الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الخميس: 21/02/2008

 

أسس الحوار
مفهومه، محدداته، ومعوقاته(*)(1/4)

أ. د. حسام محي الدين الآلوسي(**)
 

لا توجد  أمة لا يكثر تردادها في الآونة الاخيرة على أقلّ تقدير من كلمة «حوار» ففي المنتديات والفضائيات، وكلمّا اجتمع اثنان تتردد كلمات وجمل مثل:
«لغة الحوار»«الحوار بدلاً من القوة»«على طاولة الحوار» «العودة الى الحوار» وهكذا حتى يُخيل للسامع أو القارئ ان كلمة «حوار» واضحة لا تحتاج الى بيان، وان استعمالها هو في مكانه حيثما ظهرت، لكن واقع الحال هو غير ذلك، حيث لكثرة استعمالها في كل شيء أصبحت كلمة فضفاضة تختلط كثيراً بأمور مثل «السجال» و«الخطاب» و«المناظرة» و«الجدل» و«النقاش» وغيرها. وأكثر من هذا يعكس استعمالها الواقعي، عندما يجلس المتحاورون في منتدى او فضائية ، انها غير محدّدة، لدرجة يصل فيها حوار المتحاورين الى الشتائم، وربما التماسك بالأيدي، او على الاقل الى الضيق وعدم الصبر لسماع الآخر، وشيوع روح المغالبة وتسفيه رأي المقابل، بل والانتقاص من شخصه، واستعمال كل طريق ووسيلة لتحجيم رأيه والسعي عن قصد لعدم فهمه ولإتهامه بكل ما يحجب حقيقة الرأي ووضعه في موضع التشويه والإدانة من قبل السامع والرأي العام.
فما حقيقة الحوار، وما محدداته، وما معوقاته؟ وهل هناك نمط واحد للحوار مع اختلاف موضوعات الحوار؟ من سياسي، وثقافي، وفلسفي، وديني، وغير هذا وذاك؟
وهل تتوفر في الحوار الموضوعية، ام انه لسبب او لآخر محكوم بالانحياز والذاتية مهما جهد المتحاور؟ ثم هل يصح الحوار بين اي طرف وآخر، دونما اشتراط لوجود تقارب في الثقافة، ولوجود قاسم مشترك بين المتحاور والآخر؟ ومتى يكون الحوار مناسباً او لازماً ومتى يكون جهداً بلا طائل؟ وما هي محددات الحوار؟ وما معوقاته؟
في عام(2002م) جاءتني دعوة من جامعة فلادلفيا في الاردن للمشاركه في المؤتمر العلمي السنوي الثامن لكلية الآداب والفنون في15 ـ17/4/2003 والذي محوره الأساس هو الحوار، ومفرداته:
1 - الاطار المفاهيمي والمرجعي للحوار
2 - الحوار الثقافي
3 - الحوار الديني
4 - الحوار السياسي
5 - مستقبل الحوار العربي
وبينما كنت في بداية الاعداد للموضوع الأول عن الاطار المفاهيمي للحوار ساءت صحتي وانا في اليمن، ولم أجد مناصاً من الاعتذار.
وليس من قبيل الصدف ان يختار بيت الحكمة قسم الدراسات الفلسفية واللجنة التحضيرية والهيئة الاستشارية«الحوار» محوراً لمؤتمره السابع، ذلك ان العنف مضاد للحوار، والعراق والمنطقة العربية والاسلامية تعاني منذ مدة عنفاً لا يعرف العالم له مثيلاً وانعدمت سبل الحوار بين الاطراف السياسية والدينية في العراق، ولم يجد المثقف فرصة لاحلال الحوار بدل القتل والخطف والتهجير، وكل مفردات الوحشية واللانسانية ، فانكفأ على نفسه يعاني الحسرة والخوف والاحباط.
وقلنا نحن قسم الدراسات الفلسفية لأنفسنا عسانا نشارك في اشعال قبس يهدي الضائعين والغارقين في العنف وغلق آذانهم عن اصوات العودة الى العقل والحكمة ولعل الحوار هو أحد هذه السبل للوصول الى هذه الغاية.
المعنى اللغوي والاشتقاقي لكلمة«الحوار»
ابتداء وقبل الدخول في خصائص الحوار، وشروطه، ومحدداته، وعوائقه تستحسن العوده الى معنى الحوار في اللغة في مقابل عدة كلمات مقاربة او بعيدة عنه مثل جدل، مناظرة، الردّ، السؤال والجواب، الاختصام، المناقشة، التفنيد، وغيرها وعند مراجعة دائرة المعارف الفلسفية، ومعارف الاخلاق والدين، وقاموس اكسفورد الكبير، ثم مختصره، وبعض الموسوعات الاخرى. توجد كلمات بلالانجليزية مقابلة لأمثالها بالعربية مثل:
Dialogue, Dispute, Refutation, Dialectic, Arguments Sophistical Triks, Eristic
إن ما يتعلق بكلمة حوار، محاوره بالذات ، ليس كثيراً في القواميس ومعاجم اللغة، وبدلاً من ذلك يتوجه الكلام، الى كلمة«جدل» وبشيء موجز عن كلمة Dialogue ، ويصعب على الباحث ان يحدد الفروق بين هذه الكلمات فيما تناولته القواميس والمعاجم ودوائر المعارف، ولذلك سنورد بعض ما تقوله هذه المراجع عن هذه الكلمات، بعد ان نوضح ما استطعنا ما اوردته هذه المراجع عن كلمة «حوار».
معنى«الحوار لغوياً» في لسان العرب المحيط للعلامة ابن منظور (دار البيان،  تحت كلمة حور ص750 ـ 752) نجد كلاماً يقع في عدة صفحات عن«حور وتصريفاتها، ومعانيها، وسنركز على ما يتصل بموضوعنا، اي بمعنى الحوار الخاص بالانسان، وليس بمتعلقاته من حيوان ونبات وطبيعة.
«حور: الحورُ: الرجوع عن الشيء الى الشيء، حار الى الشيء وعنه حوراً ومحاراً ومحارهً وحؤوراً: رجع عنه وإليه... الجوهري: حار يحورُ حوراً وحؤراً رجع. وفي الحديث: من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك حار عليه، اي رجع عليه ما نسب اليه،... وكل شيء تغير من حال الى حال، فقد حار يحوُر حوراَ... ابو عمرو: الحورُ التحيّر، والحورُ: الرجوع يقال حار بعدما كار. والحورُالنقصان بعد الزيادة لأنه رجوع من حال الى حال ، وفي الحديث: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، معناه من النقصان بعد الزيادة، وقيل معناه من فساد امورنا بعد صلاحها... قال أبو عبيد، سئل عاصم عن هذا فقال: ألم تسمع الى قولهم: حار بعدما كار؟ يقول انه كان على حالة جميلة فحار عن ذلك أي رجع، قال الزجاج: وقيل معناه نعوذ بالله من الرجوع والخروج عن الجماعة بعد الكور، معناه بعد أن كنا في الكور اي في الجماعة؟ يقال كار عمامته على رأسه إذا لفها، وحار عمامتهُ اذا نقضها وفي المثل: حور في حارة؟ معناه نقصان في نقصان ورجوع في رجوع، يضرب للرجل اذا كان أمره يدبر. والمحار: المرجع ، وكلمته فمارجع الي حواراً  ومحاورة وحويراً ومحورة، بضم الماء، بوزن مشورة اي جواباً... وقيل أرادبه النقص والاخفاق . وأصل الحور: الرجوع الى النقص... وهم يتحاورون أي يتراجعون الكلام. والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، وقد حاوره. أبو عمرو: الأحور العقل، وما يعيش فلان بأحور اي ما يعيش بعقل يرجع إليه... والحور: أن يشتدً بياض العين وسواد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها... والحواريات من النساء: النقيات الألوان والجلود لبياضهن... والتحوير: التبيض. والحواريون: القصارون... وتأويل الحواريين في اللغة الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب... وتأويله في الناس الذي قد روجع في اختياره مرة بعد مرة فوجد نقياً من العيوب. إبن سيده: وكل مبالغ في نصره آخر حاوريّ، وخص بعضهم به أنصار الأنبياء عليهم السلام، قيل لناصر نبيّه حواري اذا بالغ في نصرته... والحواريون: الانصار وهم خاصة أصحابه . وروى شمر أنه قال: الحواري الناصع وأصله الشيء الخالص، وكل شيء خلص لونه فهو حواري... والمحور: الحديدة التي تجمع بين الخطاف والبكرة، وهي أيضاً الخشبة التي تجمع المحالة . قال الزجاج: قال بعضهم قيل له محور للدوران لانه يرجع الى المكان الذي زال عنه... ويقال للرجل اذا اضطرب أمره: قد قلقت محاوره. والحديدة التي تدور عليها البكرة يقال لها محور . الجوهري: المحور العود الذي تدور عليه البكرة وربما كان من حديد، انتهى ما جاء في لسان العرب.

مستخلصات في معنى الحوار في اللغة : فاذا لخصنا ما ورد في لسان العرب وغيره مما ورد ضمناً في شروح لمعنى حور، يمكن الوصول الى المعاني التالية للحوار:
1 - حور وحوار بمعنى الرجوع عن الشيء الى الشيء، وبمعنى النقص وتدن الحال الى الأسوء  ، فهو نوع من الحيرة وعدم اليقين.
2 - بمعنى العجز عن المحاورة او المجاوبة : من قبيل كلمته او رددت عليه جوابه فما حار بكلمة اي عجز عن الرد والجواب.
3 - المحاورة: بمعنى مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة.
4 - الأحور: بمعنى العقل، تقول: ما يعيش فلان بأحور، أي ما يعيش بعقل يرجع اليه، فهنا تتضمن المحاورة شيئاً من التعقل والكلام المبني على تفهم ومعرفة.
5 - الحوار والحواريّ: بمعنى المبالغة في نصرة شيء او شخص وهي احدى عيوب المحاورة، والحوار.
6 - الحواريون: الأنصار، مثلاً حواري عيسى عليه السلام.
7 - والمحور: بمعنى الدوران حول شيء والحديدة التي تدور عليها البكرة ويقال لها: محور.

 فاذا في أصل اللغة، الحوار هو تجلية الامور، وفيه معنى التضاد، كما في الحور وهو شدة سواد المقلة في شدة بياضها.
لا نجد تفاصيل كثيرة حول مفهوم«حوار» كتعريف او كمصطلح، وكما قلنا يختلط كثيراً مع الجدل، على وجه الخصوص، او المناظرة، وما الى ذلك.
في قاموس اكسفورد الموجز Shorter Oxford English Dicthonary اعداد William Little الجزء الاول، وتحت كلمة Dialogue نجد ان معنى الكلمة
1 - محادثة، حديث، نقاشConversation ـ discourse بين شخصين او اكثر.
2 - عمل أدبي في شكل محاورة بين شخصين او متحاورين أو أكثر.
وفي قاموس اكسفورد الجزء الرابع، الطبقة الثانية، نجد تفاصيل اكثر حول كلمة dialogue وكما يلي:
1 - A ـ محادثة بين اثنين او أكثر.
B - مداخلات فكرية، او تبادل افكار Interchange of thought بين اثنين أو أكثر.
C - في السياسة : مناقشات او اتصالات دبلوماسية بين ممثلين لدولتين، او جماعات، وما شابه، وهنا مناقشات بناءه او اتصالات.
D - محاورة الطرشان: مناقشات او لقاءات، وما شابه والتي فيها لا أحد من الطرفين يقهم او يسمع لوجهة نظر الآخر.
2-A- عمل أدبي في شكل محادثة بين شخصين او اكثر.
B - تأليف أدبي بهذه الطبيعة: محادثة مكتوبة ليتحدث بها ممثلون على المسرح وبالاستعمال الآن اسلوب للمحادثة الدراماتيكية او الكتابة.
3 - ومثل هذا تأليف او تكوين موسيقى لصوتين او أكثر.
4 - مؤلف محاورة، او رواية ج 4، ص601.
وفي دائرة معارف الدين ( الجزء الرابع، ص344) تحت الحديث عن مصطلح:( حوار الأديان Dialogue of ieerigious ) يقول في معنى: حوار Dialogce وحده، ما يلي: كلمة حوار تعني ببساطة: محادثة Convertsation، ولو أنه في التأريخ الاوربي الثقافي فان معناها السائد او المهيمن هو انها جزء من عمل مكتوب مؤلف على شكل محادثة. وفي تاريخ الاديان كمحادثة عن معنى الاعتقادات، الطقوس، والاخلاق، بلاشك كان لها وجود، ولو بشكل ليس رسمياً وغير مسجل.ومنذ البداية، او على الأقل منذ أول مجابهة بين النظم الاعتقادية المختلفة، وعلى كل حال فان المصطلح: (حوار الاديان) أصبح شائعاً في مختلف التقاليد الدينية فقط في النصف الثاني من القرن العشرين .

 ان المحاورات المكتوبة سواء عن الموضوعات الدينية أو الفلسفية لها تأريخ طويل، وخير مثال عربي معروف لها هو بلا شك محاورات افلاطون، وخصوصاً تلك التي تظهر فيها مناهج او طرق سقراط بصورة سؤال وجواب، وفي عدة تقاليد دينية يظهر الحوار بين الطلبة او التلاميذ او المديرين وبين معلميهم، والتي هي نوع من الاتصال العميق المبني على اساس من التأمل العميق الجوانيdeepening insights وفي كل هذه المحاورات تظهر سيادة المعلم التي استمدها شفهياً، والمثبته او المعترف بها عملياً ، ويظهر ذلك خصوصاً في التراث الهندي، الهندوسي والبوذي ، ومعظم هذه التعاليم وضعت بشكل محاورات، ونفس الشيء في الموروث اليهودي المسيحي، وفي كل هذه المحاورات من الصعب التحدث عن حوار متعادل بين الطرفين المتحاورين التلاميذ والمعلمين . وفي الادب الغربي تظهر هذه المحاورات مراراً... مثال ذلك مؤخراً محاورات في الدين الطبيعي لدافيد هيوم ص344-345، ونقف الى هنا عند معنى حوار من دائرة معارف الدين، لان باقي الحديث عن تأريخ حوار الاديان.

وترى دائرة المعارف الفلسفية( 2(1) ص385 ) تحت كلمة Dialectic ان كلمة جدل Dialectic مستمد اصلاً من التعبير اليوناني عن اسلوب المحادثةConversation، والذي آتخذ بعد ذلك معاني مختلفة لايمكن ان نجد بينها معنى مشتركاً (وسنعود الى تفصيل معنى جدل لاحقاً، كمصطلح عبر تأريخ الفلسفة) .

 وفي ( معجم المصطلحات العربية في اللغة والأداب، مجدي وهبة وكامل المهندس، مكتبة لبنان 1970، ص86 ) تحت مادة الحوار Dialogue، الحوار: تبادل الحديث بين الشخصيات في متعة او مسرحية، اما الحوار الثنائي، فهو 1- حديث بين شخصيتين في المسرحية الانجليزية 2- مسرحية قائمة على حديث بين شخصيتين .

 ويفسر او يوضح عطية محمد سالم في كتابه( السؤال والجواب في آيات الكتاب في المدينة المنورة 1987 ) ان اسلوب القرآن هو الحوار القائم على السؤال والجواب، مثال ذلك: (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقره 186) هذا السؤال صادر من المؤمنين وروى في اسباب نزوله أقوال أقربها أنه سبحانه لما نزل قوله(وقال ربكم ادعوني استجب لكم)(غافر: 60) قالوا: لانعلم في أي وقف ندعوه، فنزل قوله تعالى: واذا سألك عبادي(ص25).
ويقول المؤلف ان مما يلاحظ ان منهج السؤال والجواب في كتاب الله قد عني بأهم قضايا الانسان، وشمل منهج حياته الخاصة كالانفاق مم ينفق؟ وعلى من يكون الانفاق؟ وأخص من ذلك حيض النساء، والعشرة بين الزوجين، ورعاية الأيتام، كما تناولت مطعمه ومشربه ومكسبه مما أحل لهم وحرم عليهم: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح...) (المائدة:4) ومغانم الجهاد (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)(الانفال:1) وكذلك عن البعث والجزاء والساعة، وعن الماضين، وكذلك محاورة أهل الجنة وأهل النار (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النارأن قد وجدنا ما وعدنا ربناً حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً قالوا نعم...) (الأعراف:44) وتساؤلهم في أنفسهم (قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)(يس:52) . وكذلك: ( واذا المؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت)(التكوير:8-9) .

 وبعنوان (حول شروط وآليات الحوار الفلسفي)(على الانترنيت، ولايعرف الكاتب) وجدت كلاماً طيباًُ، لكنه يستحق المناقشة حول الحوار في جملة نقاط ولنورد اولاً نص ما جاء في الدلالة اللغوية للحوار، ليس للحوار الفلسفي فقط، بل لأي حوار: (الحوار كما تتناولة بعض المعاجم اللغوية يفيد مراجعة الكلام ـ لسان العرب ـ لذا فهو في أبسط تعاريفه وأكثرها عمومية، تبادل الكلام بين طرفين مهمته عرض أفكار ورؤى الأطراف المتبادلة للحديث او المتراجعه للكلام قصد الاقناع او التأثير عن طريق مقابلتها بعضها ببعض، مع ما تستلزمه المقابلة من موازنة او مقارنة وما يترتب عنهما) .  ويرى محمد صحراوي ان الحوار(له خاصية أولى وهي انه يتطلب تعدد الأطراف المشاركة فيه لأن التعدد يعني ضمنا قبول الآخر للتعايش معه والتنازل عن بعض الذاتيات، اذا استلزم الامر ذلك) ( محمد صحراوي ، مجلة علامات في النقد ، مجلد14 جزء ،54 ، 2002) .
الحوار لغة ـ كما نقرأ في بعض المعاجم اللغوية ـ هو مراجعة الكلام ، ويتحاورون بمعنى يتراجعون ، إذن هو نوع من المواجهة بين الأفكار والمواقف ويستلزم التفاعل ، ويضيف محمد صحراوي أن (الحوار يكون مرغوباً فيه الى حد كبير كلما كان الطرف الأخر مختلفاً او بعيداً) . إن الحوار بهذا المعنى يأتي نتيجة الاختلاف لا الاتفاق ، واذا كان الحوار يبني على أسا التعايش كما قيل سابقاً، فانه يأتي ضداً العنف بامتياز).
من جهة اخرى، يرى محمد مصطفى القياج أن (الحوار مناسبة ووضعية تواصلية ينتج عنه ميلاد مواقف جديدة وآراء مختلفة في إطار وسياق يتميز بوجود عقل تواصلي الذي هوالآلية او (الخاصية)الرئيسية لكل حوار حقيقي وصادق لايضع أمامه غاية سوى الغاية المعرفية إنطلاقاً من الإقرار بالاختلاف واحترام الأخر المختلف . كما يشير الباحث نفسه أن الحوار هو أطار موضوعي يتم بحضور لمقولة الحرية من جهة وباستبعاد (احكام مسبقة، المواقف المتميزة، النزوع الذاتي، والذوق النرجسي) انتهى الاقتباس كاملاً.
لقد وضعنا خطوطاً تحت بعض هذا الاقتباس لغرض المناقشة في كلامنا لاحقاً عن طبيعة الحوار وشروطه الفعلية، وليس كشروط مثالية سنجد أطراف الحوار اذا كانت مختلفة كل الاختلاف- وسنضرب امثلة لذلك - يستحيل الحوار. كما انه من الناحية الفعلية لا الاشتراط المثالي للحوار، لايمكن ان يتصف الحوار بالموضوعية ولا بالتخلص من المواقف المتحيزة، والمتخذه ابتداء، ولا من النزوع الذاتي والنزعة النرجسية والسياسية والاعتقادية ، وساعود الى توضيح هذه النقاط لاحقاً بمزيد أمثلة وتفاصيل.
وفي محاضرة لسلمان بن فهد العودة، القيت بتاريخ 7/4/1412هـ والتقطناها على الانترنيت بعنوان:( ادب الحوار) يرى (ان الحوار والجدال والمناظرة كلها الفاظ متقاربة لمعنى واحد، وإن كام اكثرما جاء من لفظ الجدال في القرأن الكريم يطلق على الجدال المذموم، كما في قوله تعالى«وجادلوا بالباطل ليدحظوا به الحق»(الكهف:56)ولكن جاء لفظ الجدل في القرأن أيضاً في مواضع محمودة وهي: قوله تعالى(ولاتجادلوا أهل الكتاب الإبالتي هي أحسن) (العنكبوت46) فهذا جدل بالتي هي أحسن لدعوة اليهود والنصارى الى الاسلام.
ـ قوله تعالى(أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(النحل 125).
ـ قوله تعالى: (فلما ذهب عن أبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط)(هود:74) فكيف جادلهم؟ لما سألهم: أبعثهم اليهم لإهلاكهم؟ قالوا: نعم ، قال: أفيهم مائة مسلم؟ قالوا: لا ، قال: أفيهم خمسون مسلماً؟ قالوا: لا ، قال: عشرة مسلمين قالوا: لا ، قال: خمسة مسلمين؟ قالوا: لا ، قال: فقوم ليس فيهم هؤلاء جديرون بالاهلاك . فهذا ـ كما ذكر بعض المفسرين ـ الجدل الذي حصل من ابراهيم (عليه السلام).
ـ قوله تعالى(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة:1) انتهى الاقتباس.
واضح من الآية الاخيرة ان التجادل والتحاور وردا بمعنى واحد، وان التجادل هو التحاور، بحسب القرآن الكريم.
ويرى صالح بن عبدالله بن حميد في مقال على الانترنيت (بعنوان اصول الحوار وآدابه في الاسلام) ان(الحوار: من المحاورة، وهي المراجعة في الكلام ، و الجدل من جدل الحبل اذا افتله، وهو مستعمل في الأصل لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، ثم استعمل في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها . والحوار والجدال ذو دلالة واحدة، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير)(المجادلة:1) ويراد بالحوار والجدال اثبات حق ودفع شبهة وردّ الفاسد من القول والرأي  . وقد يكون من الوسائل في ذلك: الطرق المنطقية والاقتباسات الجدلية من المقدّمات المُسلمات، مما هو مبسوط في كتب المنطق وعلم الكلام وآداب البحث والمناظرة وأصول الفقه) انتهى الاقتباس.
من الواضح ان المحاورة، والمجادلة او الحوار والجدل ليسا مترادفين، وكذلك الفاظ اخرى مثل المناظرة، والردّ، وكما ذكرنا في اول هذا البحث، لابد من إيراد المعاني لهذه الكلمات التي ترد مع المحاور، او بفروق عنه ، وفيما يلي توضيح ذلك.
في لسان العرب، نفس الجزء السابق:
«جدل: الجّدل: شدة الفتل ، وجدلت الحبل أجدلهُ جدلاً إذا شددت فتله فتلاً محكماً». (يستمر اللسان في صفحة ونصف(419 ـ 420) بتطويل لما جاء في الصحاح ولكن المهم، ولا يوجد في الصحاح ما يلي(والجدل: اللدّد في الخصومة والقدرة عليها، وقد جادله مجادلة وجدالاً. ورجل جدل ومجدل ومجدال: شديد الجدل، ويقال جادلت خاصمت ، مجادلة وجدالاً، والأسم: الجدل وهو شدة الخصومة ، وفي الحديث:( ما أوتي الجدل قوم الاّ ضلّوا) . والجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به لا إظهار الحق فان ذلك محمود لقوله عزوجل: ( وجادلهم بالتي هي احسن) . ويقال : انه لجدل ، اذا كان شديد الخصام. والمجدل: الجماعة من الناس قال ابن سيده: أراد لإن الغالب عليهم اذا اجتمعوا أن يتجادلوا... ويقال للرجل الذي يأتي بالرأي السخيف: هذا رأي الجدّالين والبدّالين( ص420 والكلام يستمر حتى ص421 )ملاحظة : واضح هنا ان الجدل والمجادلة تعني الخصومة الشديدة والمغالبة ليس بالحق. فإذا هذا شيء والحوار والمحاورة شيء آخر بحسب المعنى اللغوي.

(*) بحث مقدم الى بيت الحكمة.

(**) مفكر اكاديمي، استاذ الفلسفة في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية.