|
|
|
 |
الحضارية
«دراسات الحضارة والنهضة» |
|
الاثنين:
13/10/2008
الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين
قراءة سوسيولوجية في الشخصية العربية والإسلامية (3/3)
د. أحمد محمد سليمان حجازي
ثالثا:أطر
النهوض بديمقراطية الفاعلين.
إن ديمقراطية الفاعلين كمقولة معرفية تندرج في سياق علم الاجتماع الفعل،
هذا العلم الذي درسه ماكس فيبر Max Weberفي القرن العشرين للإنسان العالم
آنذاك محاولا فهم العلاقة بين أفعال الأفراد في مجتمعاتهم والمعاني
الرمزية ومدلولاتها إن لم يكن آثارها على مثاليتهم من جهة ومنطقهم
العقلاني والأخلاقي من جهة أخرى. فاكتشف أن النمط اللاعقلاني في تطبيقه
للنموذج المثالي طريقة مثلى لتفجر الطبيعة العقلانية عند الأفراد
والمجتمعات، ففي كتابه الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية نجد أن
تسامي الأخلاق والثورة العملية وإتقانها سببا في تقدم الرأسمالية في
المجتمعات العلمانية واللادينية. والسؤال الذي يطرح كيف يمكن تفسير ظاهرة
تفكك المجتمع العربي والإسلامي في ظل انعدام الثورة الأخلاقية
والاجتماعية؟
إنّ الإجابة على مثل هذا السؤال يتطلب منّا الرجوع إلى تاريخية المجتمع
العربي والإسلامي لإمعان النظر في أسباب تجاوز الثورة الاجتماعية لصالح
نمط من الثورة يقاس بدرجة تجيّش الخطاب المنبري الإعلامي الشكلي الغير
مفعّل. لكن فضّلنا من باب أولى أن نقتضب هذه الدراسة لتكون في متناول
القارئ العربي والطرح النظري السوسيولوجي، وفي سياق اجتهاداتنا الفكرية
عن موضوع ظلّ يؤرق كل من يطمح إلى الإنعتاق والحريّة والعدالة والمساواة
بين الأفراد والجماعات. بيد أنّ هذه المبادئ النبيلة النابعة من قرارات
الإنسان العالم في جميع العصور، وهي تعبّر عن الكلّ الاجتماعي، تثير
عاطفة الأنا (عامة الشعب) مقابل الآخر(خاصة السلطان) كقوى ضاربة بديلة عن
القوى السابقة وشبيهة لها في أنشطتها الاجتماعية والسياسية والتعليمية
إلى غير ذلك.
إنّ هذه العاطفة الجياشة لدى المستحوذين على السلطة لا تخلق مبادئ نبيلة
بقدر ما تخلق العداوة ذاتها بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين مرسية
قواعد للإرباك والفوضى باستمرار مما يسمح بالبقاء في مستوى الأطروحات
النظرية والأدبية أو ما جرت عليها العادة فهي عادة. فإنّ مجرّد انفجار
العاطفة كطاقة غير منظمة ومعقلنة لمطلب جماهيري ديمقراطي أريد به كرهان
مقبوضة وفورية حاسمة وحازمة من أجل التغيير الاجتماعي فسح المجال إلى
تكلس تطبيق المبادئ، وتعليقها إلى أجل مسمّى، فبدت وكأنها تربى في الواقع
هكذا؛ولا تربى في الأنا الرغبة الحقيقية الكليّة في التغيّر المرحلي. فمن
هذا الباب يكتسي مفهوم ديمقراطية الفاعلين أهميته السوسيولوجية والمعرفية
من أجل تسليط الضوء على مثل هذه الظواهر الاجتماعية الخفيّة وسبر
أغوارها. وسنركز على مشكلتين هما:
أولا: مشكلة التنشئة الاجتماعية.
ثانيا: مشكلة تأصيل ديمقراطيّة الثقافة والتثاقف.
أولا: مشكلة التنشئة الاجتماعية.
إنّ مقالة التنشئة الاجتماعية تطرح إشكالية كبرى وأول ما يثيره هذا
الإشكال هو التساؤل عن ما هو جيل الإنسان العالم القادم و صفاته وأنشطته
ووظائفه وأهدافه وتطلعاته إلى المستقبل ؟ بمعنى أيّ إنسان عالم نختار؟ هل
هو اختيار عشوائي عبثي نابع من العجز والوهن والضعف في تسيير الأمور؛ أم
هل هو اختيار عشوائي مقنن آليا نحو الغربنة والأمركة؛ أم هل هو اختيار
عقلاني موجّه توجيها هادفا إلى قيم سامية للنهوض بالمجتمع والمواطنين إلى
الدرجات العليا لا جدال فيها؟
سنحاول من خلال هذه الإشكالية أن نعرّف بالإنسان العالم القادم من جهة
أولى، ومن ثم الحديث عن طبيعة الاختيار العاصف المتيسّر أو المريب
المغبون أو الاختيار البسيط المعنون بالنموذج الحسن من جهة أخرى.
ويبدو أنّ تعريف الإنسان العالم كمن لاحظ أنّ في أذنيه وقرا فأراد أن
يزيله بالنفخ في أذنيه فلا وصل الهواء إلى أذنيه ولا ساعده ذلك في علاج
أذنيه واكتفى بالإشارة إلى آثار الآلام التي وقعت عليه جرّاء ذلك. وهذا
حال من يصف الإنسان العالم القادم، إذ لا يمكن لنا أن نتقدم خطوتين إلى
الأمام دون أن نعرف درجة الألم الذي يصيب إنسانيتنا اليوم.
ولذلك سنعرّف الإنسان العالم القادم بأنّه الكائن الاجتماعي الفاعل الذي
يمثّل متوسط أعضاء مجتمع ما في زمان ومكان معينين، ويقطن في رقعة جغرافية
معينة، ولديه نصيب من المعيش والخُبُرِ الاجتماعي العقلاني الموجَّه
بالفطرة والاكتساب. فالإنسان العالم هو الحاضر الغائب والماضي الموجود في
ذاكرتنا الاجتماعية. هذه الذاكرة التي تحتلّ المكانة الاجتماعية البارزة
في المجتمع من حيث الرصيد المادي المحسوس ومن ثروة وجاه ونفوذ وفقر ودنو
وخضوع. ورصيد رمزي مجرّد من الغيبيات والروحانيات والخياليات الفكرية
والسحرية والصنمية ا(لشبحية)إلى غير ذلك. إنّ هذه الثروة المادية
والرمزية لا تزال تشكل البنية الاجتماعية الأساسية في تكوين الشخصية
القاعدية للإنسان العالم، هذه الشخصية العقلانية المتقلبة والمتعارضة
والمكافحة والعنصرية تتأثر بشكل أو بآخر بعاملين هامين؛ وهما: الاستنباط
والاستبطان•.
أولا: الاستنباط: يمثل الاستنباط عملية إدراك للعالم الخارجي بالحواس
الخمسة فقط. ومجمل هذه الحواس المعروفة كاللمس والشم والبصر والسمع
والذوق تترجم أنشطتها وتقننها وتهذّبها لتصبح جاهزة للحفظ في الذاكرة
الشخصية ومن ثم الجماعية وأخيرا الإنسانية الكونية. إنّ حفظ هذه الذاكرة
الشخصية يتطلب الملكة وحسن البديهة. ولذلك كانت تتقدم البشرية في بدايتها
عبر التجربة القصصية والحكايات الشفاهية التي تبدّلت بعد ذلك عند اكتشاف
وتبلور التجربة الكتابية. وهي تجارب لا تزال قيد التفاعل رغم تعدد وسائل
الاتصال الحديثة المفجِّرة لثورة المعلومات التي يشعر بها كل شخص في أيّ
نقطة من العالم، وكأنه محاط بالموجات الالكترونية من كل جانب وفق قانون
التأثير والتأثر.
ثانيا: الاستبطان: يعتبر الاستبطان موطن الفعل المعبّر عنه داخليا قبل
سريان الفعل البشري. وهي عملية إنتاج الأوامر والقرارات الصادرة من صميم
الأنا نحو الآخر. وهي عملية ذهنية معقدة التركيب إذ لا يمكن أن يصدر قرار
إلى الأعصاب تحت الضغط القاهر إلا وقد تكبدت الخلايا الدماغية نشاطا
كبيرا لاستيعاب مجمل الأنشطة المنقولة رمزيا لترجمتها إلى أفعال محسوسة،
وهذا ما يوضح درجة التفاوت في الاختبارات الذكائية في الامتحانات
المدرسية من استيعاب للدروس أو تعليم الأم لأولادها تعاليم المعيش
الاجتماعي، أو الأخذ بالمثل العليا والمبادئ والقيم والعادات والتقاليد
الحسنة.
إنّ ما نلاحظه من عاملي الاستنباط والاستبطان هو وجود تعاون علاقاتي
حقيقي بين المعبّر(الأفكار الداخلية) والمعبّر عنه (الأشياء الخارجية)،
ومضمون هذا التعاون هو الوصول إلى اندماج الأفراد والمجتمعات في
مجتمعاتهم. وبطبيعة الحال يعتبر أيّ خلل في مستوى التنشئة الاجتماعية
يمثل انتكاسة حقيقية لمخرجاتها، وهذا ما ينتج عنه في ما بعد اختلالات
المعايير الاجتماعية في مستوى الانحراف وعنف الأفراد والجماعات إلى درجة
عالية، تتميّز بمرحلة الاختناق والشعور بدائرة الثقة المشبوهة بين جميع
الأطراف ورفض المجتمع كلّيا لهم أو كراهيتهم في حالة الضرر العام أو
الخاص إذا كانت الأحداث تمثل فئة محدودة قرابية أو عشائرية أو مناطقية
إلى غير ذلك. ومن ثمّ تكون فكرة تقبل العقاب شكلية لاعتبارها فعلا جزائيا
متوقعا يوجب القانون أو العرف أو الدين، الذي يقوم به المجتمع ذاته
للدفاع عن كافة المواطنين. وبالتالي قمع المجتمع له. وهي تعتبر انتكاسة
جديدة للمجتمع الآمن في ظل تبادل عدم الثقة في ظاهر الأمور وبواطنها.
وعلى ضوء ما تقدم نجد أنّ درجة العنف المضاد التي تحدث بين الأطراف
المتصارعة تغذي درجة العنف إلى أقصى درجاته بل تتوغل فيه ليصبح في رتابة
تغذي هاجس الخوف عند ضعاف الشخصية معوضا نقصا أو ثأرا أو عدوانا لها من
المكانة ما تدفعه ليكون كذلك، تربي مقولة الصورة السيئة لدى النظام
والأمن يمنعها من القيام بواجبها على أكمل وجه كالتهرّب من نمط الحماية
التي تعرض الأمن إلى صورة الجلاد والطاغية،أو تكوين شبكة من المصالح
والزبونية للعب دور الوسيط في حلّ القضايا وهذا ما يثير حفيظة سلطة
القضاء أو غيابها وتهميش دورها وجعلها في مستوى الشكليّات، وهو ما يعني
الغلو في الفساد والرشوة والانحلال الروابط الاجتماعية إن لم نقل بانهيار
ديمقراطية الفاعلين الاجتماعيين، التي توجه بصورة سلبية مقصودة نحو
اختيار سياسة العجز واللامبالاة أو اختيار النماذج الغربية والأمريكية
باعتبارها سلطة قويّة لها خبرة طويلة في مجال مكافحة هذه القضايا كمد
الدول العربية والإسلامية بالمعّدات المتطورة والتجهيزات الآلية والطرق
المختصرة في السيطرة على قضايا من قبيل أمن المواطنين أو أمن الدولة،
بفضل تقنية تبادل المعلومات السريع بين الأقاليم والولايات والدول
والقارات الخمس. بشكل ما لا يدعو إلى البحث عن الأسباب الحقيقية المؤدية
إلى الجريمة أو الموهبة في تشجيع الجرائم، علما أن التجريم يقف دوما عند
مقولة الإصلاح والتأهيل.
فان الإصلاح والتأهيل علاج لمشكلة التنشئة الخاطئة والسلبية في الأسرة
وفي المجتمع عموما، ويكفي للدولة أن ترسي قواعد إنتاجية لتدريب المواطنين
للعمل لديها في مؤسسات عامة تسعى من خلاله إلى إدماج الإنسان العالم في
مجتمعه، وتسهيل دخوله إليه، عن طريق السماح له بالحركة والتجوال وتشذيب
النظرة الدونيّة والسلبية لهم من المجتمع ذاته ومنع المنتجات المشبوهة في
المجتمع، كي يتسنى إعادة إصلاح المجتمع أو التقليل من الحوادث العنف
والعنف المضاد.
ثانيا: مشكلة تأصيل ديمقراطية الثقافة والتثاقف.
يفكّر المرء مرارا بكتابة رواية عن ديمقراطية الفاعلين البؤساء
والمهمّشين، تكون قد حبكت حبكا محكما، وهذه الرواية قد تكون من نسج
الخيال السردي المعبّرة عن لغة الحديث وحسب، وقد تكون الرواية استحضارا
للخيال العلمي للتعبير أو التنديد أو الاستنكار أو التنكيل بما جرى
وسيجري من أحداث مؤلمة وملهمة للمجتمع وللأشخاص وللجماهير كقوى حاملة
"أصلا" للمشاريع، وهي في الآن ذاته معبّرة عن الثقافة الخاصة والعامة
والمدولنة. فالخيال السردي استطاع أن يقنعنا في مستوى العبرة التي ينقلها
لنا الرواة الصادقون والمزيّفون للعمل على بناء الأطروحات النظرية
والعملية لنترجمها في قواميسنا الآنوية الشخصية بمحض إرادتنا واللوائح
المسطّرة من الكتب ورموزنا التقليديين ممن يدعون بأصحاب الذاكرة الجماعية
التي تنقل بكافة شيفراتها إلينا دون أن نمحص هذه الآراء والروايات التي
تعيق فعلا سبل مقاومة الآفات التي شابت أدمغة الصغار والكبار منها، ولم
يعد أحد يطيق سماع هذه القواسم المجتمعية الخانقة بما لا يستساغ من علوم
الحديث الحسن والبصيرة الميّسرة لعيش الإنسان العربي والأعجمي.وبلا شك
فان الإنسان العالم العربي يعيش في بلده ويرى صورته في المرآة كل يوم
وتنقل أفعاله إلى أفواه أقرانه وأحبائه فلا يستجيب أبدا، وهي تكاد من
العيوب المشينة التي لا تغتفر، فالأمر لا يتغير. بينما نرى الإنسان
العالم العربي يعيش في بلاد العجم مكتشفا صورته الحقيقية كانسان واقعي
وموضوعي ورزين يجري على نفسه ومسؤولياته واهتماماته التي باتت مختلفة
وبعيدة عن الرتابة اليومية؛ كما تجري الأم الحلوب على فطم ولدها وبعلمها
أن لا ضرر ولا جرم يحملّها وزر مقاضاة ابنها لها.
إن كلا الموقفين قابل للخطأ لكن يعتبر الخطأ خطأ فاضحا عندما يتعين على
المرء تجاوز الأخطاء بالمزيد من ارتكابها والتوغل فيها، فالأخطاء قد
تتعارض مع درجة التباين الأخلاقي والقيمي والنزعاتي الأصيل حيث يتعذر على
المجتمع المحّلي بأشخاصه ومؤسساته السيطرة على الشيفرة الوراثية
«المرجعية البنيوية» لكل شخص بسهولة ويسر إلا عند اكتمال المعاينة
والمعاشرة عن قرب. فبوجود تحليل حقيقي للُّغْز أو الشيفرة الوراثية التي
ينقلها لنا صاحب العلاقة في بلده الجديد تنتهي أهم جزئية في السيطرة على
نوع الثقافة المصدرة إلينا ويحسن بعدها التعامل معها بكل سهولة ويسر.
ولذلك تعتبر الأخطاء القاتلة في حق المجتمعات والدول في كيفية ورود ثقافة
غنية للمجتمعات ولا تستطيع أن تتفاعل مع هذه الثقافة النوعية باعتبارها
ثروة الأمة الحالمة بنهوضها وتفوقها وازدهار مواطنيها عندها تكون الطامة
الكبرى في عدم فهم المواطنين لهذه الثقافة الوافدة والقابلة للتكيف مع
المجتمع وإعادة إنتاجه وفق الأسس والأخلاق الحميدة ومن ثم الإضرار بصاحب
العلاقة ليقع في ما يسمى بعلم الاجتماع اختلال في المعايير التي تتناقض
في مستوى الرقي الاجتماعي للمواطنين المتآمرين أنفسهم عن جهل في مستوى
الحظوة بالثقافة والعلم النافع والجهل في كيفية الحصول على المعلومات
المستقبلة لديه، التي تعيق سير العمل الفكري من أن المعلومات لا تحكمها
الأفكار المسبقة والنظرة التعميمية والإسقاطات المنهجية النظرية
والتطبيقية وبتر الشخصية القاعدية بالاستعاضة عنها بانفصام الشخصية،
بمعنى تفعيل الدور التشاؤمي أكثر لدى المواطنين عن الدور الإيجابي، أو ما
يمكن أن يقلص حجم ثقافة الاعتدال نحو ثقافة التهميش أو الإقصاء. وهي نمط
من الثقافة يخسر فيه المواطن والشعب والدولة والأمة جمعاء. ولا تعرف عنهم
سوى النزعة الاستهلاكية والخضوع إلى قمّة التبعيّة. فعند الحديث عن
التبعية العربية للنموذج المتقدم والأكثر تصنيعا نجد في المقابل نزعة
محاربة الوعي والتعليم واختراع مبدأ الإذلال الوطني والتحقير المجتمعي
والنيل من الماء والفاعلين الديمقراطيين وكأنهم حشرات اجتماعية تنشط في
بوتقة الفساد والمنحطين وهو ليس كذلك، فان درجة الوعي والرفعة العلمية
تنقص مع كل حرف وتوجيه علمي مصحوبة بالأدبيات والمفردات الجذابة رجلا
جاهلا طواعية أو مبرمجا كذلك. لأن المطلوب إلغاء البرمجة الآلية بالنشاط
العقلاني الذي فيه معنى. فان المطلوب في المجتمعات العربية ليس التصنيع
بالدرجة الأولى ولو كانت على علقة بالأولى فان الرقي الاجتماع جهل فعلم
وأخلاق فعمل وسلوك فقيمة اجتماعية. أن المثال الأكثر جاذبية لنا هو مجتمع
اليابان إذ «ظلت اليابانية لغة الدراسة والتعليم والبحث العلمي في كل
المجالات. وكان ذلك ممكنا بفضل حركة ترجمة لا نظير لها في أي بلد آخر في
العالم، فمن العسير أن يتذكر المرء أي كتاب هام في العلم أو الدب أو الفن
صدر في أي بلد من البلاد وليس له ترجمة يابانية.. وكم يندهش من يزور
اليابان حين يرى ندرة من يتحدثون بالانجليزية، ولا يرى لافتة شارع أو
دكان أو مطعم مكتوبة بلغة غير اليابانية. وتزداد الدهشة حين يلتقي الزائر
بعلماء كبار لهم شهرة عالمية ولا يتحدثون إلا بلغة بلادهم، وتعرض الأفلام
الأجنبية وبرامج التلفزيون المستورد ناطقة بلغة أهل البلاد»[24] وكذلك
فقد نجا اليابانيون من التبعية للغرب والغريب لصالح الحفاظ على العادات
والتقاليد والقيم الناجعة وليس هنالك قيمة لا تخلو من محصلة ايجابية.
لذلك لم تنجح المعجزة اليابانية بفعل التركيز على التكنولوجيا الأجنبية
إنما نجحت بالإرادة والتصميم المقنع الذي مصدره الإنسان العالم المتعلم
والمتدرب تدريبا وصحة وقيما حضارية[25].
إنّ الحقيقة التي يغض الطرف كثير من الناس هو درجة مساهمة الفرد في بناء
وتوجيه ترسانة الإنسان العالم نحو الأنشطة غير العقلانية هذه الأنشطة
المولدة لحركة الاستبداد، فهي أول ما تبدأ من خلال إرادات الأفراد
وقناعتهم وليس كما ذهب إليه الكواكبي في اعتبار «المستبد يتحكم في شؤون
الناس بإرادته لا إرادتهم ويحاكمهم بهوائه لا بشريعتهم»[26]. فإذا كان
الشق الثاني صحيحا هذا لا ينفي أن يكو الشق الأول من الحكم الصادر من
الكواكبي لا يشوبه شائبة. إن تفسيرنا لذلك هو ميل العامة إلى الراحة
والكسل وهي طبع بشري مألوف وبالتالي الإنسان العالم البسيط لا يرغب في أن
يشاركه الكثيرون الراحة ذاتها فتنشأ علاقة جديدة مردها مسابقة نحو
التميز. أن هذا التميز الباهر هو تفوق في الأسلوب، وجملة الأساليب
المتباينة تعزز مكانة الإنسان العالم الأكثر اختراقا أو لثقافة الإنسان
المعهودة وهي من تستطيع إخضاع الإيرادات لتحظى بكتابة التاريخ والشهرة.ثم
يأتي دور المستبد الغاصب ليزرع بذور الهيمنة لمن طلبها وليس لم رد
مظالمها فهي دعوة القدريين الذين يتكلسون ويتقاعسون في المشاركة بالرأي
والمشورة والنصح بها متى دعيت الكفاية من الأمة والناس للذود عن نفيهم
لصالح المستبد الأنا ليمارس سلطة الابتزاز والطمع الدائمين. ومن ثم
الرغبة للبقاء مدّة أطول ما لم تزهق حالة الكبرياء ممن لمس فيهم الغلظة
والقوة والشجاعة، وهذا ما قصده ابن خلدون في مقولة العصبية الأقوى مقابل
العصبية المنهارة. وبالتالي الاقتراب من حالة التغيير الاجتماعي وفق
قناعات الفاعلين الديمقراطيين. فالاستبداد كامن في الإرادات البشرية
والإرادة البشرية القوية تفرز أشكال الاستبداد العنصري والأشد فتكا
بالناس طلبا للنصرة والعون وزيادة الإتباع لبناء شبكة من المصالح والفئات
المتملقة والمكنة للولاء للملك وللأمير والرئيس وتدافع عن مصالحا من خلال
الاستقواء بالمثل الأعلى لها وهذا ما يعرف عادة بالباتريمونيالية.
ويعبّر عبد الرحمان الكواكبي عن حالة تشكل ظاهرة المستبد بقوله «المستبد
إنسان والإنسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب. فالمستبد يود أن تكون رعيته
كالغنم درا وطاعة وكالكلاب تذللا وتملقا. وعلى الرعية أن تكون كالخيل أن
وجدت وان ضربت شرست بل عليها أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة للمستبد أم هي
جاءت به ليخدمها فاستخدمها. والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام
تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه فإن شمخ هزت به الزمام وأن صال
ربطته وفي هذا المقدار كسابة لمعرفة ما هو الاستبداد بالإجمال»[27].
وفي الختام:
من خلال قراءتنا لمفهومي الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين تبين لنا أن
هناك ذاكرة اجتماعية عربية وإسلامية حية لا يمكن تجاهل تاريخها أو
ثقافتها ولغتها وطموحها وإنسانيتها ودعوتها الشاملة للإنسان العالم. كما
أن الفطرة الأولى للإنسان العالم تحمل تقدمها بزنة عقلها ومشروعها
الحضاري القيم للناس أجمعين. فكما أن الديمقراطية مكسب حضاري متقدم فهي
عند المقدمين آلية عمل متاحة مستقوية بثوابت المرجعين للشورى المتأصلة في
الذاكرة الجماعية. فالحرب لا تبقى مع الذاكرة الجماعية بقدر ما هي حرب مع
الأنماط السلوكية غير القادرة على بناء المواطنة الايجابية في حدود الوطن
والأمة وتحرير الإنسان. فان تفعيل برنامج عمل الإنسان العالم الشوري
المعطل أو المهمل قصدا أو دون قصد منذ قرون وعشريات خلت آن أوانها، من
أجل النهوض بحملة المشاريع المهيأة لتغيير النفوس وقيادة السلوك، وهي
أسُّ استراتيجية «االديمقراطيين الفاعلين». ولقد بدت لنا من جهة أخرى أن
الممارسة الديمقراطية الصورية أو الشكلية لا تعكس ضمير المجتمع العربي
والإسلامي، فهي بدت كالفن صنعه الإنسان العصامي وصاحب الكاريزما الملهمة.
وهذا الفن بدأ يتحول إلى ظاهرة تعمية للأجيال والحراك الاجتماعي والثقافي
المعولم، لا يدري من الديمقراطية سوى الاسم متناسيا الحقوق والواجبات
التي تفعل هذه الإجراءات. فإذا استعملنا مقولة ابن خلدون «الناس على دين
ملوكهم» لطالت الأخطاء أهل القمة من الملوك والرؤساء والوزراء وراسمي
الخطط والنخب السياسية إلى غير ذلك، ولكن ذلك يطال أيضا القاعدة العامة
للشعب من إظهار واقع التميز والأنفة والكبرياء الذاتي ولست أعني حماية
القبيلة والقانون الذي يليق لي إنما النظام الذي أحسن اختياره والقانون
الذي يخدم النفع العام. وكل ذلك يحتاج إلى تعبئة المجتمع والناس على
التربية والتعليم المجاني والإجباري. لأن الرهان على التعليم كاف لبقاء
الإنسان قريب من العالمية. فالعلم قرين ببذل الجهد بينما الجهل به باهظ
الثمن.
فإنّ أمة تجمعهم إمامة مسجد بملك أو زعيم عادل تفرقهم صلاة الجمعة أو
جلسة العقلاء كافية لتكون أمّة الفاعلين الديمقراطيين إلى يوم القيامة،
ما لم تُهجر المساجد والحكمة وتتساوى مكانة الإمام والملك أو الزعيم
بالعامة، وتُقبر كلمات الخطباء والصلحاء وتزأر أبواق المتعجلين واليائسين
وتُحمى فروج الشبقيين، وعندها تُفجَّرُ أمة الاستبداديين. فالرأي أمة
والأمة الإنسان العالم. فإنّ أول علامات تحطم الأمة اغتيال العقل ونزول
العامة عن الرأي المهيب ومحو العقد الاجتماعي بين القمة والقاعدة واللغو
في الصنائع والطبائع والغلو في ذكر الفضائل والمساوئ والطعون وتبديدها.
ومن ثم الانصراف إلى الاقتراب من كل غريب وكأنه القدر الحتمي، لا حبا فيه
أو طمعا ولكن تقليدا له والنهل منه زيادة في قوة الالتصاق المنيع بالآخر
تعويضا عن خسارة أمته قدرها وعنفوانها، وتلبية قاصرة عن الإعراض والرفض
من دفوع الإرادة والتصميم والفعل الايجابي تجاه الأمة. وهي الملهاة التي
تقذف الشعوب في التاريخ وحب الافتتان به بقصد أو دون قصد ولكن الاستعمار
بيده الطولى يفهم الملهاة ومقاصد المعاصرة كدعوة مؤمنة له. فإذا أردنا أن
نلخص الاستبداد بكلمة لقلنا أنها ملهاة الأمة.
يقول برهان غليون في كتابه مجتمع النخبة «أن السبب في التراجع العربي منذ
قرون ليس تقنيا عسكريا ولكنه سياسي اجتماعي. إنه العجز الكامل لنظام
توازن سياسي وتعبئة سياسية، ولنظام توازن نفسي فردي هو ثمرة كل توازن
اجتماعي، إنه عجز المجتمع الذي صنعته القوى والأفكار القائدة وجعلته
ملغما بالحساسيات، وعميق النزاعات مثخنا بالجروح الفردية والجماعية، فشل
نظام عقائدي وفكري لا انسجام ولا تجانس فيه، وفشل نظام عمل سياسي لا
قاعدة فيه للوحدة الاجتماعية ولا للحرية. إنه فشل لمجموع التصور
والممارسة السياسية لصنف اجتماعي نشأ وترعرع مع التغلغل الغربي، وأخذ على
عاتقه مسؤولية القيادة الاجتماعية التاريخية»[28]. ويذكرنا مونتسكيو في
كتابه روح القوانين عن نمط العلاقة التي توفرت في حكم الأمير أو الملك في
الشرق مع رعاياه بقوله «... أمراء الشرق، فإذا ما اخرج هؤلاء من ذلك
السجن، حيث أضعفهم الخصيان قلبا وروحا وتركوهم ينسون حتى حالهم غالبا،
وذلك ليرفعوا على العرش، بهتوا في البداءة، ولكنهم إذا ما نصبوا وزيرا
وانقادوا لأشد الشهوات بهيمية في قصرهم، ولكنهم إذا ما اتبعوا أكثر
الأهواء حماقة في بلاط كامد، لم يكونوا ليظنوا قط أن يكون الأمر سهلا
بهذا المقدار»[29]. الفاعلين وهكذا كلما كان للأمير في هذه الدول رعايا
كثيرون للحكم فيهم قل تفكير الأمير في الحكومة، وهكذا كلما عظمت الأمور
في هذه الدول قلّ التشاور حول الأمور[30].
فإن نشر ثقافة الشورى بين العامة والخاصة تدل عليه الحاجة إلى ترسيخ
ثقافة الحوار والتلاقي والصدق ما لم تكن مدفوعة بالصنمية والشبحية التي
تجسدها دمقرطة نخبة سياسية متملقة ومتحابية ولا تعيد إلا إنتاج ذاتها
عوضا عن القمة وهي قمة الاستبداد الشوري.
الهوامش
ــــــــ
[24]) بن نعمان(أحمد)، اللغة والثقافة في ظروف الغزو، مجلة الفكر العربي،
العدد السبعون، السنة الثالثة عشر(4)، تشرين أول/ أكتوبر- كانون أول/
ديسمبر1992. ص 107.
[25]) المرجع السابق، ص 107.
[26]) الكواكبي(عبد الرحمان)، طبائع الاستبداد،الهيئة المصرية العامة
للكتاب1993، ص 8.
[27]) المرجع السابق، ص 9.
[28]) غليون (برهان)، مجتمع النخبة، دار البراق للنشر، الطبعة الثانية
ماي تونس 1989، ص 7-8.
[29]) مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، المجلد الأول،
القاهرة،1953، ص 34.
[30]) المرجع السابق، صً 35.
عن: مجلة علوم إنساني
|
|
|