|
الخميس:
08/05/2008
رؤية في تجديد الفكر الإسلامي(2/2)
زكي الميلاد(*)
(خاص للمعهد)
ـ 4 ـ
تجديد الفكر
ومنطق الاجتهاد
لعل أهم حقيقة يمكن أن نقررها في مجال الحديث عن تجديد الفكر
الإسلامي, هي أن مهمة التجديد لا يمكن النهوض بها, والتقدم المستمر في
طريق إنجازها, وبالمستوى الذي يحقق درجة عالية, إلا إذا استعاد العلم
الإسلامي, واستعاد المسلمون منطق الاجتهاد, وتعاملوا مع الفكر الإسلامي
بهذا المنطق. فهو المنطق الذي يفسر لنا كيف استطاع المسلمون في عصرهم
الأول تأسيس العلوم, واكتشاف المناهج, وابتكار النظريات في مختلف ميادين
العلم والمعرفة, وكيف تمكنوا من بث الروح في علوم الآخرين التي تعرفوا
عليها, واعتنوا بها كعلوم اليونان القديمة, ولولاهم لندثرت تلك العلوم,
ولما تعرف عليها العالم اليوم, وكيف صنفوا لنا تلك المؤلفات الجليلة
والخالدة, التي كشفت عن الروح العلمية الفائقة والمدهشة عند العلماء
المسلمين في ذلك العصر. وهي الروح التي حاول العالم الألماني فرانتز
روزنتال الكشف والحديث عنها في كتابه: (مناهج العلماء المسلمين في البحث
العلمي), متتبعاً تجليات هذه الروح في مختلف ميادين المعرفة, من المعرفة
الإسلامية والشعر والأدب, إلى المعرفة المتصلة بعلوم الطب والصيدلة
والكيمياء.
فحين يتحدث روزنتال عن عناية العلماء المسلمين بالمسائل الصعبة والشائكة,
ينقل عن الجوزجاني الذي تتلمذ على ابن سينا مدة خمس وعشرين سنة, أنه لم
يره مرة (إذا وقع له كتاب مجدد ينظر فيه على الولاء, بل كان يقصد المواضع
الصعبة منه, والمسائل المشكلة, فينظر ما قاله مصنفه فيها, فيتبين مرتبته
في العلم ودرجته في الفهم), ويعلق روزنتال على هذا الكلام بقوله: (أن ابن
سينا كان ذا قدرة نادرة على النظر في الأمور الجليلة الفائدة, دون إنفاق
الجهد سدى على أمور ثانوية, إنه كان يعنى أولاً بالمستجد في شتى حقول
العلم الذي كان يهتم به)(17).
وحين يتحدث عن الغاية من التأليف والتصنيف في نظر بعض العلماء المسلمين,
ينقل كلاماً أورده الشيخ عبد الباسط العلموي في كتابه: (المعيد في آداب
المفيد والمستفيد) الصادر عام 1573م, يقول فيه: (قال صاحب الأحوذي: ولا
ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين: إما أن يخترع معنى,
أو يبتدع وضعاً ومبنى, وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق, والتحلي
بحلية السرق)(18).
ومن صور التجلي والتعبير عن منطق الاجتهاد, ما تحدث به الشيخ أبو حامد
الغزالي عن علاقته بالعلم, منذ بداياته الأولى إلى مراحله العليا إذ يقول:
(لم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ, قبل بلوغ العشرين إلى الآن,
وقد أناف السن على الخمسين, أقتحم لجة هذا البحث العميق, وأخوض في غمرته
خوض الجسور, لا خوض الجبان الحذور, وأتوغل في كل مظلمة, وأتهجم على كل
مشكلة, وأقتحم كل ورطة, وأتفحص عن عقيدة كل فرقة, وأستكشف أسرار مذهب كل
طائفة, لأميز بين محق ومبطل, ومتسنن ومبتدع, لا أغادر باطنياً إلا وأحب
أن أطلع على باطنيته, ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته, ولا
فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته, ولا متكلماً إلا وأجتهد في
الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته, ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على
سر صفوته, ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته, ولا زنديقاً
معطلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. وقد كان
التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري, وريعان شبابي..
حتى انحلت عني رابطة التقليد, وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد
سن الصبا.. والتمييز بين هذه التقليدات, وأوائلها تلقينات, وفي تمييز
الحق منها عن الباطل اختلافات, فقلت في نفسي, أولاً إنما مطلوبي العلم
بحقائق الأمور, فلابد من طلب حقيقة العلم)(19).
وهذه الطريقة في العلاقة بالعلم, هي التي أوصلت الغزالي إلى المكانة
العلمية الشهيرة التي عرف بها, حيث كان يخاطب غيره بقوله: (اطلب الحق
بطريقة النظر لتكون صاحب مذهب, ولا تكون في صورة مقلد أعمى).
وبمنطق الاجتهاد يتحرر الفكر الإسلامي, من أصنام التقليد والتبعية
والجمود, ويتخلص من أوهام الرهبة والهيبة والشعور بالضعف, ويكتسب شجاعة
النظر, وعزيمة الكشف, وقوة الابتكار, فهو المنطق الذي يتطلب إعمال العقل
بأقصى طاقته, والسعي لامتلاك ناصية العلم, والإحاطة بكل ما تتطلبه عملية
البحث والكشف من شروط معرفية ومنهجية.
فالاجتهاد هو نقيض التبعية والتقليد, والفكر الإسلامي لا يمكن له أن
يتجدد إذا لم يتحرر من صنمية التبعية والتقليد. وهذه هي مشكلتنا, فنحن لا
ننتج المعرفة, وإنما نقلد الآخرين ونتبع سبيلهم, ونجتر ما عندهم من أفكار
ومعارف, وهذا ما نعرفه نحن عن أنفسنا, وما يعرفه الآخرون عنا أيضاً, ولن
نتخلص من التبعية والتقليد إلا بالاجتهاد.
كما أن الفكر الإسلامي لن يتجدد إلا إذا تحرر من ذهنية التواكل والجمود,
وتخلص من أوهام الرهبة والهيبة, ومن الشعور بالضعف والقصور, ولن يتحرر من
هذه الأصنام والأوهام إلا باستعادة منطق الاجتهاد.
ومن جهة أخرى, يكشف منطق الاجتهاد عن حجم ومستوى وطبيعة مهمة التجديد في
الفكر الإسلامي, وكيف أنها مهمة ضخمة وشاقة, وكأننا بحاجة إلى ثورة فكرية
ومنهجية في الفكر الإسلامي تؤهله للنهوض وإتمام مهمة التجديد.
ـ 5 ـ
تجديد الفكر
وتقدم الحياة
تجديد الفكر الإسلامي ليست مجرد عملية فكرية تستند على البحث
والتحليل النظري المجرد, المنقطع عن الواقع الموضوعي, وعن طبيعة حركة
الحياة, فمنظورات الواقع الموضوعي لها تأثيراتها الحيوية في عملية تجديد
الفكر الإسلامي, لأن الفكر ليس إطاراً أو نظاماً مستقلاً أو منفصلاً عن
الواقع الموضوعي, أو قابلاً للتفكيك والتركيب بطريقة العزل التام عن
السياقات الموضوعية, وبقدر ما يفرض الفكر منظوراته على الحياة, بقدر ما
تفرض الحياة كذلك منظوراتها على الفكر وطبيعة حركته واتجاهاته.
وتختلف منظورات الحياة في تأثيراتها على الفكر, بحسب مستويات التقدم
والتراجع فيها, وبحسب هذه المستويات يتأثر الفكر في منظوراته, وطبيعة
حركته واتجاهاته, فمنظورات التجديد في ظل الحياة المتقدمة, تختلف قطعاً
وبدرجات كبيرة عن منظوراته في ظل الحياة غير المتقدمة. ويتجلى هذا
الاختلاف ليس في الأبعاد المعرفية والمنهجية لهذه المنظورات فحسب, وإنما
يتجلى حتى في الأبعاد التي لها طبيعة نفسية واجتماعية, وهي الأبعاد
المنعكسة قوة وتأثيراً في درجات ومستويات الاستعداد النفسي والاجتماعي,
وكيفية طرائق التعامل مع فكرة التجديد من هاتين الجهتين النفسية
والاجتماعية.
وفي كثير من الأحيان تكون المعضلات النفسية والاجتماعية, أشد قوة وتأثيراً
من تلك المعضلات المعرفية والمنهجية في التعامل مع فكرة تجديد الفكر
الإسلامي. وتتحدد المعضلات النفسية في عدم الثقة, والإحساس بالضعف, أو
الشعور بالرهبة في الإقدام على عملية التجديد, وتتحدد المعضلات
الاجتماعية في الخشية من الآخرين والحذر من مخالفتهم, وفي تقليد السابقين
وإتباعهم, والرهبة من النقد أو الإنفراد بالرأي.
فحين تحدث السيد محمد تقي المدرسي, عن الإجماع في الجزء الثاني من كتابه:
(التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده), وجد أن فقهاء الإمامية يعتمدون كثيراً
على الإجماع في بحوثهم الفقهية, بحيث يكون من الصعب عليهم الخروج على رأي
الأكثرية, أو ما يعرف بالشهرة, حتى أنهم ـ حسب قوله ـ يبذلون جهداً كبيراً
في التعرف على آراء السابقين, ليتأكدوا من حصول الإجماع أو الشهرة في
مسألة معينة, وأن بعضهم يتهيب كثيراً من مخالفة المشهور أو الإجماع
المحصل أو المنقول, ويضرب مثالاً عن العلامة الهمداني صاحب كتاب: (مصباح
الفقيه), فبعد أن فند أدلة القائلين بنجاسة الشيء الذي يلاقي النجس, كتب
يقول (فمخالفتهم ـ يقصد الفقهاء ـ في هذه المسألة أهون, ولكن منعتنا من
ذلك وحشة الإنفراد, وكثرة عثرات المستبدين بآرائهم, ولنعم ما قيل أن
مخالفة المشهور مشكل, وموافقتهم من غير دليل أشكل)(20).
لهذا يمكن القول أن منظورات الرؤية إلى التجديد الديني في المجتمعات
الإسلامية المتقدمة على غيرها كماليزيا وإيران وتركيا, ستكون مختلفة
بالتأكيد عن منظورات المجتمعات الإسلامية الأخرى الأقل تقدماً, والسبب هو
في طبيعة الحياة المتقدمة التي تفرض منظوراتها على الثقافة والمجتمع.
فكلما تقدمت الحياة في المجتمع تقدمت معها منظورات الرؤية, وكلما تراجعت
الحياة, تراجعت معها منظورات الرؤية. فحين يتحدث محضير محمد عن تجربتهم
في ماليزيا فإنه يقرن هذه التجربة, بتجربة المسلمين في العصر الذهبي,
وحسب قوله: (نحن في ماليزيا نرى أنفسنا مثل أسلافنا المسلمين في العصر
الذهبي, لأننا نلتزم رؤية ومدخلاً أصيلاً ينسجم مع روح وجوهر الإسلام,
وكان لابد لنا أن نبدأ أولاً بتحقيق النمو)(21).
وهذا يعني أن مهمة التجديد في الفكر الإسلامي, لن تسير بطريقة مستمرة
وفاعلة إلا إذا تقدمت الحياة في المجتمعات العربية والإسلامية, وما لم
يحصل هذا التقدم فإن مهمة التجديد ستظل متعثرة, أو لن تسير بطريقة مستمرة
وفاعلة.
ـ 6 ـ
تجديد الفكر
وتقدم العلم
هل يتجدد الفكر بدون تقدم العلم؟
يبدو أن هذا السؤال من الأسئلة التي لم يفكر فيها كثيراً, ولم
تطرح على نطاق واسع في المجال الفكري العربي والإسلامي, ولعله من الأسئلة
التي ما زالت مهملة, وبعيدة عن المجال التداولي, ولا أتذكر جيداً فيما
إذا كان قد مر عليّ من قبل أم لا, في حدود مطالعاتي الفكرية, وبهذا النمط
من الربط والصياغة.
ولاشك في أهمية وقيمة هذا السؤال, وهو بحاجة إلى مزيد من النظر والتحليل,
والتفكيك والتركيب المعرفي والمنهجي, النظري والتاريخي, وذلك بالعودة إلى
التجربة الفكرية التاريخية في المجال الإسلامي, وإلى التجارب الفكرية
التاريخية في المجال الإنساني, لتحليل هذه العلاقة, والتثبت منها, وتكوين
المعرفة بأبعادها وخلفياتها, وتفسير طبيعتها, والكشف عن بنيتها, والتعرف
على العناصر والمكونات المؤثرة فيها, وما يحيط ويتصل بها من جوانب أخرى.
والذي قادني إلى هذا السؤال مقولة اشتهرت عند المفكرين الغربيين, تقول (لولا
نيوتن لما وجد كانت), أي لولا التقدم العلمي العظيم الذي حققه إسحاق
نيوتن في عصره, لما توصل إيمانويل كانت إلى فلسفته في العقلانية النقدية,
والتي لولاها لما عرف واشتهر في الفكر الفلسفي الأوروبي والعالمي, وهي
الفلسفة التي أسسها كانت, وشيد بنيانها, وأقام قواعدها كلها على أساس
فيزياء نيوتن وكشوفاته وفتوحاته العلمية.
وهذا القدر لم يكن كافياً للبرهنة والاستدلال على صحة وصوابية فرضية
السؤال المذكور, وهي فرضية شديدة العمق, فتمهلت بعض الوقت قبل الإقدام
والخوض في بحثها ودراستها, وبقيت عالقة وحاضرة في ذهني, ولا تكاد تفارقني,
إلى أن طالعت كتاب (تكوين العقل العربي) للدكتور محمد عابد الجابري,
فوجدته يستند على هذه الفرضية في خاتمة الكتاب, وهو يبحث عن لماذا لم
تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية خلال نهضتها في القرون الوسطى,
إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكرية وعلمية مطردة التقدم على غرار
ما حدث في أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر؟
وعندئذ بدأت تنضج هذه الفرضية, وتتكشف بالشكل الذي يجعل من الممكن الخوض
والولوج فيها, وتحليلها على أساس البحث الفكري والتاريخي, ومن خلال
معطيات وحقائق تفيد قدراً لازماً من الاطمئنان النفسي والذهني.
وقد ارتقت هذه الفرضية عند الدكتور الجابري إلى درجة الجزم واليقين, وعبر
عن ذلك بقوله (وإذن فتقدم الفكر كأداة ومحتوى, كان ولا يزال مرهونا بتقدم
العلم)(22). واستند الجابري على هذا الجزم بالعودة إلى التجربتين
الفكريتين اليونانية في العصر القديم, والأوروبية في العصر الحديث, فالحق
عنده كما يقول أن الفلسفة اليونانية قد ارتبطت في نشأتها وتطورها بالعلم
أكثر من ارتباطها بشيء آخر, وهذا الارتباط في تقديره هو من نوع الارتباط
السببي, بحيث يمكن القول إن التقدم في الفلسفة عند اليونان كان مرتبطاً
بالتقدم في العلم ارتباط معلول بعلة.
ويتمم الجابري كلامه بالقول وليس طاليس وحده هو الذي أسس خطابه الفلسفي
على التقدم العلمي الحاصل في عصره, بل إن الفلسفة اليونانية كانت كلها
عبارة عن مدارس فكرية متزامنة أو متعاقبة تتميز كل واحدة منها بنوع من
الموضوع العلمي الذي تبني عليه خطابها الفلسفي.
ومن طاليس إلى فيثاغورس خطت المدارس الفلسفية اليونانية خطوات واسعة, وفي
جميع خطواتها كان التقدم العلمي هو المؤسس والدافع والحافز, بما في ذلك
الخطوة الهائلة التي خطاها أفلاطون بالفلسفة اليونانية, الخطوة التي ما
كانت لتتحقق لولا ما سبقها ورافقها من تقدم في الرياضيات(23).
وأما في التجربة الأوروبية الحديثة, فالصورة أكثر وضوحاً ورسوخاً لتلك
الفرضية, والأوروبيون هم أكثر من كشف عنها, وبرهن عليها, وظلوا يتحدثون
عنها, ويلفتون النظر إليها.
وبالعودة إلى كتاباتهم ودراساتهم نجد أن هناك تركيزاً على عصرين مهمين,
حصلت فيهما أعظم الثورات المعرفية في تاريخ تطور الفكر الفلسفي الأوروبي
الحديث, كما أنهما من أكثر العصور تمجيداً وتخليداً عند الأوروبيين.
وهذان العصران هما:
أولاً: العصر الذي عرف بعصر الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه وديكارت, حيث
بدأت معه الفلسفة الحديثة في أوروبا, وظلت الكتابات والدراسات الفكرية
والفلسفية هناك تصفه وتصوره بأنه أبو الفلسفة الحديثة, أو الأب الحقيقي
للفلسفة الحديثة هناك, وبلا منازع في نظر البعض, فهو الذي وضع حداً
لنهاية عصر الفلسفة اليونانية القديمة في أوروبا, بعد أن سيطرت هذه
الفلسفة على الفكر البشري طيلة ما يقارب ألفي سنة, وهدم بنيان وقواعد
الفكر التقليدي القديم وقوض أساسياته, وبسببه اخذ في الانحسار والتلاشي,
وأعاد صياغة وتأسيس الفلسفة الأوروبية على أسس علمية جديدة, ومنها بدأ
العصر الحديث للفلسفة الأوروبية.
وتكاد الدراسات الأوروبية وغير الأوروبية تجمع على ارتباط وتواصل فلسفة
ديكارت بالتقدم العلمي الكبير الذي أنجزه علماء أمثال كوبر نيكوس وغاليلو
وكيبلر, فالكتاب الذي أنجزه كوبر نيكوس حول دوران الأجرام السماوية, عد
في نظر العالم الأمريكي مايكل هارت نقطة البداية في علم الفلك الحديث بل
العلوم الحديثة بأجمعها.
والذي عزز هذا الربط بين الفكر والتقدم العلمي عند ديكارت, كونه كان
عالماً رياضياً وفيلسوفاً في آن واحد, وبدأ رياضياً وانتهى فيلسوفاً.
ثانياً: العصر الذي عرف بعصر الفيلسوف الألماني الشهير كذلك إيمانويل
كانت, الذي وصفته بعض الدراسات الفكرية الأوروبية بأنه أكبر فيلسوف في
تاريخ أوروبا الحديث, وأحدث أعظم ثورة فلسفية في الفكر الأوروبي, وأدخل
الفلسفة الأوروبية في عصر جديد, هو عصر ما بعد ديكارت الذي جاء بعده
بحوالي مائة سنة, وعصر ما بعد كوبر نيكوس وغاليلو وكيبلر.
وتنتمي فلسفة كانت إلى عصر إسحاق نيوتن, العالم الذي ظلت الكتابات
الأوروبية وغير الأوروبية تبالغ في تبجيله وتمجيده بصورة لافتة للغاية,
فهو عند البعض أعظم شخصية علمية عرفها القرن الثامن عشر, بل وأكبر شخصية
عرفها تاريخ العلم الكلاسيكي كله, وكانت لأفكاره ونظرياته هيبة وتأثيراً
متعاظمين, وظلت في إطارهما تتحرك وتدور الأفكار والنظريات العلمية الأخرى
خلال القرنين الماضيين.
وتجمع الدراسات الفكرية والفلسفية مرة أخرى, على ارتباط وتواصل فلسفة
كانت بفيزياء نيوتن, وهي الفيزياء التي غيرت وجه ومسار العلم الحديث,
وشيدته على أسس علمية جديدة, ومن شدة هذا الارتباط والتواصل جاءت تلك
المقولة السالفة الذكر لولا نيوتن لما وجد كانت.
وما كان يسعى إليه كانت في نظر البعض, في آخر طور من أطوار حياته الفكرية
والفلسفية هو التأليف بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي, وأراد أن يبين
في كتابه (نقد العقل المحض) المنشور عام 1781م, كيف تكون المعرفة الفعلية
ممكنة في الرياضيات والفيزياء والميتافيزيقا, وفي رأي الباحث الأمريكي
وليم رايت في كتابه (تاريخ الفلسفة الحديثة), أن كانت كان يعتقد أنه بنشر
كتابه (نقد العقل المحض) قد قام بثورة عظيمة في الفلسفة تشبه الثورة التي
قام بها كوبر نيكوس في علم الفلك(24).
وقد بقي هذا التجاذب بين تجدد الفكر وتقدم العلم مستمراً في المجال
الأوروبي, ومن الممكن تفسير هذا الأمر في كون أن العلم وتحديداً العلم
التجريبي هو أكثر ما عرفت به الحضارة الأوروبية عن غيرها من الحضارات
الإنسانية الأخرى, فهي حضارة العلم التجريبي الذي به قامت ونهضت, وبه
دامت واستمرت, وما زالت ترتكز وتعتمد عليه في وجودها وبقاءها, وضمان
فرادتها وتفوقها, حتى باتت هذه الحضارة وثيقة الصلة في روحها وجوهر
كيانها بهذا العلم, الوضع الذي يجعله فاعلاً ومؤثراً, ومتصلاً ومتشابكاً
بكل أبعاد ومكونات هذه الحضارة, ومنها بالطبع الثقافة وحركة الأفكار
فيها.
وماذا عن المجال الإسلامي والحضارة الإسلامية وصورة العلاقة بين تجدد
الفكر وتقدم العلم؟ يرى الدكتور الجابري الذي نظر لهذه القضية وختم بها
كتابه (تكوين العقل العربي) إن الدور الذي قام به العلم عند اليونان, وفي
أوروبا الحديثة في مساءلة الفكر الفلسفي ومخاصمته, وفك بناءاته وإعادة
تركيبها, قد قامت به السياسة في الثقافة العربية الإسلامية, واعتبر أن
اللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها العلم,
وإنما كانت تحددها السياسة, وظل العلم في تصوره, علم الخوارزمي والبيروني
وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم خارج مسرح الحركة في الثقافة العربية,
ولم يشارك في تغذية العقل العربي, ولا في تجديد قوالبه, وفحص قبلياته
ومسبقاته(25).
وهذا الرأي لا يمكن التسليم به بالكامل, ولا رفضه بالكامل أيضاً, ويبقى
في حدود الفرضية, لكنها فرضية جديرة بالتأمل والنظر, وهي بحاجة إلى فحص
وتشخيص, إما للتثبت منها والقبول بها, وإما للتشكيك فيها والاجتناب عنها.
ولعل ما يعترض هذه الفرضية ويصلح أن يكون نقداً وتضعيفاً لها, يمكن
التذكير بشخصيتين جمعتا بين العلم والفكر, وكانتا من أكثر الشخصيات
حضوراً وتأثيراً ليس في المجال الفكري الإسلامي فحسب, وإنما في المجال
الفكري العالمي أيضا, وهما ابن سينا وابن رشد وكلاهما من العلماء
والفلاسفة. فبقدر ما كان ابن سينا مشهوراً في الطب وصنف فيه كتابه الشهير
(القانون في الطب), بقدر ما كان أيضاً مشهوراً في الفلسفة وصنف فيها
كتابه الشهير كذلك موسوعة (الشفاء), وليس هذا فحسب, فقد كان ابن سينا
قطباً وصاحب مدرسة في الفلسفة كما كان قطباً وصاحب مدرسة في الطب كذلك,
فكتابه (القانون في الطب) بعد أن ترجم إلى اللاتينية ظل قروناً عدة, كما
يقول المستشرق ديلاسي أوليري, ممثلاً للمدرسة العربية في الطب في أوروبا
الغربية, ومحتفظاً بمكانته في جامعتي مونبيليه ولوفان حتى عام 1650م(26).
وهكذا ابن رشد الذي كان طبيباً وفيلسوفاً, وقيل عنه أنه كان يفزع في
فتواه في الطب كما يفزع في فتواه في الفقه, ومثل ابن سينا كان قطباً في
الفلسفة وصاحب مدرسة فيها, وحجة في الفلسفة حتى عند الأوربيين أيضاً, حسب
قول المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون, ونص كلامه (فكان ابن رشد الحجة
البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر الميلاد, ولما
حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473 أمر بتدريس مذهب
هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو)(27).
والطب بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة والمفكرين لم يكن حقلاً للكتابة والتصنيف,
أو العلاج والتطبيب فحسب, بل كان أيضاً بمثابة الحقل العلمي التجريبي
الذي يتم فيه عند هؤلاء ملاحظة وفحص واختبار الأفكار والنظريات والمعارف
الأخرى, وليس في مجال الطب فقط, وإنما في المجالات الأخرى أيضاً.
كما أن كتب الفلسفة عند المسلمين كانت تستوعب وتضم مختلف أقسام وأصناف
العلوم والمعارف, وتجلى ذلك في موسوعة (الشفاء) لابن سينا, التي ضمت حسب
تقسيمه علوم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات, وهذه الكتب والمؤلفات تصلح
أن تكون شاهداً على حضور العلم في الثقافة العربية الإسلامية.
وبالتالي لا يمكن القول مطلقاً بأن العلم لم يساهم في رفد وإنماء الثقافة
العربية الإسلامية, وفي بناء وتكوين العقل العربي, كما هو رأي الدكتور
الجابري, ومع ذلك يمكن القول أن تأثير السياسة كان أشد قوة وتأثيراً
وخطورة أيضاً في الثقافة العربية الإسلامية من العلم, وهذا يعني أن هناك
قدراً من المخالفة النسبية مع رأي الدكتور الجابري, وقدراً أيضاً من
الموافقة النسبية معه.
هذا عن الماضي, وعن التجارب الفكرية في التاريخ, وماذا عن الحاضر وصورة
تلك الفرضية عند المعاصرين؟
لقد وجدت في كتابات ودراسات العلماء والمفكرين المعاصرين ما يشير إلى تلك
الفرضية ويلفت الانتباه إليها, وبالنظر إلى مجالات معرفية مختلفة,
والغربيون علماء ومفكرين هم أكثر من أشار وتطرق لتلك الفرضية, وصوبوا
النظر إليها في كتابات ودراسات تصنف على حقول علمية متعددة.
ولعل من أكثر ما يلفت الانتباه إلى هذه الفرضية, هو ما انتهى إليه فرنسيس
فوكوياما صاحب فكرة نهاية التاريخ, التي تعد واحدة من أكثر الأفكار إثارة
للجدل خلال العقد الأخير من القرن العشرين, حيث كتبت حولها العديد من
المقالات والمؤلفات العابرة بين جغرافيات وثقافات العالم, وحين توقف
فوكوياما أمام هذا السيل الكبير من الكتابات النقدية, وجد أن الجدل
الوحيد الذي يدحض فكرته, هو جدل له علاقة بالعلم, وأهم حقيقة توصل إليها
هي أن التاريخ لا يمكن أن تكون له نهاية إلا إذا كانت للعلم نهاية, هذا
ما أشار إليه فوكوياما في مقدمة كتابه (نهاية الإنسان), وذلك لأننا في
نظره لم نقترب من نهاية العلم, والحق عنده أننا على ما يبدو نحيا في جوف
مرحلة هائلة من التقدم في علوم الحياة, وبالتالي وهذا ما يخلص إليه فلا
معنى لنهاية التاريخ.
وحين يشرح فوكوياما علاقته وتقربه من حقل العلم, واندفاعه نحو تأليف كتاب
له طبيعة علمية, وهو كتاب (نهاية الإنسان.. عواقب الثورة البيوتكنولوجية),
يقول عن هذه العلاقة (كنت أتفكر في أثر البيولوجيا الحديثة على تفهمنا
للسياسة, فقد قدت ولبضع سنين مجموعة تدرس أثر العلوم الحديثة على السياسة
الدولية, ولقد انعكس البعض من بدايات أفكاري حول هذه القضية في كتابي
التفسخ العظيم, الذي عالج قضية الطبيعة البشرية ومعايير السلوك, وكيف أن
تفهمنا لها قد شكلته معلومات إمبريقية جديدة جاءت من مجالات مثل علم
الأخلاق, والبيولوجيا التطورية, وعلم الأعصاب الإدراكي)(28).
وحين أراد العالم الأمريكي إرنست ماير أن يلفت النظر لأهمية وقيمة علم
البيولوجيا في معالجة مشكلات الاجتماع الإنساني, أشار في مقدمة كتابه
(هذا هو علم البيولوجيا) الصادر عام1997م, بقوله (إن مشاكل التضخم
السكاني, وتدمير البيئة, واعتلال المدن الداخلية, كلها مشاكل لا يمكن
حلها عن طريق التقدم التكنولوجي, ولا بالتاريخ, ولا بالآداب, ولكن يقتصر
حلها كلية على الالتزام بمنهج مبني على فهم الجذور البيولوجية لهذه
المشاكل)(29).
ولهذا يرى الدكتور ماير أن من المفروض في كل شخص مثقف حسب قوله أن يتوفر
لديه قدر من الفهم للجوانب البيولوجية الأساسية مثل التطور والتباين
الحيوي, التنافس والانقراض, التكيف والانتخاب الطبيعي, التكاثر والتنامي
إلى غير ذلك.
وبعد التطور المثير للدهشة في مجال الجينوم البشري, اعتبر العالم
البريطاني مات ريدلي في كتابه (الجينوم.. سيرة ذاتية للنوع البشري)
الصادر عام 1999م, إننا نعيش أعظم لحظة ثقافية في التاريخ, ومن دون أي
استثناء عنده, فالجينات التي كانت قبل وقتنا الحالي سراً بالكامل, سوف
نكون أول جيل يخترق هذا السر, فنحن نقف في رأيه على حافة التوصل إلى
إجابات جديدة وعظيمة, والتوصل إلى أسئلة جديدة وعظيمة أيضاً, وحسب قوله
فإن هذا التقدم سوف يثور علم الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا والطب
والباليونتولوجيا(*), كما سوف يثور كل علم آخر.
هذه بعض الحقائق التي تكشف عن علاقة التقدم العلمي بتطور وتجدد الفكر
الإنساني.
والسؤال الذي يطرح بعد كل ذلك, كيف نفهم تأثير التقدم العلمي على تجدد
الفكر؟
يدفع بنا هذا السؤال إلى العودة لأولئك الذين استفادوا من تقدم العلم في
تجدد الفكر, وكيف فهموا منطق هذه العلاقة؟ وكيف شروحها وفسروها؟
لن نرجع إلى عصور الثقافة اليونانية القديمة, لكننا سنبقى في إطار
الثقافة الأوروبية وعصرها الحديث, بوصفها الثقافة التي تجلت فيها بوضوح
أكبر هذه العلاقة, وكشفت عنها, وبرهنت عليها, وصعدت وتقدمت بها, وأسست
عليها مناهجها, وشيدت بها مدنيتها.
ولعل العودة إلى ديكارت هي أفضل بداية لكونه أكثر من عرف بها بين
الفلاسفة الأوروبيين في عصره, وبوصفه كان عالماً ومفكراً, حيث بدأ حياته
عالماً ورياضياً وانتهى مفكراً وفيلسوفاً.
لقد تعلم ديكارت من العلوم ومن الرياضيات بشكل خاص, أهمية الحاجة إلى
المنهج, وطريقة البلوغ إلى اليقين, وجعل الوضوح في المعرفة منطلقاً. فحين
تحدث وليم رايت عن المنهج عند ديكارت كتب يقول (أصبح ديكارت مقتنعاً في
فترة مبكرة بأن الاحتياج العظيم في الفلسفة هو صياغة منهج دقيق ومثمر
للبحث.. وقد انتهى إلى أنه يمكن ابتكار منهج للفلسفة يشبه المنهج الذي
يستخدمه في الهندسة بنجاح)(30).
وعندما شرح ديكارت القواعد التي عرفت عنده وعند غيره بالقواعد الأربع, في
القسم الثاني من كتابه (مقال عن المنهج), ربط هذه القواعد بعلم الهندسة,
والتي اعتاد حسب قوله أصحاب علم الهندسة الاستعانة بها للوصول إلى أصعب
براهينهم, وكيف أنها يسرت له أن يتخيل أن كل الأشياء التي يمكن أن تقع في
متناول المعرفة الإنسانية تتتابع على طريقة واحدة.
كما اعتقد ديكارت حسب قول الباحث الفرنسي أندريه كريسون في كتابه (تيارات
الفكر الفلسفي), أن العلوم مترابطة ترابطاً وثيقاً, وأن هذا الترابط تام
لدرجة أنه لا يمكن دراسة علم ما دراسة مجدية إذا ما عزل عن بقية العلوم,
ويستشهد بكلام لديكارت يقول فيه (أنه لأسهل على المرء أن يتعلمها جميعاً
ـ يقصد العلوم ـ في آن واحد, من أن يفصل أحدها عن البقية, لذلك إذا أردنا
البحث عن الحقيقة بحثاً مجدياً وجب علينا أن لا ننصرف إلى علم واحد فقط,
فالعلوم جميعاً متماسكة فيما بينها, ومترابطة ترابطا طبيعياً)(31).
وما دمنا قد بدأنا بديكارت, فلا بد أن نصل إلى كانت الذي سبق وأتممنا
الحديث به في سياق متصل بهذا الموضوع.
لن نتوسع كثيراً, وسوف نكتفي بإشارة لها من الدلالة ما يفي بالغرض, وهذه
الإشارة تطرق إليها الكاتب السوري هاشم صالح على صورة تساؤلات, وذلك في
مراجعة لكتاب احتوى ثلاثة نصوص لكانت, جمعتها باللغة الفرنسية الباحثة
الأكاديمية فرانسواز بروست, يرى هاشم صالح أن الشيء الذي بهر كانت أو
سحره هو كيف أصبح العلم الحديث ممكناً؟ وكيف أصبحت العلوم الفيزيائية
والرياضية قادرة على اكتشاف القوانين التي تمسك الكون أو تتحكم به؟ وكيف
أمكن للإنسان بعقله فقط أن يتوصل إلى الكشف عن كل هذه الأسرار التي
أودعها الخالق في خلقه(32).
فالعلم الذي كشف عن قوانين الكون, كشف لكانت البحث عن قوانين العقل,
وإمكانية المطابقة بين قوانين الكون وقوانين العقل, وهو القائل (شيئان
يملآنني إعجاباً السماء ذات النجوم فوق رأسي, والقانون الخلقي في نفسي).
وما ننتهي إليه أن العلم كان دائماً يزود الفكر بالحقائق والبراهين
والتجريبات, الجازمة والقاطعة والمختبرة, التي تضمن له تماسكه المنهجي,
ولكي يستند على حقائق ثابتة, ويرتكز على أسس برهانية, وحتى يوازن بين
كليات العقل وجزئيات العلم, وبين تجريدات الفكر وتجريبات العلم, يضاف إلى
ذلك أن العلم هو الذي كشف للفكر القوانين في عالم الكون والطبيعة, وهي
القوانين الثابتة والمطردة, الكلية والعامة, والتي يحتاجها الفكر لكي
يتعرف على قوانينه, ويستفيد منها في البرهنة عليها.
لهذا كله فإن تجديد الفكر الإسلامي بحاجة إلى علماء بقدر حاجته إلى
مفكرين, وما لم نتقدم في مجال العلم, لن ننجز المهمة المطلوبة في تجديد
الفكر الإسلامي.
ـ 7 ـ
تجديد الفكر
وإشكالية التراث والمعاصرة
تتحدد ابرز إشكاليات تجديد الفكر الإسلامي في إطار جدلية التراث
والمعاصرة, بمعنى أن التجديد في الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتحقق بدون
إعادة قراءة التراث من جديد, وبمنهج العقل النقدي, وعلى أساس فلسفة
التواصل وليس الانقطاع, وبخلفية الهضم والاستيعاب, وسعياً نحو التجاوز
والإبداع.
كما لا معنى للتجديد, إذا لم يبدع الفكر الإسلامي معاصرته وحداثته في
إطار شروطه التاريخية والثقافية, ويبرهن على قدرته في مواكبة العصر,
والانخراط في تجربة الحداثة العالمية, والمشاركة في إنتاج المعرفة
الإنسانية.
من هنا ندرك عمق هذه الإشكالية وطبيعة تعقيداتها, وكيف أنها إشكالية
تاريخية وحضارية, يتوقف على أساسها مستقبل ومصير الفكر الإسلامي والأمة
الإسلامية, وبهذا المستوى من الفهم والإدراك ينبغي أن ننظر ونتعامل مع
هذه الإشكالية.
من جهة أخرى, أن هذه الإشكالية هي من أكثر ما يظهر الضعف في بنية ومكونات
الفكر الإسلامي, وتكشف عن الحاجة الملحة للتجديد, وضرورتها التاريخية
والحضارية.
وعند النظر لهذه الإشكالية, نجد أنها تتفرع إلى محنتين, محنة مع التراث,
ومحنة مع العصر. والمحنة مع التراث تتحدد في كون أن الفكر الإسلامي مع
أنه بقي وما زال مسكوناً بهاجس التراث, إلى درجة أنه يعد من أكثر
المنظومات الفكرية اشتغالاً به على مستوى الثقافات الإنسانية في العالم,
مع ذلك لم يتمكن الفكر الإسلامي من هضم هذا التراث واستيعابه, والعمل على
تمثله, بل ويمكن القول أن التراث بوصفه منتجاً فكرياً ما زال متفوقاً
ومتقدماً على ما ينتجه المفكرون الإسلاميون المعاصرون.
وهذه هي المحنة الحقيقية التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر, الذي ما زال
يفتش عن ابن سينا في عصره ولم يجده, وعن ابن رشد في عصره ولم يجده, وعن
ابن خلدون في عصره, وعن الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس والبيروني
وغيرهم ولم يجد أحداً منهم في عصره. ولهذا فإن هناك من يبحث عن العصر
الثاني لابن سينا, والعصر الثاني لابن رشد, والعصر الثاني لابن خلدون,
وهو العصر الذي لم يتمكن الفكر الإسلامي المعاصر من إبداعه أو تمثله, أو
الوصول إليه.
وما لم يتقدم الفكر الإسلامي على التراث, من ناحية الإسهام النظري
والمعرفي, فإن إشكالية التراث ستظل قائمة, وقيمتها أن تذكر الفكر
الإسلامي بالحاجة إلى التقدم والتفوق, ومن دون هذا التقدم على التراث,
ستظل مهمة التجديد متعثرة.
وأما المحنة مع العصر, فهي أكثر شدة وفداحة نتيجة المسافة البعيدة التي
باتت تفصلنا عن العصر, ونتيجة التطور السريع والتراكم المذهل في المعرفة
الإنسانية.
ومع كل هذا التطور والتقدم, ما زالت إمكانية النفوذ إلى العصر مفتوحة
ومتاحة لجميع المنظومات الثقافية, بما فيها المنظومة الثقافية الإسلامية,
لكنها ليست إمكانية سهلة ويسيرة, لأن النفوذ إلى العصر, بحاجة إلى
الارتقاء بمستوى العصر وشروطه التاريخية والحضارية, على طريقة ما حققته
اليابان في مسيرتها الحضارية, حتى وصلت إلى وضع أصبحت فيه جزء من العصر,
وفرضت مستوى من الوجود والحضور جعل منها شريكاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة
التقدم الإنساني, بحيث لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة ونفوذ أن يغيبها,
أو لا يتفاعل معها.
ومن جانب آخر, فإن محنة التراث لا تنفصل عن محنة العصر, فلولا محنة العصر
لما التفتنا إلى عمق وشدة محنة التراث, المحنة التي تتسع وتزداد كلما
اقتربنا من العصر وعلومه ومعارفه, وكلما نضجت وتطورت رؤيتنا في النظر إلى
العصر, ومستويات التقدم التي وصل إليها.
لهذا فلا يمكن أن نواجه علوم العصر بعلوم التراث, كما لا يمكن أن نواجه
علوم العصر بالتخلي عن علوم التراث, وهذا ما يريد أن يدفعنا إليه البعض
على خلفية أن من دون التخلي عن علوم التراث لن نقترب من علوم العصر, وهذا
هو الوهم بعينه, فليست هناك أمة حية تقطع صلتها بذاكرتها, وتفصل نفسها عن
تراثها, وتمحي علاقتها بتاريخها.
وهذا لا يعني كذلك, أننا نقدم علوم التراث على علوم العصر, ونعطي أفضلية
علوم التراث على علوم العصر, فهذا لا يحقق تقدماً, ولا يبني مدنية,
فالسعي لا بد أن يكون باتجاه تقديم علوم العصر على علوم التراث, باعتبار
أن علوم التراث هي علوم أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا, ولن نسأل
عن علومها, وإنما نسأل عن علومنا, وعلومنا هي علوم عصرنا.
فحين توقف نصير الدين الطوسي أمام الحديث النبوي المعروف (طلب العلم
فريضة على كل مسلم ومسلمة), اعتبر أن المراد من العلم الذي طلبه فريضة,
هو علم الحال, ويقصد به العلم المحتاج إليه في الحال الموصول إلى النفع
في المآل, وكما يقال أفضل العلم علم الحال, وأفضل العمل حفظ المآل(33).
وعلوم العصر بالنسبة إلينا هي في منزلة علم الحال, لأن لا قوام لحياتنا
واجتماعنا ومدنيتنا بدونها.
هذه هي خلاصة ملامح ومكونات رؤيتي للتجديد في الفكر الإسلامي, ولا أجزم
سلفاً أنها رؤية نهائية ومكتملة, وإنما هي رؤية قابلة للتطور والتجديد,
وهذه القابلية هي عنصر الحيوية والدينامية في هذه الرؤية, ما دامت
المعرفة الإنسانية لا تقف عند حد في نموها وتطورها, وما دامت التجربة
الإنسانية حية تفيض منها المعاني والدلالات والرموز والإشارات.
الهوامش
ـــــــ
(*) كاتب وباحث من المملكة العربية السعودية، رئيس تحرير مجلة الكلمة.
17ـ فرانتز روزنتال. مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي, ترجمة:
أنيس فريحة, بيروت: الدار العربية للكتاب, 1983م, ص171.
18ـ فرانتز روزنتال. المصدر نفسه, ص174.
19ـ أبو حامد الغزالي. المنقذ من الضلال, تحقيق: محمود بيجو, دمشق: مطبعة
الصباح, 1992, ص 30.
20ـ السيد محمد تقي المدرسي. التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده, مصدر
سابق, ج2, ص 126.
21ـ محضير محمد. الإسلام والأمة الإسلامية, دمشق: دار الفكر, 2002م, ص
73.
22ـ محمد عابد الجابري. تكوين العقل العربي, الدار البيضاء: المركز
الثقافي العربي, 2000م, ص333.
23ـ محمد عابد الجابري. المصدر نفسه, ص331.
24ـ وليم رايت. تاريخ الفلسفة الحديثة, ترجمة: محمود سيد أحمد, القاهرة:
المجلس الأعلى للثقافة, 2005م, ص253.
25ـ محمد عابد الجابري. تكوين العقل العربي, مصدر سابق, ص320-342.
26ـ ديلاسي أوليري. الفكر العربي ومكانه في التاريخ, ترجمة: تمام حسان,
القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب, 1997م, ص126.
27ـ غوستاف لوبون. حضارة العرب, ترجمة: عادل زعيتر, القاهرة: الهيئة
المصرية العامة للكتاب, 2000م, ص569.
28ـ فرنسيس فوكوياما. نهاية الإنسان.. عواقب الثورة البيوتكنولوجية,
ترجمة: أحمد مستجير, القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب, 2002م, ص21.
29ـ إرنست ماير. هذا هو علم البيولوجيا... دراسة في ماهية الحياة
والأحياء, ترجمة: عفيفي محمود عفيفي, الكويت: المجلس الوطني للثقافة,
2002م, ص14.
*ـ يعنى هذا العلم بدراسة أشكال الحياة في العصور الجيولوجية.
30ـ وليم رايت. تاريخ الفلسفة الحديثة, مصدر سابق, ص94.
31ـ أندريه كريسون. تيارات الفكر الفلسفي من القرون الوسطى حتى العصر
الحديث, ترجمة: نهاد رضا, بيروت ـ باريس: منشورات البحر المتوسط ومنشورات
عويدات, 1982م, ص44.
32ـ هاشم صالح. لماذا كل هذا الخوف من الحرية؟ صحيفة الشرق الأوسط, لندن,
21مارس 2004م.
33ـ نصير الدين الطوسي. آداب المتعلمين, تحقيق: يحي الخشاب, بيروت: مؤسسة
الأعلمي, ص 11.
|