الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

السبت: 12/07/2008


العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية(2/2)

عبدالله إبراهيم(*)


أصول التمركز الغربي.
يتعذّر، على وجه الدقّة، تحديد اللحظة التي ولد فيها مفهومان متلازمان هما:«أوروبا» و«الغرب». فهما من تمخّضات تلك الحقبة الطويلة والمتقلِّبة التي يُصطلح عليها «العصر الوسيط»، الحقبة التي طوّرت جملة من العناصر الاجتماعية والدينيّة والسياسية والثقافية، فاندمجت لتشكّل «هويّة» الغرب، وبانتهاء تلك الحقبة، ظهر إلى العيان مفهوم «الغرب»، بأبعادهِ الدلالية الأولية، وسرعان ما رُكّب من المفهومين المذكورين مفهوم جديد هو «أوروبا الغربية».
هذا المفهوم ذو الدلالات المتموّجة، لم يمتثل أبداً للمعنى الجغرافي الذي يوحي به، فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينيّة، ومن ثمّ ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينيّة على أنها ركائز قارّة، تشكّل أسس هويته، وغذّى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو «المركزية الغربية». وتتجلى إشكالية هذا المفهوم من أنه تقصّد أن يؤسس وجهة نظر حول «الغرب»، بناء على إعادة إنتاج مكوِّنات تاريخية، توافق رؤيته، معتبراً إياها جذوراً خاصة به، ومستحوذاً في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعاً أواصر الصلة بينها و المحاضن التي احتضنتْ نشأتها، إلى ذلك تقصّد ذلك المفهوم، أن يمارس إقصاءً لكلّ ما هو ليس غربياً، دافعاً به إلى خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح «الغرب» مركزه، على أن يكون مجالاً يتمدد فيه، وحقلاً يجهّزه بما يحتاج إليه. إن ولادة «العصر الحديث» اقترنت بالممارسة الغربية في ميادين المعرفة والاكتشافات الجغرافية، ومؤسسة الدولة بركائزها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية. ومن الواضح أنّ صفة «الحديث» التصقت بالمضمون الإيديولوجي الذي أشاعته الثقافة الغربية بما يوافق منظورها، ويترتب ضمن الأفق العام لتصوراتها، فيما يخص العالم والإنسان. وأفضى كل ذلك إلى نوع من التمركز حول الذات بوصفها المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته، وإحالة «الآخر» إلى مكوّن هامشي، لا ينطوي على قيمة بذاته، إلاّ إذا اندرج في سياق المنظور الذي يتصل بتصوّرات الذات المتمركزة حول نفسها. وجدير بالذكر أنّ الانتماء الديني كان طوال العصر الوسيط شكّل نوعاً من الوحدة الشعورية، لعب دوراً أساسياً في تكوين «الإمبراطوريات الدينيّة» المتصارعة، التي ركَّبت لنظائرها صوراً مشوّهة، ومختزلة، لم يُشف من آثارها إلى الآن. ومع أنّ مهمة المبشّرين النصارى أتت أُكُلها متأخرة جداً، ذلك أنهم انتهوا من نحو «سنة ألف إلى تنصير وثنيّي أوروبا». إلاّ أنّ انتشار المسيحية في أوروبا بدأ يُعرف منذ القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وهو انتشار بطيء اقتصر في معظمه على الشريط الجنوبي لأوروبا. ويمكن القول تجوّزاً أنه شاع أول الأمر، فيما كان يسمى من قبل بـ«أوروبا الرومانية». وفي القرن العاشر أمكن استكمال مشروع تنصير «أوروبا البربرية» التي يمكن اعتبارها، بصورة عامة، سلف «أوروبا الغربية» بالمفهوم الحديث وطبقاً لشروط الجغرافيا.
كان التحدي الديني الخارجي قد ذوّب التعارض الذي كان قائماً في قلب أوروبا، وشدّ أزرها فظهرت بوصفها قوة طالعة، جديدة، تهدف ـ من بين ما تهدف إليه ـ تحقيق مجموعة من الدعاوى ذات الأهداف المزدوجة، وفي طليعتها: القضاء على الوثنية من جهة، ووقف التحديات الخارجية من جهة أخرى. ويمكن القول إن أوروبا قد أسفرت، بسبب تلك الأهداف، عن وجهها المسيحي، لإيجاد نوع من توازن القوى، وامتصاص التعارض الداخلي القائم آنذاك. وكل هذا جعل المفكر «دوفيز» يضع استنتاجه الآتي; وهو: إنّ «أوروبا تتطابق في الهوية أكثر فأكثر مع المسيحية... إنّ أوروبا هي حامل راية، وجندي المسيح. إن التصور الجغرافي لعصر الحملات الصليبيّة بسيط، لكنه منطقي:«أورشليم مركز العالم». القدس إذن «سُرّة العالم» والهدف المسيحي في هذه الحقبة يخضع للفرضية الآتية: بما أنّ «أوروبا بلاد المسيحيّين» فإنّ «إفريقيا وآسيا يجب تنصيرهما». الأصح كما يؤكد دوفيز «إعادة تنصيرهما ما دامت هذه الأراضي كانت جزئياً مسيحية في العصر القديم» يصعب الآن البرهنة على سلامة تلك الفرضية، فهي معرّضة للطعن من كل جانب.
أولاً: لا تلزم النتيجة المطلوبة عن المقدمة الموضوعة(هل يجب تنصير آسيا وأفريقيا لأن أوروبا مسيحية؟).
ثانياً: مهما حشدت الأسباب للقول إنّ آسيا وإفريقيا ينبغي «إعادة تنصيرهما»، فإنّ الأمر تمحّل محض، ذلك أنّ المسيحية لم تُعرف إلاّ في نطاق محدود جداً في هاتين القارتين قبل ظهورها في أوروبا. وتحديداً فإنّ مهد المسيحيّة كان الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. فإذا وضعنا في الاعتبار هذا التعسّف المقصود في الإساءة لتاريخ المسيحيّة المتحدّرة من أصول شرقية، فإنّ الحوار مع تلك الفروض يصبح ممتنعاً. إنها فروض مركّبة على مضامين اقتضتها ودفعتها إلى الأمام فكرة السجال اللاهوتي في القرون الوسطى، ذلك السجال الذي اعتاد أن يختزل كل شيء إلى فروض مستمدة من المنطق القياسي دون مراعاة لواقع المطابقة بين الموضوع والمحمول. كانت أوروبا تغادر حقبة العصور الوسطى ولم تفلح بعدُ في إضفاء صفة على شعوبها، لم تظهر كلمة «أوروبي» ولم تندمج الأعراق التي تستوطنها في هوية محددة، إلاّ الشعور الديني الذي يشكّل بطانة داخلية للتواصل الروحي. وكان هذا الشعور يتنازعه قطبان، كثيراً ما تداخلت وظائفهما وسلطاتهما: البابا والإمبراطور.
دخلت أوروبا العصر الحديث حينما طوّرت منظومة من الممارسات والأفعال والأفكار المتداخلة التي دُمجت معاً، ووُظّفت لتكوّن نسغاً حيّاً يجري في العروق التي جمدتها تناقضات العصور الوسطى. ومن خلالها بدأ الكيان الأوروبي، يظهر مؤثراً في العالم. ويعدد دوفيز ما يمكن اعتباره أهم العوامل التي أظهرت أوروبا بوصفها مكوِّناً متجانساً ومؤثراً:
1. اللغة اللاتينيّة.
2. الأدب القديم.
3. الانتلجنسيا التي بدأت منذ القرن الثالث عشر تدرس في جامعات متماثلة.
4. طبقات حاكمة لها الميول والأذواق نفسها.
5. البعثات الأولى إلى الشرق الأقصى في القرن الثالث عشر.
إذا نظرنا الآن إلى تلك العوامل، نجد أن فعاليتها تتجه في الأساس إلى إيجاد قاسم مشترك تتمحور حوله الذات الأوروبية. وكما هو واضح فإنّ الاهتمام انصبّ على النُظم الرمزية، وبخاصة الأدب الإغريقي والديانة المسيحيّة، وإعلاء شأن اللاتينيَّة لأنها الوسيط والحامل لتلك النُظم. وسرعان ما اقتضى الحال أن تُضفى القداسة على اللاتينيّة؛ لأنها لغة الحقيقة الدينيّة، لغة الإنجيل، لغة اللاهوت، ولغة الكنيسة. ورافق الشوق إلى استلهام الماضي، الاهتمام بالحاضر، سواء في أوساط طبقة المثقفين أو الفئات الحاكمة، ثم المحاولات الأولى للتعرّف إلى «الآخر» بواسطة «الرحلات الأولى إلى الشرق». لكنّ التعبير الحقيقي عن أوروبا تأخر إلى نهاية القرن الخامس عشر، وكشف عن نفسه في ظاهرتين مهمتين، لهما أثر غاية في الأهمية في التاريخ الحديث:
1. الكشوف الجغرافية.
2. الثورة العلمية والفكرية.
الكشوفات حسب تودروف هي الحدث الذي دشّنَ وأسس هوية الغرب الحديثة، إذ «لا يوجد تاريخ أنسب لتمييز بداية العصر الحديث من عام 1492، العام الذي يَعْبر فيه كولومبوس المحيط الأطلسي، ونحن جميعاً ـ الكلام على لسان تودروف ـ الأحفاد المباشرون لكولومبوس، بقدر ما لكلمة «بداية» من معنى». فاعتباراً من هذا التاريخ يصبح الغرب يعيش زمناً جديداً «لا يشبه أي زمن آخر». فقد انكمش العالم وصار صغيراً. ارتهنت أوروبا كقوة بلذة الاكتشاف، ووصف «العالم الجديد»، بأنه «أمريكا»، ومنذ أن وطأت قدما الأميرال الأسباني «أمريكو فيسبوتشي»هذه الأرض، أُعلنت نسبتها إليه، أُلغي وجودها وتاريخها الذاتي، وأُعلنت ملكيتها بـ «التسمية»، وأصبحت علاقة هذه الأرض، بكل ما فيها، أشبه بعلاقة النوع بالجنس في الفلسفة القديمة. فمنذ «الاكتشاف»لا تُعرف هذه الأرض إلاّ بعلم معرّف بذاته. إنّ التسمية بذاتها تنطوي على ممارسة إقصاء فريد من نوعه. لقد انتسب هذا العالم، منذ اللحظة التي عرفه فيها الغرب إلى الغرب نفسه، وأُخمل أصله تماما. أيكون هذا الإجراء إيذاناً بالتعبير عن استراتيجية التمركز التي سترتّب علاقتها بالآخرين، بمقدار ما يندرج الآخرون في نطاق تصوراتها؟ الواقع، أنّ تلك التسمية الاستملاكية قد عُمّدت بالدم، شأنها في ذلك شأن أي اغتصاب، غايتهُ كما يقول تودروف، الاستحواذ والإخضاع، وذلك بـ«اقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري». هذا العماد بحد ذاته أول ما عبّرت به أوروبا عن وجهها الحديث لتأسيس هويتها. وتراجيديا اكتشاف أمريكا انطوت على هدف مزدوج: الإعلان عن الذات الغربية بالقوة، واكتشاف الآخر بالعنف الذي يماثل الاغتصاب، وكأن ثمن الشطر الأول من الهدف، لا بد أن يكون الثاني.
أظهرت الكشوفات لأوروبا عالماً «ثرياً وخاملاً». وكما ازدوج هدف الاكتشاف، فقد ازدوج هدف الاستثمار، فقد رافق المستكشفين باحثون عن الذهب، وحاملون للإنجيل. الفئة الأولى غايتها نقل الثروة إلى أوروبا، وغاية الفئة الثانية بثّ الحيوية الروحية في ذلك «الخمول الوثني». وظهر تبادل غير متكافئ قوامه، كما يقول «ريجيس دوبريه»:«ذهبك في مقابل إلهي. أعطني الدراهم وإليك المطلق، إنني أنهب، ولكنني أُهدي للحق». ومعلوم أن الكشوفات تمت تحت غطاء ديني، فكولومبوس يكتب إلى «البابا» أن رحلته ستكون «لمجد الثالوث المقدس ولمجد الدين المسيحي». وأنّ ما يفعله هو أمر«جليل ومن شأنه زيادة مجد ونمو الدين المسيحي المقدس» وهدفه «نشر اسم الرب المقدس وإنجيله في أرجاء الكون». وجملة ما ينتظره كولومبوس من ذلك هو «استخدام ما سوف يتم كسبه في ردّ الديار المقدسة إلى الكنيسة المقدسة»، ويخص الكاثوليكيين بالخير الوفير، قائلاً: «إنّ أخيار الكاثوليكيين فقط هم الذين يجب أن يكون لهم موطئ قدم هنا، بما أنّ الهدف الأول للمشروع هو دائماً نشر الصليب والعقيدة المسيحيّة». ولكن تحت هذا الغطاء كان يتم استنزاف كامل ونهب لم يسبق له مثيل لثروات البلاد المكتشفة، التي لم تلبث أن حُوّلت إلى مستعمرات. أفضى الفتح ـ الاكتشاف إلى شعور جارف بالتفوق والقوة، فالفاتح، سواء أكان مكتشفاً أم مقاتلاً أم باحثاً عن الذهب أم راهباً وجد نفسه في مواجهة منظومة قيم مغايرة لمنظومة القيم التي يحملها. فكلّ الأهداف التي عبر المحيطات من أجل تحقيقها غير مفهومة من أهالي البلاد، كما يظهر ذلك بجلاء في علاقة الشعوب بالفاتحين في كل مكان وصلوا إليه، ومثال ذلك حالة العداء المستحكم التي قوبل بها البرتغالي «دلبوكيرك» خلال طوافه المتواصل لحوالي عشر سنوات في سواحل الجزيرة العربية واليمن وعمان ثم الشواطئ الهندية، دون أن ينجح بصورة نهائية في الاستقرار بمكان ما، فكان الأسطول البرتغالي هو المكان المفضل له، يقطع فيه طرق السفن، ويستولي على حمولاتها من الفلفل وغيره، فيصادرها ويبعث بها إلى البرتغال في مطلع القرن السادس عشر، وفي الوقت نفسه يبدي في كل لحظة تعلّقا بالقيم المسيحية التي جعلته موجودا في هذه الأصقاع لنشر الفضيلة وخدمة الكنيسة منبع الخير الأبدي التي ينبغي أن تعم سلطتها العالم من أجل تطهيره من ذلك العفن الوثني كما يرى«دلبوكيرك». وتنبثق المفارقة من التضاد الذي يسبب صدمة بين الأخلاقيات المسيحية المعروفة والعنف المبالغ فيه الذي يمارسه «دلبوكيرك» ضد المسلمين حيثما يراهم باسمها، كما يصور ذلك ابنه بالتبنّي في السجل الخاص والضخم لأعماله الكاملة في البلاد الشرقية. والحق فإنّ الاكتشافات الجغرافية وضعت ولأول مرة منظومات القيم في صراع مباشر. وتمخّض عن ذلك انهيار قيم وظهور أخرى، ومن وجهة نظر الفاتح الغربي، فإنه بقوته وحضارته وأهدافه قد اخترق سكون ذلك العالم الخامل. ولكنه في الوقت نفسه كان يقوِّض نظم العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، دون أن يكون معنيّاً بالنتائج التي تترتّب على كل ذلك. لقد تم الإجهاز على المقومات الخاصة بتلك الشعوب والجماعات البشرية، وأُلحقت بنموذج غربي أصبح يغذّي تلك المناطق بالحياة، لأنه امتد بنفوذهِ إلى أعماقها، وسيطر على المفاصل الرئيسة فيها. كان كل شيء يرتبط بأوروبا التي أصبحت مركز العالم، والعالم غير الأوروبي يحيا بها. أما فيما يخص الثورة العلمية والفكرية فإن أوروبا خرجت من العصر الوسيط حينما أظهرت الانتلجنسيا إلى الوجود حساً جديداً من خلال الفن والأدب والفلسفة والعلم. وبدأت الرؤى والتصورات الجديدة تتعارض مع تلك الموروثة، وانحسر نفوذ الكنيسة في الأوساط الثقافية عمّا كان عليه من قبل، وأصبح الاتصال بالماضي اليوناني والروماني محكوماً بعلاقة متحررة من سلطة التقاليد والكنيسة، ثم تفجّرت الثورة العلمية التي استبدلت بكثير من المعتقدات أخرى جديدة، وأصبح العالم مجالاً للممارسة العقلية الغربية فـ«البنية الذهنية للأوروبيين لا ترتضي حقاً إلاّ بمبادئ واضحة وجلية تفضي بسلسلة استنتاجات إلى نتائج تفرض نفسها بجلاء». وفكرة الكونية، الداعية إلى عولمة القيم والثقافات والعلاقات الاجتماعية، بدأت تتخلى عن مضمونها الديني الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى، وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم. ويرى ديكارت أنّ البناء العلمي الذي تشيّده أوروبا من أجل العالم كافة، ومنفعة التفلسف لها أهمية كبيرة، لأنها وحدها «تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيّين».
صار الغرب مصدرا لمدنية جديدة، فيما وسم العالم الآخر بالتوحش والهمجية، وأصبح القول بـ«حيوية أوروبا» و«خمول العالم» شائعاً، فـ«أكاديمية علوم باريس» تؤكد في القرن الثامن عشر«أنّ أوروبا هي ما تغيّر وما يتغيّر بتقدم معارفنا» و«كل أجزاء العالم الأخرى هي في الجمود». ثنائية جديدة تحل محل ثنائيات تناسلت من بعضها قبل ذلك: في العصور الوسطى كان الإيمان يوضع قبالة الكفر، ومن قبل كان الرومان يوضعون مقابل البرابرة. وجاء الآن دور ثنائية الحيوية والخمول، والتمدن والتوحش.
يعبّر أحد الرحالة في القرن التاسع عشر عن هذه الفكرة بقوله إنه في آسيا لا شيء يتغيّر «آسيا هي الجمود، أوروبا بالعكس، تغيّر دائم»وأصبحت الثقافة ممارسة روحية وعلامة مميزة للمتحضرين، يؤكد هيغل هذه الفكرة بقوله:«في أوساط المتمدنين يسعى الإنسان إلى إعلاء قيمته بالثقافة الروحية، وذلك لأن تغيرات الشكل والسلوك وسائر المظاهر الخارجية لا تكون من نتاج الثقافة الروحية إلاّ لدى المتمدنين وحدهم». وتحتشد النتاجات الفكرية والأدبية بالثنائيات الضدية: المدني في تعارض مع الهمجي، الإلهي في تعارض مع الطبيعي، الروحي في تعارض مع الحسي، وهي تستعيد جميعها روح الثنائيات الضدية المترسبة في المخيال والعقل على حد سواء، والمتأصلة في الثقافة والتصورات العامة.
برزت أوروبا بوصفها مكوِّناً ثقافياً، وحيثما شاعت نظمها الفكرية والسياسية والاقتصادية تكون أوروبا. ويبدو وكأن الفكرة الرومانية يُعاد إنتاجها مرة ثانية، فقد اختزل العالم حضارياً لكي ينطوي تحت شمول أوروبا. فالفتح والكشف والتبشير والاحتلال كان ينتظم في سياق فكرة واحدة هي: بناء هوية أوروبا. وهذا البناء يلزم الإجهاز على المكوِّنات الحضارية القائمة في العالم، وإذا تعذر ذلك فاختزالها إلى أنماط معيقة لعلاقات جديدة تهدف إلى وحدة الإنسان والتاريخ، وحسب مونتسكيو، فإنّ «أوروبا لم تعد سوى أمة مؤلفة من أمم عديدة» ونشر الدين المسيحي يقوّي روابط هذه «الأمة»، فقاموس «تريفو» الصادر في عام 1771 يقول إنّ «أوروبا أصغر قارات العالم، لكن لها على الأجزاء الأخرى مزايا كثيرة: المزية الرئيسة هي: الدين الحقيقي الذي حفظته على النحو الأفضل والذي تنشره بشكل رئيس منذ قرنين في أجزاء الكون الأخرى». وفي الموسوعة التي أشرف عليها «ديدرو» و«دالمبير» يكتب «جوكور» في نهاية القرن الثامن عشر معرّفاً «أوروبا»، بأنها «تفرض نفسها بالمسيحية التي لا تميل أخلاقها الخيِّرة إلاّ إلى سعادة البشرية». وقبل ذلك كان «لامارتنير» يؤكد أن «أوروبا هي الجزء الأعظم بالدين المسيحي الذي أصبحت شطره الأثمن ونوعاً ما مورده». و«الموسوعة» التي أشرنا إليها، والتي اعتبرت أنموذجا للتنوير العقلي، تعدد فضائل أوروبا، وتختتمها بـ«المسيحية»، أما الأوروبيون في قاموس «تريفو». فتُنضَّد لهم الخصائص الآتية:«الأوروبيون هم شعوب الأرض الأكثر تهذّباً، الأكثر تمدّناً، والأحسن صُنعاً. يبزّون جميع شعوب سائر العالم في العلوم والفنون. . . في التجارة، في الملاحة، في الحرب، في الفضائل العسكرية والمدنية، إنهم أكثر بسالة، أكثر فطنة، أكثر كرماً، كثر نعومة، أكـثر اجتماعية، وأكثـر إنسانية».
إنّ فكرة «السمو الأوروبي» وفكرة «امتدادية أوروبا»وشموليتها، وفكرة «أوروبا مركز العالم» ستفرض نفسها في القرن الثامن عشر. بحيث تصبح أوروبا حسب دوفيز «الوسيط للتقدم الكوني» و«السيد المعطاء» الذي ينبغي على العالم أن يكون «معتمداً عليها سياسياً وتكنولوجياً» ذلك أنّ ما تهدف إليه الحضارة الغربية، كما يذهب توينبي هو «جمع العالم الإنساني كله في مجتمع كبير واحد، والسيطرة على كل شيء فوق هذه الأرض، وفي البحار والأجواء، التي ستصل إليها الإنسانية عن طريق التقنية الغربية الحديثة».
تضافرت إذن منذ بداية القرن السادس عشر مقومات ظهور الغرب الحديث المتمركز على نفسه، الذي سعى إلى تجاوز تناقضاته، بإعلان ضمني ومن طرف واحد:اعتبار العالم بأجمعه ميداناً للاستثمار الاقتصادي والفكري والسياسي. اقتضى هذا الهدف السيطرة على معظم ما كان يعرف بـ «العالم القديم»خارج «القارة». والكشف عن «عوالم جديدة»، وإلحاقها بأوروبا بالقوة، وتجاهل خصوصياتها وقيمها، وإعلان ولادتها طبقاً لطقوس كنسية. ولا غرابة أن يخلع كولومبوس على المدن التي «اكتشفها» في «العالم الجديد» تسميات مثل:سان سلفادور، وسانتا ماريا، أو اقتداء بملوك البلاط الإسباني وأميراته مثل إيزابيلا، وفرناندا وجوانا. مستعيناً بكل الموروث الديني والزمني لإضفاء أسماء جديدة على كل المناطق التي يمر بها، معلناً أنها من أملاك الكنيسة والملك الإسباني لأنها مُنحت الأسماء الصحيحة المعبرة عنها، وكذلك فعل «دلبوكيرك» في الشرق. فـ«إطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها». وحيثما وصلت الغربيون، أُعلنوا أنّ الهدف هو إدراج «العالم الخامل» في سياق التاريخ الإنساني الحيوي. وظهرت رسالة «الرجل الأبيض» مثلَّث الوجوه:الفاتح المسلح، والمبشر الديني، والباحث عن الثروة.
ترتّبت علاقات الأوروبي بغيره في ضوء علاقة جديدة. هي علاقة المتبوع بالتابع. وقد عبّر الأدب الروائي رمزياً عن هذه العلاقة الملتبسة على لسان «دانيال ديفو» في روايته «روبنسن كروزو» إذ يقوم «كروزو» الأبيض، بتعليم «فرايدي» الملوّن: التفكير والفهم والسلوك، ليوفّق في خدمته، خدمة الرجل الأبيض. وإذا وضعت تلك العلاقة تحت النظر العقلي لتحليل مكوِّناتها. نجد أنّ العلاقة بينهما كمتبوع وتابع تقوم على الركائز الآتية: قيم روحية وقيم فكرية وقيم سلوكية. أي أنّ الأبيض يلقن الملوّن: الدين والعقل والأخلاق. إنّ المتبوع يبشر بهذه القيم، كغطاء مخفف لواقعة التبعية ذاتها، أما التابع فيتلقاها لا لكي يحقق بها ذاته، وإنما ليخدم بها سيده، ويكون ماهراً في التعبير عن ولائه وطاعته. الكلمة الأولى التي يتعلمها التابع من المتبوع هي«نعم» بلغة السيد. الطاعة أولا. إنّ التبعيَّة تعني تفوق طرف على آخر، وهي تنظم العلاقات بناء على هيراركية (تراتبيّة) خطيرة تحجب معرفة الآخر، بقدر ما تحجب معرفة الذات على حقيقتها.
أصول التمركز الإسلامي
إنّ العودة إلى مرويات الثقافة الإسلامية(يقصد بالمرويات كل تعبير يقوم بوظيفة تمثيلية للمرجعيات الثقافية والعرقية، بغض النظر عن الصيغة) وبخاصة الجغرافية والتاريخية والدينية والتخيلية، وكتب الرحلات، طوال القرون الوسطى تبين بجلاء أن صورة الآخر مشوّشة، ومركّبة بدرجة كبيرة من التشويه الذي يحيل على أن المخيال الإسلامي المعبّر رمزيا وتمثيليا عن تصور المسلمين للعالم، قد أنتج صورا تبخيسية للآخر. فالعالم خارج الإسلام - كما قامت تلك المرويات بتمثيله- غفل، مبهم، بعيد عن الحق، وهو بانتظار عقيدة صحيحة لإنقاذه من ضلاله، ولا تخفى التحيّزات الخاصة بذلك التمثيل، فهي مكشوفة وواضحة، وكانت صورة الآخر الدونية مثار قبول واحتفاء في كثير من الأحيان لدى المؤرخين والجغرافيين، ولم يجر نقد معمّق لها، ولا كشف التنميطات الثقافية الجاهزة للآخر. كشف صورة الآخر في أعين المسلمين، خلال القرون الوسطى(هنالك اختلاف حول الدلالة الزمنية لهذا المفهوم بين المؤرخين بحسب الأمم والثقافات، كما هو معروف) لا يراد منه سوى تفريغ الأوهام المستبدة بنا، والتأكيد على ضرورة النظر إلى الماضي، وصورته في أذهاننا، نظرة تستبعد أية إمكانية لإغفال التدرج التاريخي الطبيعي للأمم، وهو يسهم، كما نرى، في وضع مسافة نقدية تمكن من كشف انخراط فهمنا التقليدي في عمل خطير، وهو يريد ألا نظل أسرى التطابق مع صور بعينها من الماضي، إنما التفكير في نوع من الاختلاف، وهذا الاختلاف يقتضي النظر للذات والأخر بعيدا عن التحيّزات الأيديولوجية الجاهزة. فالمركزيات تصاغ استنادا إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه المرويات الثقافية(الدينية والأدبية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأنثروبولوجية) للذات المعتصمة بوهم النقاء الكامل، والآخر المدنّس بالدونية الدائمة، فالتمركز هو نوع من التعلق بتصوّر مزدوج عن الذات والآخر، تصوّر يقوم على التمايز والتراتب والتعالي يتشكّل عبر الزمن بناء على ترداف متواصل ومتماثل لمرويات تلوح فيها بوضوح صورة انتقيت بدقة لمواجهة ضغوط كثيرة.
يلاحظ أن مصطلح «العالم الإسلامي» قد بدأ يحل محل «دار الإسلام» وهذا يتسبب في نشأة وضع آخر، وهو التفكير في البحث عن المصطلح الذي يمكن إطلاقه على «العوالم الأخرى»، فمادام قد غُطي هذا العالم بغطاء ديني، فما الذي يمنع من خلع أغطية مماثلة على العوالم الأخرى التي تشترك بالعقائد والثقافات واللغات؟ إلى ذلك فالمصطلح الجديد إنما هو تشكيل رمزي له القيمة الثقافية ذاتها التي كانت اللب المكوّن للمصطلح القديم، فشأن هذا شأن ذاك، لايمكن أن يُعبّأ بغير الأبعاد الثقافية. ومادام التفكير في (الأنا) يتمّ في ضوء سلّم محكم من القيم الدينية، فمن الطبيعي أن يظهر (الأخر) المختلف. ولكن هل يمكن أن نكون أكثر دقة لو استخدمنا مصطلح «العالم الإسلامي»؟ الواقع ينبغي التحسّب أيضا عند استخدام هذا المصطلح؛ فهذا الوصف يشوبه نوع من عدم الدقّة من جهة، والتعميم من جهة أخرى. فهو لا يأخذ في الاعتبار ما تمور به هذه المناطق الشاسعة التي استوطنها المسلمون كأغلبية، أو شكلّوا في بعضها أقليات ضخمة، لها خصوصيات عرقية، ولغوية، وتاريخية.
ولم يكن المسار التاريخي للإسلام خاضعا بصورة كاملة لفهم مجموعة عرقية، أوحقبة تاريخية، أو منطقة جغرافية. فقد كان هذا المسار ولا يزال متصفا بتنوّع مميّز بحسب الأعراق والأقاليم، والثقافات. وهذا الوصف لن يُنقصه في شئ، إنما يضفي عليه حيوية لأنه يستجيب للبنية الاجتماعية الخاصة بالمؤمنين به كنسق ثقافي وعقائدي، ويتفاعل معها، بما يظهر إسلاما متنوعا. لقد بُذل جهد كبير للحفاظ على وحدة دار الإسلام خلال القرون الوسطى بوجه التحدّيات الخارجية والداخلية في محاولة لبلوغ أكبر درجة ممكنة من الوحدة الدينية والثقافية، لكنّ ذلك لم يتحقّق الاّ بعد التفكّك السياسي الذي لحق بتلك الدار، وخلال ذلك وقع تفاعل واسع المدى بين شعوب تنتمي إلى أرومات وثقافات وتقاليد مختلفة، وبرزت الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى إلى الوجود من خلال عملية التفاعل هذه، بل كادت تكون في الحقيقة نتيجة لها.
ليس من الحكمة الآن النظر إلى واقع (دار الإسلام) كما كان ينظر إليها حينما كانت قائمة بالفعل؛ ولكن من المهم التأكيد على خاصية الوحدة المتنوعة بشريا وثقافيا لها، وتجنب تكريس المصطلح للتعبير عن دلالة رغبوية كامنة في الوعي الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحدّيات حقيقية، فينظر إلى الماضي نظرة شفافة تستبعد الخصوصيات التي أضفت على الإسلام الثقافي أبعادا خصبة في كل مكان وصل إليه. من الصحيح أن الإسلام كان عقيدة دينية، لكنّ مفهوم دار الإسلام كان يتأكّد وجوده من كونه عالما واسعا يشترك في تصورات ثقافية وأخلاقية متقاربة أكثر ممايمتثل لوحدة سياسية ودينية مطلقة. وكان هذا معروفا عند القدماء، وجرى التعامل معه كحقيقة واقعة. نريد من كل هذا التأكيد على أن العالم كمجال ثقافي سيبقى مضمارا للمنازعة والمدافعة، وقد تأخذ المنازعة أشكالا، وتنتظم في أهداف، لكنها تستعين بالمكون الثقافي ـ العقائدي كمنشّط في صراعها مع الآخر. مازلنا بعدين عن تصور حقيقي يمارس وظيفة فاعلة في دمج التكوينات الثقافية داخل أطر تفاعلية، تستبدل بالمساجلات الحوار. ومادام الأمر قائما فليس ثمة إمكانية حقيقية للتخلّص الآن نهائيا من التسميات التي تحمل معها مستنداتها الثقافية والدينية، كـ«دار الإسلام» أو«العالم الإسلامي» أو «الغرب» وحتى «دار الحرب» فالمفاهيم والتسميات تعبّر عن حقيقية ظاهرة أو مضمرة، ولكن من المفيد التنبيه إلى ضرورة تفريغ دلالاتها القديمة. المفاهيم التي توجّه الأفكار لها سُنن تطور خاصة بها. ولايراد استخدامنا لبعضها موافقة لدلالاتها، إنما نهدف إلى تعديل الدلالات الموروثة فيها.
يشير مصطلح«العالم الإسلامي» الآن إلى ذلك المجال الشعوري الذي تتراسل فيه منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والعقائدية التي انبثقت عن القرآن، وعزّزت بفهم المسلمين لطبيعة الرسالة التي يتضمنها، وهو تراسل يتجاوز الانتماءات العرقية والثقافية والجغرافية، ولكنه لا يهملها ولا يتقاطع معها، ذلك أن الإسلام لم يضع أية شروط محددة للتوفيق بين العرق والعقيدة، فهما انتماءان لا تعارض بينهما في المنظومات الدينية، يتوازيان ويلتقيان ويتماسان دون أن يلغي أي منهما الآخر، وهذا الأمر بذاته هو الذي يظهر إلى الوجود إسلاماً متعدد الأبعاد، يتم تلقيه وإنتاجه والتفكير به طبقاً للخصوصيات الثقافية والاجتماعية، لكن الإسلام كمنظومة قيم روحية وعقائدية عامة ينتظم في نسق واحد شامل، فهو يضم هذه التصورات، ويهضم الاختلافات والخصائص الثانوية، وذلك أمر شائع يفرضه واقع حال المسلمين المتصلين بأعراقهم الكثيرة، والمنتمين إلى هويات ثقافية متعددة، داخل إطار الثقافة الإسلامية العامة. وهذه الحقيقة دفعت محمد أركون لأن يحتج على برنارد لويس الذي يستخدم في كتبه مصطلح «العالم الإسلامي». ومؤدى اعتراض أركون يتمثل في أن هذا المصطلح إنما هو مفهوم شمولي وضبابي يغطي تحته عدداً كبيراً من المجتمعات والمجموعات البشرية المختلفة. وهذه الفئات والمجتمعات شديدة التنوع والابتعاد عن بعضها في الزمان والمكان. إنها من التباعد والاختلاف بحيث أن مفهوم «العالم الإسلامي» يفقد كل فعالية حقيقية، وبالتالي فيصعب استخدامه دون أخذ احتياطات كثيرة.
تنازع المركزيات الثقافية: مجتمعات تقليدية ومجتمعات مدنية
يصعب تخليص صورة الآخر من الآثار المباشرة التي تتركها عليها الثقافة المتمركزة على نفسها، وقد كانت المركزية الإسلامية، ممثلة بدار الإسلام، ونظامها القيمي المعياري، هي الموجّه الأكثر فاعلية في صوغ ملامح تلك الصورة، وهي في عمومها صور رغبوية تتأدّى مكوناتها عن رغبة في تفخيم الأنا الثقافية الأمر الذي يقود إلى خفض قيمة الآخر. كان هذا التصور كامنا في صلب الحضارات القديمة والوسيطة، ولم تتمكّن الحضارات الحديثة من التخلّص منه بصورة تامة، إذ مازال فاعلا في توجيه المواقف والأحكام، وتحديد طبيعة المنظورات التي تنظر بها المجتمعات إلى غيرها؛ذلك أن العصر الحديث لم يفلح في التخلّص من مؤثرات الماضي، كما ينبغي، وهو في كثير من الحالات يعيد بعث الصور والأحكام القديمة التي كوّنتها ظروف تاريخية مختلفة، فيبني عليها مواقف يرغب فيها، ويحتاج إليها في نزاعاته ذات الأوجه المتعددة، وعلى نحو خاص نزاعات الهويات الثقافية. ولئن ذوبت نزعات الحداثة والعولمة بعض التخوم الرمزية الفاصلة بين التجمعات القومية والعقائدية، وفكّت الانحباس التقليدي المتوارث فيها، فإنّها بذرت خلافا جديدا تمثله مفاهيم التمركز والتفوق والتفكير بسيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر، وهو أمر نشّط مرة أخرى المفاهيم التناقضية ـ السجالية التي تخمّرت في طيّات القرون الوسطى، وصارت تُبعث اليوم بصورة إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة. وينبغي التأكيد على أمر يكاد يصبح قانونا ثقافيا، وهو أن البطانة الشعورية ـ العقائدية، وهي تشكيل متنوّع من تجارب الماضي والتاريخ والتخيّل والاعتقاد واللغة والتفكير والانتماءات والتطلعات، تؤلّف جوهر الرأسمال الرمزي للتجمّعات المتشاركة بها، أقول إن تلك البطانة المركّبة تعمل على جذب التجمعات البشرية الخاصة بها إلى بعضها، وتدفع بها إلى قضايا حساسة وشائكة لها صلة بوجودها، وقيمها، وآمالها، وقد تتراجع فاعليتها التأثيرية في حقبة بسب ضمور فاعلية عناصرها، لكنها قابلة للإنبعاث مجددا في حالة التحدّيات والتطلّعات الحضارية الكبرى . ولا يُستبعد أن تُغذّى بمفاهيم جديدة تدرج فيها من أجل موافقة العصر الذي تتجدّد فيه.
وهذا هو الذي يبعث التفكير ثانية في الماضي الذي يصبح حضوره ملحّا حينما تشرف المجتمعات على حالات تغيير جذرية في قيمها وأخلاقياتها وتصوراتها عن نفسها وعن غيرها. ينبثق تفكير ملح بالماضي حينما يكون الحاضر مشوّشا، وعلى عتبة تحولات كبيرة أما بسبب مخاضات تغيير داخلي أو بفعل مؤثرات خارجية. تعيش المجتمعات الإسلامية حالياً ازدواجاً خطيراً تختلط فيه قيم روحية وقيم مادية، ولم تفلح أبداً في فك الاشتباك بين الاثنين على أسس عقلية واضحة. فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدّسة وحواشيها، وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعال يمارس نفوذاً يوجّه الحاضر انطلاقاً من الماضي، أما القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها، باعتبارها إفرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث، وبالتحديد بفعل المؤثر الغربي. وهكذا فقد اصطدمت وتداخلت جملة من القيم المختلفة في مرجعياتها ووظائفها، فلم تعد تلك المجتمعات قادرة لا على الدخول إلى قلب الحداثة ولا الانفصال عن الماضي. هناك زمنان يحملان قيماً ثقافية مختلفة يتواجهان في وسط هذا العالم الكثيف بشرياً: العالم الإسلامي (بوصفه منظومة ثقافية) الذي لم تستطع شعوبه أن تنجز فهماً تاريخياً متدرّجاً ومطوّراً للقيم النصيّة الدينيّة، بما يمكّنها من إدراج تلك القيم في صلب السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولم تستطع في الوقت نفسه هضم كشوفات العصر الحديث في كل ما يتصل بالحياة والمشاركة فيها. وبعبارة أخرى فإنها لم تتمكّن من إعادة إنتاج ماضيها بما يوافق حاضرها، ولم تتمكّن أيضاً من أن تتكيّف مع الحضارة الحديثة المنبثقة أساساً من الغرب، وعلى هذا فقد انشطرت بين قيم متعالية وقيم غربية، وحينما دفعها سؤال الحداثة إلى خانق ضيق، طرحت قضية الهوية، كقضية إشكالية متداخلة الأوجه. فالقائلون بالهوية التقليدية المميزة قدّموا قراءة هشّة للإسلام تقوم على فهم مدرسي ضيّق له يعنى بالطقوس والأزياء والتمايز بين الجنسين والحلال والحرام والطهارة والتكفير والتحريم، والتأثيم الدائم للنفس، وحجب فعالية العقل المجتهد، والذعر من التحديث في كل شيء، وإخضاع الكون والبشر لجملة من الأحكام، التي يسهل التلاعب بها طبقا لحاجات ومصالح معينة، وإنتاج أيديولوجيا استعلائية متعصّبة لا تأخذ في الاعتبار اللحظة التاريخية للشعوب الإسلامية، ولا العالم المعاصر، ولا تلتفت إلى قضايا الخصوصيات الثقافية والدينية والعرقية للأقليات، وسعوا إلى بعث نموذج أنتجته تصورات متأخّرة عن الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، نموذج يقوم على رؤية تقديسية للأنا وإقصاء للآخر، يحبس الإسلام في قفص ذهبي، دون أن يسمح له بالتحرّر من سطوة الماضي، وينخرط في التفاعل الحقيقي مع الحاضر. وحجبوا عن الإسلام القيم الكبرى التي اتصف بها كنسق ثقافي يقر بالتنوع والاجتهاد، ويحثّ على التغيير والتجديد. . . وهنا سوف يصطدم هؤلاء بحقيقة لا يمكن تذويبها، وهي: أنه ليس من الصعب فقط استدعاء نموذج أنتجته سجالات القرون الوسطى وفروضها وتعميمه على الحاضر، إنما من المستحيل تطبيق فهم مختزل وهامشي للإسلام، أنتجته العصور المتأخّرة، فهم يقوم على التمايز المذهبي، والتعارض الطائفي، والانغلاق على الذات، وتبجيل السلطة، وتسويغ طاعتها، والتكفير، ونبذ الاجتهاد، وتجهيل الناس بحقيقة أحوالهم الاجتماعية، كل هذا ضمن نمط من الحياة والتفاعل والمصالح والعلاقات الاجتماعية التي تكاد تختلف كلياً عما كان شائعاً إبَّان تلك الحقبة التي يفترض أن النموذج المطلوب قد ظهر فيها. ليست هذه وحدها هي العقبة الكأداء، إنما ترافقها أخرى لا تقل أهمية، وهي أنه لا يمكن تبنّي نموذج لمجرّد الرغبة فيه، فذلك أدخل بباب المحالات، فلا بد من كفاءة وتنوع يفيان بالحاجات المتكاثرة للناس، وفي جميع الأحوال لا يمكن تطبيق أي نموذج مستعار من الماضي لاستيعاب الحاضر، فالأحرى اشتقاق نموذج حي ومرن وواسع ومتنوع وكفء من الحاضر نفسه، يأخذ في الاعتبار كل أوجه الحاضر، ويتجدّد بتجدّده، ولا ينغلق على نفسه، ولا يدّعي اليقين، ولا يزعم أنه يوصل إلى الحقيقة المطلقة، ويتفاعل دائماً مع المستجدّات الداخلية، ويتناغم مع حركة التاريخ بشكل عام. ويكون جريئاً في الحوار مع نفسه وغيره، ويتجنّب الانحباس داخل قمقم مغلق، ويترك للآراء والاجتهادات والرؤى أن تتفاعل فيما بينها، ولا يتّكئ على السجالات الكلامية والمنطقية، إنما يقدّم نفسه كنموذج مفتوح يُثرى بالاقتراحات والممارسات، ويفكّ نفسه من الأقواس التي تقيّده، فلا يدّعي أنه يقدّم الخلاص، ولا يعد بالنّجاة الكاملة. أما القائلون باحتذاء الغرب، واستعارة حداثته، والاندماج بعالم يمور بالكشوفات العلمية والفكرية والاقتصادية، باعتبار أن الغرب استكمل حلقة التحديث الأساسية، وأنجز التطوّر في معظم مجالات الحياة العملية، وضَمن للإنسان حقوقه كفرد وكمواطن وكفاعل اجتماعي، ورسّخ سنناً قانونية وحقوقية واجتماعية تحول دون إلحاق ضرر مقصود وعام بالمجتمع والفرد على حدّ سواء، فإنهم يتخطّون حقيقة لا تخفى، وهي: أن النموذج الغربي تولّد من نسق ثقافي خاص، وأنه نتيجة لتمخّض شهده الغرب منذ القرن السادس عشر الميلادي، وأنه أُشتّق من حالة الغرب الخاصة، وتكمن كفاءته في أنه زبدة ذلك الواقع، لأنه متّصل به اتصال الجنين بالرحم. وقد تطور استجابة لواقع الغرب الذي تجري محاولات من أجل تعميمه ليشمل العالم، بكل الصيغ الممكنة، ولكنّ ركائزه الأساسية مبنية على وفق الخصوصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية الغربية. وتكمن الصعوبة في تقليده ومحاكاته، ناهيك عن نقله وتبنّيه. وبافتراض إمكانية ذلك، فإنه سيكون في نوع من التعارض مع جملة القيم الموروثة التي أشرنا إليها. والحقيقة فإنّ التوتّرات القائمة في العالم الإسلامي حالياً، يتّصل كثير منها بالصدامات الظاهرة والضمنية بين النموذجين اللذين ذكرناهما. في النهاية لا يمكن تجريد نموذج من خصائصه الذاتية وفرضه على حالة مختلفة سواء أكان نموذجاً دينيّا مستدعى من الماضي أم نموذجاً غربياً مستعاراً من الآخر. الواقع يفرض نموذجه الخاص الذي لا يُشترط فيه التقاطع مع النماذج الأخرى، إنما التفاعل معها. ولكن تُشترط خصوصيته واختلافه.
ينطوي الكلام عن الحداثة، بالنسبة للمجتمعات الإسلامية، على مفارقة لايمكن تخطّيها بأي شكل من الأشكال، لأنها متصلة بسلسلة من التطلّعات الحالمة الخاصة بالتحديث من جهة، وبسلسلة مضادة من الإخفاقات الحاصلة في الواقع من جهة أخرى. وقد أصبح معروفا أن الحداثة الغربية قد أنجزت كثيرا من وعودها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وأن النقد يثار الآن حول بعض النتائج التي أفضت إليها الحداثة العقلانية، وليس إلى الشك في كامل منجزها الذي أحدث نقلة لايمكن إنكارها في البنية الاجتماعية بما في ذلك الفكر والعلاقات الاجتماعية والتطور التقني وحقوق الإنسان وغير ذلك، لكن القضية المثيرة للاهتمام هي أن المجتمعات الإسلامية لم تقترب بعد من هذا المخاض، ومازالت تتخبّط دونها، ولم تطوّر مفهوما خاصا بحداثتها؛ لأنها لم تراكم معرفة عقلية ـ نقدية تمكّنها من الاقتراب إلى خيار الحداثة وما بعد الحداثة كمشروع لتغير البنى التقليدية في المجتمع والأفكار. وفي ضوء ثورة الاتصالات وطموحات العولمة والتفكير بعالم موحد الرؤى والآمال فإننا نعود أدراجنا شئنا أم أبينا إلى خوض غمار تلك التجربة مرة ثانية بأشكال جديدة قد تكون أشد مرارة هذه المرة. لقد فقدنا الفرصة التي عبرها كان يمكن أن ننجح في الوصول إلى ما نحتاج إليه فعلا، والحق فان الرهان المشوّه للتحديث الذي وصفناه قد بعث نسقا من التفكير المضاد، يقول بالاعتصام بالذات، وتشكيل هوية ثقافية خاصة وثابتة تسعى إلى بعث نموذج مستعار من الماضي، بإلحاح من فكرة إننا بذلك النموذج نحقق الصفاء الكامل، ونبعث الخصوصية، وندرأ حالة الذوبان في الآخر. من الواضح أن هذا التيار وضع نفسه في تعارض لما هو قائم من آثار الغرب، وذلك يعني ضمنا أن المجتمع انشطر شطرين كل منهما يأخذ بمناقضة الآخر والحطّ من شأنه. ومهما أدرنا التفكير في المناحي المتعدّدة لهذه الإشكالية وقلّبناها على وجوهها فإننا لا نجد سوى التوتّر وسوء التفاهم بين التيارين، فكل منهما يصدر عن جملة من المسلّمات الأولية التي يعتقد بصحتها المطلقة، وتغلغلت هذه الازدواجية في تضاعيف الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية، وضربت الإنسان في الصميم، فهو يجد نفسه على حافة خيارين، ولم يفلح بعد في إدراج هذين الخيارين في إطار من الحوار والتفاعل ليصل إلى خيار ثالث مختلف عنهما لكنه غير متقاطع معهما، وهذا الخيار هو الذي نصطلح عليه (الاختلاف) بوصفه بديلا عن (المطابقة) التي هي امتثال سلبي للماضي والآخر معا.
إن كل معالجة تحليلية لسؤال الحداثة لايمكن لها أن تتجاوز هذه القضية، لأن ثقافة المطابقة قد أصبحت مرجعية لأنساق التفكير والتعبير في حياتنا بكل مستوياتها الأساسية، إذ في ضوئها تترتب شؤون الفكر. وفي حالة معقدّة مثل هذه يغيب التفكير النقدي الجذري، ويتراجع الإبداع الأصيل، ويحل محلهما الاقتباس الذي يقوم على التشويه والتلخيص والاستنساخ، وتحل ثقافة التجميع محل ثقافة الإبداع، ويتجه التفكير إلى البحث عن أصول حتى لو اقتضى الأمر تلفيق تلك الأصول، أصول قد تبعث من طيات الماضي أو تستعار من الآخر. إنها حالة من التوتّر التي يحدثها انتماء مزدوج إلى رؤيتين وعالمين وزمنيين ومكانين وثقافتين ونسقين من القيم في آن؛ فيما الحداثة الفاعلة موقف فكري جديد، ورؤية فلسفية للنظر إلى الذات والعالم طبقا لمنظورات مختلفة عن المرجعيات التقليدية الموروثة والمرجعيات المستعارة من الآخر، وغايتها إعادة ترتيب الواقع والفكر طبقا لحاجات اللحظة التاريخية المتجدّدة فالحداثة المنشودة لاتقرّ بالثبات إنما تتطلّع دائما إلى التجدّد، وبذلك تنتج فكرا يتحوّل باستمرار متخطّيا فكرة الهوية القارّة واليقين الثابت، وبهما تستبدل هوية ثقافية وقيمية متحوّلة ومنفتحة، تقر بنسبية علاقتها مع نفسها وتاريخها وفرضياتها بالدرجة نفسها التي تقر فيها بنسبية الهويات الأخرى، وتشكّل مضمونها من نسيج متنوع الموارد يقوم على فكرة الحوار والتواصل والتفاعل، ثم تقليب المفاهيم والنظريات والمرجعيات الموروثة والمستعارة على كل الأوجه والاحتمالات عبر ممارسة نقدية جريئة، فبدون النقد تظل العلاقة مع المؤثرات الأخرى علاقة استتباع وخوف وقلق وتوتّر. إنّ التمعّن العميق في الثقافة الإنسانية لا يظهر وجود ثقافات كونية حقيقية محتكرة فقط من قبل ثقافة معينة، حتى ولو كانت تلك الثقافة هي الثقافة الغربية، فكونيّة القيم، واعتبارها نماذج فوق تاريخية وفوق وجودية إنما هي وهم يماثل أفكار أفلاطون، واعتراض الثقافة الغربية على أنساق ثقافية أخرى في العالم لا يتصل أساسا بموضوع عبادة القيم الكونية، إنما هو متصل بالمصالح الغربية التي تبشر بثقافة من طرز خاصة تخدم أهدافها، وبما أن معاني الأنساق الثقافية مختلفة، فمن الطبيعي أن يظهر عدم قبول للثقافة الغربية التي لها حيثياتها الخاصة بها، وعليه ينبغي علـى الغرب قبل أن يحقق الـعولمة الموعودة- كما يقـول لاتوش- أن يسأل عن : طبيعة الحضارة الغربية، بل وحتى تعصّبها في نظر الآخرين، فهنالك أشياء عديدة في الأخلاق والعادات الغربية تبدو شنيعة ووحشية في نظر المجتمعات غير الغربية، وإذا كانت هذه المجتمعات قد سمحت بها أخيرا، فإن ذلك عائد إلى أنه لم يكن لديها خيار آخر، ولم تستطع منع ممارسات شائعة في الغرب مثلما يستطيع الغرب منع الممارسات التي تبدو للغربيين غير محتملة . إن الشروط التي تتبلور العولمة تحت رعايتها تكشف عمق التناقض بين السياقات التاريخية والقيمية الخاصة بالثقافة الغربية المتمركزة حول نفسها، والسياقات التاريخية والقيمية للثقافات التقليدية. والاختيار بين ذوبان محتمل، وانكفاء أكثر احتمالا بدأ يتشكل في أفق التفكير. وكل اختيار حاسم من هذا النوع تسبقه عملية اصطناع أو بعث تواريخ أو صور رمزية، لتسويغ الذوبان أو الانكفاء.
يصلح الماضي أن يكون ذخيرة لا تستنفد لكل ذلك، ففي حالات الحراك الكبرى، والخيارات الصعبة، تفتح جعب التاريخ، ويطلق سراح التصورات الخبيئة في طياته. وبمواجهة عناد يأخذ طابعا تاريخيا مصيريا، ينبغي التحذير من صور الماضي عبر نقدها، فالنقد يسهم، مرة أخرى، في تأكيد الحقيقة التي تغيب في مثل هذه المنعطفات، وهي أن الذات كانت مكونا عاما ومشتركا، تبلور في ظروف تاريخية معينة، وإن التحديات المعاصرة لا ينبغي أن توهم أحدا بالتفرد المطلق في الزمان والمكان.

(*) باحث وناقد عراقي يقيم في المهجر
عن مجلة التسامح