|
الاثنين: 25/02/2008
أسس الحوار
مفهومه، محدداته، ومعوقاته(*)(4/4)
أ.د.
حسام محي الدين الآلوسي(*)
اشتراطات على المستوى النظري المثالي للحوار
والمتحاورين
اورد أدناه اشتراطات أو مواصفات للحوار بشكله المثالي لا من حيث هو
فعالية متحققةة على مستوى الواقع والمجري:
1- التكافؤ بين المتحاورين، وهذا يشمل المستوى المعرفي والتخصصي، الى
جانب التكافؤ في الموقع الاجتماعي والسياسي، ومراكز التأثير، وموقعه من
مراكز السلطة، بمعناها الشعبي(رأي عام، جماهير، أتباع) والحكومي،
والتراثي بما فيذلك الديني وربما الطائفي(في بلد مبتلى بالصراعات
الطائفية وايضاً الأثني، الخ).
2- الاطلاع الكافي للمتحاورين بعضهم على رأي بعض، قراءة مكتوباتهم،
نشاطاتهم انتماءاتهم، الخ.
3- المعرفة بموضوع الحوار الرئيسي الاعداد المسبق ومعرفة عنوان الحوار
بمدة كافية الخ
4- سعة الأفق والصدر، اي فكرياً من جهة، من تسامح، وبقول الاخر، وآيضاً
التسالم والصبر، وحسن الاستماع، ولياقة الردّ والمجابهة او المعارضة او
التعليق، وحتى الرفض.
5-القدرة على الفهم ومن ذلك فهم الكلمات التي يوردها الطرف الآخر، وتحديد
معانيها.
6- الموضوعية: في العرض، وعدم التميز والتعصب لقول او مذهب أو ما شابه او
اقترب.
7- عدم النرجسية والنزوع الذاتي.
8-الاّ يتخذ المحاور مواقف عدائية والغائية مسبقة ضد المحاور والآخر،
بمعنى ان يكون الحوار خصومة ومجابهة، وتنفيذاً مطلقاً، واحتجاجاً وحجاجاً
بالمطلق، ومنازعة ومعارضة لاجل المعارضة.
8- الاّ يكون المتحاورون على تباعد علىّ مطلق المواقف والنظرة، الخ
9- تحديد موضوع الحوار او محور الحوار، والابتعاد عن الخروج عنه الى
موضوعات وأفكار وآفاق لاتتصل به، رغبة في التمويه وتوسيع الإشكال
والموضوع، والخلاص مقابلة الرأي الأصلي المطروح.
10- أن يكون هدف الحوار هو ليس الانتصار وكأننا نقلنا الأمر من جبهة قتال
وسلاح الى جبهة كلام، وان يسعى الطرفان الى الوصول الى منطقة وسطى
للتفاهم انتهاءاً وإظهار مواطن الاتفاق ابتداءاً وليس من اللازم الوصول
حتى الى هذا الهدف المتواضع مكتفيات بطرح ابعاد وجوانب الموضوع ومعرفة كل
طرف برأي الآخر بالتي هي أحسن.
11- الاّ تكون مرجعية الطرفين في منتهى التباين والخلاف والمناقصة،
12- المحافظة على ادب الحوار وأخلاقياته، ومنها عدم الاعتداء على الآخر
بنعت أو لفظ أو حركة، او كل ما يبعث على أثارته واخراجه عن التسامح وحسن
الاستماع والقول من تكبر وسخرية واعتداد بالنفس بغية التهويل وتقليل قيمة
الآخر ورأيه.
13- عدم اللجوء الى الكذب، والتمويه، وذكر مستندات ووقائع وبينات كاذبة،
عن عمد وقصد الغلبة، ومنها الاستناد الى الشائعات، وبدلاً من ذلك تقديم
الأدلة المثبتة لرأي المحاور، العقلية اذا كانت أدلة عقلية او تجريبية،
والنقلية الصحيحة اذا كانت مستندات تعتمد النص والوحي.
14- أن يكون الحوار إيجابياً يرى الحسنات والسلبيات في ذات الوقت ويرى
العقبات ويرى إمكانية التغلب عليها حواراً صادقاً واضح الكلمات يتيح
للطرفين فرصة التعبير ويعترف بحتمية او امكانية الخلاف في الرأي بين
البشر.
15- الاتفاق على منطلقات ثابته مسلمات دينية اذا كان الحوار بين اصحاب
أديان او الاستناد الى مسلمات عقلية يقّرها العقلاء مثل عدم التناقض وعدم
مصادمة الحس المشترك، والعلمي المجرّب، والمقر علمياً اذا كان الحوار بين
مستندين على العقل البشري.
إشتراطات على المستوى الواقع او امتحان هذه
الاشتراطات من مستوى الممكن والواقع
اذا نظرنا الى الشروط أعلاه نجد أنها شروطاً مثالية نموذجية بينما واقع
ما يجرى في كل مكان وعبر التاريخ هو بخلاف ذلك.
1- فمثلاً مبدأ التكافؤ، يعني التماثل، او قريباً من ذلك وهذا مستحيل لأن
كل إنسان لايتكرر ابداً حتى التوائم المتماثلة، يبدً إختلافهما منذ
البداية بتأثير التربية، وروافد اجتماعية وثقافية ونفسية الخ لكل إنسان
بنيته الثقافية، حتى لو تقاربا في معرفة وفهم موضوع الحوار الخاص نفسه،
في بحث لي بعنوان«تأصيل فلسفات الوجود وجدلية التواصل» وبحث البنية
والعلاقة وكلاهما منشورات الأول في دورته آفاق عربية والثاني في العدد
الأول من المجلة الفلسفية بالاردن أوضحت ان روافد تكوين الشخصية للفرد
هائلة، واي اختلاف في بعضها يجعل الشخصية مختلفة عن اخرى بالاضافة الى
التكوين الجسدي والبيولوجي الذي لايتكرر وقد أوضح فرنسيس بيكون هذه
النقطة في اصنامه الاربعة، الكهف ، المسرح، والقبيلة
على ان مبدأ التكافؤ عندي هنا يتعدى ذلك الى التكافؤ الاجتماعي والسياسي
السلطوي والديني(المسنود بمؤمنين يناصرونه) والاقتصادي، ولذلك فان الحوار
لن يتم وان تم لن يكون مثمراً اذا كان بين سيد وعبد، اقطاعي وقن، مالك
للاراضي وفلاح، رب عمل وعامل، دكتاتور وأحد الرعية البسطاء، صاحب سلطة
دينية مركزية وهراطقة او ملحدين، مؤمن بالنص فقط أو الوحي وآخرلايعترف
الا بالعقل البشري والتجربة المعاينة بين ارهابي وشخص عادي بين مستعمر
استيطاني ومطالب بخروجه وهناك امثلة كثيرة اخرى يستطيع الانسان ان
يذكرها. 2-النقاط(2)، (3)، (4)، (5) والتي مختصرها اطلاع المتحاورين على
بعضهم، ومعرفته الجيدة بموضوع الحوار، وكذلك سعة الصدر والأفق، يمكن
تحققها في اي حوار عندما يكون الحوار حول امور معرفية بحته وامور معرفية
لاتتعلق بمصلحة أو غرض شخصي او سياسي او فئوي، او طائفي او اعتقادي، اي
في النواحي العلمية، وهذا مجال ضيق جداً وعندما يجرى الحوار بدوافع فئوية
او طائفية او اغراض نفعية ومصلحية فان المتحاورين سيغمضون اعينهم حتى عن
واقعية أن2+2=4، او ان الشمس الأن طالعة في ضحى النهار.
3- شرط الموضوعية، وعدم النرجسية(6 ـ 7)أعلاه، هذا حديث خرافة، نعم ربما
تتوفر بعض الموضوعية لكن الأغلب ان كل محاور ينطلق من إطاره الفكري وهو
الأمر الذي كان كان يلح عليه المرحوم علي الوردي، ويقصد به جهازه
المفاهيمي الذي موقفه الفكري لكن اضيف ان لكل إنسان اطاره النفيس والقيمي
والاجتماعي وغير ذلك وقد أصبح شبه معروف ومقر ان الاحكام والتقيمات في
الأمور الاجتماعية وفي العلوم الانسانية فيها جانب كبير من وجهة النظر
الشخصية والنزوع الذاتي بل والنرجسي بخلاف الامور العلمية، وحتى هذه نجد
ان قراءة المنظور العلمي او الكشف العلمي او النظرية العلمية تتخذ إطاراً
فلسفياً مختلفاً مثلاً حول نظرية الكوانتوم وعلاقتها بالاحتمال والحتمية،
بين بور وانشتاين(انظر كتابنا: الزمان في الفكر القديم والفلسفي ونظرية
العلم، بيروت2005 وكذلك بحثنا: إمكان الحرية، مجلة مقابسات).
على ان هذه الموضوعية تصبح قلقة جداً، وشبه معدومة اذا كان الحوا بين
افراد او جماعات او دول، تدفعهم المصالح الاقتصادية او التوجهات الحزبية
والفئوية الخ واذا كان أحد الأطراف له مصلحة في بقّاء الوضع الذي هو فيه
سيطر ومستحوّذ ومنتفع، وهذا يشمل الحوار بين بلد مستعمر(بالفتح) واستعمار
استيطاني او غير استيطاني يستعمره الحوار هنا يكون الا في مصلحة الطرف
الاقوى وسنوضح هذا لاحقاً عندما نتحدث عن معوقان الحوار.
3-النقاط 14، 13، 12، 11، 10، 8، وهو المتعلق بأدب الحوار، وعدم إتخاذ
مواقف عدائية في الحوار، والاّ يكون هدف الحوار المغالبة والاجهاز على
الأخر كأننا في ساحة حرب بالسلاح وعدم اللجوء الى الكذب... الخ، هذه
أيضاً لايمكن توفرها الا اذا كان الهدف هو الوصول الى تفاهم، والتعرف كل
على الآخر، ومحاولة إيجاد حلول، او على الأقل منطقة تلاقي لكن هذه
لاتتوفر اذا كان احد الطرفين ينطلق من موقف سيادي، او مركز قوة، وبدوافع
مصلحية، فمثلاً اذا كان احد الاطراف السياسية بمثل الأغلبية في الحكم وفي
المجلس النيابي، وله قوة مسلحة على الأرض بشكل نظامي او نظامي(مليشيات
وجماعات مسلحة)وهو متشبث بمركزه وبسيادته هذه، فان الحوار مع الطرف الآخر
الذي ليس له هذه المواصفات لن يكون مثمراً اذا لم يكن الحوار نفسه متعذر
الوقوع.
4- النقطه 8 أ ـ في اشتراط الا يكون الطرفان على تباعد كلي ومطلق، ومثله
النقطه(11) الا تكون مرجعية الطرفين في منتهى التباين والخلاف والمناقصة
مثلاً الاعتماد على النص والوحي فقط عند طرف في مقابل الآخر الذي لايعترف
بوحي، والذي يعتمد على العقل البشري المعرفي الخالص فقط عند عتبة الماضي
والتراث الماضي بأضيق حدود فهم النصّ، بينما الطرف الآخر هو على العكس
تماماً والأمثلة كثيرة سياسية(مثلاً طرف يؤمن بالمستبد اعادل، او
بالدكتاتورية، وأخر يرى الديمقراطية المستندة على دستور ومجلس نيابي
واحزاب، وانتخاب على اساس الفرد لا القائمة).
وكذلك اجتماعية مثلاً تتعلق بحقوق المرأة، حقوق الانسان، وحضارية، تتعلق
بالموقف من الآخر وحضارته باعتباره يمثلها الآن والقاعدة انه حيثما يوجد
استقطاب حاد فلا يمكن ان يثمر حوار، بل ان يوجد حوار، فحالما سيبدأ
الحوار سينزلق الى المهاترة، والخصام وربما السباب والاشتباك بالايدي
والارجل والرؤوس.
اما على مستوى الحوار الوطني في المسائل والمشكلات الكبرى فسنجد انه
لاسباب أخرى يتعذر الحوار، وهذا ما سنوضحه في معوقات وموانع الحوار
لاحقاً.
معوقات الحوار بالمطلق، او معوقات الحوار المثمر
ربما يشيع او يتصور ان البشرية نعمت بالحوار منذ كانت، والحق ان الحوار
بمعناه الصحيح لم يتم حتى في الوقت الحاضر، منذ أقدم العصور كانت القوة
هي السائدة قوة سياسية قوة دينية سيطرة عرف وتقاليد، سيطرة الجهل، من
يملك وسائل الانتاج والثروة، من يملك القوة العسكرية وهكذا حتى عند
اليونان اعدم سقراط بالسم، وابعد انكسانمورس وغيره لاسباب سياسية، وفي
القرون الوسطى بعد أن تمسحت روما وسيطرت الكنيسة الكاثوليكية وأصبحت قوة
سياسية وفكرية قهرية، حيث العلوم، وتأخر اكتشاف الطبيعة وساد التحريم
والتكفير حتى عند أدنى فكرة يراها عالم أو مفكر وأجبر غاليلو على التبرأ
من ارائه العلمية واعدم برونو، وخلال الاصلاح الديني زاد كابوس الارهاب
الديني، برغم اضعاف سلطة الكنيسة المركزية(بحثنا حرية اللاحرية)(وحرية
الفكر ج بيوري) وفي مرحلة الغزو الاستعماري القديم في المعموره، على شكل
اجتياح جيش أمة لبلد آخر او فتح او غزو لم يمكن للحوار كلمة كان القوي
والمسيطر بقول كلمته الاستكشافات الجغرافية، في اسيا وافريقيا وامريكا،
وفي كل مكان فيه ثروة، أو يقع عند أطراف طريق بري او بحري، او تجاري لم
يكن للامم الأصلية للمواطنين الأصليين كلمة، وبالتالي لم يكن ثمة حوار
وعندما سيطرت اوربا على آسيا لم يجد في الهند الحوار انما كان مجديا
طجريق واحد هو المقاومة بكل أشكالها التي قادها غاندي ورفاقه وكذلك في
أفريقا على يد ماندلا في افريقيا الجنوبية بل وحتى في مصر اثمر حياناً
التحاور عندما كانت الحكومة كانت تستند على ارادة شعبته كاسحة على يد حزب
الوفد برئاسة النحاّس.
على ضوء ما تقدم نوفر معوقات الحوار، هذه المرة
على نطاق وطني بما يلي:
المعوق الأول: فقدان السيادة الوطنية، وبلغه أوضح خضوع الوطن او البلد
للاستعمار في بلد مستعمر والمستعمر يمثل أرضه وجنده يسيطرون عل كل
منافذه، واقتصاده وتعليمه، وقضائه، وسير العملية او العمليات السياسية
فيه، في بلد هذه هي حالية هل يمكن قيام حوار بين اهل الوطني، احزابه،
منظماته...الخ وبين المستعمر؟ الجواب قطعاً: الا ذلك ان المستعمر هو الذي
يسيطر ولايملك الطرف الآخر سوى القبول على فرض حصول حوار، اي بشروط
الأقوى وهو الاستعمار.
وهذا الامر يصبح اكثر وضوحاً اذا لم يكن هناك وحدة وطنية جامعّة، تربط
قواها واحزابها وكتلها برباط المواطنة قبل كل شيء، اما اذا كان الشعب
المستعمر(بالفتح) مفتتاً، مقسماً الى فئات واحزاب، واثنيات، وطوائف، يسعى
كل واحد منهم لمصلحة ومصالح رؤسائه ومن بيدهم الحل والعقد فيه، وليس
عندهم حسّ وطني وتدفعهم مصالح الاثراء وربما اعتمدورا على مسلحين من
الأهالي يوجهونهم ضد الأخرين بالقتل والسلب والاختطاف فان الحوار لن يتم،
وإن تم فهو لحصول من يملك القوة المسلحة او الاكثرية أو قبول ومباركة
المستعمر، وبالتالي فلاخلاص الابالمقاومة بكل أشكالها.
المعوق الثاني: الخوف وفقدان الأمن، وربما كان هذا يتعلق بحوار المفكرين
والمثقفين والسياسين، كأفراد ففي بلد لا تستطيع السلطة الحكومية حماية من
يطرح قولاً او نقداً او اصلاحاً وربما ساعدت هي على عدم الحماية هذه فان
الحوار لن يحدث وان حدث فمن قبيل اعطاء صفة شرعية للوضع القائم، وبذلك
ينزوى المفكرين واصحاب الرأي في بيوتهم او يهاجرون خارج اوطانهم او
يبتعدون عن كل ما يشير الى وجودهم وكأنهم في عداد الأموات، وخصوصاً عندما
يكون هذا الخوف قتلاً وتهجيراً وخطفاً وسلباً ورمياً للانسان في اكوام
الزبالة بعد أن يعذب ويقطع ويشوه ولايدري أحد من سلب ومن قتل ومن أرعب
ولايسمع أحد أن معتدياً عوقب او قاتلاً حوكم
المعوق الثالث: فقدان الحرية واضح ان احدى نتائج الوضع السابق والخوف
وفقدان السيادة الوطنية والتشروم والاعتماد على التخويف هو انعدام
الحريةّ لان التمتع بها تكون مغادرة تكطون مغامرة معروفة النتيجة.
المعوق الرابع: الاستقطاب السياسي والفكر، والاعتقادي بل والديني،
والطائفي والأثني بحيث لاتوجد مساحة للقاء، وينعدم التسامح وتزداد الثقة
لكل طرف بما يراه والشطك بالاخر، ولدرجة تخوينه والغائة.
ومن سوء الحظ ان الطرف السياسي المسيطر، الذي يملك القول الفصل، اما
لاستناده بصرف النظر عن كيف حصل عليها، اقول من سوء الحظ ان هذا الطرف
لاتصل بالحوار الاّ بشروطه ولذلك يرفض الآخرون ذلك وتتجمد الحياة
السياسية ويضيع البلد وحقوق الشعب وتشيع المحاصصة، والفساد الاداري،
وتتضاءل الخدمات، والزراعة، والتعليم، وتضيع الثروة الوطنية، للمستعمر
وللمرتزقة وعصابات تنتشر في علمه او بدون علمه خصوصاً اذا كان همه مصالحة
وجعل الشعب المستعمر في.. وفاقداً لكل أمكانات الرفض او المقاومة.
المعوق الخامس: مستوى المعرفة للمتحاورين وهذه المرة القضية تتعلق باي
حوار، وبالخصوص الحوار الثقافي والفكري والديني بين الأفراد واصحاب الشأن
في الحوار.
(*) بحث مقدم إلى بيت الحكمة.
(**) مفكر اكاديمي، استاذ الفلسفة في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية.
|