الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الخميس: 10/07/2008


العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية(2/1)

عبدالله إبراهيم(*)

مدخل:
دار جدل طويل خلال العقد الأخير حول تفسير التنازعات الكبرى القائمة في العالم، أقصد تلك التنازعات التي توجها ايدلوجيات كبرى، وتغذيها رؤى تستند إلى تصورات ثقافية أو دينية أو عرقية، وأنتهى الأمر إلى الأخذ بتفسيرين، أولهما صراع الحضارات، وثانيهما صراع الأصوليات، وفي موضوع جدالي مثل هذا تترتب فيه النتائج في ضوء زاوية النظر، ليس المهم الاتفاق الاصطلاحي حول المفاهيم، إنما المهم الاتفاق على الحيثيات الموجهة لتلك التنازعات، ومع أن المجتمعات في العصر الحديث قد طورت ما يكفي من أسباب التنازع كالايديولوجيات المطلقة، والاستبداد، والاستغلال، والمصالح، لكن الأمر الذي يقترحه هذا البحث، هو أن التنازعات الكبرى هي نتاج لمركزيات ثقافية وجدت لها باستمرار تسويغا من أطراف التنازع. وبسبب غياب التصورات النقدية التي تجرّد تلك المركزيات من غلوائها، في نظرتها المغلقة إلى نفسها وإلى غيرها، فقد تصلّبت تصوراتها، واصطنعت لها دعامات عرقية أو دينية، أدت إلى زرع فكرة السمو والرفعة في الذات والدونية والانتقاص في الآخر، ومع أن كثيرا من أطراف العالم قد تداخلت في مصالحها وثقافاتها، وأفكارها، لكن ضعف الفكر النقدي حال دون أن تتلاشى المركزيات الكبرى، وبقدر تعلّق الأمر بالعالم الإسلامي، يجد هذا البحث أنه من المناسب ان يقف على تلك المركزيات المتصلة به، فيحاول أن يضعها تحت مجهر التحليل والنقد، لتخفيف شحنة التفاضل المتأصلة فيها، وسنحاول تقديم تحليل ثقافي لظاهرة التمركز الثقافي المهيمنة في العالم الآن.
لايمكن تجاوز المحدّدات الثقافية التي تلعب أدوارا حاسمة في تثبيت المعايير التفاضلية بين الشعوب، وكثيرا ما صاغت أو أعادت صوغ جملة من المعطيات الخاصة بمجتمع ما لتجعله يتصوّر بأنه أفضل من غيره، وهي قادرة بفضل موقعها الرفيع على أن تجيز وتهيمن وتحلّل وتحرّم، وأن تخفض منزلة شيء ما أو ترفع من مقامه؛ الأمر الذي يعني قدرتها على أن تكون الوسيلة الأساسية لتثبيت التّمايز في المجال الذي تعبّر عنه، وقد كان هذا شائعا في الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى، ويمكن اعتبار المكوّن الثقافي أحد أهم المكونات المؤثرة في قضية التراتب والتفاضل بين دار الإسلام ودار الحرب، وقد ظلت الثقافة بوصفها منظومة للتصورات الذهنية حاضرة في كل الصراعات عبر التاريخ؛ ومن ذلك فقد استخدمت الثقافة في الفكر الغربي الحديث كوسيلة لتثبيت ضروب من التمايزات بين ما هو غربي وما هو غير ذلك، وبدأت تبنى على ذلك سلسلة من التراتبات الثنائية بين ما للغرب وما لسواه. فأهل الطرف الأول من الثنائية، أهل الغرب، هم الأصل، وهم أصحاب المكانة الرفيعة، أما أهل الطرف الثاني، خارج مجال العالم الغربي، فهم الشواذ التابعون، وأهل المكانة الدنيا. وماكان لأحد أن يفلت من التأثّر بهذا التمايز طوال العصر الحديث في كثير من البلاد التي وقعت تحت السيطرة الغربية. فقد كان ينظر إلى الثقافة الغربية على أنها المعيار المناسب للتفريق بين ما للغرب وما لغيره، وبين مَنْ هم من الجنس الأعلى ومَنْ هم من الجنس الأدنى، ولم يبق ذلك أسير الأفكار المجرّدة إنما شمل علوم اللغة والتاريخ والأعراق والفلسفة والأنثربولوجيا، وحتى علم الأحياء، وكلها وظِّفت في إبراز هذا التمايز.
إن الثقافة وسيلة خطيرة وفعّالة لأنها الأكثر من غيرها قدرة على تثبيت التصورات والقيم والرؤى، وترسيخ المرجعيّات الفكرية التي تصدر عنها المواقف، إلى ذلك قدرتها على اختراق الحواجز واجتياز الموانع، وبتوظيف وسائل الاتصال الحديثة أصبح من الصعب الحديث عن ثقافات غير قابلة للاختراق، فالثقافة المعاصرة بوجوهها الإعلامية والإعلانية والفكرية والعلمية أصبحت عابرة للقارات، فالتمايز على أسس ثقافية، يضع الثقافات التقليدية أمام احتمالين: إمّا ذوبان الهويات الثقافية الأصلية إذا لم تتشبّع بالخصائص الشعورية والذهنية والتاريخية المتصلة بسياقاتها الثقافية، وتكون ـ في الوقت نفسه ـ قادرة على تجديد نفسها، أو الانكفاء على الذات بسبب هيمنة الثقافـات الأجنبية، وعلى وجه التحديد الغربية. وفي هاتين الحالتين تتعرّض الثقافات لخطر الانقراض أو الاحتماء بمفاهيم الماضي والانحباس في أسوار الحقائق الكبرى، والدوائر المغلقة، وإنتاج صور متخيّلة عن عصور الشفافية الأولى كمعادل موضوعي لحالة الخوف من الثقافات الأخرى. وهكذا تواجه الثقافات الأصلية تحدّيين في آن واحد: الذوبان أو الجمود، وهو أمر يعطّل من قدرة تلك الثقافات على الوفاء بوعودها كأنظمة رمزية تحتضن شؤون التفكير والتعبير.
إن الثقافات تتمازج، وتنشأ هويات ثقافية جديدة، وتتشكّل مجتمعات حقيقية أو متخيّلة، ثم تنحلّ، ومع ذلك فإن الثقافات الأصلية مازالت هي التي تحدّد معالم الثقافات الجديدة، ما انفكت تلك الثقافات تستأثر بالأهمية، ولم نصل بعد إلى الثقافة العالمية، واختفاء جانب من الثقافات المحلية لا يعني تلاشيها كما يذهب كثيرون إلى ذلك، فالثقافة هي أكثر من مجرد ما يظهر للعيان، إنها أعمق من ذلك بكثير، فالثقافات تتمازج لكنها لا تتلاشى. يبدو هذا التفسير لأوضاع الثقافات في ظل العولمة كثير التفاؤل. والحق أن تعارض الأنساق واصطدامها يلحق ضررا بالغا بالثقافات الأصلية، وقد يفضي إلى انهيارها.
يصحّ هذا التصور حين يكون التبادل متكافئا بين الثقافات، لكن ماذا يحصل في حالة غياب التكافؤ؟ ففي المجتمعات التقليدية، لايمكن الكلام عن تبادل ثقافي مع الغرب، ذلك أن التبادل الثقافي مع الغرب بالنسبة لها، شأنه شأن أي تبادل آخر يُختزل إلى تدفّق من جانب الغرب فقط. فهذه الثقافة تتلقّى منشّطات يومية تصل إليها بشكل مناهج أو مفاهيم أو رؤى أو أفكار أو فرضيات وحتى نتائج. ومن المعلوم أن كل تلك المنشّطات ظهرت تدريجيا في إطار ثقافي ـ سياسي معيّن فأصبحت جزءا من أنساق ثقافية مشروطة ببعدها التاريخي. فحينما يصار إلى الأخذ بها لمعالجة ظاهرة ما، فهذا يعني إقحاما لأنساق ثقافية في شبكة من الأنساق المختلفة، وهنا لا تُقصى فقط الشروط التي تمنح تلك الأنساق فاعليتها، إنما يؤدي ذلك إلى تدمير الأنساق الثقافية الأصلية؛ فالأولى تجرّد من محاضنها، والثانية تنهار لأنها تُستبعد وتحل محلها انساق أخرى.
إن الحديث عن التبادل الثقافي غير المتكافئ لا يعتبر موضوعا صعبا إنما يعتبر خاطئا، فالأمر إنما هو «استعارة» أنساق ثقافية بهدف معالجة مشكلات استبعدت أنسـاقها الأصلية. ولا يخفى أن لذلك أسبابه التاريخية والاجتماعية والسياسية؛ فمن جهة أولى تمكّن «الغرب» من بلورة منظومة ثقافية ذات بعد علمي وفلسفي اتصفت بكفاءة ظاهرة، منظومة تمركزت حول نفسها، وأنتجت أيدلوجيا محدّدة حول خصوصيتها العرقية والدينية والفكرية، وهذه الايديولوجيا اختزلت «الآخر» إلى مكوّن هامشي ليندرج بمرور الزمن في علاقة تبعية مع الغرب ومنظومته الثقافية، وبالمقابل لم تطوّر الثقافة الإسلامية، بتعدد هوياتها اللغوية والعرقية القائمة الآن في دول كثيرة، أية منظومة خاصة بها في العصر الحديث، وإنما اخترقتها ثقافة «الآخر» ومزقت نسيجها الداخلي، فلم يكن ثمة تداخل فعّال بين الثقافتين، إنما وقع نوع من «التهجين» المنقوص إذ انهار كثير من مكونات تلك الثقافة، واستبدّت بها انساق أخرى. هذا «التهجين الثقافي المشوّه» لم يكن كذلك إلاّ لأنه لم يستند إلى علاقات متكافئة وسويّة، بل كان مجرد «استعارة» من«الآخر»، وظل هذا المبدأ قائما في أشدّ مناحي الفكر أهمية كالمناهج النقدية والتربوية والمفاهيم والفرضيات، وأفضى ذلك إلى تفريغ الأنساق من مضامينها وشحنها بمعان مختلفة. وبدأت أكثر القضايا خطورة وحساسية تعـالج على هامـش قضايا الفكر الغـربي. وبالإجمال كان ذلك «التهجين» قد نشأ في ظل غياب كامل لـ«الحوار المعرفي»، وكلما مضى الزمن تفاقمت الصعاب، فأصبح كل تغيير يحتاج إلى آلة خارجية، بما في ذلك قضية التحديث الاجتماعي والسياسي. وهذا يكشف أن الثقافة الغربية شأنها شأن كل ثقافة في هذه الحالة، لم تتحول إلى منشّط يغذّي الثقافات بالأسئلة الجديدة، إنما أدرجتها في سياق التبعية، ثم الذوبان، واعتصم جانب منها بذاته تحت وهم الخصوصية المطلقة والمقاومة، وفي ظل العولمة سيتفاقم الأمران، ولا يخفى أن هذه هي الإشكالية الأساسية التي تميّز الثقافات التقليدية في هذا العصر.
تعريف التمركز:
يمكن تعريف التمركز بأنه نسق ثقافي محمّل بمعانٍ ثقافية (دينية، فكرية، عرقية) تكوّنت تحت شروط تاريخية معينة، إلاّ أن ذلك النسق سرعان ما تعالى على بعدهِ التاريخي، فاختزل أصوله ومقوماته إلى مجموعة من المفاهيم المجردة التي تتجاوز ذلك البعد إلى نوع من اللاهوت غير التاريخي، وهو تكثّف مجموعة من الرؤى في مجال شعوري محدد، يؤدي إلى تشكيل كتلة متجانسة من التصورات المتصلّبة، التي تنتج الذات، ومعطياتها الثقافية، على أنها الأفضل، استناداً إلى معنى محدد للهوية، قوامه الثبات، والديمومة، والتطابق، بحيث تكون الذات هي المرجعية الفاعلة في أي فعل، سواء باستكشاف أبعاد نفسها أو بمعرفة الآخر، ويشمل ذلك الذات المفكرة الواعية لذاتها أو تلك الذات غير الواعية التي تقيم تصوراتها على نوع من المخيال المنتج للصور النمطية لها ولغيرها. ولا يقتصر الأمر في التمركز على إنتاج ذات مطلقة النقاء، وخالية من الشوائب التاريخية، إنما ـ وهذا هو الوجه الآخر لكل تمركز ـ لا بد أن يتأدّى عن ذلك تركيب صورة مشوّهة للآخر.وبين الذات الصافية التي تدّعي النقاء المطلق، والآخر الملتبس بالتشوه الثقافي (الديني والفكري والعرقي)، ينتج التمركز أيديولوجيا إقصائية استبعادية ضد الآخر، وأيديولوجيا طهرانية مقدسة خاصة بالذات؛ فينقسم الوعي معرفياً على ذاته، لكنه أيديولوجيّاً يمارس فعله المزدوج بوصفه كتلة موحدة لها منظور واحد.
استمد مفهوم التمركز، مكوناته من الدلالة المباشرة لـ Egocentricity التي تفترض غلبة وجهة نظر الذات وصوابها، وهي متصلة بعالم الطفولة، إذ تتجلى الأنانية المفرطة التي توافق مرحلة من نمو الطفل، تجعله يركّز العالم في أناه، لأن وجدانه لا يتفتح على الآخرين إلاّ بقدر ما يكون هؤلاء مجموعة من العناصر في أفقه الذاتي، فيصعب عليه أن يفهم الأشياء من غير منظاره الخاص، ولا يُعطي أي اعتبار للآخرين واهتماماتهم، الأمر الذي يؤدي إلى أن يختلط لديه الموضوع بالذات.
ينبغي التأكيد على أن كل مركزية تقوم على فكرة الاختلاق السردي الخاص لماض مرغوب يشبع تطلعات آنية، ويوافق رغبات قائمة، فهذه سُنن المركزيات، وبمواجهة الحاجة إلى توازن ما تُصطنع ذاكرة توافق تلك التطلّعات، أو يتم تعويم صور من الماضي، لغايات خاصة.وقد ذهب «إدوارد سعيد» إلى مضمون هذه الفكرة، حينما أكد أن «ثمة منهجا لاستخدام الذاكرة بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي، وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب يؤدي وظيفة من نوع ما.. ومن هنا ليست الذاكرة بالضرورة أصيلة، بل هي على الأصح، ذاكرة نافعة... وذلك يعود إلى أن الاهتمام بالذاكرة من أجل ماض مرغوب فيه يمكن استعادته هي ظاهرة محمّلة مشحونة، وقد برزت إلى الوجود حديثا نتيجة التغيرات المربكة في مجتمعات كبيرة تفوق التصور، مجتمعات بشرية ضخمة، واسعة الانتشار، وقوميات متنافسة، ولعل الأمر الأكثر أهمية، فيما يخص ظهور الذاكرة التي يمكن الانتفاع بها لأداء وظائف تحتاجها الأمم والمجتمعات، في واقعها المعاصر، هو تناقص فعالية الأواصر الدينية والعائلية والروابط السلالية، ويتطلع الناس الآن إلى هذه الذاكرة المتجدّدة، لا سيما في شكلها الجمعي، ليمنحوا أنفسهم هوية متماسكة، وسرد قومي، ومكان في العالم». إنّ الأمثلة في عالمنا المعاصر أكثر من أن تحصى في مجال اختلاق ذاكرات تاريخية وعرقية ودينية، والبحث المسكون بأوهام كبرى للانتساب إلى ماض عريق كمعادل موضوعي لوهن قائم، أو لانتزاع شرعية في عالم محتدم بصراع الهويات والتطلعات والآمال، ومشبع في الوقت نفسه بحالات انكسار للقيم التقليدية الموروثة، وانهيار لنسق العلاقات القديمة، وهذا التوتر يضخّ رغبات دائمة تريد استخدام الماضي استخداما إيديولوجيا بما يضفي على الأنا سموّا ورفعة، والآخر خفضا ودونية.وإعادة قراءة المرويات الإسلامية في ضوء هذه الحاجات، يسهم في هذا الضرب من الصراعات، فالأمم تتساجل فيما بينها عبر الصور الاكراهية التي تشكلها بواسطة السرود لغيرها. وقوامها إن هو إلا نسيج متشابك من التصورات والمرويات الخاصة بها عن نفسها، وعن الأمم الأخرى. وغالبا ما تحمل تلك التصورات عبر التاريخ مدونات وصفية أو تخيلية، تتوارى فيها الصور الكلية للمشاعر والتطلعات والتجارب، والقيم الدينية والنفسية والأخلاقية. واستنطاق تلك المتون إنما هو استنطاق لذاكرة. ونقدها إنما هو محاولة لوقف استخدامها كإيديولوجيا حيّة في نزاعات معاصرة، ولم يكن تشويه الآخر، قد أثمر عن فائدة حقيقية، ولن يكون ممكنا وقف ذلك إلا استنادا إلى رؤية نقدية تكشف ذلك النسغ المتصاعد في الفكر والسلوك المعاصرين.
نقد التمركزات الثقافية
ولعل أول ما ينبغي الانصراف إليه هو نقد يكشف التناقضات الكامنة في صلب الثقافة المتمركزة حول ذاتها، فالنقد هو الذي يدفع بتلك التناقضات إلى أن تفصح عن مضمراتها؛ لأنه يتتبع بدقة الممارسات الملتوية للمفاهيم التي تكوّنها. ولا تقف مهمة النقد عند إظهار أخطار التمركز، إنما يهيئ الأمر لهوية ثقافية جديدة قائمة على مسار متحوّل ومتجدد ومتشعّب الموارد من المنظورات والمكوِّنات الثقافية المنتجة أو المعاد إنتاجها في ضوء الشروط التاريخية للذات الثقافية. وبما أنّ هوية التمركز تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية قارة وكونية في آن واحد، فإنّ الهوية الثقافية التي تقوم على الاختلاف لا تقر بالثبات ولا الشمول وتحرص على بعدها التاريخي، وفيما تصطنع هوية الثقافة المتمركزة أصولاً عرقية ودينية وفكرية توافق مضمونها، فإنّ هوية الاختلاف تتجنب إنتاج أيديولوجيا لها صلة بهذه الركائز؛ فاتصالها بهذه الركائز اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد أيديولوجي متصل بمعنى الهوية.
وأخيراً فيما تقوم هوية الثقافة المتمركزة بطمس كل العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهوية كما أنتجتها تلك الثقافة واستبعادها، بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية، فإنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوِّنات فاعلة فيها، وهي تمثل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها. النقد هو الممارسة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية.ونقد «المركزية الغربية»و«المركزية الإسلامية»، إنما يتصل أساساً بواقع الثقافة العربية الحاضرة، ثقافة المطابقة، وهو نقد اقتضاه بالدرجة الأولى حضور الثقافة الغربية وهيمنتها في معطيات الثقافة العربية، وحضور ثقافة الماضي بسياقاتها الأولى التي نشأت فيها، وهو نقد لا يعني بأي شكل من الأشكال إصدار حكم قيمة بحق ظاهرة ثقافية لها شروطها العامة، وهو نقد لا يدّعي تقديم بدائل جاهزة، وليس في مقدوره استبدال معطىً بآخر، لأنه نقد لا يقرّ بالمفاضلة، إنما هو ممارسة فكرية تحليلية كشفيّة استنطاقية، غايتها توفير سياقات تمكّن من إظهار تناقضات الفكر المتمركز حول نفسه، وإبراز تعارضاته الداخلية، ومصادراته، واختزالاته للثقافات الأخرى. تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن النقد هنا، لا يؤمن بتغليب مرجعية على أخرى، وهو لا يدّعي القدرة على الإجهاز فوراً على كتلة ضخمة ومتصلبة من الممارسات المتمركزة على نفسها سواء أكان ذلك على مستوى العلاقات الواقعية أم العلاقات الخطابية.فالنقد أبعد ما يكون عن كل هذا، فلا يصار أبداً الإجهاز على ظاهرة من خلال إبداء الرغبة في ذلك، فـ «التفكير الرغبوي» تفكير انفصالي، بطبيعته عن موضوعاته، لأنه يكيّف نظرياً مسار الوقائع للرغبة دون الأخذ بالاعتبار الهوّة التي تفصل الرغبة عن موضوعها، إنما يريد النقد أن يمارس فعله عبر الدخول إلى صلب ظاهرة ثقافية كبيرة، والتفكير فيها، ولكن ليس التفكير بها.هو نوع من العمل المنهجي الذي يتصل بموضوعه وينفصل عنه في الوقت نفسه، إنه يتصل بالمركزيات على مستوى اشتغال مفاهيمها وفروضها وقضاياها وإشكالياتها بهدف استكناه طبيعتها الداخلية، وخلق «ألفة» نقدية من التواصل مع ركائزها وآلية عملها، ولكنه انفصال واضح عنها، لأنه يهدف إلى ضبط مصادراتها وإقصاءاتها، وإبراز تناقضاتها الضمنيّة. بعبارة أخرى، النقد هنا، لا يقبل لنفسه، بوصفه ممارسة واعية، أن يتهرب من الاقتراب الحقيقي إلى الظاهرة التي يدرسها، إنما هو مدفوع للوقوف تفصيلاً على التشكّلات الداخلية لتلك الظاهرة، والارتباطات الخفيّة بين المفاهيم المكوّنة لظاهرة التمركز، ووصف شُحن الغلواء التي تمورُ بها، دون أن يعني ذلك ـ بأي شكل من الأشكال ـ انتقال تلك الشُحن إليه هو. إنه يريد أن يتجاوز التذلل والولاء، فيُدخل موضوعه في سياق نقدي شامل، دون ادعاء أية حقيقة وأي يقين، كما أنه لا يصدر عن مرجعيات تجريدية ثابتة ترتبط بهذه الثقافة أو تلك.
إن هذا النقد ممارسة معرفية واعية تنتمي إلى ذاتها، تتوغل في تلافيف الظاهرة، وتضيء الأنوار في العتمة الداخلية لها، لتكشف أمام الأنظار طبيعة الظاهرة، وآلية الممارسات التي تقوم بها، سواء في إنتاج ذات تدّعي النقاء أو في اختزال الآخرين إلى نمط يوافق منظور تلك الذات.والهدف من ذلك، توسيع مديات الوعي فيما يخص طبيعة الظواهر الثقافية القائمة في عالمنا المعاصر، وتخصيب تشعَّباته، وإعطاء أهمية للبعد التاريخي للثقافات دون أسرها في نطاق النزعات التاريخية.إنه، في نهاية المطاف، ممارسة حرة واعية بشرط حريتها، وهو تفكير في موضوع التمركز، من أجل إبطال نزعة التمركز وتكسير مقوماتها الداخلية، وفصل الوقائع المُختلطة ببعضها، والمنتجة في ظروف تاريخية متصلة بـ «الذات» و«الآخر».وهو نقد لا يتقصّد إيجاد قطيعة بين الاثنين، إنما ترتيب العلاقة بينهما وفق أسس حوارية وتفاعلية وتواصلية؛بهدف إيجاد معرفة جديدة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المتمركزة وخرافاتها، والآخر المتمركز ومصادراته.ولا يمكن أن تكون «معرفة الآخر» معرفة مفيدة إلاّ إذا تمّ التفكير فيها نقدياً، والاشتغال بها بعيداً عن سيطرة مفاهيم الإذعان والولاء والتبعية، وبعيداً أيضاً عن أحاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا. أخيراً فإنّ من الأهداف الأساسية لهذا النقد، تغيير مسار التلقّي، الذي نقصد به الطريق الذي تأخذه الأفكار الأخرى للدخول في وعي الذات، فتتشكّل ضمنها، وهي حاملة معها دلالاتها، دون أن تخضع لمراجعة، بحيث تحتفظ بمحمولاتها وسياقاتها الأصلية، وهو ما يحدث انقساماً شديداً في الذات الثقافية، لأنها لم تُكيّف تلك العناصر، بسبب غياب الإطار المنظّم والمكيّف القادر على إعادة إنتاج تلك العناصر، بما يجعلها مكوِّنات في هذه الذات، وليس جزءا غريبا عنها، مهيمنا عليها، وما يحصل أنّ تلك العناصر، ستمارس أفعالها كأنها ضمن نسقها الثقافي الأصلي، وهذا يقود إلى تعريض مكوِّنات الذات إلى انهيارات داخلية؛ لأن تلك العناصر نُضّدت جنباً إلى جنب، ولم تركّب محمولاتها وفقاً للشروط التاريخية للذات الثقافية. وظيفة النقد المعرفي هي المساهمة في تغيير مسارات التلقي، واقتراح كيفيات لاندراج عناصر الثقافات الأخرى في الذات الثقافية؛ فالثقافة الإسلامية أصبحت حقل صدامات لا نهائية بين المفاهيم والمقولات والرؤى والتصورات المستعارة، وذلك سببه، فيما نرى، عدم الاهتمام بمسار تلقي الأفكار الذي يؤدي إلى أن تحافظ المكونات الغريبة على نفسها دون الانصهار في نسق الثقافة الجديد الذي يحتضنها.وهذا الأمر يتصل بموضوع التمركز، فالأفكار تمارس أفعالها المتمركزة إذا لم تندمج في أطر الثقافة الأخرى على أنها مكوِّنات فاعلة فيها.وبالنظر إلى أن التمركز ظاهرة ثقافية، وباعتبار التمايز بين الطبيعي والثقافي، فإنّ كل خروج على ما هو طبيعي يندرج في مجال الثقافي، وعلى هذا ينبغي استبعاد العامل الطبيعي من شبكة التمركز؛ ولأن التمركز متصل بالمنظور الثقافي للإنسان في رؤيته لذاته ولغيره.
وسائل التمركز
أنتجت القرون الوسطى مرويات ثقافية إسلامية تضمنت تصورات شبه ثابتة للأعراق والثقافات والعقائد، وكانت تلك التصورات تمثّل معيارا يتدخّل في رفع قيمة ما أو خفضها لدى أي مجتمع أو ثقافة. وليس خافيا أن الحكم المسبق على ظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو دينية سيؤدي إلى نتيجة تضفي مكانة رفيعة عليها أو تسلبها مكانتها الحقيقية، والصور التخيلية المتشكّلة في أذهان المجتمعات، بفعل الخلافات الدينية، والصراعات السياسية، وتباين المنظومات القيمية، والأنساق الثقافية، أدّت خلال تلك الحقبة الطويلة إلى ترسيخ صور منقوصة لبعضها. ومادامت تلك المرويات توجّه أفكار المؤرّخين والجغرافيين والرحّالة والمفكّرين والفقهاء، وكل مَنْ يصوغ الصور الجماعية الذهنية الخاصة بالآخر، وبخاصة المدونات الوصفية والسردية والعجائبية، فمن المنتظر الحصول على سلسلة متواصلة من الأحكام غير المنصفة بحق الآخر المختلف.
لم يكن الأمر خاصا بتلك المرويات في الإسلام وحده؛ فالقرون الوسطى تميزت بأنها تعنى بثبات المعايير وتكرارها، والنظام الفكري الشائع خلالها ينظر إلى الظواهر الطبيعية والبشرية والثقافية نظرة قارّة، فالإحساس بالتغيّر محدود جدا، وثمة ثقة شبه كاملة بضرورة خضوع الظواهر البشرية والثقافية والدينية لتفسيرات مركزية مطلقة، وغير خاضعة للتغيرات الزمنية، وكان ذلك النظام يستعين بطرائق تحليل تقليدية تفتقر إلى قوة التعليل، الأمر الذي جعل المعرفة الخاصة بتلك الحقبة هشّة، وضعيفة، وتنطوي على تناقضات كثيرة، لم تصمد بوجه النقد ؛لأنها قائمة على التنميط غير المعلّل، أو الذي يفتقر إلى تعليل يأخذ في الاعتبار العناصر الحقيقية للظاهرة في سياقاتها الثقافية والتاريخية، وليس في حالة تجريد تام كما كان التصور القديم يفترض ذلك، ولما كانت تلك المعرفة تقوم على ركائز ناقصة، وغير متكاملة، ومتعالية على شرطها التاريخي، فمن الطبيعي أن تتّصف عموما بالنقص وعدم الإحاطة بموضوعاتها، والاختزال الواضح في الأسس التي تقوم عليها. كان هذا التصور التقليدي للآخر إبان تلك الحقبة يقيم معرفة تخيلية ملتبسة مع نفسها، يتم تعميمها وفرضها استنادا إلى السجال، وليس إلى التجربة والمعاينة والاكتشاف المباشر، وقد لا تراعى في كل ذلك الجدوى المستخلصة منها، ولا الهدف المراد تحقيقه، سوى الامتثال للفكرة الراسخة القائلة بالتفاضل، فالأنا مفعمة بقيم سامية، والآخر يفتقر إليها، الأنا فاعل، والآخر منفعل. حينما تصهر معا كل العناصر المكونة لظاهرة ما، يمكن الحديث عن اقتراب إلى حقيقة الشيء.
تضافرت المرويات من أجل تمثيل الذات والآخر استناداً إلى آلية مزدوجة الفاعلية أخذت شكلين:ففيما يخص الذات أنتج «التمثيل» ذاتاً نقيّة، وحيويّة، متعالية، ومتضمّنة الصواب المطلق، والقيم الرفيعة، والحق الدائم؛ فضخّ مجموعة من المعاني الأخلاقية المنتقاة على كل الأفعال الخاصة بها، وفيما يخص الآخر أنتج «التمثيل» «آخر» يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً، والخمول والكسل أحياناً أخرى، وذهب فيما يخص الأقوام في المناطق النائية إلى ما هو أكثر من ذلك، حينما وصفهم بالضلال والحيوانية والتوحش والبوهيمية، وبذلك أقصى كل المعاني الأخلاقية المقبولة عنده، واستبعد أمر تقبّل النسق الثقافي له، فحُمّل الآخر، من خلال تفسير خاص، بقيم رتّبت بتدرّج لتكون في تعارض مع القيم الإسلامية. وبذلك اصطنع «التمثيل» تمايزاً بين الذات والآخر، أفضى إلى متوالية من التعارضات والتراتبيات التي تسهّل إمكانية أن يقوم الطرف الأول في اختراق الثاني، وتخليصه من خموله وضلاله وبوهيميته ووحشيته، وإدراجه في عالم الحق. وباستثناء حالات محدودة خاصة بالعالم الشرقي، وبخاصة الهند والصين، فمن النادر الحديث عن تمثيل محايد، فالمرويات الكبرى لا تنقطع عن مرجعياتها الثقافية، وهي سرود شاملة لا تعرف البراءة في التمثيل، وليست شفافة، إنما تشتبك مع مرجعياتها في نوع من التمثيل الكثيف، وتصوغها صوغا رمزيا، فترشح من تضاعيفها كل المواقف القيمية والثقافية. هذه الآلية التي وفرت اعتصاماً بالذات وتحصناً وراء أسوارها المنيعة، وإقصاء للآخر وتشويه حالته الإنسانية، هي من نتائج ثقافة التمركز حول الذات داخل الإسلام، والتمركز نمط من التفكير المرتفّع الذي ينغلق على الذات، ويحصر نفسه في منهج معين، ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته. ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة مقولاته. ويحتاج هذا النمط من التفكير إلى نقد متحرر من أية مرجعية ثابتة، سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية، فالمرجعية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية التحليلية الجريئة التي تتعرّض لفك التداخل بين الظواهر التي تلازمت فأوجدت هذا التفكير الذي يقوم على الرغبة والحاجة، وليس على جمع المعطيات الكلية التي توفر له درجة من الموضوعية والحياد والصدق.
لقد كان هذا النموذج الفكري مهيمنا في القرون الوسطى، وتغلغل في تضاعيف التصورات العامة، وتحكّم في توجيه الأفكار وصوغها، وركد مطمورا، ولكن بفاعلية كبيرة، تحت أكداس الخطابات والتصورات والتخيّلات، فحجب ولمدة طويلة، كل إمكانية للبحث في أمر تعديلها. وهو أمر يوجب إعادة النظر مجدداً في كثير مما اعتبر من المسلّمات الثقافية في ذلك العصر، من أجل كشف فداحة الأوهام، وخطورة المصادرات، ثم القيام، وبكيفية جديدة، بطرح القضية الملتبسة دائماً، قضية «الأنا» و«الآخر».ليس بوصفها قضية تاريخية انقضى عصرها، إنما باعتبارها ممارسة فكرية نقدية متجدّدة، تقوم بتحرير الذات من أوهام التمركز والتفوّق والأفضلية، عبر نقدها من أصولها، وفكّ الالتباس الناشئ من علاقة غير صحيحة مع الآخر، تشكّلت في ظروف أخرى، وفي ظل موجهات لم تعد قائمة بصورتها الموروثة. تمارس الأصول ضغطا شديدا في تحديد مجال الأفكار، ونمط المواقف، ونوع التصورات. تلك المرويات تمثل ذاكرة يصار إلى استعادتها طبقا لحاجات متصلة بالوعي الجماعي في ظروف معينة من أجل أهداف مشتركة، والبحث في الصور المتشكّلة في المخيال الإسلامي للآخر ليست موضوعا أغلق عليه كتاب الماضي، إنما هي قضية تتصاعد بفعل الظروف المعاصرة، ويتم استخدامها نفسيا لإعادة التوازن، فالماضي يدفع به ليكون جزءا من صراعات الحاضر، وهذا الاستخدام لمعطيات الماضي، يجعله مباحا، وقابلا للاختلاق في كل موضوع يستعصي على الحل، وهو، يحجب النظر عن القضايا الحساسة، ويتسبب في عماء دائم، يحول دون التفكير الموضوعي بالواقع.

(*) باحث وناقد عراقي يقيم في المهجر.

عن: مجلة التسامح.