|
الاحد: 24/02/2008
أسس الحوار
مفهومه، محدداته، ومعوقاته(*)(3/4)
أ.د.
حسام محي الدين الآلوسي(*)
نظر Speculation
(1) أغلب الظن أن المصطلح العربي لم يستخدم الا في القرن العاشر الميلادي،
وهو يعني ما يتصل بنظرية المعرفة. واغلب الظن كذلك أن الشائع لدى علماء
الكلام ليس المقابلة بين نظري وعملي ولكن بين علم عقلي وشريعة.
(2) في علم الكلام وبالذات في الجزء الخاص بالفرق الاسلامية فان النظر
يعني الجدل (ص698) .
ويسوي طه عبد الرحمن في كتابه ( أصول الحوار وتجديد علم الكلام ط2 بيروت
2000ص 20 ) بين كلمة مناظرة، ومحاورة، واحتجاج، وغيرها مما ورد في تراثنا
العربي غير ان الممارسة الحوارية التي اختص بها التراث الاسلامي العربي
عرفت باسم«المناظرة» ، ويقول ص22، «ان المناظرة ممارسة حوارية الغرض منها
الاشتراك في الوصول الى الحق»، ويعرّف الحوار والمحاورة، بان مقتضى
المحاورة أنه لا خطاب الا بين اثنين لكل منهما مقامان هما مقام المخاطِب
ومقام المخاطب ووظيفتان هما وظيفة العارض ووظيفة المعترض، وقد كانت هذه
الصفة الحوارية للمتكلم داعياً الى حمل الكلام على معنى المكالمة،
والمناظرة والى تسمية«علم الكلام» بعلم «المقالات الاسلامية»ص71 .
وليس كل حوار مناظرة، ذلك ان المناظرة تقيم تقابلاً يتواجد فيه «العارض»
و«المعترض» بالفعالية وهي بذلك تختلف عن الحوار الذي يعرض فيه احد
المتحاورين او المتناظرين على المعروض عليه النتائج التي وصل اليها
والوسائل التي استعملها والذي يسميه طه عبد الرحمن الحوار الحقيقي، وهو
العرض الصادق او الحوار الشبيهي، وهو ان يتظاهر«العارض»بإشراك محاوره
بالمعرفة والنتائج والوسائل (ص 47، 41) والأول هو الحوار العلمي والثاني
هو الحوار الفلسفي، بحسب تصنيف طه عبد الرحمن (ص47) فهو نوع خاص من
الحوار الفعالية فيه للعارض فقط بينما شرط الحوار باطلاق انه فعالية بين
اثنين، ( ص71) .
والحجاج بحسب طه عبد الرحمن ايضا مناظرة، ومحاورة، فالحجاج هو فعالية
تداولية، مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه ومرساها اقناع الغير بصواب
الرأي المعروض او ببطلان الرأي المعترض عليه (ص65-66) ويرى طه عبد الرحمن
ان المناظرة هي الصورة المنهجية للفلسفة ونظر بمفرده وبرهن قّصّر عن غرضه
واغتصب مالسواه»ص 67، 66.
بل ان طه عبد الرحمن في نص طويل يجعل المناظرة تشمل انواعاً اخرى مما
تزخر به اللغة العربية، من خطابات، مثل«خطاب التهافت»و«خطاب التعارض»
و«خطاب الردّ»و«خطاب النقض» وما اليها، بل حيثما وجدت مذاهب ومدارس
واتجاهات في مجال من مجالات المعرفة الاسلامية، كانت المناظرة طريقة
التعامل بينها . وأيضاً تشمل المناظرة ما يعرف في الفقه بباب «الخلاف»
وفي النحو«باب القياس» وفي الأدب«النقائض» كما ان معجم المناظرة في اللغة
العربية يدل على تداول المسلمين لهذا المنهج الجدلي اكثر من غيره في
تحصيل المعرفة وتبليغها ويحتوي معجم المناظرة في اللغة العربية الكثير،
نذكر منه: المناظرة، والمحاورة، والمخاطبة، والمجادلة، والمحاجة،
والمناقشة، والمنازعة، والمذاكرة، والمباحثة، والمجالسة، والمفاوضة،
والمراجعة، والمصارحة والمساجلة، والمعارضة، والمناقضة، والمداولة،
والمداخلة (ص68-69 ) ولنا على ما اورده طه عبد الرحمن
ملاحظات:
الاولى: ان المراجع لما اوردناه عن لسان العرب والصحاح، وسواهما عن بعض
الكلمات القريبة من الحوار مثل الردّ والاحتجاج، والحجاج، والجدل،
والنقاش، والخطاب، والمناظرة يستطيع ان يصل الى نتيجة تخالف هذا التوحيد
الواسع جداً عند طه عبد الرحمن بين حوار ومحاورة وبين ما يرد في معاجم
اللغة واوردها طه عبد الرحمن من حوالي عشرين كلمة أخرى، ذلك أن الحوار
والمحاورة تجري بين طرفين أو أكثر بشكل او باشتراط السعي النزيه وباسلوب
هادئ وبإتاحة الفرصة لكل الاطراف للحديث والنقاش، هذا وغيره هي
الاشتراطات لمعنى الحوار كما سنوردها بعد قليل، لكن الأمر الجوهري انها
لاتتضمن النزاع المسبق، والتفنيد ابتداءً من اجل الغلبة والانتصار الكامل
والتسليم لاحد الطرفين، الخ مما يمكن ان يدركه المتؤمل للكلمات اعلاه،
مما اوردناه واورده طه عبد الرحمن، بجانب كلمة التحاور والمحاورة وهذا
يشمل الكلمات: المناظرة، والمجادلة، والمنازعة، والمساجلة، والمعارضة،
والمناقصة، بينما لاتقترب كلمات مثل المداخلة، والمداولة، والمطارحة،
والمخاطبة، والمذاكرة، والمباحثة، من قريب او بعيد من كلمة حوار، محاورة،
تحاور، لا بحسب المعاجم، ولا بحسب اشتراطات الحوار ولا بحسب الواقع.
الملاحظة الثانية ان طه عبد الرحمن يهدف الى قلب المعروف من احكام حول
طبيعة علم الكلام ومستواه العقلي ووظيفته، ليجعلها ارفع نوع من مستوى
الخطاب الفلسفي والعقلاني فهو يغمر من التفلسف الذي يتخذ مستوى«البرهان»
وليس«الجدل»بحسب تصنيفات ارسطو وفلاسفتنا القدامى مثلاً (ص 71، 67، 66،
65) والحال انه بحسب تعريفات علم الكلام، المعروفة عند الفارابي وابن
خلدون مثلاً ان علم الكلام هو الدفاع عن العقائد الايمانية بالآلة
العقلية فهو دفاع عن مسلمات عقلية مصدرها الوحي، بأدلة عقلية وليس انشاء
فلسفات او ابداعات عقلية حرة منطلقة من قناعات فكرية وعقلية ، ويهدف
الوصول الى الحقائق لاالدفاع عن العقيدة ابتداءاً وانتهاءاً.
الملاحظة الثالثة يصف طه عبد الرحمن ماجرى من مناظرات وحوارات ومساجلات...الخ
متصفة بالانصاف والموضوعية وانها انما كانت لتنمية المعرفة وليس المقصود
منها المنازعة، يقول طه عبد الرحمن: «ان المناظرة لم تلن قط في يد
المسلمين العرب أداة للاشتغال بالمنازعة المقصودة لذاتها، وإنما كانت
وسيلة من وسائل تنمية المعرفة الصحيحة وممارسة العقل السليم، ولما كانت
هذه التنمية المعرفية والممارسة العقلية مطلوبتين في مختلف المجالات،
لاعجب أن نجد المسلمين يتوسلون بالمناظرة عند البحث في هذه المجالات، حتى
إنها غلبت على المناهج الأخرى، بل كادت أن تستقل بزمام المعرفة في بعض
شعب التراث»ص 22، 21، وآخرين 79-70.
ويقول ان المناظرة، وطبعاً هو يشمل بذلك كل المفردات التي مر ذكرها من
قبله وقبلنا، غايتها الوصول الى الحق «ان المناظرة ممارسة حوارية الغرض
منها الاشتراك في الوصول الى الحق»ص22 . وهناك كلام كثير عن أفضلية طريقة
المناظرة في علم الكلام عن طريقة البرهان الفلسفي الارسطي عند فلاسفة
الاسلام، وحتى عند ابن خلدون (ص74، 70، 68) والحقيقة ان بعض حوار
المتكلين بينهم او مع الفلاسفة، او مع الملل الاخرى ربما فيه جوانب
معرفية ولكن حتى هذا الجانب المعرفي جاء ضمن محتوى وهدف حجاجي، غايته
الدفاع عن رأي المتكلمّ واستبعاد وتسفية المخالف، لدرجة اتهامه بالكفر،
تصوّر ان يقال ان النظاّم المعتزلي كفّر استاذه العلاف بعشرين او ثلاثين
مسألة، وحتى لو أخذنا كلمة كفّر بمعنى مجانبتها للصواب والحق الذي يراه
النظّام فهو منهج استعاري ضيق الأفق، وهو يصل عند غير المعتزلة من فرق
اخرى وشخصيات أخرى الى التكفير بمعناه الكامل، اما خطابهم وتأريخهم
للاديان الاخرى وفرقها كما في كتب الملل والنحل اضف الى ذلك الصراعات
العملية الفعلية التي حدثت بين الفرق الإسلامية، واستقواء معظمها بالسلطة
السياسية او الجماهيرية ضد الآخر، وخير الأمثلة، ما حصل من المعتزلة ضد
غيرهم في مسألة خلق القرآن وما حصل لكل الفرق الاخرى ضدهم في فترات لاحقة
عندما انقلب الوضع ضدهم، كذلك بين الحنابلة والاشاعرة، وشاهدها الغزالي،
ويبدو ان ادعاءات مثل ادعاءات طه عبد الرحمن تجعلنا نعيد البديهيات،
ونعيد المعروف والمقبول عبر تواريخ الفكر الاسلامي القديم.
(*) بحث مقدم إلى بيت الحكمة.
(**) مفكر اكاديمي، استاذ الفلسفة في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية.
|