|
|
 |
الحضارية
«دراسات الحضارة والنهضة» |
|
الخميس:
20/03/2008
العولمة والعالمية في ضوء سنن الله الكونية(*)(4/4)
أ.د. ابراهيم شوقار(**)
أهم نتائج
البحث
نجمل أهم نتائج البحث المستخلصة من العرض السابق في الآتي:
أولاً: بناء على السنن الكونية في التدافع الحضاري التي تجلت من خلال
واقعتي بدر الكبرى وحنين، فإن (العولمة) بصيغتها الحالية هي المقدمة
الطبيعية للظهور الكلي للإسلام على مستوى العالم. وعلامة ذلك انتهاء أحد
القطبين الذين كانا سبباً في تخلف الشعوب المستضعفة. إن نظام القطبين
والحرب الباردة بيد أنه وفّر للشعوب المغلوبة على أمرها هامشاً للحرية
بعد أن عجّل بنيل استقلالها، فمن أهم مثالبه كونه حائلاً لهم دون التعرض
للتحدي والاستفزاز الضروري للنهضة بالاعتماد على الذات. فكان كل دولة
حديث الاستقلال يمكنها التأرجح بين القطبين كما تشاء وتجد الحماية
الكافية، وتستورد منهما ما تشاء، دون تفكير جدي في الاعتماد يوماً على
الذات، فمتى يشعر الطفل بخطر مجابهة الحياة إن كان بين يدي أبويه؟! [قال
مالك بن نبي: «إن العالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من
منتجات الحضارة، أكثر من أن يهدف إلى بناء الحضارة. وقد تنتهي هذه
العملية ضمناً إلى أن تحصل على نتيجة ما، بمقتضى ما يسمى: الأعداد
الكبيرة، أعني الصدفة». يشير بن نبي بكلامه الأخير إلى ما يسمى بنظرية
كوانتم، أي النظرية الكمية. راجع: شروط النهضة، دار الفكر (دمشق 1993)
ط4. ص48]
إذاً الميزة الأساسية في نظام القطب الواحد في أنه لا محالة سيُعجّل
بإلحاق أولئك الشعوب المتخلفة بالأمم المتقدمة، بتعريضهم للاستفزاز
والتحدي اللازمين لإثارة دواعي اليقظة والتوجه إلى النهضة. ولذلك لن يشهد
العالم في المستقبل المنظور صداماً للحضارات بالمفهوم الذي أطلقه
هانتنغتون، لسبب بسيط هو عدم التكافؤ.
ولأن المرشح الأول للتعرض لهذا الاستفزاز والتحدي هم المسلمون، فإن
الحضارة الإسلامية هي البديل لخلافة الحضارة الغربية السائدة عالمياً.
إذاً سيشهد العالم الإسلامي مزيداً من المجابهات ومزيداً من التحديات
التي تأتي من قبل أمريكا خاصة، سعياً منها لزرع بذور الفتنة بين الأشقاء
وتفتيت أرض الإسلام، ولكن ستنكشف كل تلك الدسائس سريعاً للعالم بفضل ثورة
الاتصالات، وتثبت الحقائق، كما ستظهر حقيقة الإرهاب التي تحاول الغرب
جاهدة إلصاقها بالمسلمين.
وتلك المجابهات، وإن كان فيها أذى للمسلمين في المدى القريب، وهم مأجورون
عليها، فإنها ستشكل استفزازاً كافياً لأمة الإسلام يدفعها إلى اليقظة
والعودة إلى الذات من أجل النهوض مرة أخرى، اعتماداً على الذات، وهذا
الذي سيُعجّل بظهور الإسلام العالمي.
وعنصر آخر سيعجّل بالظهور الكلي للإسلام هو حرية الحركة والاتصال
والتفاعل بين الشعوب التي هي من أهم سمات العصر. فمسارب الدعوة ومنافذها
التي رفع من أجل فتحها لواء الجهاد في السابق باتت الآن مفتحة بفعل
العولمة! ومعلوم من وقائع التاريخ أنه متى ما التقى الإسلام مع غيره من
المذاهب والعقائد في أرض حرة، كانت له الغلبة من منطلق طابعه العالمي
الذي يمكنه من الاستيعاب والتجاوز.
ثانياً: بقراءة السنن الكونية التي تجلت من خلال واقعة الأحزاب، حيث كان
التخاذل بين الحلفاء هو العنصر الحاسم، يثبت أن الدول الغربية لن تستمر
مطية لمصالح أمريكا طويلاً، وإن حاول هانتنغتون إظهارهما بوصفها كتلةً
واحدةً في مواجهة الغير. فإن المصلحة لا تدوم على حالة واحدة، لذلك ينبغي
للعالمين: الإسلامي والعربي أن يستغلا هذا العامل نفسه في الدفع بالتي هي
أحسن. بمعنى أنه يجب استغلال المبادئ الأخلاقية لعزل دعاة الحرب ومنظري (صدام
الحضارات)، لأن ذلك هو الذي يخاطب الضمير العالمي السليم [فقد ظهر مثل
هذا الضمير الإنساني السليم في المظاهرات التي تجتاح مدن العالم هذه
الأيام للتعبير عن رفض الشعوب للتهديدات الأمريكية للعراق، مرددة شعارات
مثل: (مفتشي الأسلحة للشرف ومفتشي الأخلاق للغرب) (weapon inspectors to
East and moral inspectors to West)، وشعار (لا دماء في مقابل البترول
«No blood for oil»، وشعار (الولايات المتحدة مصاص الدم العالمي (United
States a Global Cannibal). وكما رفع بعضهم بكل بساطة شعارات مثل (لا
للحرب «War, no!»). راجع كل ذلك: N.B.C، وكذلك مجلة Washington Post
الأعداد بتاريخ 18-19/1/2003م].
ولتفادي الآثار الضارة لتلك المجابهات والاستفزازات ينبغي للمسلمين العمل
من خلال ثلاثة جبهات: على المستوى الدولي، والمستوى الإقليمي، والمستوى
الوطني المحلي. فعلى المستوى الدولي يجب أن يعملوا من أجل تقوية وصلابة
صف الدول المستضعفة، وذلك بمحاولة جمعها في جبهة واحدة، من خلال تكوين
مجموعات وتحالفات عمل من أجل التعبئة لمواجهة مخططات وأفكار وقضايا
العولمة، لإحداث تأثير في القرارات الدولية.
وعلى المستوى الإقليمي أيضاً ينبغي العمل على تكوين كيانات اقتصادية
مؤثرة في التدافع الاقتصادي العالمي. ولكن تبرز المعركة الحاسمة لصياغة
العولمة على المستوى الوطني، حيث ينبغي العمل على تقوية الجبهة الداخلية
من أجل استقلال القرار ومن أجل البناء والبحث عن أفضل الطرق والوسائل
للتعامل الأمثل مع الشعوب. لأن في نظام القطب الواحد لا أحد يستطيع فعل
أي شيء لغيره أسوأ مما يفعله هو لنفسه، كما لا يستطيع أحد فعل أي شيء
أفضل له مما يفعله هو لنفسه، فأهم يد مساعدة يحتاجها المسلم في نهاية
المطاف هي ساعده الخاص [مهاتير محمد، العولمة والعلاقات الجديدة، مصدر
سابق، ص96-98. راجع المصدر نفسه في أكثر الفقرات بالإنجليزية. As with
the struggle against colonization, the time may come when the good
elements amongst the powerful will see the injustice of their ways and
throw their weight behind us. It may take along time as indeed
colonialism took a long time to be condemned]. أو كما قال مالك بن نبي:
(إن مفتاح القضية في روح الأمة لا في مكان آخر) [شروط النهضة، مصدر سابق،
ص29].
ثالثاً: إذا كانت سنن الله في التدافع الحضاري قد أفادت بأن العولمة هي
المقدمة الطبيعية للظهور الكلي للإسلام على مستوى العالم، فذلك لا يعني
أن الإسلام قادم بدون عمل. لأن هذه السنة قد ارتبطت بسنة أخرى، وسنن الله
المرتبطة لا تنفصل، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
على أن القانون الإلهي – كما قال المودودي – هو أن كل أمة تستعمل ما
أتاها الله من قوى العقل والفكر، وتمضي قدماً في طريق البحث والتحقيق
والاكتشاف، تتمتع، إلى جانب رقيها الفكري، بالرقي المادي أيضاً. وكل أمة
تتقاعد في السباق في حلبة التفكير والتعمق في العلم تصاب، مع الانحطاط
العقلي، بالتقهقر والاضمحلال المادي كذلك [المودودي، أبو الأعلى، نحن
والحضارة الغربية، مصدر سابق، ص10].
إذاً لابد من المبادرة بتغيير الذات، والتقدم العلمي يعد من أهم وسائل
العمل والتغيير في هذه المرحلة من تاريخ الأمة، لا التفوق الحربي بتكديس
الأسلحة وآلات الحرب. فيجب على أبناء الأمة القيام بعمل مخطط ومدروس
بالانصراف إلى العلم لا إلى القوة، فبالعلم يحصل كل شيء، وبفقدانه يضيع
كل شيء [قال موريس بوكاي، وهو يشير إلى دور العلم في بناء الحضارة
الإسلامية: «وليس من قبيل المبالغة أن نقول بأن هذا الأمر المبكر للإسلام،
الناشئ بتشجيع العلم ورعايته، كان هو القوة الدينية الدافعة التي تكمن من
وراء انبثاق الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في القرون الوسطى، والتي جنت
أوربا من ثمارها فوائد حضارية هائلة». راجع كتابه: ما أصل الإنسان؟
إجابات العلم والكتب المقدسة (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج،
1985) ص238]. فلا جدوى لردود فعل العابرة على استفزازات قوى الاستكبار من
غير دراسة وتخطيط وإن طال الزمن.
والمقصود بالعلم هو كل العلوم النافعة، لكن المقصود الأول هو العلوم
التكنولوجية، والتقنية، فيجب على أبناء الأمة، شعباً وحكومات، التسلح بها
حتى لا تتكرر المآسي التي شهدتها الأمة خلال تاريخها بسبب الاستهانة
بالمعرفة والعلم الذي يُسخّر الدنيا للدين.
فالعولمة هي فرصة المسلم لإعادة بناء ذاته وإثبات شخصيته العالمية، إنها
فرصة لا تعوّض.
وهكذا نخلص إلى أن التدافع بين الناس صار سنة ومقصداً للحكمة الإلهية به
يحصل التنافس والتسابق، ولولاه لتقاعس الإنسان عن السعي لتحقيق وظيفة
التعمبر في الوجود، ولتوقف عجلة الحركة الحضارية.
ومن خلال المقارنة بين مفهوم التدافع الحضاري في القرآن، و(صدام الحضارات)
يظهر التباين في مفهوم العولمة بين سنن الله الكونية والنظرة الإنسانية،
من حيث ارتباط الأول بسنن الشرع والأخلاق الفطرية.
ومن هذا الوجه ينبغي للمسلم، الذي يحمل رسالة الحق، أن يعترف بأمرين
مهمين في هذا المجال، ويسعى إلى تنظيمها من غير تجاهل أو إنكار.
الأول: إن التدافع في شأن الحياة، أمر لا ينفيه القرآن ولو كان بين أهل
الإيمان، بل يثبته ويؤكد مثل كل أنواع التدافع التي شرع لها الأحكام،
وإنما ينظمه ليصطبغ بالشرعية. وإدراك هذه الحقيقة نقطة مهمة لحملة راية
الدعوة من تيارات الفكر الإسلامي المختلفة. وهنا لا داعي للتفريق بين
التدافع والصراع إلا إذا كان تفريقاً أدبياً.
الثاني: مع أن العاقبة للحق، فينبغي ألا يتوقع المسلم أن الحق دائماً معه،
كما ينبغي ألا يتوقع نهاية حاسمة للصراع بين الحق والباطل مهما تغيرت صور
التدافع وتعددت أشكاله [حصر الشيخ رشيد رضا صور التدافع بين الحق والباطل،
من حيث موضوعه في خمسة أمور: الأول: التدافع في الآراء والنظريات
الفلسفية من حيث الأدلة وطرق الاستدلال، ويتبين الحق في الدليل بإفادته
اليقين وفي طرق الاستدلال بموافقة طرق القياس. والثاني في الوجود والسنن
الكونية: وفيه كل وجود حق وكل عدم باطل، وكل نظام في الطبيعة والخليقة حق
والخلل فيه باطل لا وجود له. والثالث: السنن الاجتماعية، واتباع هذه
السنن حق والخروج عنها باطل. والرابع: القوانين والمواضعات العرفية بين
الأمم في سياستها المحلية والخارجية فهي حقوق عرفية الآخذ بها على حق وله
الغلبة على تاركها. والخامس: الدين والشريعة الإلهية، والحق والباطل في
الدين يجريان من جهتين: أحدهما: كون عقائده صحيحة معقولة في نفسها،
وأحكامه في العبادات والآداب موافقة للفطرة في تقويم الملكات وتهذيب
الأخلاق، وتوثيق الروابط..، أو كونها ليست كذلك، وثانيهما: كون عقائده
راسخة في عقول الأمة، مؤثرة في قلوبها، أو كونها ليست. فالدين سنة من سنن
الاجتماع الكبرى وهو حق في الواقع أو باطل مؤيد بحق اجتماعي هو وحدة
الأمة في الاعتقاد والعمل، ولأهله الغلبة والسلطان على من ينازعهم فيه. (مجلة
المنار) المجلد التاسع سنة 1906م، ص52-65] وإنما عليه الاستعداد للمجاهدة
والدفع بالتي هي أحسن نحو نقطة الاستقرار الوسط الذي يحفظ للبشرية
سلامتها وأمنها: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:
143]. فالقانون العام للتدافع هو الذي يبين علاقة الإنسان بأخيه الإنسان،
ويحدد مدى القدرة على التسخير المتبادل، وسنة الله المطردة في ذلك تأتي
بصيغة المعادلة الآتية: كلما ازداد الإنسان معرفة بالسنن الإلهية في خلقه،
ازداد قدرة على تسخير أخيه الإنسان: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ
رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32].
(*) مجلة
التجديد/ الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
(**) استاذ الدراسات القرآنية والحديثية، كلية معارف الوحي والعلوم
الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
|
|
|