الحضارية «دراسات الحضارية والنهضة»

الاحد: 28/09/2008


نهاية التاريخ

د. عبد الوهاب المسيرى

من المصطلحات التي شاعت أخيراً مصطلح «نهاية التاريخ». وقد أضيف المصطلح إلى ترسانة المصطلحات الأخرى التي تصف المجتمع الحديث. واختلف الباحثون بشأنه، ولكنني أذهب إلى أن ظهوره هو في واقع الأمر تعبير عن إخفاق علم الاجتماع الغربي في تطوير نظرية للعلمانية الشاملة.
وعبارة «نهاية التاريخ» (بالانجليزية: إند أوف هيستوري end of history) عبارة تعني أن التاريخ ـ بكل ما يحويه من تركيب وبساطة، وصيرورة وثبات، وشوق وإحباط، ونـُبْلٍ وخساسة ـ سيصل إلى نهايته في لحظة ما، فيصبح سـُكونياً تماماً، خالياً من التدافع والصراعات والثنائيات والخصوصيات، إذ أن كل شيء سيردّ إلى مبدأ عام واحد يـُفسر كل شيء (لا فرق في هذا بين الطبيعي والإنساني). وسيُسيطر الإنسان سيطرة كاملة على بيئته وعلى نفسه، وسيجد حلولاً نهائية حاسمة لكل مشكلاته وآلامه، في طار الواحدية المادية. وهو ما يعني في واقع الأمر أنه حينما يصل إلى قمة سيطرته على الطبيعة وعلى نفسه، فإنه يفقد ما يميّزه كإنسان، أي حريته ومقدرته على التجاوز!
ونحن نرى أن هذا المصطلح ينتمي إلى عائلة من المصطلحات التفكيكية التي تصف بعض جوانب منظومة الحداثة الغربية، والتي تعني انتهاء شيء ما و القضاء عليه، وهذا الشيء ـ المقضيّ عليه ـ في غالب الأمر هو الجوهر الإنساني، كما نعرفه، وكما ظهر مـُتعيّنا في التاريخ. كما يمكن أن نضع مصطلح «نهاية التاريخ» مع المصطلحات التي تبدأ بالكاسحة «post» التي تعني حرفياً: «بعد»، ولكنها تعني في واقع الأمر: «نهاية» أو: «تـَحوّل جوهري كامل». مثل: «بوست مودرن post-modern» بمعنى «ما بعد الحداثة»، و«بوست إندستريال post-industrial» بمعنى «ما بعد الصناعي»، و«بوست كابيتاليست post-capitalist» بمعنى «ما بعد الرأسمالي»، وأخيراً «بوست هيستوريكال post-historical» بمعنى «ما بعد التاريخ»، التي تعني في واقع الأمر: «نهاية التاريخ».
وتجب ـ ابتداءً ـ ملاحظة أن ثمة اختلافاً عميقاً بين مفهوم نهاية التاريخ (الحلولي الدنيوي) ومفهوم يوم القيامة (التوحيدي). فيوم القيامة نقطة تقع خارج الزمان في الآخرة، وهو ما يعني أن الزمان التاريخي لن يصبح في يوم من الأيام خالياً من الصراع والتدافع، أي أن ثمة ثنائية لا يمكن أن تـُمحى أو تـُرد إلى غيرها. أما نهاية التاريخ، فتتحقق داخل الزمان الإنساني وعلى الأرض، حين يؤسس الإنسان الفردوس (صهيون ـ مملكة المسيح ـ المهدي المنتظر ـ اليوتوبيا التكنولوجية) على الأرض وداخل الزمان، فهو فردوس أرضي، لا توجد فيه أية تركيبية أو ثنائيات.
والنظم الحلولية نظم مغلقة، تـُفضي إلى نهاية التاريخ، ففي وحدة الوجود الروحية يحُلّ الإله في الطبيعة وفي الإنسان فيستوعبهما في ذاته، وصبح كل شيء تعبيراً عن الإله وتجسيداً له (ولا موجود إلا هو)، فينتهي التاريخ، ويلغى الزمان، ويتحول إلى دورات متكررة.. بداياته تشبه نهاياته، فكل دورة كونية تشبه الدورات الأخرى (فهو عَودٌ أبديٌ رتيب). أما في إطار وحدة الوجود المادية، فيحل الإله في الإنسان والطبيعة ويُستوعب هو نفسه فيهما، ويصبح لا وجود له إلا من خلالهما. ثم تـُعاد تسميته ليصبح «قانون الحركة» أو «قانون الضرورة» أو «قوانين الطبيعة/ المادة»، التي يـُردّ إليها كل شيء، وضمن ذلك الظواهر الإنسانية (ولا موجود إلا هي). ومن يعرف هذه القوانين يصلْ إلى المعرفة التي تمكـّنه من التحكم في العالم، وفي تأسيس الفردوس الأرضي، وفي إنهاء التاريخ والزمان. فكأن وحدة الوجود الروحية تتحول، من خلال إعادة التسمية، إلى وحدة وجود مادية، معادية للإنسان ولاستقلاله عن عالم الطبيعة/المادة من حوله، ومعادية للتاريخ (مجال حرية الإنسان وساحة نجاح وإخفاقه).
وتتضح وحدة الوجود الروحية في العقائد المشيحانية (المهدوية) الدينية. فالعقيدة المشيحانية ـ على سبيل المثال ـ تضع اليهود في مركز التاريخ، ويدور التاريخ البشري بأسره (تاريخ اليهود وتاريخ الأغيار) حولهم. ويتركز الغرض الإلهي في اليهود (شعب الله المختار) الذين سيـُعانون كل الآلام، إلى أن يأتي الماشيّح ويقضي على أعدائهم، ويضح حداً لآلامهم، فيجمعهم من شتات الأرض ويعود بهم إلى صهيون، ليؤسس مملكته هناك، حيث يتحقق السلام الكامل والفردوس الأرضي.
إلا أن التاريخ، كما يقول المفكر الصهيوني موسى هس، سيصبح مثل الطبيعة في العصر المشيحاني (سَبت التاريخ أو نهايته)، ويصبح الإنساني والتاريخي في بساطة الطبيعي. وبالفعل لن يشهد العصر المشيحاني الألفي إصلاح المجتمع الإنساني وحسب، وإنما سيشهد أيضاً تحول قوانين الطبيعة ليتم التوافق الكامل بين الطبيعة والإنسان.
وتضع النظم الواحدية المادية، هي الأخرى نهاية للتاريخ.. فمن البداية يـُفسّر التاريخي والاجتماعي والإنساني في إطار الطبيعي/المادي، ويُرد كل شيء إلى الطبيعة/المادة. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن الرؤية اليونانية القديمة للتاريخ كانت رؤية هندسية دائرية تـُنكر أي هدف أو غاية للتاريخ. ولكن هناك أيضاً مشيحانية دنيوية، علمية (أو «علموية»). فهناك من يرى أن المعرفة العلمية هي المعرفة التي ستمكـّننا من السيطرة على قانون الضرورة وتأسيس صهيون العلمية، أي اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية. ويـَصدر هؤلاء عن رؤية علمية (أو «علموية») ضيقة تدور في إطار السببية الصـّلبة، ويتصورون أن العلم سيؤدي إلى معرفة يقينية شاملة كاملة. (ومن المفارقات أن هذه التصورات جميعاً فقدت مصداقيتها في الاوساط العلمية، التي أصبحت تدرك «لا تحدّد» العلوم الطبيعية واحتماليتها. ومع هذا، لا تزال مثل هذه التصورات سائدة بين بعض الأوساط في العلوم الإنسانية التي تصدُر عن تصوّر علمي سببي صلب عفا عليه الزمان!). وفي إطار النظم المادية (الرواقية والأبيقورية على سبيل المثال) نجد أن ثمة جبرية كاملة، فالعالم كله مادة واحدة، جوهر واحد خاضع لقانون ثابت شامل لا استثناء فيه، ولذا، فليس من المتوقع تغيّر أي شيء. ومن ثم، يأخذ التاريخ شكل دورات كونية متكررة متشابهة.
إن إشكالية نهاية التاريخ إشكالية كامنة في الفكر الديني والفلسفي الغربي، ولكنها تتحول إلى موضوع أساسي في الحضارة الغربية منذ عصر النهضة، فالفكر المادي الرياضي الآلي يرفض تنوع التاريخ وجدليته، ويُحل محله عالماً بسيطاً آلياً يتحرك كالآلة أو الساعة الدقيقة (صورة نيوتن المجازية)، أو تتحرك فيه الأجسام الإنسانية كالأحجار المندفعة (صورة إسبينوزا المجازية)،ويصبح عقل الإنسان صفحة مادية بيضاء (صورة لوك المجازية), ويصبح الإنسان في نسق الآلة وبساطتها (صورة جوليان دي لامتري المجازية). وتتضح إشكالية نهاية التاريخ بشكل متبلور مع ظهور فكرة اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، التي تنسلخ عن التاريخ الإنساني، لأنها تـُدار وفق العقل الذي يـُدرك القانون أو العلم الطبيعي الذي لا علاقة له بالقوانين الاجتماعية والتاريخية والإنسانية (لأن قوانين العقل تماثل قوانين الطبيعة)، فاليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، من ثم، تعبير عن رغبة حقيقية وصادقة في وضع الحلول النهائية لكل المشاكل، وتأسيس الفردوس الأرضي، وإنهاء التاريخ.
ويوتوبيا عصر النهضة في الغرب هي إرهاصات لهذا الفكر التكنوقراطي الحديث، والرغبة في التحكم الكامل النابعة من الرؤية الواحدية المادية. ومن أهم هذه اليوتوبيات يوتوبيا سير توماس مور (1478-1535)، الذي وصف نظاماً تسوده الملكية العامة وعلاقات المساواة والتسوية وتـُلغى فيه مؤسسة الأسرة. ومن اليوتوبيات الأخرى، يوتوبيا كمبانيلا (1568-1639) الذي صوّر مجتمعاً طولاوياً اشتراكياً في كتابيه دولة المسيح ومدينة الشمس ـ تسقط فيه الملكية الخاصة، وتنتهي الأسرة، وتقوم الحياة الجماعية وتنتهي الفردية تماماً، إذ يتم تخطيط كل شيء ومراقبة كل الأفراد والوفاء بحاجاتهم المادية والروحية، وهو ما يريح الإنسان من عبء المسئولية والاختيار، ويحل المشكلات والتناقضات الاجتماعية والتاريخية كافة. ومدينة الشمس هذه انعكاس لعالم الطبيعة، التي لا يحكمها سوى القوانين الطبيعية، وأعظم الرجال هو من يفهم هذه القوانين ويوظفها. ويحكم كل هذا الساحر/الكاهن (العالم والتكنوقراط) الذي يوجه حياة المدينة لتكون على وفاق تام مع الكون والطبيعة. ولذا، كان من الهموم الأساسية للمدينة تحديد اللحظة المناسبة (من الناحية الفلكية) التي يعاشر فيها الذكر الأنثى حتى تضمن أن يولد طفل صحيح (من الناحية البدنية)، متوازن (من الناحية النفسية). أي أن مدينة الشمس يوتوبيا علمية كاملة، رَحِمٌ اجتماعي جمعيٌ، يتم فيه التحكم في ظاهر الإنسان وباطنه (ومن المثير أن كامبانيلا كان يؤمن بمقدراته المشيحانية، فكان يعتقد أن النتوءات السعبة على وجهه تمثل السماوات السبع، أي أن ثمة علاقة تربطه بالقوى الكونية! كل هذا يجعل من كامبانيلا رائداً للشخصيات الكاريزمية النيتشوية الحديثة مثل روبسبيير وهتلر وستالين المرتبطين باليوتوبيا التكنولوجية والتكنوقراطية). أما يوتوبيا سير فرانسيس بيكون (1561-1626) أطلانطيس الجديدة، فهي يوتوبيا علمية نماذجية، إذ يحكمها العلماء وأصحاب الخبرة (من بيت سليمان)،حيث تـُوجِّه الدولة كل شيء، ولا يوجد مجال للتناقضات والاختلافات. (ورغم أن كل هذه اليوتوبيات متفائلة، إلا أنها وثيقة الصلة بكتاب هوبز التنين، حيث قدّم هو الآخر رؤية للدولة التي يمكنه أن تتحكم في كل شيء، وتوجّه كل شيء، وتضع حلولاً نهائية لسائر المشاكل. ولذا، فهي تحل محل الضمير الشخصي، والفارق أن هوبز كان يرى أن قابلية الإنسان لفعل الشر ضخمة، أما اليوتوبيون، فلم تكن عندهم نظرية في الشر).
ويظهر رفض التاريخ بطريقة أكثر تركيباً في فكر حركة الاستنارة في لحظات تمركزه حول العالم وتهميشه للإنساني والخاص. وينطلق هذا الفكر من تأكيد أن التاريخ نشاط إنساني، فهو ثمرة جهد عقل الإنسان، وهو مستودع حكمته. ولذا، فهناك نزعة في فكر الاستنارة لتمجيد التاريخ. ولكن قوانين العقل هي نفسها قوانين الطبيعة والمادة والحركة، العقل المستنير لا يستمد معياريته إلا من دراسة الطبيعة والمادة والحركة. ولذا، فبدلاً من الغائية التقليدية التي ترى أن التاريخ يسير بتوجيه إلهي، طـُرحت فكرة جديدة تماماً على الفكر البشري، وهي أن التاريخ يتحرك إما دون غائية فهو حركة دون هدف (تماماً مثل الطبيعة/المادة)، أو أن غائيته مثل معياريته مستمدة من الطبيعة/المادة. وغني عن القول أن نذكـِّر الرؤية الأولى تنسف فكرة التاريخ تماماً. أما المفهوم الثاني، فقد تفرعت عنه رؤية للتاريخ تراه في حالة تقدّم دائمة. ولكنه تقدّم مرجعيته النهائية الطبيعة/المادة، وهدفه النهائي تـُحقق قوانينها في التاريخ، ومن ثم، يصبح التقدم هو تزايد تطبيق القوانين الطبيعية إلى أن تسود هذه القوانين تماماً (ويصبح المجتمع الإنساني في بساطة عالم الطبيعة).
وانطلاقاً من هذه الرؤية، التي تساوي بين العقلي والطبيعي وبين الإنساني والمادي ـ وضع كوندورسيه مخططاً بسيطاً لتقدّم العقل البشري بيّن فيه أن قانون التقدم اللانهائي خير مبدأ لتفسير التاريخ، ومن هنا ظهرت فكرة المراحل التاريخية التي سيطرت على الفكر الغربي، وهي تشكل في جوهرها ابتعاداً عن الغائيات التقليدية وتحققاً للغائيات الحديثة: المرحلة اللاهوتية ـ المحرلة الميتافيزيقية ـ المرحلة الوضعية، وهي مرحلة سيادة العقل والعلم. ولكنها أيضاً، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، مرحلة سيطرة القانون الطبيعي، وهذا هو قمة التقدم هذه هي غايته. فكأن رؤية عصر الاستنارة، التي بدأت بالتمركز حول العقل الإنساني والتاريخ الإنساني، تنتهي بالتمركز حول الطبيعة والقانون المادي، وهو ما يعني التحرك بخطى حثيثة نحو نهاية التاريخ. فالتاريخ ـ من هذا المنظور ـ يصبح مجرد تعبير عن القانون الطبيعي، والتقدم إن هو إلا عملية تراكمية مادية آلية تتم حسب قوانين الطبيعة الكامنة في المادة، وليس لها غرض إلهي أو إنساني، وما يُحرك التاريخ (باعتباره جزءاً من الطبيعة/المادة أو لصيقاً بها) ليس الإرادة الإنسانية، وإنما العناصر المادية مثل وسائل الإنتاج ورغبة الإنسان الطبيعي في التملك أو القتال. وعلى الإنسان أن يخضع لمسار التاريخ الصارم وحتمية التقدم، باعتباره تعبيراً عن القانون العام الذي يحكم الإنسان والطبيعة والكون. ومن هنا شاع الحديث عن «الحتمية التاريخية» (التي تحركها قوى علاقات الإنتاج المادية) وعن «قوانين التاريخ الصارمة» (التي لا تختلف عن القوانين الطبيعية/المادية).
وانطلاقاً من هذا المفهوم المادي للتقدم التاريخي ظهرت عدة مواقف تبدو كما لو كانت متناقضة، ولكنها تضرب بجذورها في هذه الرؤية المعادية للتاريخ:
(أ) يرى البعض أن عملية التقدم المادية التراكمية ستصل إلى منتهاها يوماً، حين يسود العقل تماماً ويتحكم الإنسان في المادة وفي نفسه، فيسيطر على الطبيعة المادية، ويصلح الطبيعة البشرية، ويصل إلى الحكم التكنوقراطي الرشيد، أي نهاية التاريخ. والتطور التاريخي بهذا المعنى يؤدي إلى إلغاء التاريخ. وإلغاء التاريخ يؤدي إلى إلغاء ظاهرة الإنسان تماماً (أوليس الإنسان ظاهرة تاريخية فقط كما تعلمنا من مفكري عصر الاستنارة أنفسهم؟!). ولذا، كان تفاؤل المستنيرين الخاص بتطور التاريخ ينقلب في بعض الأحيان إلى تشاؤم عميق، وكان التبشير به يتحول إلى تحذير منه، ذلك لأنهم أدركوا أنه تطوّر قد يؤدي إلى إلغاء الإنسان الفرد لصالح حركة التاريخ الحتمية وتقدّمه المادي غير المتناهي، وأن بروميثيوس تحوّل إلى فرانكنشتاين الآلي (في منتصف القرن الثامن عشر)، ثم إلى دراكيولا العضوي (في منتصف القرن العشرين)، ثم إلى مجموعة من المخلوقات المخيفة التي تحاصر الإنسان وتقضي عليه (في روايات الخيال العلمي وأفلام هوليوود).
(ب) كان يُنظر إلى التاريخ الإنساني كما نعرفه باعتباره تاريخاً مزيفاً.. مجرد معلومات متراكمة، وحقائق حضارية مصطنعة، تـُبعد الإنسان عن حالة الطبيعة الأولى (المرجعية النهائية). وهنا يصبح التقدم اغتراباً عن جوهر الإنسان (الطبيعي)، وتـُطرح أفكار معادية للتاريخ، مثل النزعة البدائية التي تطالب بالعودة للطبيعة وللإنسانية البدائية (المرحلة الشيوعية الافتراضية قبل أن تسود الحضارة وينتشر التفاوت بين الناس). وظهرت نظريات للتاريخ تـُبيّن أن مسار التاريخ إنما هو تعبير عن التدهور المستمر للإنسان.
(جـ) ظهر الفكر الثوري ذو النزعة الجذرية الذي يحاول نسف التاريخ «الزائف» تماماً بهدف تغيير مساره! وتأسيس التاريخ «الحقيقي» على أسس علمية طبيعية (ومن هنا يشير ماركس على سبيل المثال إلى أن التاريخ الإنساني كما نعرفه ليس إلا مرحلة ما قبل التاريخ، وأن التاريخ الحقيقي سيبدأ بعد الثورة الشيوعية أو الاشتراكية).
وقد عبّرت هذه الرؤية «الاستنارية» للتاريخ عن نفسها في فلسفة هيجل (التي تؤكد فكرة التقدم والغائية الطبيعية/المادية) وفي الفلسفات التي ثارت على الهيجلية (التي تنفي عن التاريخ أية غائية). والفلسفة الهيجلية في تصوّرنا تشكل وحدة وجود روحية/مادية، أو هي بالأحرى فلسفة مادية تستخدم ديباجات روحية بذكاء شديد، لا تـُفرّق بين الروح والطبيعة وبين العقل والتاريخ. إذ تفترض الهيجلية أن ثمة فكرة ليس لها وجود مادي أو نسبي، هي التي تحرك التاريخ والمجتمع والإنسان والطبيعة.ويـُطلق على هذه الفكرة عدة أسماء: الفكرة المطلقة ـ العقل المطلق ـ الروح بشكل عام (جايست) ـ الروح اللامتناهي. ولكن المطلق ليس سكونياً، فهو لن يُدرك نفسه إدراكاً كاملاً ولن يتحقق تحققاً كاملاً إلا في الطبيعة والزمان والتاريخ، وذلك عبر عملية جدلية تتداخل فيها المتناقضات، وتتحدّد من خلالها الأضداد، إلى أن يصبح الفكر طبيعة، وتصبح الطبيعة فكراً. وهذه الوحدة الكونية النهائية ممكنة، لأن قوانين الفكر هي في واقع الأمر قوانين المادة، وقوانين المنطق (العقل) هي في واقع الأمر قوانين الطبيعة.
كل هذا يعني أن الفلسفة الهيجلية، رغم كل حديثها عن الجدل والتناقض، فلسفة واحدية تسد الثغرة التي تفصل بين الإنساني والطبيعي وتـُلغى ثنائية الفكر والمادة، ومن ثم، تمحو الإنسان كظاهرة متفردة مستقلة عن الطبيعة. ولهذا قيل عن حق: إن الهيجلية فلسفة لا تعرف الثنائيات ولا تفصل بين المادي والمثالي، أو بين الطبيعي والإنساني، أو بين المقدّس والزمني، إذ أنها تردّ كل شيء إلى عنصر واحد، ماديّ فعلاً.. روحيّ اسماً.
والرؤية الهيجلية لا تنظر إلى الواقع إلا من منظور نهاية التاريخ حين يتجسّد العقل الكلي. ولهذا، لا يرى العقل الهيجلي إلا الفكرة المطلقة، بينما يهمل التفاصيل والظواهر المختلفة (فما هي إلا تجسدات متساوية في الدرجة والقيمة). والفكرة المطلقة المجردة غير محسوسة، ومع هذا يستطيع بعض البشر إدراكها وتجسيدها (طليعة الطبقة العاملة ـ العلماء والمتخصصون والتكنوقراط ـ الفوهرر). وهؤلاء يعرفون أن التفاصيل والتناقضات في جوهرها غير حقيقية، وأنها، مهما كان عمقها، ليست إلا حلقة مؤقتة في سلسلة تؤدي إلى لحظة تتحقق فيها الفكرة المطلقة (الدولة البروسية، أو الدولة النازية، أو الدولة الصهيونية، أو ديكتاتورية الطبقة العاملة، أو اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية)، وهي لحظة ينتهي فيها الجدل وتنتهي المعاناة الإنسانية، إذ يصل الإنسان إلى الحل النهائي لكل مشكلاته، فتنتهي هذه المشكلات ويـُحكم السيطرة على كل شيء. وباسم هذه المعرفة سيقوم هؤلاء العارفون بقوانين التاريخ والطبيعة بفرض حلـّهم النهائي على الواقع الإنساني المركب، وبذا يصلون إلى نهاية التاريخ. ولكن من المفارقات أن لحظة السيطرة الكاملة هذه هي أيضاً لحظة انتصار البسيط على المركب والطبيعي على الإنساني!
ثم قامت الثورة على الهيجلية، التي تبدأ مع كجارد وغيره، وتتبلور في فكر نيتشه، وتصل إلى ذروتها في فلسفة ما بعد الحداثة، وهي ثورة تنكر فكرة الجوهر والمركز والغاية والسببية وأي شكل من أشكال اليقينية. ولذلك سـُميّت الفلسفات المعادية للهيجلية «فلسفات معادية للفلسفة»، أي معادية للعقل. ومثل هذه الفلسفات معادية للتاريخ بشكل جذري وواضح. فكأن كلاً من الهيجلية والثورة عليها، رغم تناقضهما، يصبان في نفس المصب.
وقد استخدمتُ مصطلح «نهاية التاريخ» لأول مرة عام 1965 حينما كنت أكتب رسالتي للدكتوراه عن الشاعر الأمريكي وولت ويتمان، الذي وصفته بأنه شاعر حلولي صوفي مادي، يعادل بين الروح والمادة ويقرن بينهما (على طريقة هيجل). وهو يتغنى بالمادة والجنس والكهرباء والجاذبية الأرضية التي يرى أنها تشبه الجاذبية الجنسية. فالإنسان إن هو إلا جزء لا يتجزأ من الكون، ووعيه لا يتجاوز الطبيعة، بل عليه أن يتكيف معها ويذعن لها. كما أن إيمان ويتمان المطلق بالطبيعة (وكذلك عداؤه للإنسان المركب التاريخي) يترجم نفسه إلى عداء للتاريخ، يتضح في محاولته الوصول إلى نهاية التاريخ وإلى اليوتوبيا التكنولوجية. وكان ويتمان يرى أن أمريكا هي هذا الفردوس الأرضي الذي تسود فيه قوانين الطبيعة/المادة، قمة التطور التاريخي السابق كله، فهي دولة العلم والتكنولوجيا التي ستهدم التاريخ وتعلن نهايته (وذلك قبل أن يتحدث فوكوياما في نهاية الثمانينيات عن التلاقي الكامل، أو عن انتصار الليبرالية، الذي يؤدي إلى نهاية التاريخ). وكما يقول ويتمان: «جوهر المثالية [الأمريكية] هو علموة to scientize الروح والشرائع اليونانية»، أي صبغها بالصبغة العلمية أو فرض قوانين علمية (تم استخلاصها من عالم الطبيعة) عليها، حتى يدير الإنسان حياته من خلالها بطريقة علمية (وهذا هو أساس فكرة وحدة العلوم واليوتوبيا التكنولوجية). ويظهر التاريخ كجثة هامدة في شعر ويتمان، الذي تسود فيه رؤية واحدية، يُرد فيها التاريخ بأسره إلى مبدأ واحد هو الطبيعة/المادة ـ «القانون الذي لا يتغيّر».. الحتمي، مثل قوانين الشتاء والصيف، والنور والظلام!.
وشعر ويتمان مفعم بهذه «الرغبة في العودة» الحرفية والمادية والدائمة إلى الطبيعة. وكثير من قصائد ويتمان تبدأ بالابتعاد التدريجي عن الحضارة والاقتراب المتزايد من الطبيعة إلى أن يلتحم بها تماماً، ويصل إلى اللحظة النماذجية، لحظة ذوبان الذات الإنسانية في الطبيعة المادية، وهي عادة ما تكون لحظة قذف جنسية (مع محبّ من جنسه!) يُعلن فيها تحرره من عبء التاريخ ومن التدافع ومن الحضارة والهوية. فهي لحظة نهاية التاريخ وتحقق الفردوس الأرضي.
ثم استخدمت مصطلح «نهاية التاريخ» بشكل أكثر شمولاً في كتابي نهاية التاريخ (عام 1972)، لوصف النماذج الحلولية الواحدية المادية الشاملة التي تترجم نفسها في عالم السياسة إلى نظم طوباوية شمولية فاشية. وبيّنت أن مثل هذه النماذج تحوي داخلها دائماً «قابلية» لإعلان نهاية التاريخ، فما هو مجهول ليس بغيب، وإنما هو أمر غير معروف بشكل مؤقت. إذ من المتوقع أن يكتشف الإنسان بالتدريج قوانين الحركة خلال عشرات السنين من المحاولة والخطأ، وستنكمش رقعة المجهول تدريجياً وتتسع رقعة المعلوم، وسينحسر الجهل بالتدريج مع تزايُد الترشيد والاستنارة، إلى أن نصل في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والتاريخ إلى «نقطة التوهج الأخيرة» والرشد الكامل، بحيث يصبح كل شيء واضحاً، وتوضع الحلول النهائية لجميع المشكلات، ويتم التحكم في كل شيء، ويتم تفسير كل شيء في ضوء القانون العام.. فتـُمحى الثنائيات والمطلقات، ويختفي الإنسان. ومن ثمّ، فإن «نقطة التوهج» هذه هي في الواقع «نقطة الاحتراق»، وهي أيضاً نقطة نهاية التاريخ ونهاية الإنسان باعتباره كائناً مركباً متعدد الأبعاد لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة، وهي أيضاً النقطة التي سيظهر فيها إنسان جديد رشيد، يعيش حسب قوانين الطبيعة المادية العلمية، ومن ثم، فهو خاضع للتحكم العلمي.
كما تناولتُ الموضوع مرة أخرى في مقدمة كتاب الفردوس الأرضي (1979م)، حيث تحدثت عن الإنسان الطبيعي والإنسان التاريخي، وبيّنت أن الإنسان الطبيعي إنسان لا حدود له، يرفض الحدود التاريخية.. هو إنسان روسّو الحر الفرح الآمن الذي يتحول إلى إنسان داروين المتجهم الذي تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو من البشر الطبيعيين (وقد تحول أخيراً إلى كلب بافلوف المسكين، القابع في المعمل، لا باطن له، ولا يتحرك إلا بعد تلقي الإشارات البرانية!). وأشرتُ إلى أن الإنسان التاريخي يتسم بالثنائية «فالإنسان يعيش في التاريخ، يفصل بين المطلق والنسبي، ويبحث عن المطلق خارج التاريخ، إذ أن التاريخ لا نهاية له، ولن نصل بتاتاً إلى لحظة السكون التي يتحقق فيها الفردوس الأرضي، وينتفي فيها الجدل، ويتداخل فيها المطلق والنسبي، ويصبح التاريخ دائرياً مثل الطبيعة». وقد ربطتُ هذه النزعة الفردوسية اللاتاريخية بما سميتـُه حينذاك «الغيبية العلمية» التي تدّعي لنفسها احتكار الحقيقة المطلقة، وتنسب لنفسها القدرة على تحقيق الفردوس «الآن وهنا»، بإشباع كل رغبات البشر.. ذلك إن استسلم الناس لها «وأسلموا لها القياد، متبعين آخر الأساليب العلمية التي لا يعرفها بطبيعة الحال إلا العلماء».
وهذه الرؤية الفردوسية العلمية رؤية «ميكانيكية بسيطة، تفترض أن الإنسان كمٌ محض، لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى».. يعكس بيئته بشكل مباشر وبسيط. وقد وجدت أن هذا التيار ليس مقصوراً على العالم الرأسمالي، بل يوجد أيضاً في العالم الاشتراكي. حيث عبّرت هذه المفاهيم جميعاً عن نفسها في فكرة «التقدم» السريع والدائم نحو الفردوس العلمي المنظم (اليوتوبيا التكنولوجية)، الذي يعيش فيه الإنسان كالأطفال في تناسق تام مع الطبيعة، وكأنه آدم قبل السقوط وقبل أن يكتسب معرفة الخير والشر!».
ويمكن القول بان النموذج الكامن وراء جميع الأيديولوجيات العلماينة الشاملة (النازية ـ الماركسية ـ الليبرالية ـ الصهيونية) هو ما يـُسمّي «التطور أحاديّ الخط» (بالانجليزية: يوني لينيار unilinear)، أي الإيمان بأن ثمة قانوناً علمياً وطبيعياً واحداً للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية لتصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس، وهذا ما يسمي أيضاً «نظرية التلاقي» (بالانجليزية: كونفيرجانس ثيري convergence theory). والتلاقي هو تـَوحّد النماذج كلها بحيث تتبع نمطاً واحداً وقانوناً عاماً واحداً، هو قانون التطور والتقدم، بحيث يصبح العالم مكوناً من وحدات متجانسة.. ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى تلقائياً (وهي عملية تنتهي بالعولمة، حيث يسود عالم أملس متجانس بلا نتوء!).
ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو عن حقّ عصر نهاية التاريخ. فالحضارة الحديثة المرتبطة بآليات السوق، وبالعرض والطلب، حضارة مرتبطة بآليات بسيطة لا تعرف تركيبية الإنسان، وتنكر مقدرته على التجاوز، فإنسانها ذو بُعد واحد (يعيش في مجتمعات أحادية الخط)، وعقله عقل أداتي (يغرق في التفاصيل والإجراءات، ولا يمكنه إدراك الأنماط التاريخية أو تطوير وعيه التاريخي). فالسوق (والمصنع) بآلياتهما البسيطة يتطلبان إنساناً طبيعياً مادياً بسيطاً، ليست له علاقة بالإنسان الإنسان، الإنسان المركب. والمجتمعات الإستهلاكية التي لا تحكمها إلا آليات العرض والطلب والاستهلاك والانتاج تزعم أنها قادرة على إشباع جميع رغبات الإنسان المادية والروحية من خلال مؤسساتها الإنتاجية والتسويقية والترفيهية.
ويـُلاحظ في العصر الحديث تزايُد هيمنة البيروقراطية والتكنوقراطية والتحكم في البشر، من خلال الهندسة الوراثية والبيولوجيا الاجتماعية وعملايت الترشيد المتحررة من القيمة، وهذه علامة على شيوع فكرة نهاية التاريخ. وكما قال ألدوس هكسلي متهكماً وواصفاً إمكانات تكنولوجيا اليوتوبيا والفردوس الأرضي: «في عام 5200 سيحكم الأرض عالم جديد شجاع، مبادئه: المساواة والتماثل والاستقرار. وسيكون علم البيولوجيا العلم الرئيسي في هذا العالم، سيمكـّن الإنسان من الحصول (من الحاضنة) على كائنات بشرية متشابهة وَفق معايير موحّدة. وسيعمل آلاف من التوائم على الآلات نفسها، ويقومون بالأعمال نفسها..». ويُـعلق علي عزت بيجوفيتش (المفكر المسلم.. رئيس جمهورية البوسنة السابق) على ذلك بقوله: «في هذا العالم «الرائع» لن يوجد أناس خاطئون. قد يوجد بعض الأفراد المعاقين، ولكنهم لا يكونون مسئولين عن إعاقتهم، ولا يُعاقبون عليها، [ولذا] سيتم فكـّهم من الآلة ببساطة. في عالم كهذا، لن يكون هناك خير ولا شر.. ولن يكون هناك إلهام ولا مشكلات ولا شكوك ولا عصيان. هنا.. يتم القضاء على الدراما وعلى الإنسان وتاريخه، ويرتفع صرح اليوتوبيا!».
بل إن نهاية التاريخ أصبحت ـ لأول مرة في تاريخ البشرية ـ إمكانية قائمة بالمعنى الحرفي، فالتلوث الكوني يتزايد إلى درجة تهدد الحياة على وجه الأرض، وقد تراكم لدى البشر كمٌ من الأسلحة يكفي لتدمير العالم أكثر من عشرين مرة. وهذه آلية تكنولوجية «رائعة» لإنهاء التاريخ والجغرافيا بطريقة رشيدة بسيطة شاملة حديثة، لا تسبب ألماً كبيراً ولا تستغرق سوى لحظات! وهي من ثم تحقق حلم الإنسان العلماني الشامل بالتأله الكامل والتحكم الشامل في كل شيء، وضمن ذلك يوم القيامة!
ورغم مركزية فكرة نهاية التاريخ (والحلول النهائية والفردوس الأرضي واليوتوبيا التكنولوجية) إلى أن حدة الحُمّى الطوباوية المشيحانية التكنولوجية تختلف من عقيدة لأخرى. فهي خافتة مثلاً في الفكر الليبرالي، ولكنها بغير شك كامنة فيه، فهو فكر يدور حول فكرة التقدم والإيمان بأن كل مجهول لابد أن يصبح معروفاً (فلا مجال للمجهول أو للغيب)، الأمر الذي يعني تزايُد التحكم (الامبريالي) في الواقع، على أن يصل الإنسان إلى قدر عال من المعرفة العلمية لقوانين الطبيعة، بحيث يمكن تحقيق ما يشبه السعادة الكاملة المخططة المبرمجة، أي.. الفردوس الأرضي.
وإذا كانت الحُمّى المشيحانية التكنولوجية خافتة في النموذج النفعي العقلاني الديمقراطي الليبرالي، فهي تزداد سخونة في الفكر الماركسي عند حديثه عن المجتمع الشيوعي.. حيث تزول كل الحدود ويتطابق الداخل والخارج ويتحقق الفردوس الأرضي. وتصل السخونة إلى درجة الغليان والانصهار في الستالينية، حيث يتم إصلاح العالم بقرارات وزارية وعسكرية مادية جدلية علمية رصينة، تطرح الحلول النهائية التي تكفل إزالة جميع العناصر المقاومة للتقدم وسائر الانحرافات التي تخرج عن المسار الحتمي الواضح المؤدي إلى السعادة الكاملة، وإلى تحقيق المجتمع الشيوعي العادل!(وقد شبـّه أحدهم نهاية التاريخ بأنه بوليس سري يطرق على باب المعارضين!). وفي ألمانيا النازية، كان الرايخ الثالث الترجمة المباشرة للعقيدة الألفية ذات الطابع المشيحاني (وكان المفترض فيه أن يستمر لمدة ألف عام). ففي الرايخ الثالث كان سيتم القضاء على كل آلام الشعب الألماني، ويتم تحقيق الرخاء الأزلي، الأمر الذي كان يتطلب إزالة بضعة ملايين من الأطفال المعاقين والعجزة والغجر والسّلاف واليهود ممن لا نفع لهم.. فنهاية التاريخ تتطلب بطبيعة الحال الحل النهائي!

المصدر: كتاب «العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة»، المجلد الأول، دار الشروق، القاهرة.