الحضارية «دراسات الحضارية والنهضة»

الاثنين: 14/04/2008

 

شروط النهضة عند الماوردي(ت 450 هـ، 1058م)(1)

د. صائب عبد الحميد(*)

عاش الماوردي عصر ازدهار العلوم الاسلامية، وتقدم الفكر الفلسفي، وشيوع التصانيف المعمقة في شتى الفنون، وكان له فيها إسهامه المميز، غير أن أهم ما يعنينا هنا مرجعيته الاسلامية الصرفة في ما كتبه في آداب السياسة و«صلاح الدنيا» بالرغم من أنه عاش في فترة تبعد بنحو قرنين أو تزيد على
ازدهار الترجمة وشيوعها، وبالرغم من شيوع العهود السياسية لملوك فارس، والتي نقلها مؤرخون سبقوا الماوردي كثيراً أو قليلا(2). وإذا كان قد أورد في فصله هذا محل البحث نحو عشرة نصوص لبعض الحكماء دون أن يسمي أحداً، فهو ـ أولاً ـ أتى بها في سياق حديثه المفصل شواهد على ما يقول، ولم يعتمد منها شيئاً كأصل لواحدة من القواعد التي أنشأها. وثانياً ـ جعل هذه الحِكم بمصاف ما أورده من أقوال أدباء وشعراء العرب، وهو ثالثاً ـ أورد من آيات القرآن الكريم ما هو أكثر منها، وأكثر من ذلك ما اعتمده من الحديث النبوي، وأورد أيضاً من أقوال الصحابة والتابعين وأئمة التفسير والكلام ما يربو على ضعفها. وفوق ذلك كانت هذه الحكم غالباً من نوع الحكم المشاعة التي لم تعد تنسب إلى قائل، لشهرتها، كقول بعض الحكماء: «ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها»(3). وقول بعض الحكماء: «الملك يبقى على الكفر، ولا يبقى على الظلم»(4).
ومما يزيد في تأكيد عدم اعتماده هذه النصوص أصولاً في تأسيس قواعده أنك تجد أهم النصوص الحكمية الدالة على أهمية العدل في ازدهار العمران وصلاح البلاد، وهو قول بعض الحكماء: «الأدب أدبان: أدب شريعة وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان» هذا النص أورده الماوردي في مادة أخرى ـ مادة «الدين» ـ ولم يعتمده في مادة «العدل».
من كل هذا نخلص إلى أننا مازلنا هنا أمام مادة يحتل الفكر الاسلامي، بمصادره، المرجعية الفكرية الخالصة فيها.
والملاحظة الثانية: هي أن الماوردي مازال يُخضع هذا العلم لمباحث الآداب والوصايا، وليس لمباحث الفلسفة، وقد وضع فيه ثلاثة مصنفات خاصة، هي:
1 ـ كتاب «نصيحة الملوك» منه نسخة مخطوطة في باريس.
2 ـ كتاب «تسهيل النظر وتعجيل الظفر» في السياسة وأنواع الحكومات، مخطوط، منه نسخة في مدينة غوطة.
3 ـ كتاب «قوانين الوزارة وسياسة الملك» طبع بعنوان «أدب الوزير» في دار العصور بمصر سنة 1929(5).
أما كتابه الأكثر شهرة: «الاحكام السلطانية» فهو موضوع مختلف في السياسة وشروط الخلافة وأعمال الوزارء والقضاء، والعقوبات والحسبة ونحو ذلك من شؤون الدولة.
وأما مادتة التي نتعامل معها هنا فهي الفصل الأوّل من باب «أدب الدنيا» في كتابه الغني «أدب الدنيا والدين»(6).
فلسفة البحث:
يقدم الماوردي لرؤيته بمقدمات فلسفية من وجهة نظر دينية إلى الحياة، ويرتب هذه المقدمات ترتيباً منطقياً ليبني عليها النتيجه الداعية إلى ضرورة دراسة أسباب صلاح الدنيا وأسباب خرابها، وعلى النحو الآتي:
1 ـ خلق الله الانسان ضعيفاً عاجزاً: (وَخُلِقَ الاِْنسَانُ ضَعِيفاً) «يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر، واحتمال ما هو عنه عاجز»(7) أي أن الضعف والعجز هنا هما الداعيان نحو الحركة، كما توضحه المقدمة الثانية.
2 ـ «ولما خلق الله الانسان ماسّ الحاجة، ظاهر العجز، جعل لنيل حاجته أسباباً، ولدفع عجزه حيلا، دله عليها بالعقل، وأرشده إليها بالفطنة»(8) إذن فالانسان يبدأ تعامله مع الحياة الدنيا في حركة دائبة، أو صراع متواصل، من أجل سدّ حاجة متأصلة، ومعالجة عجز فطري. ولو شاء الماوردي أن يتكلم هنا بلغة الفلسفة الصرفة ويسهب في شرح هذه الفقرة، لكان قد سبق إلى نظرية كبيرة الأهمية في فلسفة التاريخ، تجد في العصور الحديثة العديد من الشراح والنقاد، غير أنه أتى بها بعبارة موجزة وفي سياق تغلب عليه المسحة الدينية التقريرية، التي غيبت الفكر التأملي والنظر العقلي وراءها، حتى عادت لاتستوقف باحثاً، حتى أني في حدود مطالعاتي لم أجد من أشار إليها، بل حتى إلى صاحبها ـ الماوردي ـ في عداد الجهود الفلسفية التأملية في تفسير الحياة وسيرورتها.
ثم هو سوف يزيد من كثافة العتمة المحيطة بهذه الفكرة حين يرتب عليها مباشرةً خطوة لاهوتية صرفة، تفصلها عما ينبغي أن يكون متصلا بها، معمقاً لها، فيقول:
3 ـ «ثم لما كان العقل دالاً على أسباب ما تدعو إليه الحاجة، جعل الله تعالى الادراك والظفر موقوفاً على ما قَسَم وقدّر، كيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فِطنهم، لتدوم له الرغبة والرهبة، ويظهر منه الغنى والقدرة». متمثلا لذلك بقول الشاعر:

فعــاقلٌ فطـنٌ أعيت مذاهبـه   وجـاهل  خَرقٌ  تلقـاه مرزوقا

ليرى في ذلك داعياً إلى حسن الظن بالله، إذ إن للمصالح عللا، منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو غامض، ومنها ما هو مغيّب(9).
فهو تفسير ديني بحت، جعل الآخرة هي الأصل، وليست الدنيا إلا ممراً يتزود منه المرء قدر حاجته، مروراً إلى الآخرة. وهذا ما سيصرح به في تعليقه على الفقرة الآتية التي ينبغي أن تكون شارحة للفقرة الثانية المتقدمة على هذه.
4 ـ «ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجته ـ أي حاجة الانسان ـ وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء، فلزم لذلك أن يصرف الانسان إلى دنياه حظاً من عنايته، لأنّه لا غنى عن التزوّد منها لآخرته، ولا له بدّ من سدّ الخلة فيها عند حاجته». لكنّ هذا العمل من أجل التزود وسد الخلّة سيتوقف عند مستوى سدّ الحاجة، ذلك أن «الراغب فيها ـ الدنيا ـ ملوم، وطالب فضولها مذموم، والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة، والفضول إنما ينطلق على مازاد على قدر الكفاية».
ويستدل لتفسيره الاخير بآية من القرآن، وحديثين نبويين وقول صحابي، نرى أنه قد حمّل كلا منها أكثر مما يحتمل، وأسقط عليها رؤيته «اللاهوتية» هذه، ولو لم يفعل لكان قد أتى بما هو أتم وأفضل، وأكثر انسجاماً مع صياغته البليغة للثمرة المترتبة على هذه المقدمات، ثم مع القواعد المتينة والمترابطة التي أنشأها، فقال هنا مستدلاً على معنى الفضول والكفاية:
«قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب) قال أهل التأويل: فإذا فرغت من أمور دنياك فانصب في عبادة ربك. وليس هذا القول منه ترغيباً لنبيه فيها، ولكن نَدبه إلى أخذ البلغة منها. وعلى هذا المعنى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه». وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «نعم المطية الدنيا، فارتحلوها، تبلّغكم الآخرة». وذمّ رجلٌ الدنيا عند علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال (رضي الله عنه): «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها»(10). فهو إذن لم يبتعد عن إطار مفاهيم تتعلق بحياة الفرد المادية، كالزهد والقناعة والرضا، بعيداً عن الجشع والترف والطمع، المفسدة للفرد وللمجتمع، ولو أنه تجاوز حدود الفرد إلى المجتمع، وإلى سير الحياة البشرية، لما وجد في هذه النصوص الكريمة ما يغلق أمامه الأبواب، بل لكان أكثر انسجاماً وتماسكاً مع الفقرة الآتية الفائقة الأهمية، ثم مع ما خلص إليه بعد هذا من نتيجة مهمة:
5 ـ إن الاختلاف والتباين الطبيعي بين الناس، ثم الحاجة والعجز الفطريان فيهم، هما العلة وراء حركة الحياة وتكوّن المجتمعات: «فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا، فيذهبوا ضيعةً، ويهلكوا عجزاً.
وأما إذا تباينوا واختلفوا، صاروا مؤتلفين بالمعرفة، متواصلين بالحاجة»(11).
هنا تكتمل الصورة التي فرق الماوردي بين أجزائها، رغم وضوحها في ذهنه. فالانسان خلق ضعيفاً، محتاجاً، مزوداً بعقل، تدفعه الحاجة للبحث عما يسدّها ويشبعها، فيوفر له العقل اكتشاف الأسباب والوسائل التي تحقق له تلك الغاية، ثم يجد نفسه يعيش مع أفراد جنسه، مختلفاً عنهم في طاقته، وكفاءته، وثمرات جهده، فتجتمع هذه، مع شعور الكل بالحاجة، فيأتي التعاون والمساعدة والائتلاف، ليكمل الكل حاجته بالآخر، فتنشأ المجتمعات على أسس من التعاون والتكامل، لتنتقل الحياة بعدئذ إلى واقع جديد، بل إلى واقع متجدد، يأتي البحث بعد ذلك عن العوامل المؤثرة فيه.
والذي يميز محاولة الماوردي هذه هو إرجاعها إلى نصوص قرآنية:
(وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)(12).
(وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ)(13).
(فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض)(14).
النتيجة:
يخلص الماوردي من هذه المقدمات المهمة إلى النتيجة التي تبرر البحث في عوامل صلاح الدنيا وأسباب خرابها:
«فإذن قد لزم ـ لما بيّناه ـ النظر في أمور الدنيا:
فواجبٌ سبر أحوالها، والكشف عن جهة انتظامها واختلالها ..
لنعلم أسباب صلاحها وفسادها، ومواد عمرانها وخرابها ..
لتنتفي عن أهلها شُبَه الحَيرة، وتنجلي لهم أسباب الخِيَرَة، فيقصدوا الأمور من أبوابها، ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها»(15).
هذا يعني أن للظواهر الاجتماعية الكبرى عللا، يمكن الكشف عنها وتحديدها.
ويعني أيضاً أننا أمام «لاجبرية» في مصائر الشعوب والأمم، فالشعوب تملك أسباب الخِيَرَة في انتخاب ما يصلح أمرها، أو يؤدي إلى دمارها.
وهذا ما يبرر البحث عن علل الصلاح والعمران، وأسباب الفساد والدمار، ويعطي لهذا البحث مغزاه.
قواعد صلاح الدنيا:
يضع الماوردي ست قواعد، بها «تصلح الدنيا، حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة» وهذه القواعد هي: دين مُتَّبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح(16). وبين هذه القواعد تكامل وترابط وثيق وعلائق أكيدة.
1 ـ الدين المتّبع: هو «أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعاً في انتظامها وسلامتها» ذلك لما يفعله في النفوس، وما يتركه من أثر على السلوك، فهو «يصرف النفوس عن شهواتها، حتى يصير قاهراً للسرائر، زاجراً للضمائر، رقيباً على النفوس في خلواتها، نصوحاً لها في ملمّاتها» فأثره في صلاح الدنيا متمثل إذن في ما يحققه من صلاح الأفراد واعتدال سلوكهم من خلال التهذيب الأخلاقي والوازع الذي يزرعه في الضمائر. وهذه الأمور التي «لايصلح الناس إلا عليها»، «لايوصل بغير الدين إليها»(17).
2 ـ السلطان القاهر: يرى الماوردي أن الظلم من الخصائص المركوزة في طباع الناس، فهم لا ينفكون عنه إلا بمانع قويّ، وهذا المانع لايتعدى أحد أربعة أشياء: عقل زاجر، أو دين حاجز، أو عجز صادّ، أو سلطان رادع. فإذا كان العقل والدين قد يُغلبان أمام دواعي الهوى، فرهبة السلطان ستكون هي الأشد زجراً والأقوى ردعاً عن الظلم. وهذا هو الضمان الأكيد لاختفاء النزاعات الداخلية والانشقاقات السياسية، ولتحقيق الامن الاجتماعي، والوقوف على الأخذ بأسباب العمران والصلاح. والسلطان المطاع هو الذي يكفل ذلك، إذ «تأتلف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكفّ بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية»(18).
ولا تتوقف ضرورة السلطان المطاع عند حدود صلاح الدنيا، بل هو عامل أساس في صلاح الآخرة أيضاً «لما في السلطان من حراسة الدين والذب عنه، ورفع الاهواء منه، وحراسة التبديل فيه، وزجر من شذّ عنه بارتداد، أو بغى فيه بعناد، أو سعى فيه بفساد»(19).
وهذه الأمور كلها لايمكن حسمها إلا بواسطة سلطان قوي، فقد أثبتت تجارب التاريخ المتعاقبة أنه ما من دين زال سلطانه «إلا بدلت أحكامه، وطمست أعلامه»(20).
ولكن الدين سيبقى هو الأكثر أثراً في مصائر الشعوب، فما لم يكن السلطان ـ النظام السياسي ـ قائماً على أساس الدين الذي ارتضته الأمة ودانت به، فسيؤول أمره إلى الزوال، و«لم يكن للسلطان لبث، ولا لأيامه صفو»(21) لأنه عندئذ سلطان غلبة وقهر واستبداد.
والسلطان الذي حاله هذه فطريقه إلى الزوال، لأن الناس تستبطن معصيته ورفضه، وتترقب الفرص لأعلان التمرد والانقضاض عليه: «فهو من الرعية على استبطان معصية ومقت، يتربصون الفرص لاظهارها، ويتوقعون الدوائر لاعلانها»(22).
وهذه واحدة من علل الفساد والضعف والانهيار التي تتعرض لها الدول. غير أن الماوردي لم يحدد رؤيته لضرورة السلطان، هل هي واجبة بالعقل، أم بالشرع، بل اكتفى بعرض الرؤيتين دون ترجيح لاحداهما على الأخرى(23).
3 ـ العدل: يحتل العدل موقع المحور الذي ترتكز عليه القواعد الأخرى كلها: فيه يتحقق الدين المتّبع، وبه يحضى السلطان ـ النظام السياسي ـ بأسباب الطاعة والاستقرار، وبه ينتظم الأمن، وبه تفتح أبواب الأمل الداعي إلى مواصلة العمل وازدهار العمران.
فالعدل الشامل: «يدعو إلى الالفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأحوال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان»(24).
وبهذا يكون العدل «من إحدى قواعد الدنيا التي لاانتظام لها إلا به، ولاصلاح فيها إلا معه»(25).
ولهذا أيضاً فإنّ خلاف العدل ـ وهو الظلم والجور ـ سيكون هو السبب الأكبر للخراب والهلاك: «وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجَور.. لأنّه ليس يقف على حد، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد، حتى يستكمل»(26).
والعدل الشامل ليس هو عدل السلطان والقاضي بين الناس فقط، بل يتعدى ذلك إلى سائر الأعمال والروابط الاجتماعية، «لأن العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل»(27). من هنا جاء تقسيم العدل إلى قسمين رئيسيين:
الأول: عدل الانسان مع نفسه، بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، والوقوف بها عند حد الاعتدال، فلا تجاوز، ولا تقصير.
والثاني: عدل الانسان مع غيره .. وهذا على ثلاثة أقسام.
القسم الأول ـ عدل الانسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته.
القسم الثاني ـ عدل الانسان مع من فوقه، كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع رئيسها.
والقسم الثالث ـ عدل الانسان مع أكفائه.
ولكل قسم تفصيل، وباجتماع هذه الأقسام يسود العدل الشامل في المجتمع، ويؤتي ثماره، في الأمن، والتكافل، والصلاح والعمران(28).
وعودة إلى ملاحظة واقع الأحوال، وتتبع تجارب الحياة في شؤونها الصغيرة والكبيرة تنتهي بك إلى أنك «لست تجد فساداً إلاّ وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل إلى ماليس بعدل، من حالتي الزيادة والنقصان»(29).
وهذا جدير بأن يوقفك على نتيجة حاسمة، وقاعدة أكيدة، مفادها أنه: «لاشيء أنفع من العدل، كما أنه لاشيء أضرّ مما ليس بعدل»(30).
4 ـ الأمن العام: عامل أساسي في ظهور الهِمم العالية وتفعيلها، والاندفاع باتجاه العمليات الحياتية المنتجة «لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرّفهم، ويكفّهم عن أبواب المواد التي بها قوام أوَدَهم، وانتظام جملتهم»(31).
وليس بغائب عن الماوردي ما أثبته قبل قليل من أن الأمن هو من نتائج العدل، إلا أن بعض ما يطرأ من اختلال في الأمن العام أو ما يحدث من مخاوف متنوعة تؤثر في فاعلية الحياة، قد «يكون بأسباب حادثة عن غير مقاصد الآدميين، فلا تكون خارجة عن حال العدل» فمن هنا استحق أن يكون الأمن واحدة من قواعد انتظام الدنيا، كالعدل(32).
5 ـ الخِصب: للخصب العام في البلاد دوره المهم في القضاء على الفقر، وتقليص الفوارق بين الطبقات، واشتراك أكثر الناس في الحياة العملية، وما يتركه ذلك كله من أثر في نفوس أفراد المجمتع، فيقلّ الحسد والتباغض الناتج عن الفقر والعدم، وتتسع النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتواصل، وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا وانتظام أحوالها.
ومن ناحية ثانية فإن الجدب، الذي هو خلاف الخصب، يُحدث في المجتمع من أسباب الفساد كل ما هو ضدّ أسباب الصلاح التي يُحدثها الخصب والغنى، وكما أن صلاح الخصب عامّ، فكذلك فساد الجدب عامّ، «وما عمّ به الصلاح إن وجد، عمّ به الفساد إن فُقد، فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ودواعي الاستقامة»(33).
والخصب على نوعين: خصب في المكاسب، يتفرّع من خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن بها.
وخصب في المواد، قد يتفرع من أسباب إلهية، وهو من نتائج العدل المقترن بها(34).
هكذا تتداخل وتترابط عوامل الصلاح والعمران، فيكمل بعضها أثر البعض، ويتولّد بعضها، إلى حد كبير، من بعض.
6 ـ الأمل الفسيح: فهو الباعث نحو العمل الدؤوب، ليس العمل الذي يلبي الحاجة اليومية وحسب، بل العمل الذي يتخذ صفة الديمومة والاتصال، حتى يبقى وراء أعمار أبناء الجيل الذين أنشؤوه، وهذا هوسر استمرار المواصلة والتطور والنماء في الحياة العملية للأمم في أجيالها المتعاقبة، بل للأمم المتعاقبة أيضاً في سيرورة الحياة البشرية: «لذلك ما أوثق الله تعالى خلقه من اتساع الآمال حتى عمّر به الدنيا، فتم صلاحها، وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيُتمّ الثاني ما أبقاه الأوّل من عمارتها، ويَرُمّ الثالث ما أحدثه الثاني من شَعَثها، لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة، واُمورها على ممر الدهور منتظمة ..
ولو قصرت الآمال، ماتجاوز الواحد حاجة يومه، ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من بعده خراباً ... ثم تنتقل إلى من بعده بأسوأ من ذلك حالاً ..»(35).
في هذه الفقرات نقف على واحدة من أهم النظريات في تفسير سيرورة الحياة وحركتها، وهي نظرية تتظمن في داخلها نظرية «التقدم» في حركة التاريخ أيضاً، فالحياة عطاء تواصله الاجيال، بدافع الامل، فهي في تقدم مطّرد، والدافع صوب هذا التقدم هو الأمل، حتى تنتقل الحضارة من أمة إلى أخرى، لتواصل الثانية المسار التقدمي للتاريخ.
خلاصة نظرية الماوردي:
من المادة التي قدمها الماوردي تتلخص نظرية متكاملة، لافي الدولة وحسب، بل في حركة التاريخ أيضاً، تحتل سبقاً تاريخياً كبيراً، ومع هذا لم أجد من توقف عندها، ربما لأن الماوردي لم يعطها العنوان الهام الذي يلفت أنظار الباحثين في الفكر التاريخي وفلسفة التاريخ، إذ إنّه تحدث عنها بعنوان «صلاح الدنيا» الذي جعله مقدمة وسبيلا إلى صلاح الآخرة، مما يُصنّف هذه المادة المعمقة في مباحث فلسفة الأخلاق، دون فلسفة التاريخ(36).
وتتألف هذه النظرية من محاور ثلاثة:
المحور الأول ـ العلة في سيرورة الحياة وتطور حركة التاريخ:
جعل الماوردي «الحاجة أو «الضعف» الفطريين في الانسان، العلة الاساسية لشيئين يكوّنان معاً شَرطَي الحياة البشرية، وهما: «العمل» و«الائتلاف» لتكوين المجتمعات البشرية. وبهذين الشرطين تنتظم صورة الحياة وتتوفر أسباب تلبية الاحتياجات.
هذه الفكرة لم تكن من إبداع الماوردي، بل تحدث عنها أرسطو بوضوح، وترجمت إلى العربية قبل عهد الماوردي. لكن الماوردي أضاف الشطر الآخر المكمّل لهذا، والذي يفسر عملية النمو والرقي والتطور في حياة المجتمعات البشرية.
ذلك هو: «الامل الفسح» الذي يحفز الانسان للعمل في ماوراء حدود الحاجة المحدودة، والآنية، لإنتاج ما يمكن استثماره، ثم تطويره في أجيال لاحقة، وهكذا تنضج المجتمعات، وتتطور معالم الحضارة الانسانية جيلا بعد جيل.
وقد لاحظنا أن هذه الرؤية تمثل تفسيراً فلسفياً حقيقياً لنظرية «التقدم في التاريخ» وبدونها ستبقى هذه النظرية قائمة على رصد وملاحظة لظاهرة ما في الحضارات المتلاحقة، دون أن تقدم تفسيراً فلسفياً لهذه الظاهرة.
إذن فـ «الحاجة» و«الأمل» هما علّة سيرورة الحياة وتطور حركة التاريخ.
المحور الثاني ـ أساس الدولة:
تحدث الماوردي عن قواعد ست تشكل أساس الدولة والحضارة، لكن النظر فيها، بعد استثناء قاعدة «الامل الفسيح» التي عرفنا دورها، ينتهي إلى إمكان جعل «العدل» هو أساس الدولة، فالعدل شكّل قاعدة لوحده، ثم القواعد الأربع الأخرى تنتهي إلى العدل أيضاً، فالدين في تطبيقاته هو مراعاة العدل مع النفس ثم العدل مع الناس والعدل في الحكم(37).
والسلطان لايستقيم ولايستمر إلا بالعدل .. والأمان يتفرع جلّه عن العدل .. والخصب مرجعه إلى العدل. وهكذا يكون العدل هو الأساس الأوّل للدولة. ويؤكد هذا المبدأ جعله «الجور» بمظاهره، علّة للفساد والخراب والانهيار، ليكون العدل هو علّة الصلاح والاستقامة والعمران.
المحور الثالث ـ القانون العام للدولة:
بعد تفصيله في شرح القواعد الست، انتهى الماوردي إلى ما يصح تسميته بالقانون العام للدولة، أو القانون العام للحضارات أيضاً، ويتألف من فقرتين:
الأولى: إن صلاح الدولة وانتظام أمرها يتوقف على هذه القواعد الست «فإن كملت فيها كمل صلاحها ... وبحسب ما اختل من قواعدها يكون اختلالها وفسادها»(38).
والثانية: إن الحضارة مهما بلغ شأنها فهي سائرة نحو التغيّر والزوال، لتقوم بعدها حضارة أخرى، فإنّه «بعيد أن يكون أمر الدنيا تاماً كاملا، وأن يكون صلاحها عاماً شاملا، لأنها موضوعة على التغيّر والفناء، منشأة على التصرّم والانقضاء»(39).

الهوامش
ــــــ

(*)  متخصص في فلسفة التاريخ، العراق، معهد الابحاث والتنمية الحضارية.
(**) فلسفة التاريخ في الفكر الإسلامي، د. صائب عبد الحميد، دار الهادي 2007.
(1) هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، البصري، الماوردي، ولد سنة 364 هـ ، وتوفي سنة 450 هـ ، فقيه من كبار فقهاء الشافعية، ومن كبار رجال الفكر السياسي والأدب العربي. ]تاريخ بغداد 12: 102، معجم الادباء 15: 52، طبقات الشافعية، للسبكي 5: 267، سير أعلام النبلاء 18: 64[.
(2) يلاحظ على سبيل المثال: الجهشياري (ت331 هـ )/ الوزراء والكتاب: 8 ـ 14، مسكويه (ت421 هـ )/ تجارب الأمم 1: 56 ـ 69 وغيرها.
(3) الماوردي / أدب الدنيا والدين: 134.
(4) المصدر نفسه: 142.
(5) مصطفى السقا / مقدمة كتاب أدب الدنيا والدين، للماوردي: 10 ـ 11.
(6) طبع دار الكتب العلمية، بيروت، بتحقيق وتعليق مصطفى السقا، ط 4، 1398 هـ ـ 1978م.
(7) الماوردي / أدب الدنيا والدين: 132.
(8) المصدر نفسه: 132 ـ 133.
(9) المصدر نفسه: 133.
(10) المصدر نفسه: 133 ـ 134.
(11) المصدر نفسه: 135.
(12) سورة النساء 4 / 28.
(13) سورة هود 11 / 118 ـ 119.
(14) النساء 4 / 34.
(15) المصدر نفسه: 134.
(16) أدب الدنيا والدين: 135 ـ 136.
(17) المصدر نفسه: 136.
(18) المصدر نفسه: 136، 137.
(19) المصدر نفسه: 137.
(20) المصدر نفسه: 137.
(21) المصدر نفسه: 138.
(22) المصدر نفسه: 139.
(23) المصدر نفسه: 138.
(24) المصدر نفسه: 141.
(25) المصدر نفسه: 141.
(26) المصدر نفسه: 141.
(27) المصدر نفسه: 143.
(28) المصدر نفسه: 141 ـ 144.
(29) المصدر نفسه: 144.
(30) المصدر نفسه: 144.
(31) المصدر نفسه: 144.
(32) المصدر نفسه: 144.
(33) المصدر نفسه: 145، 146.
(34) المصدر نفسه: 146.
(35) المصدر نفسه: 146.
(36) ولذا وضعناها نحن في هذه الفصل ولم نفرد لها بحثاً مستقلا كنظرية في فلسفة التاريخ، وأيضاً لأنها معدة أساساً للبحث في قوانين الدولة وليس في تفسير التاريخ.
(37) أدب الدنيا والدين: 135.
(38) المصدر نفسه: 147.
(39) المصدر نفسه: 147.

 

sa-abdulhameed@hotmail.com