الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاثنين: 07/04/2008

 

إشكالية المنهج في الفكر العربي المعاصر
الدكتور حسام محيي الدين الآلوسي
إنموذجا(2/2)

الدكتور فوزي حامد الهيتي(*)

(خاص للمعهد)

3 ـ الآلوسي والمشروع النهضوي العربي الجديد:
لنبدأ حديثنا بالسؤال الأتي: كيف يفهم الآلوسي الواقع العربي المعاصر؟
يقول الدكتور حسام الآلوسي في معرض حديث له عن العالم العربي ان «هذه المجتمعات ليست متخلفة تنمويا أي من حيث القاعدة الاقتصادية (اقتصاد وعلوم وتكنولوجيا وإدارة... الخ) بل هي متخلفة فكريا أيضا، معظمها ما تزال في مرحلة الميثيلوجية»(1) ويضيف قائلا «ولا تغرنك شوارع معبدة وسيارات فارهة وملابس غربية وغير هذا وذاك فهي قشور مظهرية استهلاكية تبالغ فيها مجتمعات العالم الثالث لتغطي تغطية مفضوحة شعورها بالفجوة بينها وبين عصور الحداثة والمجتمعات المتقدمة بوجه خاص»(2) ويقول في مكان آخر «إننا في شرقنا العربي مازلنا نعيش، ولا تخدعنا شوارع مبلطة وجسور منشأة وأبنية مشيدة وملابس مستوردة من حواضر أوربا وأمريكا العامرة، أقول مازلنا في فكر هو من نمط آخر هو فكر القرون الوسطى، بل هل اقول انه فكر المرحلة العثمانية ويا ليته كان فكر المرحلة الفلسفية المزدهرة زمن المأمون...»(3) فالفكر العربي اليوم يشهد تراجعا ليس فقط عن الحضارة المعاصرة ـ بكل ما تعنيه من تقدم علمي وتقني ـ بل عن القرون الوسطى الذهبية، بل عن بواكير اليقظة في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع هذا القرن أيضا بالرغم من كل التغيرات الواسعة التي حصلت وكانت لصالح التنمية والتطور، فالإرهاب الفكري يزداد وسلطة العامة تقوى لتطال ليس المثقف والمفكر حسب وإنما السلطة السياسية التي يقودها الثوريون فكرا وتوجيها فهي «نفسها تقع تحت محذور الخوف من المصادمة مع الفكر السائد والعادات فتداري او تنكفئ على نفسها وقد حصلت هذه الظاهرة في الماضي المجيد للامتنا، فقد اضطهد ابن رشد وآخرون من قبل حكام كانوا يحبونهم ويشجعون الفلسفة ولكنهم فعلوا ذلك تحت ضغط استرضاء العامة وكارهي الفلسفة»(4) وباختصار فان المرحلة التي يعيشها المجتمع العربي المعاصر في نظر الآلوسي هي أشبه بالمرحلة التي مرت بها أوربا قبل عصر النهضة، أي أننا لم ندخل عصر النهضة بعد. فالفكر العربي وبجميع اتجاهاته العلمانية او السلفية وما يتفرع منها خاضع لسلطويات شتى خضوعا سلبيا ولسلطة التراث والدين «بشكل اكبر بكثير مما يشعر به او يدعيه»(5) والمفكر العربي اليوم نراه جادا في البحث عن المشروعية والإذن من النص الديني او التراث الفكري الإسلامي، فمثلا بعض متبني الفكر الماركسي اخذوا «يتلمسون سندا لماركسيتهم في نص ديني او في فكر مفكرينا القدامى، حتى ليكاد يدخل كل مفكرينا وفلاسفتنا بما في ذلك المعتزلة كبناة ومؤسسين للديالكتيكية المادية التاريخية معا»(6) حتى المفكرين الذين ادعوا الأصالة والابتكار مثل زكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي والارسوزي ليسوا سوى «تابعة ـ تلمذة ـ وليست مؤسسة. وان فرحتها بالجديد كطفل اكتشف العالم أول مرة، أصبحت مجرد تسلية»(7). أما الاتجاهات السلفية الدينية السائدة اليوم فهي منقادة تماما للتراث في الفلسفة والعقائد وكذلك في العبارات العامة وأحكامها وفي الفقه. فالاجتهاد قد أغلق تماما وساد التقليد في كل المجالات(8). ان تراجعنا المستمر كلما تقدم بنا الزمان صار واضحا في حركة الترجمة كما ونوعا وتراجع في البعثات إلى الخارج وكذلك في الاستفادة من الأجانب والغربيين لا سيما في التدريس والاهم من كل ذلك تراجعنا في مستوى الخطاب الفكري وروح الحوار النقدي السمح(9) . فالخطاب العربي المعاصر يكثر من الاستشهاد بالنص الديني «من اجل حسم أي مشكلة فكرية، ومن الواضح ان منهج الاستشهاد بالنصوص يعكس في داخله اتجاها الى التخويف ومن ثم فانه هو نفسه وفي جانب من جوانبه يمثل نوعا خاصا من ممارسة الإرهاب، اذ ان الفكرة الكامنة من وراءه هي: هذا ما يقوله النص فإما ان تقبله كما هو وتقبل بالتالي وجهة نظرنا وإما تتحدى النص ان كنت تملك الشجاعة وعليك ان تتحمل النتائج... ومنذ عقد او عقدين ساءت الأمور حيث أصبح الحوار شبه مستحيل وممنوع وحل محله الإسكات وإلغاء الآخر بوسائل متعددة تصل وبتزايد ملموس الى التصفية الجسدية»(10).
يمكن أن نجمل سمات وخصائص الفكر العربي المعاصر كما يراها الآلوسي من نقاط الآتية:
1 ـ انه فكر مقلد وتابع. وسبب ذلك ان الواقع العربي لا يساعد حاليا على انتاج فكر مبدع فلم تتوفر بعد الشروط الموضوعية لإنتاج مفكر مبدع وفكر مبدع(11).
2 ـ وهذا يعني ان المفكر العربي لم يستطع بعد الخروج من شرنقة العقلانية العربية (القروسطية) فما زال مطبوعا في طابعها ولا نتوقع خروجه منها في أمد قصير.
3 ـ ان خصائص العقلانية العربية السائدة في الفكر العربي المعاصر والمعبرة عن واقعه المريض هي: عقلانية وثوقية مطلقية لاهوتية. ولم يستثن من ذلك حتى المفكرين المتأثرين بالفلسفة الغربية الحديثة. والسؤال الذي يفرض نفسه الان هو: كيف نخطو الخطوة الأولى؟ كيف نبدأ؟ كيف يمكن ان ننهض بهذا الواقع المتخلف ونؤسس لنهضتنا الجديدة؟
وفقا للمنهج الجدلي التاريخي التكاملي ان النمو والتطور في المجتمع يكون بالتدريج بالجهود وليس بالطفرات او حرق المراحل فنحن يمكن ان نعجل في عملية التطور بالجهود المكثفة والمبرمجة بالاستفادة من تجارب الحضارات الأخرى، ولكن القفز فوق الواقع او اقتراح مشاريع نهضوية تنطلق من إلغاء الواقع المتردي او تجاوزه هي محاولات لن تجد القدرة على التأثير في الواقع لانها مشاريع تقع خارج الزمان وخارج التاريخ.
ان المجتمع والحضارة والفكر كأي كائن بايولوجي له بنية حية تكونت عبر تاريخه الطويل وهذه البينة الحية المتماسكة المكونة تاريخيا محددة بأطر «بحيث أصبح من الصعب اختراقها وإدخال العناصر جديدة الا من خلالها وبالشكل الذي لا يخل بها إخلالا ماحقا ولا يهدمها وبحيث يبقى الطارئ الجديد متقولبا وممتصا ضمن كيان البنية نفسها»(12) وهذا يعني ان هذه البنية هي التي تحكم نمو وتطور واتجاه النمو للمجتمع وان أية محاولة قسرية (انقلابية أو صدامية) لتغيره سوف «تجد هذا الواقع المتبنى واقفا بكل قوة وغالبا ما يجهز عليها»(13) . أي ان المجتمع وكذلك الكائن الحي يقاوم أي جسم غريب يحاول اختراقه إلا إذا كان نافعا له ويعطيه قدرة أعلى على البقاء والتكيف. ولكن استحالة التغيير وان الواقع ماهية جامدة؟ يقول الآلوسي «انه لا تناقض بين وجود مثل هذا البناء العضوي وبين إمكان تغييره على المدى الزمني الطويل»(14) لان هذا البناء هو نفسه قد يكون تاريخيا نتيجة عوامل داخلية وأخرى خارجية، ومن المستحيل تصور بقائه يقول الآلوسي في هذا (من المستحيل ان تبقى الخيمة مضروبة بعد ان تقوضت عمدها وقطعت حبالها وعصفت بها الرياح من كل جانب وبالفعل فان الفكر العربي "بنظرة شمولية" او بنظرة تفصيلية لعلم علم وجزء جزء ليس هي نفسها، ما كان قبل قرن او نصف قرن من الآن ولكن هذا التفسير لا يسير بالسرعة المطلوبة ولم تحشد له كل الإمكانات ولا زالت العراقيل والمعوقات كبيرة والأمر يختلف من بلد عربي إلى آخر ومن فترة إلى أخرى، ومهما يكن الحال فالمطلوب هو الإسراع في تغيير الأسس المادية لمجتمعاتنا هذا من جهة ومعها تغير عقلياتنا تغيرا علميا وحديثا(15) . وما نحتاج إليه الآن هو «ان نبدأ الصراع مع القديم فلسفيا وفكريا»(16) ولنبدأ أولا من الواقع... واقعنا العربي وليس الانكليزي او الفرنسي او الروسي... لنقبل عليه بروح جدية وصادقة النية في التغير والبناء وكل من موقعه... لنقبل على هذا الواقع نحلله لمعرفة مكوناته او لبناته ولنحفر وننقب عن جذورها أو وصولها ليس بقصد اقتلاعها او إحيائها وتعزيزها وإنما بقصد «معرفة الحال الموضوعية التي دعت إليها ومعرفة الأمور الأخرى اعني إشكال الوعي الاجتماعي الأخرى المرتبطة بها»(17) ثم معرفة أسلوب الحياة الذي تكشف عنه تلك البنى. لان هذه البنى المكونة لواقعنا مهما كان موقفنا منها ومهما كان حيزها الذي تشغله في البناء الكلي لم توجد اعتباطا «وليست معتقدات منعزلة أو إفرازات فردية حرة وكأنها "أكاذيب " او"تلفيقات" انها على العكس أنظمة فكرية لها أساسها ودواعيها»(18) . ولابد من وجودها في «الساحة الثقافية دون قيد أو شرط»(19) . إن الخطوة المطلوبة الآن هي أن نفتح كل النوافذ والأبواب أمام التغيير «وليحتدم الصراع عندئذ بين القديم والجديد، بين أنصار الجديد وهم أشكال مختلفة وبين أنصار القديم وهم كذلك ليسوا جبهة واحدة»(20) ولنهيئ لهذا الحوار العقلاني المتكامل أسباب نجاحه من تغير في الأسس المادية لمجتمعاتنا وإزالة كل المعوقات والعراقيل. وبهذا فقط يمكن ان نتقدم إلى الأمام ونؤسس نهضتنا «ولن يكسر قيودنا الفكرية المحدقة بنا المشدودة علينا دعوات لقوقعات جديدة حتى لو كانت اخر ما توصل إليه العلم والفلسفة بمنظار الحق والحقيقة»(21) فالمطلوب هو الانفتاح وعلى كل الجهات:
1 ـ الانفتاح على التراث: ـ او الماضي... الماضي العربي الإسلامي خاصة وهذا الانفتاح لا يكون بقصد إعادته او إحيائه او ان نستعير منه حلا او جوابا وانما لان الماضي يمثل امتداد للحاضر فالآلوسي يحاول اختراق الماضي... تفكيكه لمعرفة مكوناته فالحاضر المكون تاريخيا لا يمكن فهمه الا بالكشف عن آلية تكوينه تاريخيا. وهذه الخطوة المهمة ستعيننا على تجاوزه او بمعنى أدق تغييره بالاتجاه الذي نريد.
ان الانا الحاضرة عند الالوسي ما زالت مثقلة بماضيها، وهذه الحقيقة هي اهم إشكالية تواجه العقل العربي المعاصر في نظر الآلوسي، وما دعوته للانفتاح على الماضي.. ماضي الانا، الا بقصد تحويل هذا الماضي الثقيل المعيق لفعل الانا وإبداعها الى عامل قوة لها. او بكلمة أخرى انه يريد ان يحيل الأنا من أنا تراثية تعيش في الماضي إلى أنا تملك تراثا تقف عليه بثقة وخفة وليعينها هذا على التعاطي والانفتاح مع الأخر الغرب وبالنتيجة ستكون الأنا الحاضرة قادرة على الانفتاح والفعل الحضاري.
2 ـ الانفتاح على كل الحضارات الأخرى لا سيما الحضارة الغربية المعاصرة وعلينا ان لا نخشى من التذويب لان بنيتنا الثقافية الحية والمكونة عبر تاريخ الأمة قادرة على امتصاص كل وافد مفيد مع إفراز أو قتل كل ما لا ينفعها. ويكون الانفتاح باتجاه:
ا ـ جميع المنجزات العلمية المعاصرة. فلا يعقل ان نؤسس نهضتنا على ما انتهى إليه آخر علماء العرب لا في الطب ولا في الفيزياء ولا في الكيمياء ولا في أي مجال علمي آخر. والعلوم ليس لها طابع مكاني فلا توجد فيزياء فرنسية ولا طب انكليزي ولا كيمياء روسية، بل يوجد طب وفيزياء وبايولوجيا وهندسة وكيمياء وحسب.
ب ـ منجزات الغرب الحضارية والفكرية. ولنبدأ عصر ترجمة جديد ننقل فيه كل المذاهب الفلسفية والفكرية والفنية وعلينا ان لا نكتفي بالملخصات والمختصرات لان ذلك يشوه الفكر ولا يتيح لنا الإفادة من هذا المنجز. ولنشع الثقافة بين الناس وعدم حصرها بين طبقة المثقفين ويكون ذلك بانتشار التعليم وتنويع مناهجه وتطويرها باستمرار مع كل مستجد علمي.
3 ـ الانفتاح على الذات. ويكزن ذلك بالحرية والسماح لكل الاتجاهات الفكرية والفلسفية في الوطن العربي في العمل سواء كانت سلفية نصية ام اجتهادية ام علمانية غربية (وجودية ـ وضعية ـ ماركسية). وسواء كانت قومية خالصة ام عقلانية نقدية، وليكن مبدا عملها الحرية الكاملة حيث لا استعداء لسلطة سياسية او عامة على احد، وليقل كل مفكر ما يراه صحيحا بلا خوف. الكل يقف على ارض واحدة ويقول ما لديه فما ينفع الناس ويساهم في حل مشاكلهم ويقوي من بنيانهم في مواجهة الأخطار والتهديدات سيبقى بلا ريب وما يضرهم ويعيق حركتهم سيختفي بلا ريب بصمت وهدوء.
ثالثا: تحليل ونقد.
لو أردنا أن نحصر الأدوات المنهجية لدى الآلوسي لانتهينا إلى نوعين من المتقابلات:
الأول: مفاهيم ذات دلالة حركية:
تقدم: تراجع، تطور: تخلف، جدلي: ميتافيزيقي. انفتاح: انغلاق، حرية: تسلطية
الثاني: مفاهيم ذات دلالة شيئية او شكلانية:
بنية: فرد او عنصر، كل: جزء، دائرة: نقطة
ولكي نفهم ما تعنيه هذه المفاهيم سنحاول تحريكها وتشغيلها بالسؤال الآتي: عرف فلسفة سقراط؟
آلوسيا...أذا أردنا ان نعرف فلسفة سقراط جيدا فنحن نحتاج إلى أن نعرف:
1 ـ مستوى العلوم والتطور المادي ونوع العلاقات الاقتصادية السائدة في عصره (الدائرة الكبرى)
2 ـ طبيعة مجتمع سقراط وثقافته أي سؤال عن عقلانية المجتمع.(دائرة وسطى)
3 ـ معرفة موقع سقراط وموقفه من الصراع الدائر في عصره.أكان مع التطور والتقدم (قوى التغير) أم كان يمثل الاتجاه المحافظ (المنغلق) على أية اتجاه كان سقراط منفتحا؟ هل كان منفتحا على الأسباب والمقومات التي تدعو إلى التقدم وبالتالي فهو تقدمي ام انه كان منغلقا على الموروث داعيا للثبات وبالتالي فهو مفكر رجعي.وبكلمة أخرى تحديد موقع سقراط وفلسفته كبنية حية وعلاقتها الفكرية بالبنى الفكرية الأخرى.
ولنا ان نسال هنا: ما هي معايير التقدم والتطور؟ وهل كل جديد هو تقدم؟ ام ان التقدمي هو النافع لنا والانفتاح يكون باتجاه المفيد والنافع الذي يعلي من إنسانية الإنسان؟؟
يقول الآلوسي:
أ ـ الفلسفة هي موقف.
ب ـ الفلسفة لا يمكن ان تكون حياديه.
ج ـ الفلسفة تغيير لا تفسير.
وهذا يعني ان الفلسفة هي موقف مع أو ضد التغيير.وعليه يكون التعريف الجامع هو:
الفلسفة هي موقف دفاعا عن موقع. والآلوسي يحتل موقعا مع قوى التغيير لذلك فهو يطالبنا بالانفتاح على كل ما يساهم في تحرر الإنسان من قيوده منها الجهل واستعباد الإنسان أخاه الإنسان.
ويعني كل هذا ايضا ان الفلسفة تخفي موقفا آيديلوجيا وليست خطابا معرفيا حسب كما يود بعضهم ان يوهمونا، فهي (مع او ضد).
ولكي لا نبقى معلقين في الهواء نقول: ان التغير المعني هنا هو تغيير واقعنا العربي الى واقع أفضل. والآلوسي مع التغير ونحن معه أيضا ولكن علينا ان نكشف عن الجهة المقابلة ـ الضد ـ لنرى هل بإمكاننا حقا ان نقيم حوارا معها؟
ان المستفيد الحقيقي من هذا الواقع والمنتفع من دوامه وثباته على هذا الحال سيقف بكل قوة ضد أي محاولة لتغيره. كيف يمكن أن نقنع الأشواك وأشجار الظل، أن لا تستعدي ولا توظف سلطة أو عامة في سبيل خدمة أغراضها وتحقيق مصالحها ونحن نعلم والآلوسي معنا يعلم ان المعركة هي معركة وجود ووجودها مرهون ببقاء الحال. وهل يكفي ان نقول لها ان المستقبل لصالحنا وان الخيمة قد ضربتها الريح حتى تميل للمهادنة والحوار ام ان هذا القول وان كان حقا سيحفزها للقتال الشرس والقذر وبكل الوسائل وهي معذورة لانها تشتري بقاءها بهذا الفعل ونحن نعلم والآلوسي معنا يعلم ايضا ان قوى الضد تملك من القوة ما لا نملك ولديها من أساليب التخطيط والبرمجة العلمية لمواجهة أي مشروع نهضوي في العالم الثالث وفي الوطن العربي خاصة ما لا تملكه شعوب عالمنا العربي مجتمعة ونحن نعلم والدكتور الآلوسي معنا يعلم ان قوى الضد تعرف جيدا قوانين اللعبة وشروطها ولا يمكن استغفالها بسهولة ويسر.
وبعد كل الذي قيل يبقى المنهج الجدلي التاريخي منهجا علميا يقدم لنا الكثير في الدرس الفلسفي الأكاديمي، شاهده الدراسات العديدة والغنية للدكتور الآلوسي بحثا وتدريسا.
ويبقى المنهج الجدلي التاريخي التكاملي لم يقل لنا في ما يخص المشروع النهضوي الا ما نحبه او نسمعه (غرف مضيئة نقية بلا عفونة... الخ) وانفتاح وحرية ولكن يبقى مثل باقي الأحلام الفلسفية التي منها حلم مدني صالح في كتابه (بعد الطوفان) لا يملك مقومات تحققه ونجاحه لان المشروع كله واقف على قرن ثور ونجاحه يتوقف على عدم تحريك الثور لرأسه.
وأخيرا اعتذر عن الإطالة... والتطاول، وعذري ان الآلوسي هو من علمني إثارة السؤال والتشكيك قبل قبول الجواب وهو ممن علموني:«ان الفكر لا يقوى الا بالنقد» وعذري الأقوى ان أستاذنا الدكتور حسام محيي الدين الآلوسي العلم العالي في الساحة الثقافية العراقية والعربية بإنتاجه الغزير والغني لا تضيئه مثل هذه الملاحظات اليسيرة التي أثرتها في سياق حديثي الذي كان جزءا من واجبي وردا للجميل لأستاذ درست على يديه في دراساتي الأولية وفي الدراسات العليا وليعلم القارئ الكريم إننا مع الدكتور الآلوسي في دعوته إلى الانفتاح والحرية... ولكننا مثل أستاذنا أيضا لا نملك إلا الأماني وان كنت واثقا من أن ذلك لن يتحقق إلا بالتضحيات الجسام.

مصادر وهوامش البحث
ـــــــــــــــ
(*) كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية.
(1) الآلوسي ؛ ندوة حوار الأفكار، حوار أجراه الصحافي الكبير حميد المطبعي مع أستاذنا الآلوسي ونشر في جريدة القادسية العراقية في أربعة أجزاء، ج2. الأحد 16 / 4/1989.
(2) المصدر نفسه.
(3) الآلوسي ؛ الفلسفة والإنسان، مصدر سابق، ص: 166.
(4) الآلوسي ؛ ندوة حوار الأفكار، ج2، مصدر سابق
(5) الآلوسي ؛ العقلانية العربية: طبيعتها ومستقبلها، مصدر سابق ص14.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه ص15.
(10) المصدر نفسه ص16.
(11) الآلوسي: الفلسفة في الفكر العربي المعاصر: هل هي ابداع أم إعادة إنتاج، مصدر سابق ص40.
(12) الآلوسي: إشكالية العقلانية في الفكر العربي المعاصر، المجمع العلمي العراقي الجلسة الخريفية لسنة 1994،ص10
(13) المصدر نفسه،ص15
(14) المصدر نفسه،ص16.
(15) الآلوسي ؛ العقلانية العربية: طبيعتها ومستقبلها، مصدر سابق،ص 33
(16) الآلوسي ؛ الفلسفة والإنسان، مصدر سابق، ص166.
(17) المصدر نفسه، ص 172.
(18) المصدر نفسه، ص.
(19) المصدر نفسه ، ص 165.
(20) المصدر نفسه، ص 186.
(21) المصدر نفسه ن ص 166.