|
الأحد:
25/05/2008
مبادئ التفكير الاستراتيجي
عند الشهيد محمد باقر الصدر
الدكتور صلاح
الجابري(*)
لا شك أن الشهيد الصدر مفكر
أيديولوجي، ومن مميزات التفكير الأيديولوجي أنه يتطلع إلى يوتوبيا
مستقبلية استنادا إلى منطق تحولي. كما نجد ذلك لدى هيغل، وماركس، لقد
حاول كل واحد منهما أن يضع مبادئ تغيير العالم من حالة الركود الحضاري
إلى حالات أرقى في سلم التطور الذي يعد لديهم سنة كونية طبيعية تعمل خارج
إرادة الإنسان. وقد اكتسبت الفلسفة لدى هذين الفيلسوفين معنى أكثر قربا
من الواقع، بل شكل هذا الأخير هما مركزيا لديهما، على الرغم من التباعد
بين مضامين فلسفتيهما.
منذ هيغل لم يوضع نظام ميتافيزيقي شامل للفلسفة في الغرب، أي لم تصغ
الفلسفة صياغة إستراتيجية، بل تحولت على يد المدارس الفلسفية المعاصرة
إلى أداة نقدية وحسب، وجردت عن وضيفتها الاستشرافية المرتبطة بمنطق
تحولي. واستقلت المشكلة الاجتماعية عن أي تحديدات ميتافيزيقية قبلية،
وانطلقت تلك الحركات النقدية من تفكيك الفلسفة الهيغلية وبعد ذلك
الماركسية، مستهدفة كل فكر شمولي. وقد حاول تلامذة هيغل أن يدافعوا عن
الهيغلية بتأويل موقفها من الفرد والدولة، وحاول تلامذة الماركسية أن
يجددوا الماركسية كما فعلت مدرسة فرانكفورت وعلى رأسها هابرماس. لكن تلك
التجديدات لم تحل المشكلة فالهيغلية كانت وراء نهاية التاريخ الأمريكية،
والماركسية إذا جددت خارج اليوتوبيا الخاصة بها كما فعل هابرماس تفقد
الغاية التي أناطت حركة التاريخ بها، وبالتالي يفقد الديالكتيك غايته.
عملت مدرسة فرانكفورت النقدية المعاصرة على إلغاء هيمنة العقل الهيغلي
على التاريخ والمجتمع وأدخلته في التاريخ والمجتمع، وقد جرد هابرماس،
مثلا، الفلسفة من دور القاضي الحاكم على الواقع، وأناط عملية العقلنة
بعلم اجتماعي يستند إلى نظرية في التواصل الجماعي، ومنح الفلسفة دور
المؤول للتجربة وأفعال الكلام، واللغة، والأخلاق. وتعبر المدارس النقدية
المعاصرة، في حقيقتها، عن ردة فعل تجاه نتائج العقل الحداثي الذي انتهى
إلى عقلانية أداتية تستند إلى التكنولوجيا، تشيئ الإنسان وتربطه بسلطة
الآلة، تتحكم باختياراته وأذواقه، فلم يعد هذا الإنسان، يتحكم بقراراته
وأذواقه، وإنما تفرض عليه من الخارج من سلطة مسيطرة على العمل الإنتاجي
الذي بإمكانه أن يشكلن الإنسان ويتلاعب به، ويخلق لديه حاجات ورغبات
جديدة ليس باختياره، لكنها تستهويه فيما بعد.
يعيد الشهيد الصدر صياغة الفلسفة العالمية صياغة كلية، ويركب رؤية
ميتافيزيقية واقعية استشرافية، تضفي على الفلسفة أكثر من دورها النقدي
الأداتي، تتجاوز بها مستوى الأداة إلى مستوى المضمون التغييري الذي
يستشرف معطى مستقبلي ارتقائي. وأكثر الأفكار إثارة لدى الصدر هو كيفية
ربطه للميتافيزيقي بالواقعي، وإحداث عملية تغيير تاريخي داخل الواقع
الاجتماعي بفعل عوامل ميتافيزيقية.
إن عملية تشخيص موضوعي لهذا التفكير الاستراتيجي ذي المضمون
الميتافيزيقي، لا يستغني عن كشف المسوغات العقلانية لذلك الربط بين
مقولتين تبدوان متباعدتين، هما: الميتافيزيقي، والواقعي.
يتداخل المفهوم الميتافيزيقي مع المفهوم الواقعي، كما سوف يفصله البحث في
موضع آخر، ونكتفي بالإشارة إلى أن الميتافيزيقي لدى الصدر يعني به
القاعدة الروحية والأخلاقية التي تتشكل في ذهن الإنسان وترسم له حدود
الرؤية والغايات والأهداف المستقبلية. كما ترسم القاعدة المادية
الاقتصادية ولوازمها الاجتماعية، على حد افتراض ماركس، شكل الرؤية
والأفكار والقيم.
حركة التاريخ والفكر الاستشرافي
إن تغيير العالم وفق أهداف بعيدة المدى، واحدة من أكثر مميزات الفكر
الاستراتيجي، ويرتبط هذا التغيير بالشكل الذي تتخذه حركة التاريخ في
مسيرتها التطورية.
يتحرك التطور الداخلي، وفقا لهيغل، من مستوى مجرد من الفكر نحو واقعية
قصوى. بتعبير آخر، يشكل المطلق في البداية وحدة غير متمايزة مع ذاته،
لكنه في إنتاجه الاختلاف المتنوع للواقع في كل من التاريخ الطبيعي
والتاريخ البشري، يدرك ذاته في الآخر الذي أنتجه. وعندما تكون كل
الاختلافات ظاهرة للعيان ويكتشف المطلق ذاته متجسدا في العالم، إذن هو
يحقق غايته في ((المعرفة المطلقة)). فلا يبقى شيء خارج المطلق ليتغلب
عليه عن طريق نقائض إضافية، ويتحقق التجسد الكامل للحرية، أي وجود العقل
في ذاته داخل العالم(1).
إن التجسد النهائي للعقل في ذاته يعد نهاية جدلية الحركة التاريخية، وقد
رأى هيغل في الثورة الفرنسية مصداق هذا التحقق، فقد اختفت التناقضات
الاجتماعية أمام المساواة والحرية.
إن مقاييس التطوري التاريخي للفكر لدى هيغل هي عينها التي لدى الصدر،
فكلاهما يتعاملان مع حركة طردية تطورية، فإذا كان هيغل يرى في تاريخ
الأفكار عملية ارتقائية لا تسمح بقياس اللحظة السابقة باللحظة التالية،
لأن اللحظة التالية ستكون أرقى تطوراً من السابقة بحكم الارتقاء العقلي
الذي بلغه المطلق في جدله المتصاعد، فإن الشهيد الصدر يرى في التاريخ
عملية تطورية أيضا، بل يجعل الإبداع والاختراع مرتبطا بارتقاء الفكر
البشري. فالإبداع لدى الصدر ليس مرتبطا بالحاجة العملية، كما افترض
فلاسفة المادية، وإنما يرتبط بمستوى نضوج الفكر في سيره التسلقي نحو
المستقبل، ولذلك فإن اختراع الأبرة المغناطيسية لا يعبر عن حاجة عملية
فقط، فالإنسان في الأزمنة القديمة لديه الحاجة نفسها للأبرة المغناطيسية
في تعيين اتجاهات السفن في النشاط التجاري، لكنه مع ذلك لم تُهْدِه
الحاجة إلى ذلك الاختراع، لأن ارتقاء الفكر لم يصل إلى مستوى من النضوج
للإبصار بذلك الاختراع(2).
إن منهج الرؤية لدى الشهيد الصدر يشير إلى تطور تدرجي، فبناء الرؤية داخل
المجتمع، سيمهد لتحقيق نظام اجتماعي متكامل، إن التاريخ سينتهي حتما إلى
الغاية المرتبطة بشروطها المسبقة التي تتجسد من خلال الرؤية. إن الرؤية
إذن تعبر عن إستراتيجية عمل، وليس مجرد ترف فكري، وإن هذه الإستراتيجية
قد تكون طويلة الأمد أو قصيرة الأمد، أي تتوقف على مستوى نضج المجتمع
وتمثله لتلك الرؤية وذوبانه فيها. فآجلا أو عاجل سيصل المجتمع إلى نقطة
التحول الكبرى التي تقوده إلى بناء حضاري فعلي. لم يكتف الشهيد الصدر
بوجود نخبة أو فرد مفكر هنا وهناك، بل اشترط نهوضا اجتماعيا، انقلابا
كليا في التركيب النفسي والروحي للمجتمع، وليس مسألة صحوات فردية هنا
وهناك، كصيحة في واد!
ولذلك فإن صياغة الصدر للرؤية الفلسفية، وكشفه عن الترابط بين هذه الرؤية
والنشاط الاجتماعي، مجرد مقدمات وخطوط عريضة للمسيرة الطويلة التي على
المجتمع أن يقطعها نحو الهدف، تلك المسيرة المليئة بالأشواك والعثرات بل
بالويلات والآلام بتعبير قرآني بـ (الابتلاءات).
وقد واجه هذا المشروع الفكري الاستراتيجي عقبات، وتعثرات، عزلته عن
المجتمع، وحصرته في إطار النخبة الحزبية، ولذلك فقد من حراكه التطوري
داخل المجتمع وبالتالي افتقر المجتمع إلى آليات إنتاج المستقبل. كان
الشهيد الصدر مدركا ما للأفكار من قوة تأثير، وخطورة، على المجتمع، ولذلك
جاهد من أجل أن تنمو الأفكار الإيجابية البناءة داخل المجتمع الذي يعوزه
التحريك الفكري، ويعجز عن استشراف مستقبله. نعم استطاعت القوة المقابلة
على ساحة الصراع الوجودي، أن تمنع تسرب ذلك الفكر الاستشرافي إلى
المجتمع، وحرصت كل الحرص على تطعيم المجتمع ضده، بأفكار تخريبية، تنتزع
من المجتمع مبادئ صناعة الضمير الإنساني.
ولذلك فإن انهيار ذلك النظام الاستبدادي لا يعني أن المجتمع بلغ مرحلة
النضج، التي يتوخاها الشهيد الصدر، ولا أن الحركة الإسلامية (الموجزة في
حزب الدعوة في ذلك الوقت) الذي عقد عليها الشهيد الصدر أمل التغيير،
ستتخلى عن الوعي بذلك الفكر الاستشرافي وتتعامل مع الواقع من منطلق تحصيل
الحاصل. وإنما تعبر هذه المرحلة من التغيير الخارجي عن فرصة إعادة تركيب
الأطروحة الأساسية وبعثها من جديد في داخل المجتمع، ومراقبة سيرها
الارتقائي، ودرجات تحسين حالة الوعي الجماعي للأمة، في حالة من التأهب
الدائم لما هو أفضل وأرقى، حتى بلوغ نقطة التحول الاجتماعي الشامل، التي
سترتقي إليها حركة التاريخ بشكل حتمي. فالتطور الاجتماعي تطور تدرجي وليس
قفزات ديالكتيكية كما تصور الماركسيون، إنه نمو ونضوج مستمر على خط متصل
لا قطائع فوكوية فيه ولا باشلارية(3)، تقوده الفلسفة وليس العلم
الباشلاري، وإنما يتموضع فيه العلم الباشلاري كجزء من التركيبة الكلية
التي يتبوء فيها الدين والفن مواضع أساسية.
وقد تحصل حالة من الخلط والالتباس في تقييم الواقع، فينظر إلى الوضع
الراهن على أنه نقطة تحول كبرى تعبر عن الغاية التي استشرفتها حركة
التاريخ لدى الشهيد الصدر، كما يبدو من بعض التصريحات والممارسات لدى
المتصدين للعملية السياسية في إطار الأحزاب الإسلامية وفي إطار الحكومة
أيضا. والحقيقة إن هذا الخلط أمر خطير، لأنه ينطوي على تجاوز لاواعي
للأطروحة الأساسية، ومعاملة الواقع كغاية قصوى، أو كنتيجة فلسفية لتطور
تاريخي مستقرأ من قبل، في حين أن هذا الواقع في الحقيقة مجرد نتيجة
لعملية شواش غير مرئي كان يعمل في إطار خارجي من أطر السياسات العالمية
الكبرى، وهو غير متنبأ به من الناحية العلمية لأنه ليس نتيجة طبيعية
لحركة تاريخية، أو لنضج اجتماعي لفظ القديم والتقليدي خارج أسواره، وقد
يحق لنا أن نصفه بالفرج الإلهي، لكنه يبقى ليس نتيجة حتمية لتطور ونضوج
اجتماعي داخلي، لكنه مع ذلك، وهذا هو الأهم، يعد نافذة مهمة لمتابعة سير
الحركة التطورية التي شخصت مبادئها الأساسية فلسفة الصدر في الستينيات.
وعلى الحركة الإسلامية أن تعي هذه الحقيقة وأن تتعامل مع الواقع من هذا
المنطلق كنافذة لاختبار الأفكار، ومختبر لفحصها وتقويمها، واستنادا إلى
هذا التقييم للواقع فإن الاحتلال يعد حالة استثنائية وليست حالة جوهرية
أو كما يحلو لبعض الناس المضطهدين أن يصفوه، انطلاقا من تأزمهم النفسي
تجاه النظام المباد، بالتحرير أو غيره من أوصاف تجعله وكأنه جزء من
التنبؤات الاستشرافية للأطروحة الفلسفية.
إذن يعد الواقع الراهن بكل ملابساته، على ضوء فلسفة الشهيد الصدر، حالة
طارئة، ولكنها نافذة على مستقبل أكثر إشراقا، إنه نتيجة حتمية لتخبطات
النظام الاستبدادي، وليس نتيجة لارتقاء داخلي ونضوج نفسي، إنما الإعداد
النفسي والنضوج الفكري سيبدأ من هذه النافذة التي فتحها القدر، من هذه
النقطة يمكن للفكر الاستشرافي الشامل للشهيد الصدر أن يتابع ارتقائه داخل
المجتمع، ويفعل فعله التطوري، ويشحن الضمير الجماعي، بطاقة التحرك نحو
اللانهاية في سلم الارتقاء والتكامل الإنساني، وفي إحدى نقاط هذا التحول
العليا ستتحقق جزاءات الشروط التي فرضتها جملة من الآيات الكريمة التي
استشهد بها الشهيد الصدر لإثبات الحركة التطورية للتاريخ.
الهوامش
ـــــــــــــ
(*)
رئيس المنتدى
الثقافي في الناصرية / معهد الأبحاث والتنمية الحضارية، أستاذ الفلسفة
المساعد في جامعة ذي قار.
(1) Rosen, Stanley: philosopher's handbook, random House, u. S. A.
2003, p.325.
(2) ينظر: الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، ص35.
(3) نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي المعاصر غاستون باشلار، فالقطيعة لدى
باشلار تأتي من أن العلم قد لا يتواصل باستمرار على خط واحد متصل، وإنما
قد تشوبه قطائع وانفصالات، تظهر خلالها بناءات علمية وخبرات جديدة غير
مبنية استنتاجيا على ما قبلها. ويبدو أن الشهيد الصدر يخالف هذا الاتجاه
الباشلاري بما يبدو من إيمانه بالعلاقة المتبادلة بين الخبرة والممارسة
التي افترض أنها الحل الوحيد للناقض بين الإنسان والطبيعة ومقاومتها.
فهذا القانون يؤكد على أن الخبرة العلمية تنشأ عن الممارسة، والممارسة
تولد بدورها خبرة، فيتضاءل جهل الإنسان باستمرار، وتنمو معرفته باستمرار
من خلال ممارسته للطبيعة فيكتسب خبرة جديدة، وهذه الخبرة تعطيه سيطرة على
ميدان جديد من الطبيعة، فيمارس على الميدان الجديد، وهذه الممارسة بدورها
تتحول إلى خبرة، وهكذا تنمو الإنسانية باستمرار ما لم تقع كارثة كبرى
طبيعية أو بشرية، أنظر: التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة
القرآنية، ص161-162.
|