الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاربعاء: 19/03/2008

 

العولمة والعالمية في ضوء سنن الله الكونية(*)(3/ 4)

أ.د. ابراهيم شوقار(**)

3 ـ العولمة وسنة التدافع في القرآن الكريم
لا يمكن فهم ظاهرة (العولمة) من منظور قرآني إلا في إطار دعوة عالمية، حيث يتساوى جميع البشر في الإنسانية، وتتكافأ دماؤهم وأعراضهم وذممهم، إلا من سَبْقٍ بالعمل وفق سنن الشرع، أو من تدافع وفق السنن الكونية ليكون الدين لله. وهذه الصفة لا تتوفر في سائر النظم إلا في الإسلام الذي يستمد صفة (العالمية) من الأسس الآتية:
أولاً: كونه رسالة وخطاباً لمطلق الإنسان، بصرف النظر عن العرق واللون والمكانة الاجتماعية والجاه..إلخ، وكونه أطروحة نهائية لمسيرة التكامل الإنساني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
ثانياً: كونه خطاباً للفطرة الإنسانية السوية، سواء كان في تقرير العقائد الموافقة للفطرة والعقل السليم، أو في تشريع الشرائع الدافعة الحرج والعنت والعسر، أو في وضع نظم الحياة الملائمة للطبيعة الإنسانية: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
ثالثاً: الشهادة القرآنية للإسلام بهذه الصفة (العالمية)، حيث وردت في آيات متعددة أن الدعوة الإسلامية عالمي النطاق، كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]. وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].
رابعاً: وحدة المعبود (الخالق تعالى)، ووحدة القبلة ووحدة الشعائر التعبدية، حيث يجعل الإسلام الأرض كلها تطوف حول الكعبة محور التوحيد، كما يطوف الكون حول العرش محور الخلق الإلهي عامة: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 27 ـ 29].
البشرية بين الوحدة والتدافع
إذا كان القرآن الكريم يدعو إلى تحقيق نوع من الوحدة بين البشر عن طريق الدعوة والتبشير والإنذار على مستوى العالم، فإن ذلك هو مقتضى السنن الشرعية التي بها ينال الإنسان حظه في الدارين. أما الأصل في العلاقات الإنسانية، بل الخلائق عامة وفق سنن الله الكونية فهو التدافع: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 ـ 119].
والتدافع بالمفهوم القرآني، وإن كان ضرورياً في الحقل الإنساني لتحريك عجلة التاريخ، فإنه يباين مطلق الصراع والصدام في طبيعته وأغراضه وأهدافه. وذلك من حيث كونه نوعاً من التنافس المنضبط بسنن الشرع والأخلاق الفطرية الطبيعية، وهو العنصر المفقود في العولمة حتى الآن [يحاول هانتنغتون التخفيف من حدة لغته في (صدام الحضارات) بقوله: الاختلاف لا يعني التنازع، والتنازع لا يعني العنف بالضرورة Differences do not necessarily mean conflict, and conflict does not necessarily mean. ولكن من حيث الواقع كل ذلك مخالف لفلسفة الحضارة التي ينطلق منها].
فالتدافع سنة إلهية كونية قامت عليها حكمة الوجود الثنائي في الخلائق [قال الإمام الغزالي في كتاب (إحياء علوم الدين مج3/44): (الموجودات كلها متقابلة مزدوجة، إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له، بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها)، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] ]، فهو أمر لابد منه، ولذلك ينبغي التفاعل معه. وله مصادر وأسباب، كما له صور ومستويات يتجلى فيها ويبرز من خلالها، وله غايات وأهداف.
أسباب التدافع ومصادره
يقوم التدافع أساساً على حكمة الله في اختلاف الناس كما تشير إليه الآية السابقة وهي قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، حيث يبيّن القرآن أن الاختلاف بين البشر، وهو أهم عنصر به يتحقق الغرض من وجود الإنسان، ليس مناقضاً لطبيعته الإنسانية ولكنه معارض لوجوده في المجتمع مع ضرورته، لأنه يفضي إلى التنازع والتدافع، فيقتضي تهذيبه بالضوابط.
ويقرر القرآن أيضاً أن مصدر التدافع هو الإنسان نفسه التي ألهمها الله فجورها وتقواها. أي أنه مصدر داخلي وليس خارجياً، لذلك يربط القرآن تدافع المجتمع بتدافع النفس ويجعل من ذلك سنة مطردة، فمتى تغيّر ما في النفس غيّر الله تعالى ما في المجتمع من حال قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وهذا يفيد أن الإنسان نفسه هو المحرك لهذه السنة، ويكون فعل الله تعالى مطرداً مع فعله، الأمر الذي يقطع الحجة على أمة الإسلام في انحطاطها، ويدفعها إلى المشاركة الفاعلة في صياغة العولمة وتشكيلها وتفسيرها، لا أن تتخلف بحجة أن ذلك هو قضاء الله وقدره.
صور التدافع ومستوياته
صور التدافع كثيرة لا يكاد يحصيها العد، ولكن تتجلى سنة التدافع الإنساني في ثلاثة مستوياته رئيسة: [قارن هذه المستويات، الدجاني، أحمد صدقي، في مقالته: (موقف الإسلام من الصراع) حيث رأى أن العلماء يميزون بين ثلاثة مستويات من الصراع، انطلاقاً من طبيعة أطرافه: فهناك صراع بسيط بين الأفراد يمارسونه مباشرة، وصراع بين المنظمات مثل الدولة مع النقابات، وصراع جماعات لكل منها انتماؤها. مجلة المسلم المعاصر، العدد 81/1996. وراجع: مقالة عماد الدين خليل: (الصراع ودوره في الحركة الحضارية)، مجلة المسلم المعاصر، العدد الافتتاحي 1974م]
المستوى الأول: التدافع في إطار النفس الإنسانية، وهذا هو الأساس والمصدر، كما تمت الإشارة إليه، وينشأ بسببه صراع داخلي في النفس بين نوازع الخير التي يباركها الله تعالى ونوازع الشر التي يولّدها الشيطان. وقد عبّر القرآن عن هذا الصراع بأساليب مختلفة وعرضه بصورة متعددة، ولعل من التعبيرات الجامعة في ذلك قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 8-10].
وينظم القرآن هذا المستوى من التدافع بمحاربة ما يسميه بـ(هوى النفس): {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26]، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40-41].
المستوى الثاني: التدافع في ظل المجتمع الواحد (Nation State)، وهذا المستوى تابع للأول، وبه ينشأ صراع بين الناس ولو كانوا تحت مظلة الإيمان، ولذلك ينظمه الشرع ببيان الحقوق ووضع الحدود. ويضع القرآن مبادئ مختلفة حلاً لهذا المستوى من التدافع، بوصفه مبدأً للشورى، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن أجمع هذه المبادئ هو مبدأ تحقيق العدل، ومن أهم صوره: العدالة الاجتماعيّة في توزيع الثروة والتوازن بين الحقوق والواجبات، ودفع المظالم والطغيان [قال ابن مسكويه: (إن العدالة موجودة في ثلاثة مواضع: أحدها قسمة الأموال والكرامات، والثاني قسمة المعاملات الإرادية، كالبيع والشراء والمعاوضات، والثالث قسمة الأشياء التي وقع فيها ظلم وتعد) (ابن مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق: ابن الخطيب، المطبعة المصرية (القاهرة 1398هـ) ط1، ص125)]، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. والعدل مطلوب في نظر القرآن ولو مع الأعداء، كما يقرره قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
المستوى الثالث: التدافع الحضاري بين الأمم أو الشعوب المختلفة، والذي يشار إليه عادة بـ(الصراع) أو (صدام الحضارات)، وهو في الواقع ليس صداماً في جميع الأحوال وإنما ينقلب صراعاً وصداماً عندما يخرج عن ضوابط القانون الشرعي أو الفطري الذي تتحاكم إليه الأمم لتنظيم العلاقات بينهم.
ويتخذ هذا المستوى من التدافع صوراً مختلفاً وله تجليات متعددة مثل: الكفر والإيمان، الحق والباطل، القوي والضعيف، العدل والظلم، الاستكبار والاستضعاف ..إلخ. وهو تابع بصورة أساسية للمبدأ الأول من التدافع، أي اختلاف الناس الذي يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
وهذا المستوى هو الأهم في هذه المستويات كلها في نظر القرآن، لأن به تتميز المواقع وتتحدد الدرجات في الدارين، وهي الغاية من قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].
في هذا المستوى كثيراً ما يقع المسلمون في إشكال في فهم بعض الآيات التي تقرر أن النصر للمؤمنين لأنهم على دين الحق وخصومهم على باطل، والحق دائماً غالب والباطل مغلوب، كقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]، وقوله تعالى: {كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وما شابهها من آيات. بينما من حيث الواقع تراهم أحياناً يواجهون الهزائم، بل تمر عليهم فترات يخضعون فيها لغيرهم.
إن منشأ هذا الإشكال هو الجهل بالسنن، والخلط بين مفهوم الحق وبين مفهوم الباطل، كما بيّنه رشيد رضا بقوله: «كل الوجود حق والعد باطل لا حقيقة له، وكل نظام في الطبيعة والخليقة فهو حق والخلل فيها باطل لا تحقق له»، وأضاف: «ولا تنازع بين الوجود والعدم، ولا بين النظام والخلل، وإنما يقع التنازع بين الناس في فهم ذلك والعلم به، فمن كان أعلم بالوجود والنظام كان أعلم بالحق وأقرب إلى الحق، وكانت له الغلبة بالحق» [مجلة المنار، المجلد التاسع، سنة 1906م، ص54].
الأصل في التدافع الحضاري هو أن يكون بالحسنى، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]، وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96]. وقد يكون التدافع بالمواجهة بالسنان لدفع الظلم والطغيان، ليحق الله الحق ويبطل الباطل، ويحصل النصر والتمكين [راجع أنواع التمكين من الوجهة القرآنية، وشروطه وأسبابه، ومراحله وأهدافه: على محمد الصلابي، فقه التمكين في القرآن (المنصورة: دار الوفاء، ط1، 2001م)]، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
ويرسم القرآن لتنظيم هذا المستوى من التدافع قواعد عامة، يمكن تسميتها بلغة العصر: أسس السلام في النظام الدولي، أعلاها تكريم الإنسان مطلقاً بصرف النظر عمّا يدين به من اعتقاد، ويليها جعل التعارف الغاية من تفريق الناس إلى شعوب وقبائل. ثم من أهم المبادئ لتحقيق الاستقرار والسلام الدولي في نظر القرآن تحريم البدء بالعدوان كما يقرره قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]. ومن المبادئ المهمة هنا أيضاً الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]. هذا إلى جانب العديد من المبادئ.
الغاية من التدافع
إن غاية التدافع في القرآن هو الاتّجاه نحو التوازن بإحداث التغيير، لذلك فهو تابع لسنة الحركة الشاملة للوجود كله. فالكون كله خاضع لسنة التغيير بطريقة أو أخرى، قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27].
فصور التدافع متعددة ولكن غايتها واحدة هي إيجاد توازن بشكل ما، مثل إظهار الحق الذي هو غاية التدافع بين الحق والباطل، ومثله التدافع بين القوة والضعف، والغنى والفقر، والسالب والموجب.. إلخ.
وأهم ملحظ في مسألة التغيير الاجتماعي من الوجهة القرآنية هو أنه مهمة جماعية ترتبط بها أسباب رقي الأمم أو انحطاطها، وجعل الله كل ذلك موقوفاً على فعل الإنسان وحركته: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. فالإنسان هو الذي يبدأ في التغيير وفعل الله يطرد وينعكس مع فعله [راجع تفاصيل أوفى عن التغيير ومناهجه: مقررات الندوة المنعقدة في دولة الكويت في الفترة من 24-26 يناير 1994م، بعنوان: مناهج التغيير في الفكر الإسلامي المعاصر].
مجالات التدافع
يعم التدافع الحضاري بين الأمم كل شعاب الحياة، ولكن أشملها الذي يتحدد في أربعة محاور: اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، وسياسي.
يكون العمل على تشكيل العولمة وصياغتها من خلال هذه المحاور الأربعة كلها، وإن كان لبعضها موضع الصدارة فإنها مترابطة من حيث النتائج.
ففي السابق، بيد أن الغرض كان اقتصادياً، فقد بدأ الاستعمار بالمحور السياسي العسكري: قوة عسكرية تتقدمها دراسات اجتماعية ـ أنثروبولوجية، ويلحقها غزو ثقافي لمحو المعالم الذاتية وطمس الهوية الثقافية وزعزعة العقائد الدينية للشعوب. واليوم تم اختيار المحور الاقتصادي، لأن كل المحاور الأخرى: السياسي والاجتماعي والثقافي الديني، وغيرها يمكن تحقيقها من المدخل الاقتصادي فقط، بل بصورة أفضل مما كان. فالمال قوام الأعمال وشرط من شروط إتقانها، أي أن خطط التعامل الاقتصادي الراهن تؤدي أغراض الاستعمار بصور أفضل من تسيير الجيوش في الشوارع. فبات بذلك الاقتصاد هو المحور الجوهري لنظام العولمة، والتدافع الحضاري للأمم، مع التهديد بالقوة العسكرية.
التدافع الاقتصادي
إن أكثر ما يربط الأمم ببعضها هو علاقة الاقتصاد والتجارة، فمنذ العصر الحجري كانت الصلاة تجري بين الشعوب بدافع تبادل السلع والمنافع، التي عرفت بتجارة (البُكماء)، أي ليست لهم لغة مشتركة للتفاهم إلا إشارات البكماء. وقد اشتهر في العصر الوسيط التبادل التجاري الواسع بين شعوب البحر المتوسط. ووقع ذلك لأن تبادل السلعة من ضرورات الحياة. وكانت التجارة هي السبب في الكشوفات والانفتاح الغربي، ووصولهم إلى ما وراء البحار واستعمار الشعوب ونهب ثرواتها.
فتفسير العولمة لم يتجاوز حتى الآن هذا المفهوم الاقتصادي، الذي يعني الحركة الحرة للبضائع ورؤوس الأموال والأرباح عبر الحدود على نطاق العالم من غير عوائق، دون أن تتبعها القوى العاملة التي هي رأسمال الشعوب المستضعفة!
وبهذا المفهوم للعولمة انفتحت نافذة التدافع الاقتصادي بأوسع معانيه، وصار هو المدخل والمقدمة لسائر أنواع الوحدة المنشودة بين الشعوب. وكل ذلك لا يخفى على الإنسان المعاصر، وإنما الذي يهم أمة الإسلام هو: كيف يمكن توظيف التدافع الاقتصادي نفسه لتحقيق أفضل المنافع وأشملها للأمة وللإنسانية نحو العالمية الشاملة؟
الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز حدود هذا البحث، ولكن نقدم ملخصاً يحتوي على بعض المقترحات في هذا الشأن، وذلك قبل أن نخلص إلى النتائج العامة للبحث:
ـ ضرورة الجماعية (grouping) في التعامل الاقتصادي، وذلك عن طريق تكوين تحالفات اقتصادية إقليمية قادرة على المنافسة، مع تجريدها من الجوانب السياسية بقدر الإمكان في هذه المرحلة، مثل: مجلس التعاون الخليجي وصندوق آسيان وغيرهما. لأن العولمة لا تسمح للاقتصاديات المحلية بأن تحيا مستقلة بنفسها بغير ذلك.
ـ اتباع نظام الحماية للشركات الوطنية، في الوقت الذي تكون فيه قادرة على المنافسة، وذلك لما كانت الدول الإسلامية والعربية كلها من منظومة الدول النامية، فإنها لا تقدر على المنافسة وفق قانون نظام السوق، وبالتالي فإن تغلغل الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات في اقتصاديات هذه البلاد يفضي لا محالة إلى تعرض السيادة الوطنية للخطر، فضلاً عن انصرافها إلى الربح عن القضاء على الفقر والتخفيف من بؤس الفقراء.
ـ ابتكار أساليب جديدة فعّالة للحد من الآثار السلبية المدمرة لنظام السوق الحرة [يشير مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا في هذا الصدد إلى مناقضة استراتيجية (السوق الحرة) للطبيعة البشرية (سنة إلهية) قائلاً: هم يعتقدون أن السوق سوف يصحح نفسه، ويسمون ذلك نظام السوق، ودعوى أن السوق ينظم نفسه تناقض الطبيعة البشرية، فالسوق يسعى دائماً إلى زيادة الأرباح (بصرف النظر عن معاناة الشعوب)
they believe the market will correct itself. This is called the discipline of the market the assumption that markets will regulate themselves contrary to logic of human nature. The market is about to maximizing profits. (30\69)].
مثل تشجيع نظام التعامل بالدينار الذهبي، بديلاً لنظام العملة الورقية، حتى لا تتعرض أموال المسلمين للخطر بسبب التلاعب بسعر العملات، أو نهبها بدعاوى التجميد في البنوك اليهودية. فنظام السوق المطلق عن ضوابط المسؤولية تهديد بالغ للأمن الاقتصادي للبشرية.
ـ محاولة التأثير على المنظمات الاقتصادية الأخرى، الإقليمية منها مثل صندوق آسيان للتعاون معها، أو العالمية مثل منظمة التجارة الدولية (W.T.O)، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها، وذلك ببيان الممارسات السلبية فيها، حتى لا تكون مجرد أدوات في يد الدول الكبرى لإفقار الشعوب. وبالمثل عدم استخدام الثروات الطبيعية لأغراض سياسية، بما في ذلك البترول، وإنما ينبغي ترشيد استخدامها لصالح أبناء الوطن أولاً، ثم الأمة والبشرية عامة.
ـ أن يكون الغرض الأسمى للإنعاش الاقتصادي هو رفع معاناة الشعوب وسد حاجتهم، لأن أصول الثروة العالمية في ظل التكنولوجيا الحديثة تكفي لإغناء كل شعوب العالم، إذا أُحسن التوزيع.
العمل بهذه المقترحات بدقة، يُعَدُّ نوعاً من التدافع بالتي هي أحسن في مجال الاقتصاد، وتعاوناً على البر والتقوى في سبيل صياغة نظام عالمي متعاون لصالح البشرية.

(*) مجلة التجديد/ الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
(**) استاذ الدراسات القرآنية والحديثية، كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.