الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاحد: 19/10/2008

 

نظريات الكون وتطور الوعي الإنساني(2/2)

د. عباس حمزة جبر(*)
(خاص للمعهد)

تطور المادة والنظام الأخلاقي
عودة القداسة

إن قصة ولادة الكون وموته التي تدور في رحى هائلة الضخامة، تمتد لأكثر من 80 بليون سنة ترينا كيف أن كل الأشياء تولد في فوضى وتنتهي في أخرى. وحين يتأمل الإنسان هذه البانوراما التي ينبثق معها عالم النظام والتناسق والذكاء من رحم اللانظام والفوضى، لا يملك إلا الذهول أزاء تدرج مراحل تكوين الأشياء من أبسط الأنواع إلى أعقدها: من جزيء المادة الحية. وكيف أن هذه المواد محكومة سلفا بقوانين وقوى الكهرومغناطيسية التي تسيطر على كل عالم الكيمياء. غير أن شيئا ما يظل غير مفهوم عند المتأمل، إن جوهر الحياة. هذا المعنى الخفي لظاهرة الحياة والذي يتسرب من بين أصابع من يريد القبض على معناه. فظواهر الكون تبين لنا كل يوم ذلك التلاحم الدائم بين ما هو حي وما هو غير حي. ومع هذا فالحياة ليست مجموعة من الجزيئات الحية والذرات المؤتلفة فيها، والتي تكون جسم كائن الحي، وهي ليست بمعنى آخر، مجموع تلك القوى الذرية المتحكمة في هذا البناء والمعمار الجزئي كما هو الحال في صخرة من الصخور. إن الأمر يتعلق بتداخل من نوع ما، يشبه تداخل ألحان مقطوعة موسيقية راقية تترجمها الجزيئات الحية المؤتلفة في جسم مكتمل وفق إيقاعات محسوبة متجددة عبر الأجيال. إن تشابه المخلوقات على الرغم من تعاقب الأجيال وتعاقب الجزيئات الحية بعد هلاك الخلايا التي أدت دورها ورحلت، يُعدّ من الأسرار العميقة؛ فالحياة تعد شيئاً ما يناقض الوجود المادي الصرف، غير أن المادة تعد من جهة أخرى الغذاء الذي ترتضع منه الحياة ويؤمن لها ديمومتها. نحن إذن بأزاء تناقض الحي وغير الحي اللذين يتعايشان ويتكافلان. إن اتساع الوجود المادي يعطي الكائن الحي الاختبار ويعلمه التكيف مع الظروف من أجل تجاوزها والاعتلاء عليها لاحقا فهو المخلوق الوحيد الذي يدرك أنه ميت لا محالة، وهو الوحيد الذي يستطيع تمثّل الكون برمته، وصورة الكون هي التي أعطته القابلية على الإلمام بالمتناقضات بصيغة جمعية مثلما علمته النجوم الأعداد وحساب المثلثات.
هذا هو جوهر الذكاء الذي تنم عنه مسيرة الأحياء، والذي يعلوه تطور الذكاء الإنساني؛ فلقد أدرك هذا النوع الراقي من المخلوقات قصة الخلق وخرج منها بمفهوم الحرية، حرية اختيار دروبه وانفتاحها الأقصى على العالم.
تؤكد فلسفة الـ bootstrp الرفض الحاسم للمفهوم الميكانيكي للعالم. فالعالم بالنسبة لهذه الفلفسة لا يمكن فهمه باعتباره مجموع كليات مجتمعة بصورة من الصور، ولا يمكن الوصول إلى تحليل ماهياتها. فبحسب هذه الفلسفة يُنظر للعالم على أنه نسيج ديناميكي من الأحداث ذات العلائق المتابدلة، بمعنى أن أي صفة لأي جزء من هذا النسيج لا يمكن اعتبارها أساسية، فهذه الأجزاء تنبثق من صفات الأجزاء الأخرى.
إن التناسق العام للعلائق المتبادلة هو الذي يحدد بنية النسيج الكاملة.
هذا يعني أن جميع موديلات العلوم ما هي إلا مقاربات للطبيعة الحقيقة للأشياء.
من هنا تأتي فكرة الجمال الحديثة القائمة على مبدء التداخل الهورموني interdependence harmonieuse الهادفة للوصول إلى التوازن الديناميكي الجمالي للوجود.
تقول نظرية الكم في الفيزياء إن جزيئات المادة تخضع لمفهوم الكم وحسابه غير أن هذا المفهوم يمنح الجزيئات عالما رحبا من الاختيار ويلغي أي نهج يقوم على الحتمية التي أصبحت نوعاً من الشطط عن القانون العام للكون. إن الحتمية هي الاتجاه الشيطاني الذي لا يريد لنور الوجود أن ينبجس ويتفجر.
وعليه فإن قوانين اللاتحديد التي جاءت بها نظرة الكم تعطينا أفضل فكرة عن الأسباب العميقة التي تحمل العقل على رفض القيود المصطنعة، وكيف أن تراكم الخبرة والحكمة تمنح العقل قدرة على الابداع وتفضي به إلى الف طريق. إنها تحيلنا إلى ذلك القانون الذي يجعل من الغرائز، في حالة المخلوق الإنساني، عبارة عن قيود وأغلال تحد انطلاق تأمله ووعيه. هذا هو سر تفرد الكائن الإنساني عن غيره من الكائنات في مملكة الحياة. إنها تعلمنا كيف أن أفكار الفرد وحده قد لا تصلح لمستقبل الجماعة الإنسانية، بل تعطينا أملا في دقت وعي الأفراد ذكورا وإناثا للالتحام في الوعي الجماعي الذي هو جوهر وجود المجتمعات وهويتها، بل تحيلنا إلى حقيقة انتمائنا إلى عموم الحياة ومسؤوليتنا تجاهها وتجاه الأخطار التي تحيق بها. هذا هو جوهر الانتقال من الوعي بالحاجات التي تؤمن حياة الفرد كالغذاء والجنس إلى إشباع حاجات المجتمع وبناء مبادئ عليا، وكيف أن الأمر لا يتعلق باختيار عشوائي فرضته المجتمعات الإنسانية على نفسها، بل يسير وفق خطة ترقد تفاصيلها في ذاكرة جزيئات المادة يوم ابتدأت مسيرة الخلق.
لقد سمحت الحياة الإنسانية بالامتداد إلى كل أرجاء الأرض وكل الأصقاع بناء على تلك القوانين التي حكمت تغيرات المادة نفسها. فسيادة النوع الإنساني وظهور المجتمعات الراقية محكوم بعدد من القيم مثل الحقيقة والحسب والجمال والعدالة والتعاطف والرحمة.
وهي الفضائل التي سمحت للشعراء والمفكرين والعلماء والفنانين في مختلف بقاع الأرض بالاتصال ببعضهم بعضا ونقل إرث الإنسانية لإغناء تفصيلات تجاربهم الخاصة بالرغم من اختلاف الهوية والثقافة.
ولعل واحدة من تلك الفضائل هي المسؤولة عن استمرار الذكاء الإنساني ونموه. إنها فضيلة حب الحقيقة والتعلق بها والتي ترسخت في نفس الإنسان بفضل التطور الهائل في دوافع حب الاطلاع والفضول، وكأن الكون بأجمعه دفع مادته باتجاه خلق كائن واعٍ قادر على إدراك جمال الكون وروعته ومعناه. ومن الواضح أن حب الحقيقة يعد فضيلة أسمى من ذلك الدافع العملي لمعرفة حقيقة الأشياء اليومية كعرفة ماهية الماء أو الامراض أو حقيقة وضع الحساب المصرفي. إن حب الحقيقة يتجه إلى معرفة نوع القوانين التي تحكم الكون وتحكم عناصره من مادة وزمن وفضاء. ومن الواضح أيضا أن القوى المتحكمة في الكون تخضع هي الأخرى إلى قوانين أساسية ولا يمكن تجزئة حقائقها على حدة. إن ما هو مثير للفضول حول واقعة العلق بالحقيقة عند الكائن الإنساني، هو أن هذه الفضيلة اقتصرت على هذا الكائن دون غيره، وأنها السبب في جميع دوافع الإنسان للخروج من دائرة حيوانيته. فهذه المسيرة الهادرة للكائن الإنساني هي أكثر ما يمجد ماضي الإنسان ويثير الحماسة عند جميع أجياله الأمر الذي يدعونا للتفكير فيما لحب الحقيقة من عناصر جمالية تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات.
ها نحن بصدد ربط الحقيقة بالجمال، فالحرية التي انبثقت من رحم العلاقات التي تحكم جزيئات المادة الأولى أفضت إلى ايجاد مخلوق مأخوذ بحب الحقيقة والجمال. هذا هو الذي دفع إميلي ديكسون إلى إبداع بيتين من الشعر حيث تقول: (إنما من مات من اجل الحقيقة... توأم المقتول من اجل الجمال).
إن جمال هندسة إقليدس ما كان لها أن تولد لولا حب الحقيقة الذي بذر بذاره في نفوس جميع أبناء الحضارات الذين تعاملوا مع الرياضيات والفلك.
فالمغامرة الإنسانية تأخذ جمالها وروعتها من ذلك الإصرار الغريب على هتك أسرار الكون ومعرفة أكثر جوانبه غموضا، فيد الإنسان ما برحت تدق أبواب الغموض بأساليب شتى إلى درجة تدعونا إلى التفكير وكأن قيام الانفجار العظيم big bang، واجتياح المادة الأولى للفضاء الكوني، وتكون المجرات والنجوم القديمة، وإيجاد التركيب الجزيئي للمادة من عناصر خفيفة كالهيدروجين والهيليوم، وتكون الأجيال الجديدة من النجوم، وظهور أنظمة الكواكب ومنها الأرض، لم يكن ليهدف الا للتحضير لظهور الحياة العاقلة.
يقول هيوبرت ريف عالم الفلك الكندي: إن الجزيئات الأولى التي انبثقت من لحظة الانفجار العظيم big bang ما برحت تسير في برنامج دقيق لا مجال فيه للزيغ والشذوذ، وحتى الشذوذ في التكوين فإنه يشكل جزءا مكملاً لأجزاء السياق التخليقي، وكأن أي فوتون أو أي الكترون إنما يحمل منذ البداية شفرة مورثاته ويدرك مستقره ومستودعه.
ويرى الأب تياردو شاردان أن الهدف من كلا الجهدين العلمي والفلسفي هو إدراك الهدف الكامن وراء تصاعد درجة التعقيد التي شهدتها مسيرة المادة.
ولكن رب سائل يسأل: إذا كانت الحياة الذكية هي هدف خلق الكون، فهل كان ضرورياً المرور بكل هذه المراحل؟ ولم لا يقوم الكون بخلق الذكاء مرة واحدة؟
يقول علماء الفيزياء إن السبب يعود إلى طبيعة قوانين المادة نفسها وإلى الخواص الرياضية للمعادلات التي تحكم حركتها. إذ إن الذرات والجزيئات يمكن أن توجد فقط لأن حركتها تخضع لحساب كمي «مكممة»؛ بيد أن هذا الحساب ذاته يخضع إلى اللاتحديد (مبادئ اللاتحديد عند هايزنبرغ)، والتي فحواها يأتي من حقيقة عدم إمكان معرفة موقع وحركة الإلكترون بشكل تزامني وبدقة متناهية.
معنى هذا أن أحداث المستقبل تظل ميداناً لألف احتمال؛ فحتى لو استطاع العلماء حساب جميع المعادلات التي تحكم حركة جميع المواد فإنهم لا يستطيعون أبداً معرفة ما سيجري بدقة متناهية، ذلك لأن المادة ليست محكومة بمفهوم الكم فقط، بل لأن قواها تسير في معادلات تفاضلية وهذه المعادلات لا يمكن حلها بدقة مطلقة إلا حينما يتم التعرف إلى جميع الأحداث بدقة متناهية، وهذا بالطبع أمر لا يمكن إدراكه.
من هنا جاء التطور المتدرج للمادة لأن هذه المادة لا يمكن أن تدرك الكمال بشكل مطلق، وهكذا تولد الخلائق المعقدة من رحم تلك التي تخضع لتعقيد أبسط.
التعقيد في المخلوقات هو واحد من القوانين الثابتة التي تنطبق على المادة الصماء مثلما ينطبق على الكائنات الحية، فالذرة تتكون من مكونات بسيطة والجزيء يتكون من ذرات والجزيئات تكون العناصر كالحديد والكاربون والميثان، وتتكون المادة الحية من جزيئات معقدة وعناصر متعددة، والكائن الحي يتكون في عدد كبير من هذه الجزيئات الحية... إن لغة التعقيد تحكم منطق الكون من الذرة إلى النجم.
يبدو أن هدف الاكتمال هو الذي يحكم هارمونية التطور والمعرفة والأخلاق وهو يسير وفق مبدئي التفاضل واللاتحديد.

(*) أكاديمي وباحث بالفلسفة الحديثة- جامعة بواتييه- فرنسا (سابقاً)، استاذ الفلسفة المساعد / كلية الأداب/ جامعة واسط حالياً.