت فلسفة أرسطو بالقبول لما تتسم به من الوضوح والواقعية، والذي كان يعتقد أن الأرض ثابتة وأن الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك في أفلاك دائرية حولها وكان يؤمن بذلك باعتبار الأرض مركز الكون، وأن الحركة الدائرية هي الكمال الأقصى، وقد طور«بطليموس» فكرة أرسطو لتصبح نموذجاً كاملا، وانتقل هذا المنظور إلى الفكر المسيحي وتبنته الكنيسة وأجرت عليه التعديلات اللازمة لتجعله متوافقا مع تعاليم الكتاب المقدس، ولقد استمرت السيادة الفكرية للكنيسة المعززة بآراء أرسطو عن الكون فترة طويلة امتدت إلى القرن الرابع عشر الميلادي.
ولكن الثورة الكوبرنيكية أحدثت تصدعا في النسق الأرسطي، ودخلت في صراع مع مفاهيم الكتاب المقدس، وبالرغم من أن الصراع بين الدين والعلم يعتبر أحد تجليات الفكر الإنساني، إلا أننا نجد أن الإسلام لم يدخل في صراع مع العلم بسبب أنه يمكن تأويل الآيات لكل مكتشف علمي جديد.
فعند اكتشاف الذرة يوجد ما يشير إلى أن الذرة في القرآن، وعندما ظهرت نظرية التطور هناك من أدعى بأن التطور موجود أيضا في القرآن، وحتى الخصومة المتوهمة التي واجه بها الإسلام نظرية التطور لم تكن سوى امتداد للخصومة التي ظهرت في الغرب بمعنى أنها نقلت النظرية والخصومة من الفكر الغربي، أو أعادت إنتاجها، ولم تكن خصومة أصلية.
خلاصة القول إن آلية التأويل في الفكر العربي الإسلامي جاهزة لمواجهة أي تطور، وهكذا لم يدخل الإسلام في صراع حقيقا مع العلم، ولكن في الفكر الغربي حدث صدام بين العلم والدين، وأول مظاهر هذا الصدام كان حول النظرية الكوبرنيكية حيث دخلت الكنيسة مع هذه النظرية في صراع ضار، وفى النهاية انتصرت النظرية وانتصر العلم، وهكذا حدث نفس الشيء مع كثير من النظريات العلمية، مثل نظرية التطور ونظريات الوراثة من خلال قوانين مندل ونظرية الجينات. ونتيجة لكل ذلك حدث انفصال بين العلم والدين وبين الدولة والدين.
ولكن لظروف نشأة الإسلام وكون محمدا رسول الله كقائد ونبي ومؤسس دولة ساعد على ألا يكون هناك فصل بين الدين والسلطة وصار الإسلام كدين ودولة في كل المراحل التاريخية، لم يكن هناك تناقض بين الدين والعلم كما استخدم الدين في دعم وتبرير كل مواقف الحكام على مر العصور الإسلامية، وهذا في اعتقادي سبب الأزمة الفكرية في العقل العربي.
ويضيف مهدى بندق بعدا أخر لقضية الصراع بين الدين والعلم والاختلاف ما بين الغرب والشرق حولها، ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة منها ما حدث مثلا في مؤتمر خلدونية سنة 325 م عندما انفصلت الكنيسة في الإسكندرية عن الكنيسة في روما بسبب طرح القضية الشهيرة حول طبيعة السيد المسيح، وهل له طبيعة واحدة أم طبيعتان، أخذت كنيسة روما بالطبيعتين طبيعة بشرية وطبيعة إلهية وترتب على ذلك الأساس فصل الدين عن الدولة، وعلى العكس من ذلك كان موقف كنيسة الإسكندرية التي دمجت السلطتين معا وقالت بالطبيعة الواحدة، وجعلت هذه الطبيعة في النهاية ملكا للحاكم يستخدمها هو، كنيسة روما كانت مع «أعط ما لقيصر لقيصر وأعط ما لله لله»، ولكن كنيسة الإسكندرية «أعطت ما لقيصر وأيضا ما لله لقيصر فقط!» ومن هنا كان الخطاب المسيحي المصرى والعربي يصبان معا فى دائرة سلطة الحاكم لا باعتباره مجرد سلطة منعزلة بل باعتباره سلطة ضرورية للإنتاج، ومن هنا جاء تقديس الحاكم وعدم معارضته والرضا بأحكامه.
ويخلص السيد نفادى إلى أن هناك ثلاثة أطوار أساسية في تاريخ العلم، كل تطور أدى إلى تغير نظرتنا إلى الكون وشكل نظرة عالمية جديدة للعالم والطبيعة والإنسان وهى :«العلم الأرسطي، والعلم النيوتوني، والعلم الإينشتيني وأن كل علم من هذه العلوم إنما يمثل قطيعة ابستمولوجية - بالتعبير الباشلارى - للعلم الذي قبله» وإذا كان الغرب قد انفتح بعد القطيعة مع العلم الأرسطي على التقدم نحو العلم النيوتوني ثم إلى العلم الإينشتيني، فان الحضارة العربية الإسلامية قد توقفت عند العلم الأرسطي ولم تنفتح على التطورات المتتالية للعلوم.
وهكذا يمكن القول بأن أوروبا قد انفتحت على الانساق النسبية والتطور العلمي الذي يرى أن مبدأ التكذيب أحد أهم شروط النظرية العلمية، بينما توقف العلم العربي في حدود النسق المطلق الذي يرى أنه قد وصل إلى الحقيقة الكاملة المكتفية بذاتها في النص الذي يحوى كل ما وصل إليه العلم وكل ما سيصل إليه في المستقبل، وأكتفي المسلمون بمجرد البحث في النص لمطابقة النظريات العلمية التي يقوم غيرهم باكتشافها.

عن: تنوير