|
الاربعاء:
07/05/2008
رؤية في تجديد الفكر الإسلامي(1/2)
زكي الميلاد(*)
(خاص للمعهد)
ـ 1 ـ
المفهوم,
تحليل وتركيب
لعلنا بحاجة في البدء, لتحليل مفهوم تجديد الفكر الإسلامي, والنظر في
طبيعة مكونات هذا المفهوم, والكشف عن حقله الدلالي, والتعرف على مجاله
التداولي, لكي يتحدد لنا بوضوح حقيقة هذا المفهوم, ويتكشف لنا المعنى
الذي نريده, بوصف أن هذا المفهوم يعد مفهوماً مركباً وملتبساً وغامضاً
بعض الشيء, وتتعدد بشأنه وتتباين المعاني والدلالات, وتنقسم حوله اتجاهات
النظر بعد أن اتسع مجاله التداولي, وأصبح الجميع يتحدث عنه من داخل
منظومات الفكر الإسلامي, ومن المنظومات الأخرى المختلفة والمغايرة, وفي
داخل المجتمعات العربية والإسلامية, وفي خارجها.
عند النظر المعرفي لهذا المفهوم, يمكن الحديث عنه من جهتين، من جهة
تفكيكية يكون النظر فيها بقصد تحليل عناصر ومكونات هذا المفهوم, ومن جهة
تركيبية يكون النظر فيها بقصد تحديد المعنى العام والكلي لهذا المفهوم.
أولا: من جهة تفكيك عناصر المفهوم
يتركب مفهوم تجديد الفكر الإسلامي من ثلاثة عناصر بحاجة إلى تحليل, هذه
العناصر هي:
أولاً: كلمة (تجديد), هذه الكلمة ناظرة إلى الآلية والطريقة, التي
بإمكانها أن تحقق فعل التجديد، ليكون للتجديد المعنى الناجز والمتحقق.
وهذا يعني أن البحث هنا يتعلق بالمنهجية، أي الكشف عن المنهجية التي من
خلالها نصل إلى التجديد ليتحقق بالفعل، وليكون المعنى له نسبة خارجية.
ثانياً: كلمة (الفكر), هذه الكلمة ناظرة إلى طبيعة المجال الذي يتوجه
إليه فعل التجديد، ونقصد به بنية النص المتصل والمتفاعل بشرائط ومكونات
الزمان والمكان والحال، أو ما يطلق عليه جمعاً وتركيباً بمفهوم العصر.
ثالثاً: كلمة (الإسلامي), هذه الكلمة ناظرة إلى مرجعية الفكر، ونقصد بهذه
بالمرجعية مجموع القواعد والأصول والثوابت التي يرجع إليها ذلك الفكر,
ويستند عليها ويتقوّم بها, وبالتالي فهي ناظرة إلى محددات وجوهر التجديد.
على ضوء هذه المحددات يمكن أن نستخلص الحقائق والنتائج التالية:
1ـ أن (التجديد) هو بحث عن الجانب المنهجي، بمعنى ما هو المنهج أو
المنهجية؟, و(الفكر) هو بحث عن الجانب المعرفي، بمعنى تكوين المعرفة بهذا
الفكر المستهدف في عملية التجديد, و(الإسلامي) هو بحث عن الجانب المرجعي،
بمعنى تكوين المعرفة بأصول هذه المرجعية وقواعدها ومصادرها.
2ـ أن (التجديد) هو بحث عن المنهج، والسؤال ما هو هذا المنهج؟ وفي هذا
الشأن يمكن القول أن محددات هذا المنهج أمران، الأول هو الموضوع والمقصود
به الفكر, والثاني هو الإطار العام أو الإطار المرجعي وهو ما نقصد به من
كلمة الإسلامي.
3ـ أن (الفكر) يشير إلى الجانب المتغير، و(الإسلامي) يشير إلى الجانب
الثابت. والقاعدة أن المتغير لا ينبغي ينفصل عن الثابت، كما لا ينبغي أن
يفتقد الثابت إلى المتغير. فالثابت يعطي المتغير عنصر النظام الذي يحفظه
من الفوضى والانفلات، والمتغير يعطي الثابت عنصر المرونة والحركة الذي
يحفظه من التوقف والجمود.
4ـ أن (الإسلامي) تشير إلى ما هو المحدد والضابط لعملية التجديد في
الفكر، بمعنى أن التجديد هو في نطاق المرجعية الإسلامية, وضرورة أن لا
يقود التجديد إلى إخراج الفكر من طبيعته الإسلامية إلى طبيعة أخرى غير
إسلامية, أو يحدث تحولاً لا يتوافق مع المرجعية الإسلامية، وهذا هو
المعيار الرئيسي والثابت في تحديد واختيار المنهج لتجديد الفكر الإسلامي.
كما أن الفكر المستهدف في عملية التجديد هو فكر يتصل بالمرجعية
الإسلامية، وإذا لم يتصل بهذه المرجعية, أو لم ينتمِ إليها فهو خارج عن
مجال البحث.
ثانياً: من جهة تركيب عناصر المفهوم
من هذه الجهة يمكن القول, أن مفهوم تجديد الفكر الإسلامي يتحدد في نسقين،
النسق الفكري الذاتي، والنسق الفكري الموضوعي.
وبحسب النسق الأول, فإن مفهوم تجديد الفكر الإسلامي, يعني محاولة اكتشاف
ما يمكن أن يقوم فيه مقام الحداثة في الفكر الغربي, على أن يكون هذا
الاكتشاف من داخل المرجعية الإسلامية، وبعيداً عن الاستلاب الفكري,
ويتحدد هذا المعنى في ثلاثة عناصر:
1ـ تغليب النزعة المعاصرة على النزعة التراثية القديمة، للتخلص من
إشكالية الاحتباس في الماضي، ويرتبط هذا الأمر بعلاقة الفكر مع ذاته.
2ـ اكتساب القدرة على مواكبة العصر وشروطه ومقتضياته، للتخلص من إشكالية
الانغلاق، ويرتبط هذا الأمر بعلاقة الفكر مع عصره.
3ـ التمسك بمفهوم التقدم والتأكيد عليه، للتخلص من إشكالية الجمود،
ويرتبط هذا الأمر بعلاقة الفكر مع ذاته وعصره معاً.
وأما بحسب النسق الموضوعي, فإن مفهوم تجديد الفكر الإسلامي يعني محاولة
تحديد صورة لهذا الفكر تكون مفارقة ومغايرة لحالتين، وهما حالة الجمود
والتحجر، وهي حالة داخلية متوارثة من عصور الانحطاط والتخلف. وحالة
التبعية والاستلاب، وهي حالة خارجية متوارثة من عصور الهزيمة والسيطرة
الغريبة. فالجمود والتحجر لا يحمي هوية، ولا يحفظ تراثاً، ولا يصنع
تجديداً بالتأكيد، والتبعية والاستلاب لا تخلق حداثة، ولا تبني تقدماً،
ولا تصنع تجديداً بالتأكيد.
وتجديد الفكر الإسلامي هو تعبير عن نقد ومفارقة لهاتين الحالتين، والعمل
على بلورة نموذج ثالث يتواصل مع التراث ولا ينغلق عليه، ويتواصل مع العصر
ولا ينسحق به.
وهذا يعني أن مجال التجديد يتحدد في الرؤية الفكرية والمنطق الفكري للفكر
الإسلامي, وليس في نطاق العبادات أو العقائد أو الأخلاق، لأن المشكلة
ليست في العقيدة، أو في العبادات, أو الأخلاق, وإنما المشكلة هي في
الفكر, وفي الرؤية الفكرية، وليست في الدين, وإنما في الفهم البشري
المتكوّن حول الدين.
ـ 2 ـ
لماذا تأخرت
مهمة تجديد الفكر الإسلامي؟
تجديد الفكر الإسلامي من وجه آخر يتوقف على سؤال: لماذا تأخرت هذه
المهمة؟، أو لماذا لم يواصل الفكر الإسلامي استكمال عملية التجديد؟
أن البحث في هذا السؤال, يحتاج إلى معرفة طبيعة السياقات الموضوعية
والزمنية, التي اتصل بها الفكر الإسلامي, وأثرت على اتجاهاته وتكويناته،
وإلى هذه الحالات والوضعيات التي وصل إليها. إلى جانب البحث عن طبيعة
العوامل والأسباب المؤثرة في هذا الاتجاه, والتي قد تتصل أو تنفصل عن تلك
السياقات.
فما هي هذه السياقات الموضوعية والزمنية؟، وما هي الأسباب المعرفية
والمنهجية التي أعاقت أو أخرت أو جمدت عملية التجديد؟
في هذا النطاق يمكن الحديث عن السياقات والعوامل التالية:
أولاً: القطيعة في الفكر الإسلامي بين مرحلتيه الحديثة والمعاصرة. نقصد
بالمرحلة الحديثة تلك المرحلة التي تنسب إلى عصر النهضة والإصلاح في
النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي, مع انبعاث حركة الإصلاح
الإسلامي بزعامة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. ونقصد
بالمرحلة المعاصرة المرحلة التي تنسب إلى النصف الثاني من القرن العشرين,
والتي تمثلت في مجموع الأعمال والكتابات الإسلامية الصادرة والمؤثرة في
تلك الفترة.
والذي كشف عن القطيعة بين هاتين المرحلتين, ما ظهر بينهما من مفارقات
معرفية كبيرة, كشفت عنها المقارنات الفكرية والمعرفية, التي أظهرت أن
الفكر الإسلامي في مرحلته الحديثة, كان على درجة من التميز والتقدم يفوق
ما كان عليه في مرحلته المعاصرة.
وهذا ما كشف عنه العديد من الباحثين والمفكرين الذين تطرقوا لهذا الأمر,
ومن هؤلاء الدكتور رضوان السيد الذي حاول في العديد من كتاباته أن يلفت
النظر لوجود هذه القطيعة والتأكيد عليها, وتتحدد هذه القطيعة ـ حسب رأيه
ـ في أن الإشكالية الرئيسية للفكر الإسلامي الحديث كانت إشكالية النهوض
والتقدم، بينما الفكر الإسلامي المعاصر, إشكاليته الأساسية هي الهوية
ومقتضياتها وأساليب حفظها, وبتأثير هذه القطيعة, أصبح الغالب على الحقبة
المعاصرة في التفكير الإسلامي، كما يضيف الدكتور السيد، هو النكوصية،
ويتمثل ذلك عنده في تصوير أن محمد عبده كان متقدماً على رشيد رضا، ورضا
كان متقدماً على حسن البنا، والبنا كان متقدماً على سيد قطب، وقطب كان
متقدماً على عمر عبد الرحمن(1).
وكثيرة هي الكتابات التي بالغت في وصف تلك المرحلة الحديثة, بأوصاف
التجديد والتحديث والإصلاح والتقدم, كتأكيد على تميز تلك المرحلة
وتقدمها.
وهناك من يرجع هذه القطيعة في الفكر الإسلامي بين مرحلتيه الحديثة
والمعاصرة, إلى عصر الشيخ محمد رشيد رضا, الذي مثل من جهة, آخر حلقات
مدرسة السيد جمال الدين الأفغاني, والمرحلة الأخيرة لحركة الإصلاح
الإسلامي, كما مثل من جهة أخرى, حلقة الاتصال بمرحلة الفكر الإسلامي
المعاصر الذي تشكل بعد نهاية الدولة العثمانية, فهل مثل رشيد رضا حلقة
اتصال أم حلقة قطيعة بين هاتين المرحلتين؟
لقد حسمت هذه الإشكالية سريعاً عند أكثر الذين تعرضوا لتلك الفترة, نتيجة
التوافقات التي حصلت بينهم على المنحى الذي سلكه رشيد رضا بعد غياب
أستاذه الشيخ محمد عبده, حيث كان واقعاً تحت تأثيره وهيمنته, فتحول من
المسلك الإصلاحي الذي كان عليه الشيخ محمد عبده, إلى المسلك السلفي(2).
وقد رتب الدكتور محمد عمارة, على هذا التحول في مسلك رشيد رضا, إلغاءه من
قائمة التيار الفكري الإصلاحي الذي نهض به الأفغاني وعبده, واعتبر أن من
يجعلون رشيد رضا في صفوف هذا التيار هو بمثابة (خلط وتعميم, يطمس فروقاً
أساسية وهامة بين هذه التيارات, ومن مخاطرة, أنه يلبس المتخلف ثوب
المتقدم, ويزين بعباءة العقلانية والاستنارة, قوماً وقفوا فقط, أو وقفت
بهم قدراتهم عند ظواهر النصوص)(3).
ولهذا يرى الدكتور عمارة, أن مسار حركة الإصلاح الديني والتجديد الفكري
التي قادها الأفغاني وعبده, أخذت في التراجع التدريجي لصالح الاتجاهات
السلفية, بعد زمن التألق والازدهار.
وبتأثير هذه القطيعة لم يتمكن الفكر الإسلامي المعاصر, البناء والاستفادة
من التراكمات والخبرات الفكرية والثقافية, المهمة والناضجة التي تبلورت
في تلك المرحلة الحديثة، لكي يواصل أو ينجز عملية التجديد, علماً أن تلك
المرحلة الحديثة هي أقرب المراحل إلى عصرنا.
ثانياً: إن ظهور الدولة العربية القطرية الحديثة في النصف الثاني من
القرن العشرين, ساهم في تراجع وركود الفكر الإسلامي، وذلك حين قطعت هذه
الدولة صلتها الثقافية والمعنوية والمرجعية الشاملة بالإسلام والمنظومة
الإسلامية، وارتبطت في المقابل بمرجعيات الفكر الأوروبي التي أخذت منها
كل ما يرتبط بتكوين الدولة، وتشكيل مؤسساتها، وصياغة أنظمتها وقوانينها
وتشريعاتها، لأنها أرادت متوهمة أن تكون على صورة الدولة الأوروبية
الحديثة، ولكي تكتسب وصف الدولة العصرية، أو المغايرة لصورة دولة
الولايات السلطانية التابعة للخلافة العثمانية.
لهذا فقد عملت هذه الدولة العربية الحديثة على إهمال كل ما يرتبط
بالثقافة الإسلامية من مؤسسات ومعاهد وجامعات وأوقاف، وضيقت عليها إلى أن
تحولت مجرد آثار وذكريات تاريخية, كجامعة القرويين في المغرب والتي كانت
من أقدم جامعات العالم، وجامعة الزيتونة في تونس وغيرها.. وذلك على خلفية
أن هذه المؤسسات إنما تنتمي إلى عصور التأخر والجمود، وأنها باتت قديمة
وتقليدية وبالية، ولا تنسجم أو تتناغم مع مقتضيات ومتطلبات الدولة
الحديثة، وكان البديل عنها هو بناء الجامعات, والتي نشأت بدورها أيضاً
على أساس القطيعة مع منظومة الثقافة الإسلامية، والارتباط الكلي بمنظومة
الثقافة الأوروبية باعتبارها تمثل مصدر التعليم الحديث, ومنبع المعارف
الحديثة.
ولهذا يعتبر الدكتور برهان غليون, وهو يتحدث عن فلسفة التجدد الإسلامي
(أن الضربة الأكبر التي تعرضت لها المنظومة الدينية, جاءت في الواقع على
يد الدولة الحديثة, التي حاولت أن تقضي على أية سلطة اجتماعية مقابلة أو
موازية, يمكن أن تؤلف بالنسبة إليها في يوم من الأيام مركز تحد أو منافسة
على الولاء. وقد زاد تدخل الدولة في المسائل الدينية وتحكمها في السلطات
والمؤسسات الإسلامية بشكل أكبر على إثر نشوء الدول الوطنية التي أصبحت
تنظر إلى الدين, إضافة إلى ما يمثله من منافس ممكن على الولاء, كعقبة
أمام التقدم أو كمخزون عقدي مناوئ لعقيدة التقدم والتحديث. وهكذا شنت
الدول والنخب الوطنية حرباً غير معلنة حقيقية ضد علماء الدين, وشوهت
سمعتهم وصورتهم, واتهمتهم بالوصولية والانتهازية والجهل والارتزاق)(4).
ثالثاً: ما أصاب المؤسسة الدينية من أزمة في علاقتها بالعصر والمعارف
الحديثة، حيث انغلقت على نفسها، وانشغلت بالعلوم القديمة والتقليدية،
وقطعت جسور التواصل مع مجتمعاتها، وذلك على خلفية حماية كيانها من الغزو
الفكري, والاختراق القيمي، والتحصن من تأثيرات الثقافة الأوروبية.
فهذا الوضع الذي كانت عليه المؤسسة الدينية مع بداية القرن العشرين،
وتكرس بصورة أشد بعد قيام الدولة العربية القطرية, لم يكن يدفع باتجاه
تجديد الفكر الإسلامي، بل كان يعارض ويصادم من يتبنى مثل هذه النزعات
الإصلاحية والتجديدية، ولسنا بحاجة إلى جمع الأدلة والبراهين على ذلك
لشدة وضوح هذا الأمر. كما أن كتابات الإسلاميين ورجال الدين منهم في هذا
الشأن أصبحت كثيرة ومعروفة، وعلى المستويين الإسلاميين السني والشيعي.
والتغير الذي حصل في واقع هذه المؤسسة في العقدين الأخيرين من القرن
العشرين خصوصاً على المستوى الإسلامي الشيعي, كان مهماً لكنه لم يكن
كافياً. وهذا يعني أن تجديد الفكر الإسلامي يتطلب تجديداً وإصلاحاً في
واقع هذه المؤسسات الدينية والعلمية.
وبدون نهضة وإصلاح هذه المؤسسات, فإن من الصعوبة على الفكر الإسلامي أن
ينهض ويتقدم بمهمة التجديد الديني, وذلك لكون أن هذه المؤسسات الدينية
تمثل بيئة الفكر الإسلامي التي يتصل بها, ويتأثر منها, ولا يكاد ينفصل
عنها, وهي المولدة والحاضنة والحامية له.
وهذا يعني أن أزمة الفكر الإسلامي ليست أزمة بنيوية فحسب, بحيث نرجع في
تحليلها ومعالجتها إلى بنية الفكر الإسلامي فقط, وإنما هي أزمة مؤسساتية
أيضاً, تحيل النظر إلى الأزمة التي أصابت المؤسسات الدينية.
وتشكل هذه الرؤية, مدخلاً مهماً في النظر لأزمة الفكر الإسلامي, وطريقة
تحليل ومعالجة هذه الأزمة, سعياً وتطلعاً نحو التجديد. وذلك باعتبار أن
المؤسسة هي التي تنتج الفكر, ويبقى الفكر متأثراً بها حتى بعد تكونه
وإنتاجه, وبالتالي فلا يمكن النظر لأزمة الفكر الإسلامي بعيداً عن أزمة
المؤسسة الدينية.
رابعاً: تغلب سلطة التراث, وهيمنة روح التقليد, ومراعاة ذوق العوام. وقد
تمثلت سلطة التراث في جهتين، في جهة قوة حضوره وشدّة هيمنته على الأفكار
والمعارف الإسلامية، وفي جهة صعوبة التعامل معه، أو الخروج عليه, حيث
اكتسب رهبة وهيبة كهيبة السلطة ورهبتها.
وهناك العديد من المقولات التي كانت شائعة ومتداولة في مجال الدراسات
الإسلامية, وتكشف كيف أن التراث اكتسب رهبة وهيبة، ومنها مقولة (مخالفة
المشهور مشكل وموافقته من غير دليل أشكل)، أو مقولة (ليس بالامكان أبدع
مما كان) أو (ما ترك السابق للاحق شيئاً). والذي يراجع الفقه الاستدلالي,
كما يقول السيد محمد تقي المدرسي يجد كم تتكرر هذه الكلمات (لولا الشهرة,
أو لولا الإجماع المحكي, لكان الرأي الكذائي مرجحاً, فالإجماع أو الشهرة
قد يشكلان خلفية تكوّن الآراء، وإطاراً لفهم النصوص، وهذا يحدد مجال
الاستنباط، ويجعله مجرد انتخاب رأي بين الآراء)(5).
ويعبر عن هذه الحالة, منتقداً لها السيد محمد باقر الصدر, واصفاً لها
بالنزعة الإستصحابية, وهي النزعة التي نقلناها ـ حسب قوله ـ من علم أصول
الفقه, وطبقناها على حياتنا, فكنا بسببها نتجه دائماً إلى ما كان, ولا
نفكر أبداً في أنه هل بالامكان أن يكون أفضل مما كان؟, فهذه النزعة
تجعلنا دائماً نعيش مع أمة قد ماتت, وانتهت بظروفها وملابساتها(6).
ولا شك أن هذه الحالة, التي وصفها السيد الصدر بالنزعة الاستصحابية, ما
تمكنت إلا بعد أن هيمنت علينا روح التقليد, والتي تجلت في العناية
الشديدة والفائقة بالشروح والتعليقات والتذييلات, والشرح على الشرح,
والتعليق على التعليق, والتذييل على التذييل, وهكذا بدل العناية والبحث
عن الابتكار والاكتشاف والإبداع والتجديد, وكأن العقل الإسلامي أصابه
العجز والجمود, ولم يعد قادراً على تجاوز هذا الوضع.
ولم يقف الحال عند هذا الحد, لأن التراجع والجمود والتقليد لا حد له ولا
حدود, فقد وصل التردي إلى ما وصفه الشيخ مرتضى المطهري, بآفة الإصابة
بالعوام, وهي عنده أشد بلاء, من الإصابة بالسيل أو الزلازل, أو لسع
العقارب والحيات.
وقد حاول الشيخ المطهري متعمداً المبالغة في وصف هذه الآفة, إدراكاً منه
بخطورتها, ويشابه هذا الموقف في الوصف, موقف الشيخ عبد الرحمن الكواكبي
في وصفه لآفة الاستبداد, وكأن الشيخ المطهري أخذ منه طريقة وصفه
للاستبداد, في حديثه عن هذه الآفة.
واعتبر الشيخ المطهري, أنه لمدعاة للأسى حقاً كما يقول (أن نجد هذه الآفة
تقيد الأيدي والأرجل, ولولا ذلك لاستبان بكل وضوح أن الإسلام جديد في كل
عصر وزمان حقاً, لا تفنى عجائبه, ولا تنقضي غرائبه, ولعرف أن أعرق النظم
الاجتماعية في عصرنا هذا, ليس قادراً على منافسة الإسلام)(7).
ومن شدة تأثير هذه الآفة, أطلق عليها الشيخ المطهري وصف الحكومة, متحدثاً
عنها بهذا الوصف قائلاً: (أن حكومة العامة هي منشأ رواج الرياء,
والمجاملة والتظاهر, وكتمان الحقائق, والاهتمام بالمظاهر, وشيوع الألقاب
والمقامات, والتطلع إلى المراكز العليا, في مجتمعنا الديني, مما لا نظير
له في العالم. أن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح
فينا)(8).
وللبرهنة على وجود هذه الآفة والإصابة بها, تطرق الشيخ المطهري إلى
العديد من الشواهد الدالة عليها, منها قوله: ( لقد ارتأى المرحوم آية
الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي, أعلى الله مقامه, مؤسس
الحوزة العلمية في قم, أن يطلب من عدد من الطلبة تعلم اللغات الأجنبية
وبعض العلوم كمقدمات, لكي يستطيعوا عرض الإسلام على الطبقات المثقفة
الجديدة, وفي البلدان الأجنبية, ولكن ما إن انتشر هذا الخبر, حتى جاءت
جماعات من العامة وأشباه العامة من طهران إلى قم, وقالوا إن هذه الأموال
التي يدفعها الناس باسم سهم الإمام, لا يقصد بها أن تصرف لتعلم الطلبة
لغة الكفار, وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا, إذا نفذ الاقتراح. فلما رأى
المرحوم اليزدي أن ذلك سيكون سبباً لانهيار الحوزة العلمية من أساسها,
ألغى فكرته مؤقتاً)(9)
خامساً: الاستبداد السياسي, الذي شكل مناخاً فكرياً يعارض ويقاوم اتجاهات
الإصلاح والتجديد, ويكرس في المقابل اتجاهات التبعية والتقليد. ويلفت هذا
الأمر إلى طبيعة العلاقة بين الفكر والسياسة, وكيف أن السياسة متمثلة في
السلطة, كانت ومازالت مؤثرة في مسالك واتجاهات الفكر, قوة وضعفاً, تقدماً
وتراجعاً, انفتاحاً وانغلاقاً, على طريقة ما حصل مع الفكر المعتزلي في
عهدي المأمون والمتوكل العباسيين, ففي عهد المأمون يزداد هذا الفكر قوة
وتقدماً وامتداداً, لكنه ينتكس في عصر المتوكل وينحدر ضعفاً وتراجعاً
وانكماشاً, والأمثلة على ذلك كثيرة وعديدة, في مختلف الثقافات والمجتمعات
القديمة والمعاصرة.
ويعد الاستبداد السياسي, من أشد المعوقات التي تعرقل تقدم ونهضة الفكر,
وبين الاستبداد والعلم كما يقول عبد الحمن الكواكبي, حرب دائمة, وطراد
مستمر, يسعى العلماء في تنوير العقول, ويجتهد المستبد في إطفاء نورها..
وأن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان, فكل إرادة مستبد تسعى جهدها في
إطفاء نور العلم, وحصر الرعية في حالك الجهل(10).
فالاستبداد يصادر ويقمع ويطيح بالحرية, والفكر لا ينهض ويتقدم ويتفتح إلا
في أجواء الحرية, وبدون الحرية يتراجع الفكر وينتكس. وهذا ما لمسه
الكواكبي نفسه, فبعدما وصل إلى القاهرة, قادماً إليها سراً من حلب سنة
1899م, نقل عنه الشيخ رضا قوله, أن الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد
الحرية, ما لا يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد, وأن بلاد الحرية تولد في
الذهن من الأفكار والآراء, ما لا يتولد في غيرها.
ولا ريب أن العالم العربي والإسلامي, قد ورث عهداً طويلاً من الاستبداد
السياسي يرجع إلى ما قبل قيام ما سمي بالدولة العربية القطرية, وما
بعدها, الوضع الذي ظل يعرقل وبصورة مستمرة, مسارات ومسلكيات الإصلاح
والتجديد في الفكر الإسلامي. فالاستبداد السياسي هو الذي عرقل محاولات
الإصلاح الديني للشيخ محمد عبده في المؤسسة الدينية, وفي الأزهر بعد
عودته إلى القاهرة من منفاه عام 1888م, كما عرقل محاولات المصلحين
الآخرين أيضاً.
سادساً: انقطاع المثقفين والنخب الفكرية في العالم العربي والإسلامي عن
الثقافة الإسلامية، ففي الوقت الذي اندفع فيه هؤلاء نحو الأفكار والمعارف
الحديثة القادمة لهم من المرجعيات الأوروبية، وتمكنوا منها معرفياً
ومنهجياً، في مقابل هذا الاندفاع حصل انقطاع عن الأفكار والمعارف
الإسلامية، وهذا هو منشأ الخلل والضعف في التكوين الثقافي والذهني عند
هؤلاء.
وقد أوضح هذه الإشكالية, الدكتور زكي نجيب محمود شارحاً لها بقوله: (لقد
أوهمنا أنفسنا وهماً عجيباً, قيد خطواتنا على طريق التقدم, وهو أننا
توهمنا أن ثمة تناقضاً بين أن يكون الإنسان مسلماً بعقيدته الدينية, وأن
يكون في الوقت نفسه ساعياً إلى ما يسعى إليه أهل الغرب, من إيجاد لعلم
جديد, ثم إقامة حضارة جديدة على أساس ذلك العلم الجديد. وقد كاد الأمر
يكون كذلك, لو أن إسلامنا لم يجعل العلم وتطبيقه ركناً أساسياً في بنائه.
وإني لأتصور أن الأمة الإسلامية, لو كانت اليوم على مثل قوتها الأولى,
لكانت هي التي ملكت زمام عصرنا هذا بكل ما فيه من علوم, ومن تقنيات,
فالذي انتهى بنا إلى موقف المتسول المحروم في دنيا العلم والصناعات, ليس
هو إسلامنا, بل هو أننا قد أخطأنا منزلة العلم بأسرار الكون, والانتفاع
بذلك العلم في الحياة العملية.. أقول إننا قد أخطأنا منزلة ذلك كله في
العقيدة الإسلامية, تلك المنزلة التي من أجل رفعتها, كانت (اقرأ) أول ما
نزل به القرآن الكريم)(11).
وقيمة هذا الكلام وتخلقه, أن يأتي من شخص في مقام الدكتور زكي نجيب
محمود, بوصفه المفكر الذي يعترف له الجميع بمكانته ومنزلته الفكرية
والفلسفية, ولكونه المفكر الذي ارتبط كلياً بالثقافة الأوروبية وهضمها,
وانتسب إليها فكرياً وروحياً, وهذا ما تحدث به عن نفسه شارحاً حاله, وكيف
بدأت علاقته بالفكر الأوروبي, وما انتهى إليه في أواخر حياته, وهو ما كشف
عنه في مقدمة كتابه: (تجديد الفكر العربي) بقوله: (فهو واحد من ألوف
المثقفين العرب الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي قديم أو جديد, حتى سبقت
إلى خواطرهم ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه, لأن
عيونهم لم تفتح على غيره لتراه, ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات
أعواماً بعد أعوام, الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب, والفكر الأوروبي
تدريسه وهو أستاذ, والفكر الأوروبي مسلاته كلما أراد التسلية في أوقات
الفراغ, وكانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا تجيئه إلا
أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة, يلمحها وهي طافية على أسطر
الكاتبين... ثم أخذته في أعوامه الأخيرة صحوة قلقة, فلقد فوجئ, وهو في
أنضج سنيه, بأن مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة ليست هي: كم
أخذنا من ثقافات الغرب, وكم ينبغي لنا أن نزيد)(12).
هذا الكلام من الدكتور زكي نجيب محمود, كان يفترض أن يدفع المثقفين في
المجتمعات العربية والإسلامية إلى مراجعة موقفهم وعلاقتهم بالفكر
الأوروبي, وتصحيح هذه العلاقة, وهذا ما لم يحدث فعلاً بالنسبة للكثيرين.
ولا شك أن هذا الموقف الفكري قد أثر وبعمق في طبيعة رؤية هؤلاء المثقفين
للثقافة الإسلامية وطرائق التعامل معها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن
الثقافة الإسلامية كانت بأمس الحاجة إلى خبرة هؤلاء المعرفية والمنهجية
الأمر الذي لم يحصل بسبب تلك القطيعة الفكرية والنفسية, فتأثرت به مهمة
التجديد في الفكر الإسلامي.
هذه لعلها من أبرز العوامل والسياقات, التي ساهمت في تأخر وجمود مهمة
تجديد الفكر الإسلامي.
ـ 3 ـ
إيقاظ روح
التجديد
لا يتحقق التجديد في الفكر الإسلامي بطريقة المعادلات الرياضية
الباردة, أو بطريقة القوانين العلمية الصارمة, ولا بطريقة آلية ميكانيكية
جامدة, كما لا يتحقق التجديد من فراغ, أو بدون مقدمات وشروط, ولا بطريقة
فورية, أو بمجرد التعبير عن الرغبة فيه, ولا بكثرة الحديث عنه, فالحديث
عن التجديد ليس تجديداً بالضرورة.
ولا شك أن هذه الأمور هي من التقديرات الواضحة, والتي من السهولة تعقلها,
والتسالم عليها, ولا تحتاج إلى جمع الأدلة للبرهنة عليها, فمن أين يبدأ
التجديد إذاً؟
من الممكن القول, أن التجديد يبدأ منذ لحظة انبعاث روح جديدة متطلعة إلى
التجديد في بنية الفكر, وسريان هذه الروح في جميع شرايينه, فمع انبعاث
هذه الروح يتوثب الفكر نحو التجديد, فهذه اللحظة هي من لحظات اليقظة
والوعي والإشعاع, حيث يكتشف الفكر فيها لحظته التاريخية للنهوض
والانطلاق, وهي من اللحظات الفريدة التي لا تشرق على الفكر في أي وقت,
ولا تمر عليه في كل حال, وهذا هو منشأ فرادة هذه اللحظة.
وحين تنبعث هذه الروح, فإنها تولد طاقة هائلة في الفكر, تدفع به نحو
البقاء والاستمرار والتصميم على إنجاز مهمة التجديد, كما تتولد منه قوة,
هي أشبه بقوة النمو التي لا تستطع أن تقف في طريقها أية قوة أخرى, فبقوة
النمو يستطيع النبات أن يخترق الحجر وطبقة الإسفلت الصلبة, حتى يظهر إلى
الوجود.
ومثل هذه اللحظة, ظهرت في الثقافة الإسلامية مع أول آية نزلت من الذكر
الحكيم في قوله تعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق)(13), فهذه الآية كانت
بمثابة لحظة انبعاث روح جديدة في الأمة, وبهذه الروح تقدمت الأمة في
مسيرتها نحو الحضارة والتقدم الحضاري.
وأمام هذه الآية توقف العديد من المفسرين والمفكرين, بحثاً وتأملاً في
حكمة اختيارها, بوصفها نقطة الضوء الأولى, وبداية النور, ومنها نكتشف
الروح العامة لهذا الدين العظيم, ولهذه الثقافة الإسلامية.
كما يمكن أن نكتشف مثل هذه اللحظة, في جميع الثقافات والحضارات التي نهضت
وتقدمت وعرفت على ممر التاريخ بأطواره المختلفة.
والبحث عن التجديد في الفكر الإسلامي هو لإيقاظ هذه الروح في بنية هذا
الفكر, لأن بدون إيقاظ هذه الروح لن يكون للتجديد فاعليته المنتظرة, ولن
يكتب له البقاء والاستمرار, ولن يصل إلى مداه الذي يحقق فعل التجديد.
وهنا يأتي السؤال, كيف نوقظ روح التجديد في الفكر الإسلامي؟
في البدء لابد من القول بأن ليست هناك إجابة واحدة ونهائية, وتكون جازمة
وقاطعة لهذا السؤال, لأن من الممكن أن تحدث هذه اليقظة بفعل عوامل وأسباب
خارجة عن إرادة البشر, أو تكون بعيدة عن إدراكنا, كنفحة من السماء, وبحكم
أن الإنسان ليست له سيطرة كاملة على عالم الكون, ولأن الأسباب المادية
والحسية ليست هي الوحيدة والمؤثرة في حركة التاريخ ومسيرة الاجتماع
الإنساني.
ومن العوامل والأسباب التي يمكن أن تساهم في إيقاظ روح التجديد في الفكر,
عامل الشعور بالصدمة, وذلك حين تنبه هذه الصدمة العقول والقلوب من غفوتها
وغفلتها, وتحفزها نحو طريقة في النظر إلى الذات, وإلى الواقع المحيط بها,
تكون مغايرة عما كان سائداً من قبل في النظر إلى الذات. وهي الطريقة التي
لا تعمل بها, ولا تتنبه إليها في العادة, ولا تستبق إلى الأذهان في ظل
الظروف العادية والطبيعية, لكن يمكن أن تتنبه إليها في ظل الشعور
بالصدمة, فمع هذا الشعور قد يتنبه الإنسان, ويتنبه المجتمع, إلى أمور
وإدراكات, قد لا يتنبه إليها بالضرورة في الظروف العادية.
ومثل هذه الصدمة والشعور بها, حدثت مع الفكر الإسلامي مع حملة نابليون
الشهيرة على مصر سنة 1798م, التي قيل عنها أنها أيقظت العقل الإسلامي
ونبهته للحاجة إلى العلوم والمعارف الحديثة التي طورها الغرب, واستفاد
منها في بناء مدنيته وتقدمه الحضاري.
وقد تجلت هذه الصدمة والشعور بها, في المقولة التي أطلقها آنذاك الشيخ
الأزهري حسن العطار بقوله: (أن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها, ويتجدد
بها من المعارف ما ليس فيها), فمع هذه المقولة, سرت روح جديدة في داخل
الفكر الإسلامي, ومنها أخذ يتطلع من جديد إلى ضرورة اكتساب العلوم
الحديثة.
فقد عرف عن الشيخ حسن العطار, الذي كان معاصراً للحملة الفرنسية على مصر,
أنه اتصل بالعلماء الذين جلبهم نابليون مع حملته العسكرية, وأخذ يطلع على
كتبهم, ويتعرف على أجهزتهم وآلاتهم الفلكية والهندسية, وعلى بعض تجاربهم
العلمية.
ويعزو الدكتور فهمي جدعان, أن إرسال البعثات العلمية الأولى إلى أوروبا
في عهد محمد علي باشا, ربما كانت بتأثير من الشيخ حسن العطار, وبسعي منه
عين تلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي إماماً لأول بعثة علمية توجهت إلى فرنسا
سنة 1826م(14). ومنذ هذه البعثة أخذ العالم يتعرف على رفاعة الطهطاوي,
ويتذكره إلى اليوم.
ومن العوامل والأسباب كذلك, التي تساهم في إيقاظ روح التجديد, ما يمكن أن
يحصل في ظروف الأزمات غير العادية, حيث يتاح للفكر إمكانية أن يتنبه إلى
ذاته, ويكتشف نقاط ضعفه, ويتلمس الحاجة إلى الإصلاح والتجديد.
وهذا ما التفت إليه الفكر الإسلامي في علاقته بالحضارة الغربية, التي
فرضت عليه أزمة العلاقة بالعصر والحاجة إلى التقدم, وبدافع هذه الأزمة,
وفي ظل الشعور بها, انطلقت في داخل الفكر الإسلامي موجات متتالية تدعو
إلى الإصلاح والتجديد, منذ عصر الشيخ حسن العطار في النصف الأول من القرن
التاسع عشر الميلادي, وإلى اليوم.
وحين درس العالم الأمريكي توماس كون, بنية الثورات العلمية في كتابه الذي
حمل هذا العنوان, خصص فصلاً عالج فيه علاقة الأزمة وانبثاق النظريات
العلمية, واعتبر أن الأزمات شرط أولي ضروري لانبثاق نظريات جديدة, وبرهن
كيف أن (العلماء إذا واجهتهم حالة شذوذ أو أزمة, يتخذون موقفاً مغايراً
تجاه النماذج الإرشادية القائمة, وتتغير طبيعة أبحاثهم وفقاً لذلك, وتكثر
الصياغات البديلة المنافسة للنموذج الإرشادي, والرغبة في محاولة عمل أي
شيء, والإعراب صراحة عن حالة الانتقال من البحث القياسي إلى البحث
الاستثنائي أو غير المألوف, ويتوقف مفهوم العلم القياسي على وجودها
جميعاً, أكثر مما يتوقف على وجود الثورة)(15).
ومن هذه العوامل والأسباب الدافعة وراء إيقاظ روح التجديد, ظهور شخصيات
إصلاحية مؤثرة بطريقة غير عادية, بحيث يمتد تأثيرها بشكل واسع, ويكون
راسخاً, وعابراً بين الأزمنة والمجتمعات, بحيث يعيد إلى الأمة حيويتها,
وإلى الفكر يقظته, كظهور السيد جمال الدين الأفغاني في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر الميلادي, الذي وصفته العديد من الكتابات والأدبيات
العربية المعاصرة بأوصاف تشير إلى ذلك, كوصفه بموقظ الشرق, أو باعث
الشرق, أو باعث النهضة الفكرية في الشرق, أو حكيم الشرق, ووصفه مالك بن
نبي بضمير العالم الإسلامي, وقال عنه: (لقد كان جمال الدين رجلاً ذا
ثقافة فريدة عدت فاتحة عهد رجل الثقافة والعلم في العالم الإسلامي
الحديث, ولعل هذه الثقافة هي التي دفعت الشبيبة المثقفة على أثره في
اسطنبول والقاهرة, وفي طهران, وهي الشبيبة التي سيكون من بينها قادة حركة
الإصلاح)(16).
وفي نطاق هذه العوامل والأسباب, حصول حدث مدوي تكون له طبيعة الدهشة في
حجمه ونوعيته, ويكون خارج التوقع, وبعيداً عن الأذهان, كحدث الثورة
الإسلامية في إيران الذي أدهش الجميع, وجاء مدوياً بشكل أحدث صحوة ويقظة
عمت معظم المجتمعات العربية والإسلامية, وشهد معها الفكر الإسلامي
المعاصر انطلاقة, أرخت لمرحلة جديدة في سياق مراحل تطور مساراته
ومسلكياته الفكرية والثقافية, حيث تجاوز فيها البنية السيكولوجية التي
كان عليها من قبل, وتحرر من مظاهر الشعور بالخوف والضعف, ومن نزعات
القطيعة والانغلاق والانكماش, ولم يعد يرى نفسه في موقف الدفاع عن الذات,
أو في قفص الاتهام.
هذه بعض العوامل والأسباب التي يمكن أن تساهم في إيقاظ روح التجديد,
وليست جميعها بالتأكيد.
الهوامش
ــــــ
(*) كاتب
وباحث من المملكة العربية السعودية، رئيس تحرير مجلة الكلمة.
1ـ رضوان السيد. سياسيات الإسلام
المعاصر.. مراجعات ومتابعات، بيروت: دار الكتاب العربي، 1997م، ص7.
2ـ لمزيد من التفسير والتحليل حول هذه القضية انظر كتاب: زكي الميلاد. من
التراث إلى الاجتهاد.. الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح والتجديد, بيروت:
المركز الثقافي العربي, 2004م, ص131.
3ـ محمد عمارة. تيارات الفكر الإسلامي, القاهرة: دار الشروق, 1991م,
ص186.
4ـ برهان غليون وآخرون. الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر,
مالطا: مركز دراسات العالم الإسلامي, 1991م, ص83.
5ـ السيد محمد تقي المدرسي. التشريع الإسلامي مناهجه وأصوله, طهران:
انتشارات المدرسي، 1411ه، ج2، ص133.
6ـ السيد محمد باقر الصدر. المحنة
7ـ الشيخ مرتضى المطهري. محاضرات في الدين والاجتماع, بيروت: الدار
الإسلامية, 2000م, ص557.
8ـ الشيخ مرتضى المطهري. المصدر نفسه, ص558.
9ـ الشيخ مرتضى المطهري. المصدر نفسه, ص559.
10ـ عبد الرحمن الكواكبي. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد, دمشق: دار
المدى، 2002م، ص44 - 47.
11ـ زكي نجيب محمود. رؤية إسلامية, القاهرة: الهيئة المصرية العامة
للكتاب, 1995م, ص8.
12ـ زكي نجيب محمود. تجديد الفكر العربي, القاهرة: دار الشروق, 1982, ص5.
13ـ سورة العلق. الآية: 1.
14ـ فهمي جدعان. أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث,
عمان: دار الشروق, 1988, ص116.
15ـ توماس كون. بنية الثورات العلمية, ترجمة: شوقي جلال, الكويت: المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب, 1992م, ص141.
16ـ مالك بن نبي. وجهة العالم الإسلامي, ترجمة: عبد الصبور شاهين, دمشق:
دار الفكر 2002م, ص49.
|