|
|
الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة» |
|
الأربعاء:
30/01/2008
الدرس التأريخي (الموآرخة/ Inner history)
بحث في سوسيولوجيا البناء على الزمن(2/2)
أ.د متعب مناف(*)
المجتمع والدولة وتنازع عائدية
التاريخ:
وتطويرا لتوضيح عائدية التاريخ للمجتمع أو الدولة فإننا لانفهم هذا
التاريخ إلا بحدود الماضي وليس غريبا أن يكون تعبير (ماضي) في احد
مدلولاته في لغتنا: القطع والبتر والحسم والحزم. فسيف ماض معناه حاد قد
يصل بحدته إلى حد الفيصل بين الحق الباطل، أي أن يقطع بينهما. وجزء مهم
من ثقافتنا السياسية المتوارثة والتي تشارك فيها منطقتنا أن السيف يعني
الحكم والسلطة والقوة والرهبة والتسلط والسيادة. يقابل مثل هذه التعبيرات:
ساف، ساس، وساق، وقد يكون السوق بالعصا (لو كان لهذا الفتى أب لساق العرب
بعصاه) فالأب /التراث/ الماضي / التاريخ هو الذي يمد (الراعي) بالعصا
الغليظة التي يسوق بها الناس،فكيف إذا تحولت هذه العصا إلى سيف؟
هذه الدلالات الخاصة (بعصا التبختر) التي يمكن أن تتحول إلى سيف يمثل
الدولة /السلطة/ تقابلها مرموزات أخرى تمثل: العامة، الناس، الرعية،
التابعية، الشعب، التي يمكن استيعابها بمدلول اكبر، هو: السفينة، مما
يؤسس لثنائية قد تصل إلى التشابك والازدواج هي: السيف والسفينة.وهذه
الإشكالية /الازدواجية: سيف وسفينة والتي ازداد السيف فيها مضاء وتراجعت
السفينة إلى حد الخنوع والاستكانة لحظتها عقول نافذة لها حضورها الفكري،
منها ابن خلدون عندما نظر بتفرد إلى علاقة السيف بالسفينة غير المتوازنة
من زاوية الاقتصاد (المال وتدبيره).
وهاجس ابن خلدون يحركه سؤال مربك هو: لماذا لاتتطابق قوة الدولة /السلطة
في سلوك العرب/ المسلمين مع غنى /ثروة هذه الدولة وسلطتها؟ وبمعنى آخر
فان قوة الدولة في فقرها وضعفها في غناها، وان القوة صنو القبيلة والغنى
قرية المنزلة، لذا فان قيام الدولة يعني وضع القبيلة في المنزلة قبل
المدينة. لقد أشر ابن خلدون دخول غنى الدولة في علاقة السيف بالسفينة أو
ما اسماه في حياة الدول (في الموقع الثالث بعد الظفر بالبغية (الأول)
والاستبداد (الثاني)، وقبل القنوع والمسالمة (الرابع) والإسراف والتبذير
(الخامس).ويصف ابن خلدون الطور الثالث كالآتي: وهو طور الفراغ والدعة
لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل وتخليد الآثار
وبعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات
والقصد فيها ويشيد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة
والهياكل المرتفعة مع التوسعة على حاشيته في أحوالهم بالمال والجاه...
وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة)(ابن خلدون /المقدمة
/176).
فالعلاقة بين السيف (الدولة) والسفينة(العامة/الشعب) إنما تحكمها ادوار
هي:
1- دور الظفر بالبغية: وهو يمثل فرصة الاستحواذ على الدولة.
2- دور الاستبداد: وهو يمثل التمكن من البغية (السلطة) التي تم الظفر بها
والقضاء على كل من يقف بالضد من تفرد الظافرين.
3- دور الفراغ: وفيه تبدأ ثروة الدولة بالتراكم الذي ينعكس في ترفعها
وإعلاء معمارها وقدرتها على توزيع الفائض من الجاه والغنى الذي وصلته بعد
فترة من الاستبداد.
4- دور القنوع والمسالمة: وفيها تحل الثروة مكان القوة ويتراجع السيف في
مضائه.
5- دور الإسراف والتبذير: وفيها تنحط الدولة وتضعف سلطتها وتتراجع شوكتها
مما يؤذن بأفولها.
هذا هو المنظور الخلدوني لما تم تأكيده من أن قوة الدولة في فقرها وضعفها
في غناها، مما يكرس أسبقية القبيلة على المدينة. فهل كتب علينا عراقا
وشرقا أن نحيا فقراء؟ أو على الأقل نسلم إذا أردنا بناء دولة/ سلطة بأن
استمرارها في فقرها وأنها تعيش سلسلة من المحن والأزمات، لأن نفي مثل هذه
المعاناة يعني التحول إلى الاستقرار وما قد يجلبه من ثروة وغنى وتنوع
ومسالمة وإسراف وتبذير لابد وأن يقود إلى الانحطاط؟ وبذلك نتجاوز حقيقة
هي إغفال الجانب الهش في المعمار الفكري الخلدوني والحلقة الأضعف التي
تناسلت منها وعنها كل الازدواجيات والإشكاليات التي وقع بها ابن خلدون
وأوقع بعده أجيالا من المفكرين ممن ورثوا التراث الخلدوني دون أن يفككوه
ويعيدوا بناءه.
لقد كان الأقرب إلى الفكر الخلدوني الدكتور علي الوردي وبالأخص ما كتبه
عن ابن خلدون في العام(1962) قارئا ابن خلدون من خلال (منطقه) أي معماره
العقلي، إذ وجد فيه ما يمكن أن يكون الحامل لأهم افتراضاته (النظرية)
الخاصة بالبداوة والحضارة (التحضر) التي وصل بها إلى حد المد والغلبة دون
أن يلحظ الإرباك الذي ورطه به إلى حد استنساخ فكره، وبالأخص حشر (الاستبداد)
كمرحلة ثانية في نسقه المعرفي / النظري والذي فهمه بأنه التمكن من البغية
(الدولة /السلطة) التي تم الظفر بها (استيلاء) ثم القضاء على كل من يقف
بالضد من تفرد الظافرين.
وابن خلدون في هذا يشرعن قبل أن ينظر للمتغلبين ليزيدهم تمكنا، وبذلك وقع
الدكتور علي الوردي بنفس الشرك الفكري الذي أوقع ابن خلدون نفسه فيه.
وانسحب مثل هذا التصور أو الخيال الخلدوني على مفكر معاصر بارز هو
المغربي محمد عابد الجابري الذي استبدل الاستبداد الخلدوي في بناء الدولة
/ السلطة بالدولة القطرية/ القومية/ الوطنية وحاول هو الآخر أن ينظر
لفشلها بأنها تقع ضحية لما سماه إشكالية (تراث أو أصالة/ معاصرة) فإما أن
تكون تراثيا أصيلا وتبقى في حدود الماضي والماضوية بعيدا عن الحداثة وما
بعد الحداثة تختلط عليك لغة العصر ويزل حوارك معه إلى مستوى (حوار
الطرشان) أو أن تتحول إلى المعاصرة بكليتك، عندها تفقد هويتك الذاتية
وتتنكر لأصالتك. وبذلك أعاد الجابري إنتاج الاستبداد الخلدوني فحوله إلى
أصالة / معاصرة إذ لابد من أن تكون دولتنا قوية تصل إلى حد الاستبداد لكي
تدلل على فاعليتها في الوقت الذي يتوجب عليها (الدولة) أن تكون عصرية أو
معاصرة لكي يقبلها راهن العصر وبالتالي يمكن أن يعبر بها البحر المتوسط،
فتتخلص بذلك من حزام الركود الحضاري الذي يعيشه جنوب هذا المتوسط.
والوردي والجابري وكتاب المستقبل العربي ومفكرو مركز دراسات الوحدة
العربية الذين عملوا لوضع مشروع قصد منه استشراف مستقبل الوطن العربي
والذي أهم محاوره ((المجتمع والدولة)) إنما صدر عن المحنة الخلدونية التي
عكست تجربة ابن خلدون (الصحراوية/ البدوية)، المغاربية مضمنا إياها في
تنظيره للدولة والمجتمع والتي بلغت ذروتها فيما وصل إليه من انه لابد لكل
مجتمع من دولة وهو الشعار الذي يظلل معظم ما كتبه الوردي(بداوة /حضارة)
أو الجابري (أصالة/معاصرة).
وأنا أقول إن هذه حلقة مفرغة إن لم تكن دائرة (ملعونة) الخروج منها هو
التأكيد على أن لابد لكل دولة من مجتمع، والتوجه إنما يكون لبنا الأمة
وليس الدولة. والفرق شاسع بين المقولتين، لأن (لابد لكل مجتمع من
دولة)إنما يكرس قوة الدولة وضعف المجتمع ويحيي التوجه الاستبدادي
الخلدوني، أما مقولة (لابد لكل دولة من مجتمع) فانها تحول دون الاستبداد
وتنزع من الدولة تسلطها وبالتالي التأسيس للمشروع الديموقراطي، ما يؤذن
بولادة المجتمع المدني الذي يحمل فعل الدولة دون قوتها.
إن التحول من قوة الدولة إلى فعل المجتمع انما يؤسس لتوجه جديد في المتصل
التاريخي/ الاجتماعي، يكون مناسبا له المؤارخة بآليتها الخاصة بالتعابر
التاريخي، فالذي يقف بالضد من هذا التعابر هو قوة (تسلط الدولة) وضعف
المجتمع (خضوعه) مما يكرس بقاء الاستبداد وذلك بإعادة إنتاجه لأن الماضي/
التاريخ يمثل الدولة وسلطتها أما الحاضر فانه يمثل المجتمع وفعله.
خلاصة واستشراف:
إن تقديم فعل المجتمع على قوة/ تسلط الدولة يمكن من تدارك المراحل
المتراجعة في التنظير الخلدوني والتي أرجعها ابن خلدون إلى غنى الدولة
الذي فهمه متقاطعا مع قوة القبيلة على المدينة.
وحقا فان الاستبداد (السياسي) إذا اقترن بالغنى والثروة فان المال يقوي
ذراع الاستبداد وتبدأ الدولة تشتري شرعيتها بعد ان كانت تنفذ إليها من
خلال التغلب والاستيلاء، وفي كلا حالتي سلب(غنيمة) الشرعية أو شرائها
بالمال فان أمم الشرق ومنها العراق لايمكن أن تدخل في محاولة لبناء (مشروع)
دولة، إذ تقف محاولتها وفي أفضل الأحوال، عند حدود تشكيل هذه الدولة،
التي لا تلبث أن تنقلب وبفعل هشاشتها إلى سلطة تستدعي حاضرا الاستبدادية
التاريخية لأبن خلدون.
إن تعزيز دور المجتمع والمجتمع المدني بالذات يمكن أن يكون احد الأسباب
التي تحول دون تحول الدولة إلى سلطة (تغويلها) فالمجتمع المدني الذي يمثل
وبفاعلية المجتمع الأصل (الاجتماعي) إنما يعمل كرقيب على الدولة يدخل
اللعبة السياسية معها ـ ليس بالضرورة معارضا ـ يشاركها فيها من الداخل في
وقت يسقط فيه المال في تحركه وبذلك نخلص المال والمال العام بالذات من
الضياع، والفصل بين الحاكم وتسلطه ليس على الناس وانماعلى أموالهم. إن
محنة من يمتلك المال العام هي الأخرى احد نواتج الاستبداد والاستبداد
السياسي بخاصة، لأن من يتحكم في رقاب الناس يمكن أن يتحكم في أموالهم.
ولكن ما يترتب على هذا السلوك للحاكم ودولته/ سلطته انه يجمع بيده السلطة
على رقاب الناس وأموال العباد فإذا انقضى عهده وزال ظله، فان المال
والمال العام يصبح يتيما لا اب له بموت الحاكم الذي حقق ملكيته/ أبويته
عن طريق الغلبة والتسلط والاستبداد.
وهذه هي سمة مال القبيلة، مصدره الاستيلاء الخلدوني، أو الريع النفطي،
يراد له أن يحجب عن المدينة التي توسع قاعدة المشاركة في المال على أساس
التعددية ويكون هناك مال القبيلة للحاكم ومال المدينة للمجتمع. وبذلك
يتحول مال الناس الذي كنزه الحاكم لنفسه أو بقصره أو البنوك الأجنبية
بدمجه بين (الميزانية وبيت المال) إلى مال يتيم بالفعل ما يجعله سائبا
يمكن أن تمتد إليه كل يد.
قد يكون هذا احد أهم محركات التعدي/ سلب المال العام تحت مسميات (الفرهود)
في العراق أو (البلطجة) في مصر وبذلك يمتد الاستبداد الخلدوني ليس إلى
إضعاف الدولة لأنها وصلت إلى مراحل متقدمة في الثروة والغنى والتي يمكن
أن توسع من استثماراتها وترفه عن ناسها, وإنما يتحول الاستبداد الذي حمى
الدولة/ السلطة بالقوة والتعسف إلى حافز لنزع الثروة عنها بعد أن غابت
القوة منها بفعل غياب الحاكم الأبوي مما يتحكم معه إعادة إنتاج الاستبداد
الخلدوني والبدء ثانية من صفر العصبية.
وهذا ما يقف دون بناء مؤسسات للدولة أو دولة مؤسسات ويحول دون تراكم
الخبرة لها إلا إذا تم الفصل بين الدولة والسلطة. واتخاذ الديموقراطية
أسلوبا في التعامل يحقق غاية قد تكون مثالية ولكنها في متناول الواقع،
وهي تحويل الصراع وفي مجتمعنا بالذات إلى تنافس.
وبالفصل بين الدولة والسلطة وتحويل المال العام من القبيلة إلى
المدينة(المجتمع) والالتزام بالديموقراطية في العمل والتعامل يمكن امرار
التفاعل بين الدولة واسها(شعب/ مجتمع) من خلال المجتمع المدني مما يؤشر
وبفاعلية الخط الفاصل بين الماضي والحاضر، عندها يمكن الأخذ بالمؤارخة
وتفعيل آليتها الخاصة بالتعابر.
(*) مفكر وباحث اكاديمي، أستاذ في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية.
|
|
|